كيف يعيش فلسطينيو الجليل في شعب ودير الاسد وترشيحا

ريم عبيدو


عن "النكبة المنسية" تكتب ريم عبيدو في الذكرى الخمسين للنكبة، وستكشف لنا امرأة فلسطينية تعيش في الضفة الغربية حكايات المأساة المستمرة، وتأخذنا في رحلة الى القرى والمدن داخل "فلسطين 48". كيف هي؟ وماذا بقي منها؟

شعب

قرية شعب فيها العجب. كانت تسكنها طائفتان مسيحيتان وقليل من المسلمين، اما الان فعدد سكانها 4000 نسمة ليس بينهم سوى عائلة مسيحية واحدة قصتها اعجب.

وهناك جنوب شرق القرية، كنيسة مهجورة يتميز بناؤها عما حولها، لكنها من دون برج او اجراس ايضا، يبدو انها مسكونة، طرقنا الباب المصفح بالواح الزنك… فاذا بفتاة يافعة تفتح الباب وخلفها عجوز يبدوا عليه الاعياء، رحب وقدم قهوة سادة حاضرة عند الموقد، لكنه رفض الحديث وكان يكرر جملة واحدة" اهلا وسهلا في بيتي". ويؤكد انه ليس بالامكان تصوير المكان الا بتصريح من البوليس. البيت الكنيسة مليء بقضبان الحديد ومواد البناء يحتفظ بها منذ عشرات السنين للوقت الذي تسمح له الحكومة "الاسرائيلية" بالبناء. ماذا في تصويرها انها ليست ثكنة عسكرية؟ اسأل. "لا أعرف، ولكنها ملكي. لا استطيع البناء على ارضها. معي شهادة من الحاكم العسكري اني ما تركت شعب.. بعد خمسين سنة ما بقدر اعمر. انا مش قد الحكومة… بالزمان كانوا يركضوا على الخيل او بالسيارة يخبروا الحكومة، اليوم بالتليفون ! البيت بيتكم بس بلاش تصوير… فيه كنيسة قاحلة… روحوا صوروها". يبدو ان العجوز ليس الوحيد الذي يخاف. فلا احد هنا يثق سوى بابناء قريته القديمة التي عاشوا فيها قبل الهجرة.

الكنيسة الثانية، تهدم جزء منها وانكشف داخلها، و"لا احد يهتم". والجواب :"لم يعد هناك مسيحيون في شعب". بهذه الكلمات اجاب عجوز يسكن بالقرب منها اسمه خليل طه، وله قصته ايضا مع جنود الاحتلال.

عام  1948 " هرب طه مع من هرب الى لبنان، بينما لجأ اهله الى قرية البعنة… تسلل عائدا فامسك به. كان يطرد الى الحدود ويعود، مرة الى لبنان واخرى الى اطراف مرج بن عامر. سجن ثلاث مرات وعذب كي لا يعود، لكنه عاد، فكيف لا يعود وقد ترك زوجته وبنتا رضيعا؟ واخيرا بعد احدى عشرة سنة حصلت له زوجته على جمع شمل وعاد ليبقى، ولكن ليس في بيته، وانما في بيت اخر استأجره من حكومة "اسرائيل" لمدة 49 عاما.

بيوت شعب ليس فيها قديم الا القليل، معظمها حديث لا يشبه بعضه البعض، جزء من حجر وجزء من طين. شوارع ضيقة بعيدة عن الخط المستقيم بالكاد تمر منها السيارة.

ولا ذاكرة لسكان شعب عن شعب، فهم إما من بدو الحولة او لاجئون من قرى اخرى اليها. فغالبية اهل شعب في البعنة او دير الاسد، واهل البصة تحولوا لاجئين في معلية او فسوطة او ترشيحا، واهل ترشيحا في شعب. والقرية التي كان يسكنها مسيحيون طرد اليها مسلمون وبالعكس. فوضى عارمة زرعتها حكومة "اسرائيل" في ظل صراعها على الارض، وبهدف محو مفهوم الارض والانتماء اليها من ذهن الاجيال التي ولدت بعد النكبة. ولكن ابناء واكيم الصغار يزورون البصة باستمرار الى درجة ان ابنته الصغيرة، 11 عاما، تولت مهمة الدليل احيانا. وسكان شعب الحاليون لا يستأمنون الا اهل قريتهم الاصلية. والشخص الوحيد الذي لم يخف وتحدث هو طه. فروى ما حصل ليلة الهجوم على شعب وكأنه يستعيد حادثة حصلت بالامس "كيف انساها، وانا اعيش فيها (…) كلما رحت من ناحية البروة اتذكر كيف هجم اليهود ساعة المغربية والناس على مائدة الافطار. الله لا يعيده من يوم. كانت الدنيا رمضان. اطلقوا الرصاص والقوا قنبلتين على منزل علي موسى ورشيد حسن فدمرا. دخلوا بيوت القرية بيتا بيتا واخرجوا من فيها. امرونا بالتجمع حول البركة. اخذونا في شاحنات الى حدود لبنان بعدما صاحوا في النساء وامروهن باخلاء القرية".

انتصار سعيد الاسدي من قرية شعب سابقا التقيناها في دير الاسد فاكملت الحكاية :" لملمت امي وجدتي بعض الاغراض ووضعتها في صرة.

هربنا الى حقول مرج الكروم تحت الشجر. مكثنا هناك يومين. كنا جوعانين وعطاشا. اكلنا اوراق الشجر. كان عمري 11 سنة واخوتي اعمارهم اربع وثلاث سنوات، والصغير خمسة اشهر. شهدنا القرية من بعيد وهي تحترق. بعد يومين هدأت الامور. ارسلتني امي مع نساء القرية لاحضار الطعام من البيت. مكثنا في الاحراش اكثر من شهر. نصبنا الخيام من اغطية السرير. عشنا فيها حتى سقطت البعنة ودير الاسد. حاصرنا اليهود واخذونا هناك".

وفي منحدر البعنة - دير الاسد، قال نصر الاسدي، "جمعونا نحن واهل القرية. فتشونا وسرقوا كل ما نملك، ساعات وخواتم ونقودا. لوح الجميع بخرق بيضاء" ولكن اليهود اختاروا اربعة شباب" اثنين من دير الاسد واثنين من البعنة بينهم مسيحي. اطلقوا الرصاص عليهم وقتلوهم. ثم فصلوا الرجال عن النساء. بقينا طوال النهار في ساحة القرية. كنا عطاشا وجياعا. اخذوا نحو 200 شخص اسرى. اعطونا مهلة نصف ساعة فقط لمغادرة المكان. مشينا بضع ساعات حتى وصلنا الى ساحور. كانت الطريق مليئة بالمهاجرين، نساء واولاد واطفال وبهائم، الكل يتحرك صامتا او مولولا نحو الشمال. المرأة لا تجد زوجها والولد بلا امه".

دير الاسد

قرية دير الاسد ملتصقة بالبعنة، لا سور ولا شارع ولا علامة تفصل بينهما. مسترخيتان في حضن الجبل وكأنهما واحة في بحر. تنسب الاولى الى الشيخ محمد الاسدي، وهو شيخ صوفي، كما يؤكد المحامي نصر الاسدي، من سلالة السلطان عبد القادر الجيلاني مؤسس الطريقة الصوفية. وله مقام في بغداد. وتدور حول حياته الاساطير، منها ان اسدا اكل حماره وهو يصلي في قرية البروة. امسك به وامتطاه حتى وصل الى دير الخضر. احبه ونزل فيه. منحه السلطان العثماني وقفا ابديا له ولذريته. ومن يومها والقرية تسمى دير الاسد.

ولم يبق من الدير الا جزء صغير لكنه يشير بوضوح الى انه كان اشبه بقلعة. وما تبقى منه محاصرا بالبيوت المتلاصقة من جهة وبالاشواك والصبار من جهة اخرى.

والمقارنة صعبة بين القريتين والفيلات الانيقة المغطاة بالقرميد الاحمر على قمة الجبل. حكومة "اسرائيل" لا يعنيها كثيرا تنظيم الشوارع والاعتناء بها في القرى العربية، كما قال نصر. والمنحدر الشاهد على مقتل اربعة شبان وبراكيات اللاجئين، مجرد خربة ومكب للنفايات. وبيوت القريتين متلاصقة الى حد يخيل اليك انه لو سقط بيت سيجر معه البيوت الباقية.

ويبلغ عدد سكان دير الاسد نحو 6000 نسمة ، والبعنة 4000 نسمة

وبمجرد وصولنا القرية، لاحظنا تكدس الناس في دير الاسد والبعنة، يهود وعرب، يشترون من سوق الجمعة الاسبوعي. ولكن التمييز في الملبس والمسلك واضح : "العربي يشتري بالرطل واليهودي بالأوقية. العربي يشتري من اول دكان يصادفه واليهودي يتنقل من واحد الى الاخر بحثا عن الارخص" كما قال البائع سيد ذياب، "وهذا هو السبب الرئيسي لوجود المستوطنين في سوق دير الاسد الاسبوعي، فاسعار اسواق القرى العربية ارخص من اسواق مستعمراتهم. ومعظم الباعة العرب في سوق الجمعة يعملون بقية ايام الاسبوع في مستوطنة كرمئيل التي اقيمت على اراضي دير الاسد، عمال بناء او باعة. والعربي الذي يرغب في فتح مصلحة له في كرمئيل عليه ان يستأجر، والمالك اليهودي يلغي العقد متى شاء اذا وجده في غير مصلحته. وفرص العمل قليلة".

ويصنع يوسف سعيد الاسدي الألومنيوم لشبابيك شقق المستوطنات "الاسرائيلية"، على رغم ان حكومة "اسرائيل" استولت على بيتين وعشرات الدونمات من الارض التي كان يملكها جده في شعب، بينما عاش هو واخوته وامه وجده وجدته في براكية من زينكو في دير الاسد فترة طويلة "تغرق بالمياه شتاءً وتتحول الى فرن في الصيف": لكن " لا مورد للرزق غيره"، يقول، مع انه يغضب ويشعر بالمرارة "فاحيانا اقول لليهودي: اتعلم انني اصنع شبابيك بيتك الذي يفترض ان يكون بيتي او بيت احد الفلسطينيين؟ فيجيب انه لا يعلم، وانه استأجره من حكومة "اسرائيل". انا اكرههم، ولكن هذه هي الدولة التي ارتزق منها 98 % من عملي مع اليهود".

تنقلنا من قرية الى اخرى، مهدمة او مسكونة بغير اهلها. نبشنا ذاكرة اهل الجليل… وهل نسوا؟ بكوا وابكونا، وكأنهم انتكبوا بالامس وليس قبل 50 عاما. ولكن شعوري بالتقصير لمعرفة جزء من بلدي، رغم اعتراف الجميع انها صارت لليهود جعلني اشعر انني اريد ان ارى كل شيء واسمع كل شيء دفعة واحدة، الحاضر والماضي والمستقبل.

هم يقولون انها صارت لهم، وانا تأكدت انها لن تكون الا لنا. فاليهودي ساكن المستوطنات لا يتردد لحظة واحدة في انتقال من حيفا الى يافا مثلا للاقتراب من مكان عمله، اما الفلسطيني في مناطق الـ 48 فم ينس قريته المهدمة، على رغم مرور 50 عاما على سلبها منه، ويطالب بالعودة اليها…، يزورها ويتحدث عنها لأولاده واحفاده.

ونسيت انه يوم عيد الفصح المسيحي. واكيم ترك زوجته سلمى وبناته يستقبلن زوار العيد وحدهن، وينتظرنه وينتظرنني. وابنته الصغرى، 11 عاما، معنا منذ الصباح، لم تتعب ولم تمل. تساعد في الشرح حينا، وتفتح عينيها لمعرفة ما لم تكن تسمعه من جدها وجدتها من قبل.

وتحركت السيارة في اتجاه قرية سحماته. نسمات الصباح تشفي العليل، كيف لا وهي تنهض على قمتي تلتين. والطريق اليها مظللة باشجار السرو العملاقة. القرية اثرية قديمة، وتقلب على ارضها الكنعانيون والرومان والمسلمون والصليبيون. دمرها اليهود عام 1948" فلحقت الاطلال القديمة بالحديثة. جزء من كنيسة هنا وجدران مهدمة ومبعثرة هناك. ولا يزال جزء من القلعة والسور اللذين بناهما الصليبيون قائما. وبئر القرية مغطى بالاشواك والصبار. ركام المناحل التي كان يستخدمها اهل القرية تنتصب مكانها مناجل حديثة تخص سكان مستوطنة "حوس" التي اقيمت على مشارف القرية. وغالبية سكان سحماته قبل النكبة كانوا مسلمين، 1400 نسمة، بينما المسيحيون كانوا يزيدون قليلا على خمسين نسمة، ويتذكر فيصل سمعان" من سحماته سابقا ويسكن في ترشيحا حاليا، انه على رغم الغالبية المسلمة، فان مختار البلد كان مسيحيا. وحلف "على الطلاق" انه ما كنا نعرف المسيحي من المسلم". لم يكن من العرف قبول نقود من اهل القرية مقابل شرائهم من بعضهم البعض، وانما نظام المقايضة: " انا ازرع زيتونا وهو يعطيني عسلا".

وفتل سمعان شاربيه اللذين يشبهان شوارب اهل الجبل في لبنان، متذكرا ما حصل ليلة الهجوم على سحماته، ويقول:" احد سكان القرية ربط جثة ضابط يهودي قتل في معركة جدين، وراء فرسه، وجره الى سحماته، جاب فيه البلد قبل ان يتنبه اليهود ويهاجموا القرية. رفع المختار الراية البيضاء. وعلى رغم هذا جمعونا على مشارف القرية. امسكوا بالشاب الذي كان يطوف بالجندي ورموه في البئر، ثم هرب منا من هرب الى لبنان… وانتشر الباقي في الاحراش. وبعد اشهر هدموا القرية انتقاما للجندي الميت، جمعوا الحجارة والخشب وجسور الحديد، استخدموها في تعمير مستوطنة "موشاف" القريبة من ترشيحا".

ترشيحا : تجربة اولى واخيرة

ومن سحماته الى ترشيحا، دقائق قليلة، ومسافة لا تزيد عن عشرة كيلومترات، والفارق بينها وبين القرى الاخرى كبير. الشوارع مزفتة وساحتها الرئيسية مبلطة. وفيها صندوق للمرضى ومدرستان تعتبران الافضل في الجليل الاعلى،، كما قال واكيم.

والسبب هو تجربة "اسرائيلية" جديدة لفرض التعايش بين المستوطنين والعرب، ربطت مستوطنة معالوت القائمة على اراضي القرية وترشيحا العربية القديمة بمجلس محلي واحد. ولكن اهل ترشيحا لم ينسوا ان المستوطنة اقيمت على ارضهم. يشتكون من المجلس "يهتم بالمستوطنة اكثر بكثير من القرية"، وان المدارس في معالوت معتنى فيها اكثر" كما قال شاب من القرية رفض ذكر اسمه. ويحاول المجلس تشجيع تبادل الزيارات بين تلاميذ مدارس ترشيحا العرب وتلاميذ مدرسة معالوت، وبناء مساكن للازواج الشابة اليهود والعرب. وخفضت الحكومة "الاسرائيلية" الضرائب على اهل القرية.

وفي القرية مسجدان، القديم ويستعمل الان للدروس والنشاطات الثقافية، والجديد للصلاة.

وكنيسة للروم الكاثوليك باسم القديس جورجيوس (الخضر) واخرى للروم الارثوذكس باسم مار الياس.

يقول نمر نمران، عضو المجلس المحلي ان وضع البلدة قد تجمد في السنوات الاولى لقيام الدولة، لا بل تراجع، اذ هجرها معظم السكان الذي كان يقارب عددهم 5500 نسمة. وقبل الحرب كانت تعتبر من اكبر قرى الجليل واكثرها ازدهارا، كونها كانت تتمتع باراض شاسعة وخصبة.

وحول اسم ترشيحا تدور اسطورة قديمة مفادها ان هناك شيخا اسمه "شيحا" جمال الدين … وكان قائدا في القوات الاسلامية. طار رأسه الذي قطع في المعركة فقيل "طار شيحا" وحرف مع الوقت الى ترشيحا. ولا يزال اهل المنطقة يترددون على مزار بني خصيصا له، وينذرون عنده، وتضاء له الشموع. ويشترك في الزيارة بعض مسيحيي المنطقة. وعلى رغم التجربة التطبيعية الاولى والاخيرة لحكومة "اسرائيل" غير ان سكان ترشيحا "لا ينسون حرب الـ 48 حين قصفتهم ""إسرائيل"" جوا وبرا واستولت دائرة اراضي ""إسرائيل"" "المنهال" على اراضيهم واجرتهم بيوت غيرهم لمدة لا تزيد عن 49 عاما. و"كيف ينسون معركة البركة التي قتل فيها العشرات"، ويبلغ عدد سكان ترشيحا الان، وهي اكبر القرى العربية في المنطقة 3300 نسمة، 40 في المئة منهم مسلمون و 60 في المئة مسيحيون على رغم ان العكس كان قائما قبل عام 1948" اذ كان المسلمون يشكلون 80 في المئة من السكان. ويسكن نحو 50 الف ترشيحي في الشتات.

قال احد سكان القرية، فضل التعريف عن نفسه باسم ابو محمود ان "معظم المسلمين هربوا ايام الحرب، وبقي المسيحيون". وطلبت سلطات الاحتلال توطين يهود من المهاجرين الجدد في بيوت العرب المهجورة في ترشيحا. وكان الجيش يرى في الاستيطان اليهودي امرا بالغ الاهمية، اذ لم تكن نسبة اليهود في منطقة الجليل آنذاك تزيد على 12 في المئة.

وروى ابو محمود انه في 16 كانون الثاني، طوق الجيش "الاسرائيلي" القرية وفرض نظام منع التجول عليها. وجمع كل الرجال ممن هم فوق سن 16 عاما في ساحة القرية. وقام طاقم يضم ثمانية "اسرائيليين" بالتحقيق معهم، اعتقل الجيش 33 من وجهاء العائلات و 101 من اقربائهم، وطردهم جميعا.

وبالفعل دخل نحو 300 مهاجر يهودي جديد الى البيوت العربية في ترشيحا. وتم جمع العائلات العربية التي بقيت مبعثرة في القرية في مكان واحد".

يعودون امواتا

77 قرية فلسطينية في الجليل نصفها مهدم. كلها موجودة في الذاكرة" نمر في الكويكات والكابري واقرت وبرعم. نمر حيث كانت. سكان القريتين الأخيرتين حصلوا على امر من مجلس الامن بالعودة اليها، ولا مجيب" لكن "اسرائيل" سمحت لاصحاب برعم بالعودة اليها امواتا لا احياء سمحت لهم فقط بدفن موتاهم في مقبرتها.

"اسرائيل" احتفلت العام الماضي بمضاهاة عدد السكان اليهود في الجليل السكان العرب. وهي تحتفل الان بمرور خمسين عاما على اقامتها. خمسون عاما اطلقت على المجازر التي ارتكبها اسم "حرب" وعلى التهجير المخطط صفة "هروب ارادي" وعلى القرى التي دمرتها "قرى منزوعة". اما عدد اللاجئين الفلسطينيين فيكاد يصبح رقما غير معروف.

تحتفل وتطلب من فلسطيني 1948 الذين لا يزالون في ارضهم ان يحتفلوا معها، وتغضب اذ اصروا على احياء ذكرى النكبة.

(………)

واثارت هذه الصورة المختلفة حديثا سياسيا، بل شرحا من سليم واكيم عن وضع فلسطيني الـ 48 مع ""اسرائيل"" استمر ونحن في سيارته حتى وصولنا الى محطة الباصات في نهاريا.

قال واكيم:" هنالك جدل صريح او مبطن بين التيارات والآراء السياسية المختلفة بين الفلسطينيين في مناطق الـ 48، يدور حول الطرق التي يجب اعتمادها لحل مشاكلهم مع الدولة العبرية مثل اعادة لاجئي الداخل الى قراهم، والمساواة وغيرها. وابعاد هذا الجدل تضيء نقطة اساسية وهي مدى فلسطينية فلسطينيي الـ 48 ". واوضح ان "الحزب الديمقراطي العربي (دراوشة)" يرى ان اندماج الفلسطينيين في المجتمع المدني والسياسي "الاسرائيلي" هو استراتيجية النضال الفلسطيني المجمل، وهو الكفيل بحل مشاكل العرب في "اسرائيل" وابناء البلد والحركة الاسلامية يرفضون هذا الشعار وحركة ابناء البلد ترى ان الاندماج في النضال الفلسطيني العام هو الطريق الذي يجب ان يسلك، في حين ان الحركة الاسلامية ترى ان الحل الاسلامي هو الانسب".

بمعنى اخر "هناك من يرى فلسطينيته قبل كل شيء، هوية تاريخية - ثقافية. اما هويتهم الفلسطينية السياسية، بمعنى الالتزام والاندماج في النضال الفلسطيني العام، فليست شيئا حازما وانما تتجلى في التضامن". و"هناك من يرى هويته فلسطينية سياسيا كما هي تاريخية- ثقافية، أي ان اظهار اشكال التضامن ليست فقط تضامنا وانما هي عنصر من عناصر النضال الفلسطيني العام والمجمل او الفلسطيني الاسلامي".

وصلنا الى المحطة وحان موعد اوتوبيس "ايغيد:"الى القدس. الشمس بدأت تغيب. والشعور بالغربة في هذا الليل اكثر قسوة.