المطالبة بنشر الجيش اللبناني في الجنوب

أهداف خبيثة وراء دعوة باطلة

حسين عطــوي

 الوطن القطرية 2/6/2000


بعد اندحار قوات الاحتلال الصهيوني عن معظم المناطق اللبنانية في الجنوب والبقاع الغربي، طرح على الملأ وعلى نطاق محلي ودولي، موضوع نشر الجيش اللبناني في المناطق المحررة، وقد تصاعدت الدعوات الى نشر الجيش خصوصا بعد فشل خطة تسلم قوات الطوارىء الدولية المواقع التي اخلتها قوات الاحتلال، لمنع دخول المقاومة اليها، والاسئلة التي تطرح في هذا المجال:

من هي الاطراف او الجهات التي تطالب بنشر الجيش اللبناني بهذه السرعة في الجنوب اللبناني؟

وما هي الاهداف التي تسعى الى بلوغها من وراء ذلك، وهل هي تستهدف الحرص على لبنان وشعبه ام العكس تماما؟

وما هو موقف الدولة اللبنانية من هذه المسألة، وهل من مصلحة لبنان نشر الجيش على الحدود مع فلسطين المحتلة، ام لا؟

هل هناك علاقة بين الامن في المناطق المحررة وانتشار الجيش، ام ان الامر هو على النقيض تماما من ذلك؟

وهل الضغوط الدولية سوف تؤدي الى تحقيق اهداف اصحابها؟

اولا: الاطراف والجهات التي تضغط لنشر الجيش اللبناني في الجنوب هي: "اسرائيل"، واميركا، وفرنسا وبعض الجهات اللبنانية.

"اسرائيل"، والولايات المتحدة الاميركية، تريدان نشر الجيش من اجل تحميله مسؤولية امن الحدود الدولية، وبالتالي حماية الكيان الصهيوني، وما يعنيه ذلك من تحويل الجيش الى اداة قمع للمقاومة ونزع سلاحها.

ووجود الجيش في الجنوب بنظر تل ابيب وواشنطن يحوله الى وسيلة ابتزاز تستخدمها اسرائيل ضد لبنان، في حال حصلت عمليات للمقاومة تهدف الى تحرير ما تبقى من اراض لبنانية محتلة خصوصا مزارع شبعا.

اما فرنسا فهي لاتزال تحاول العودة الى لعب دور الام الحنون تحت غطاء الظهور بمظهر من يريد حماية المسيحيين اللبنانيين، واثارة المخاوف والحذر، وهي لا تخفي انها تريد موافقة لبنان على ارسال الجيش الى الجنوب، والقبول بنشر قوات فرنسية في البلدات والقرى التي تقطنها اغلبية مسيحية بحجة حمايتهم.

والتهويل الذي تستخدمه باريس وواشنطن يتجسد في التهديد بعدم التجديد لقوات الطوارىء فترة ستة اشهر اضافية اعتبارا من 31 يوليو/تموز المقبل اذا لم يوافق لبنان على مطلب نشر الجيش اللبناني.

الاطراف الداخلية: تسعى بعض الاطراف الداخلية في لبنان التي هي على علاقة وتنسيق مع باريس وواشنطن، من خلال ممارسة الضغوط لنشر الجيش، بهدف خلق مناخات للاستقواء بالعامل الخارجي من اجل تحقيق امرين:

1- تبهيت انتصار المقاومة واظهارها على انها مقاومة طرف من اللبنانيين وليست مقاومة الشعب اللبناني كما اكدت التطورات بعد التحرير.

2- تعديل موازين القوى الداخلية لصالح استعادة هذا الفريق الداخلي دوره في الساحة، الذي تخلى عنه وبالتالي الانقلاب على الانجازات التي تلت توقيع الوفاق الوطني "الطائف" وتبلورت بشكل واضح بعد مجيء الرئيس اللبناني العماد اميل لحود الى سدة الرئاسة.

3- الاساءة الى الاجماع اللبناني والوجوه الوطنية التي تجلت بأبهى صورها في احتضان المقاومة وتحقيق نموذج حضاري وراقِِِِ من التحرير قل نظيره في التاريخ.

ثانيا: الموقف الرسمي اللبناني، رفض هذه المطالب المحلية والدولية لانها لا تنسجم مع مصالحه وتخالف ما نص عليه القرار الدولي رقم 425.

وينطلق لبنان في موقفه هذا من قناعة تخالف وجهة نظر الداعين لنشر الجيش تماما، وهي ان لبنان لا يرى ان مبرر وجود المقاومة وسلاحها قد انتفى، لان هناك اراضي لبنانية لا تزال محتلة، وهو جرب سابقا الوسائل الدبلوماسية او انتظار الامم المتحدة لاجبار اسرائيل على الرحيل عن اراضيه، لكن دون جدوى، ولجأ الى المقاومة المسلحة وتمكن بفضلها من هزيمة الاحتلال، وهو اليوم مقتنع ان تحرير ما تبقى من ارضه لن يتحقق الا باستمرار المقاومة، كما ان لبنان ليس مستعدا لاغلاق ملف الصراع مع "اسرائيل" ، فهو يلتزم وحدة المسار والمصير مع سوريا التي وقفت الى جانب لبنان ورعت وحمت المقاومة منذ اليوم الاول لانطلاقتها وبالتالي لن يقبل بالمحاولات الاميركية الاسرائيلية لفك المسارين ومحاولة استخدام لبنان وسيلة لعزل سوريا، ولذلك ما لم يحصل سلام عادل وشامل على قاعدة انسحاب اسرائيل من كامل الجولان وتحقيق حل عادل للقضية الفلسطينية وعودة اللاجئين الفلسطينيين الى كامل فلسطين فان الصراع لا يمكن ان يقفل او يتوقف.

ثالثا: اما محاولات البعض اقناعنا ان هناك علاقة بين نشر الجيش وتحقيق الامن، فانها محاولات تنقضها الحقائق والوقائع اليومية، فالمناطق الجنوبية والبقاعية المحررة، شهدت ومنذ الايام الاولى امنا واستقرارا عكسا اجواء من الوحدة الوطنية، وبرهنت ان ما كان يحكى عن مخاوف وفتن، ليس له اساس من الصحة او الواقعية فالامن تحقق بفضل الحس الوطني العالي، والمسؤولية الوطنية التي تمتع بها المقاومون، والمسؤولون في مؤسسات الدولة الذين سارعوا فورا الى زيارة البلدات المحررة وتطمين المواطنين.

وهذا يكشف للقاصي والداني ان الامن لم يكن هاجس المطالبين بنشر الجيش اللبناني، والامن لا يرتبط بانتشار الجيش او عدمه، كما اكدت التجربة فالامن لا يتحقق الا اذا توافرت ارادة وطنية شعبية ورسمية وانتفت مشاريع عوامل الفتنة التي سقطت اليوم مع رحيل آخر جندي من جنود الاحتلال وانهيار ميليشيا لحد.

رابعا: يجمع المراقبون والمتابعون لمجريات الاحداث والتطورات التي شهدها لبنان في السنوات الاخيرة، ان لبنان بات يتمتع بصفات ومزايا تجعله قادرا على مجابهة الضغوطات واحباط اهدافها في النيل من انتصاره ووحدته الوطنية وهذه الصفات والمزايا تتجلى في:

1- المقاومة التي انتزعت شرعيتها الشعبية والعربية والدولية، من خلال انجازها الانتصار على اقوى جيش في المنطقة، وما يعنيه ذلك من اسقاط للمنطق الذي كان يعتبر المقاومة، مصدرا لاستمرار المعاناة، وتأكيد الحقيقة وهي ان المقاومة اثبتت انها اقصر الطرق للخلاص من الاحتلال المسبب لكل معاناة ومصائب اللبنانيين.

2- لبنان اليوم بات موحدا اكثر من اي وقت مضى وتتجلى هذه الوحدة في :

الانسجام والتناغم ما بين الدولة والمقاومة، حيث لأول مرة في تاريخ لبنان يحصل انسجام وتوافق وقناعة مشتركة على المستويين الرسمي والشعبي، خصوصا في عهد الرئيس اميل لحود، في مواجهة العدو الصهيوني وبالتالي تتحول الدولة وبشكل واضح دون مواربة الى مقاومة في مجالها، تحتضن المقاومة وتدعمها باعتبارها مقاومة كل لبنان وحقا شرعيا يمارسه الشعب اللبناني لتحرير اراضيه المحتلة.

الوحدة الوطنية التي تعززت في السنوات الاخيرة، من خلال التفاف اللبنانيين حول المقاومة كخيار لردع المحتل وتحرير الارض واستعادة الحقوق، وقد ترسخت هذه الوحدة بصورة كبيرة لا سابق لها، من خلال النموذج الذي قدمته المقاومة في عملية تحرير الارض، حيث تمتع المقاومون بأعلى درجات الانضباط والحرص على الوحدة الوطنية والتسامح عالي المستوى لتفويت الفرصة على المصطادين في الماء العكر وهذا النموذج شكل حصنا منيعا في مواجهة المخططات التي كانت تهدف الى خلق شرخ بين اللبنانيين، عبر النفخ في قضية العملاء تحت اكذوبة ما يسمى بحقوق الانسان، لإيجاد مبرر لتدخلات خارجية تعزز وتكرس هذا الشرخ، معيدة لبنان الى الماضي البغيض الذي دفنه الى غير رجعة.

قناعة اللبنانيين التي تأكدت بان "اسرائيل "هي عدو لكل فئات الشعب اللبناني، حيث اظهرت التجربة ان "اسرائيل " ليست عدوة لبنان فقط، بل انها غير مستعدة ان تقدم المساعدة حتى لمن وقف الى جانبها، وحولوا انفسهم الى اكياس رمل لحماية احتلالها للارض اللبنانية، وهذا ما ظهر بوضوح لجميع اللبنانيين، فاسرائيل لم تكن يوما ولن تكون، الا مصدر فتنة للبنان، ومركزا للتآمر والتخريب عليه، وهذا الكلام لم يعد يقوله فقط المقاومون والوطنيون بل حتى اولئك الذين كانوا يعتقدون الى الامس القريب أن اسرائيل ستكون مخلصهم وقارب النجاة لهم، يقول احد قادة الميليشيا العميلة المنهارة، المعروفين روبين عبود في تصريح لصحيفة "لوموند" الفرنسية ما حرفه: "انتم اليهود شعب اوغاد وناكر للجميل وجدير بالاحتقار، رئيس حكومتكم خائن وكلب مسعور، سوف نربي اطفالنا على كراهية اسرائيل، ونرضعهم حقدنا عليها، لا يمكن الوثوق بباراك فهو سوف يبيعكم انتم ايضا، بعد جنوب لبنان سوف يأتي دور الجولان".

لكل هذه العوامل مجتمعة فان لبنان بات عصيا على التدخلات الخارجية اللاعبة على تناقضاته الداخلية التي كانت في السابق مرتكزا لهذه التدخلات، لكنها اليوم لم تعد موجودة، الا في اذهان البعض الذين لم يدركوا بعد على ما يبدو، المتغيرات التي شهدها لبنان في السنوات الاخيرة.

وبالتالي فان لبنان الذي كان في اكثر اوقاته انقساما وتفتتا عندما كان يعيش حربا اهلية، وعندما كانت جيوش الاحتلال جاثمة على معظم اراضيه، وكانت جيوش الاطلسي، رابضة على ارضه، ونيوجيرسي تقذف بحممها العديد من المناطق اللبنانية، عندما كان ذلك الواقع، فان لبنان تمكن من هزيمة المشروع الاسرائيلي الاميركي الغربي، وهزم الاطلسي واسقط 17 ايار المشؤوم وفرض على العدو الصهيوني التراجع تلو التراجع، وعليه فمن المستحيل ان يقبل اليوم بما رفضه بالامس، وهو بات يملك وحدة راسخة، وجيشا وطنيا منصهرا وقيادة حكيمة وشجاعة وصلبة في مواقفها الوطنية والقومية، ومقاومة منتصرة، من المستحيل ان يقبل بما رفضه ايام الشرذمة والانقسام.