الانتصار اللبناني يبدد اساطير الصهيونية

أ.د. عبدالوهاب المسيري

البلاد  24/6/2000


الصراع العربي الصهيوني صراع تلعب فيه الايديولوجية والصور المجازية دورا كبيرا، وفلسطين بالنسبة لنا لها دلالات دينية كثيرة، وهي بلد يقع في منتصف العالم العربي، ومن يستولي عليه يقوم بتقسيم وطننا العربي إلى نصفين. وقد حول الصهاينة فلسطين إلى ارتس يسرائيل (ارض "اسرائيل") او صهيون ، واعادوا تفسير تواريخ الجماعات اليهودية بحيث اصبحت تعبيرا دائما عن الرغبة في العودة إلى المركز، أي فلسطين/ ارتس يسرائيل.

لهذا السبب نجد ان الصهاينة قد احاطوا فلسطين بدخان كثيف من الاساطير (صدقه بعضنا)، فقد اشاروا إلى فلسطين باعتبارها ارضا بلا شعب سيجمع الصهاينة فيه اليهود البؤساء المشردين في بقاع الارض (شعب بلا ارض) وقد اشاروا إلى وطننا العربي باعتباره الشرق الاوسط ثم المنطقة وحسب، أي ان فلسطين مجرد ارض (يمكن للصهاينة شراؤها واخلاء سكانها) والشرق العربي منطقة يمكن للجيوش الصهيونية ان تصول وتجول فيها دفاعا عن امنها وحقوقها.

وقد ترجمت هذه الرؤية إلى عدة صور مجازية: فالدولة الصهيونية تارة حائط في آسيا لحماية اوروبا وحصن منيع للحضارة الغربية في وجه الهمجية (عبء الرجل الابيض الصهيوني) وهي تارة اخرى الحارس الغربي في المنطقة، وفي لحظات الصدق تستخدم صورة كلب الحراسة: راسه في واشنطن وذيله في القدس، أي انه كلب حراسة لا عقل له، او ان عقله في واشنطن، فهي التي تفكر، وهي التي تمد الكلب بالحياة، اما ذيله التنفيذي فهو هنا في وسطنا في عالمنا العربي، وبالطبع هناك الصور المجازية الاكثر وضوحا مثل "اسرائيل" باعتبارها حاملة طائرات. وقد صاحب هذا مجموعة من الصور المجازية الاخرى مثل جيش "اسرائيل" باعتباره الذراع الطويلة التي تصل إلى أي مكان، والقوة الباطشة الاسطورية التي لا تقهر، والصهيوني باعتباره المقاتل الشرس الذي لا يهزم، والذي يدافع عن ارضه بشراسة. ويلاحظ ان كل الصور المجازية هنا تسقط الاخر العربي باعتباره وجودا يتحدى الوجود الصهيوني، وتسقط عنصر الزمان والتاريخ باعتبارهما المجال الذي يعبر فيه هذا الاخر العربي عن نفسه.

 

 انكار الزمان

وانكار الزمان هو احدى سمات العقل الصهيوني الذي يحول الزمان (حيث يتحرك الانسان ويحقق الانسان انسانيته او يجهضها وحيث يمارس حريته وارادته) إلى مكان مُصْمَت. والزمان بالنسبة للعربي هو الحيز الذي يمكنه ان ينهض فيه ويحرر ارضه ونفسه. ولذا فالعقل الصهيوني يمقت الزمان ويؤثر ان يتحرك في المكان، ومع نكسة عام 1967 تدعم هذا الاتجاه تماما، فاعلن الصهاينة انهم وصلوا للحدود الآمنة، والحدود الدائمة، وانهم سيمكثون هناك إلى ان يقوم العرب بالتسليم، وكان خط بارليف هو بلورة لهذا الموقف، وايدهم العالم الغربي في موقفهم هذا، فقد احسوا ان الزمن قد قتل، وان التاريخ العربي والصراع العربي "الاسرائيلي" قد وصلا إلى نهايتهما.

ولكن ياتي الانتصار في جنوب لبنان، ليؤكد للعدو اننا لسنا امواتا، وان تاريخنا لم ينته، وان الحياة تدب في ارواحنا، وان روح المقاومة تسري فينا، وان امكانية هزيمة الالة العسكرية الاستخبارية "الاسرائيلية" (التي تساندها آلة الولايات المتحدة والغرب) امكانية حقيقية.

 

 اسطورة خلق الحقائق

ومن الاساطير الاساسية الاولى التي صدقها "الاسرائيليون" والتي ورثوها من ترسانة الافكار الامبريالية الغربية، هي الايمان بان القوة قادرة على تحقيق أي شيء، فالعالم (في نهاية الامر) يشبه الغابة، وقد ترجم هذا نفسه إلى ما سماه مويه ديان خلق الحقائق، أي ان تغتصب الارض بالقوة وبمضي الوقت يصبح الاغتصاب حقيقة قائمة على الجميع الاعتراف بها والتعامل معها، هكذا فعلوا في فلسطين باسرها، وفي مناطق اخرى من العالم العربي.

والتوسعية الصهيونية هي احدى تبديات مفهوم العالم كغابة هذا، والقوة كآلية وحيدة لحسم الصراع، ولذا مع وجود الالة العسكرية الصهيونية لم يمتد الوطن القومي من النيل إلى الفرات (كما صرح الحاخام فيشمان عضو الوكالة اليهودية في اربعينات القرن الماضي). وما بين اوري افنيري ان ما يحرك الصهاينة ليس الدافع العقائدي، وانما موازين القوى وحسب، ولذا فالتوسع الصهيوني لم يتوقف ما دام هناك فراغ بسبب الغياب العربي، وقد تمدد الصهاينة وتوسعوا ليملأوا الفراغ في جنوب لبنان وليخلقوا حقائق صلبة جديدة فيه.

هكذا ظنوا، فحزب الله بين انه لا يوجد فراغ في جنوب لبنان، وانما يوجد جسد وروح ويوجد ارادة وعزيمة ورغبة في الاستشهاد في سبيل الله والوطن، ولذا بدلا من التوسعية الصهيونية، ها نحن نرى الانكماشية الصهيونية، والانسحاب المذل. وبدلا من امريكا الممسكة بكل اوراق اللعبة، قالت احدى الصحف "الاسرائيلية" (مستخدمة نفس الصورة المجازية) لقد كسب حزب الله كل الاوراق.

 

 اسطورتا ماسادا ويهودي البروتوكولات.

ولا شك في ان الانكماشية الصهيونية ستترك جرحا غائرا في الوجدان الصهيوني المتمترس حول المكان والذي صدق اكذوبة انه قوة لا تقهر. وقد ترجم هذا الوهم "الاسرائيلي" نفسه إلى اسطورة ماسادا.

وماسادا كلمة ارامية تعني القلعة، وكانت توجد بها حامية رومانية هاجمها بعض المتمردين اليهود عام 66 ميلادية ابان التمرد اليهودي ضد الامبراطورية الرومانية، واستولوا عليها بدلا من الاستسلام والوقوع اسرى في ايدي الرومان آثر اليهود ممارسة انتحار جماعي، وقد ثبت كذب هذه القصة، ومع هذا تقوم اجهزة الاعلام "الاسرائيلي" بمحاصرة العقلية "الاسرائيلية" واليهودية باسطورة ماسادا، ففي كل عام يقيم بعض اسلحة الجيش "الاسرائيلي" احتفالات ترديد يمين الولاء على قمة القلعة ويقسمون في نهايته بان ماسادا لن تسقط ثانية.

وقد اضفنا نحن من عندنا اسطورة يهودي البروتوكولات، وهو شيطان قادر على تحريك العالم باسره، وزرع الفساد في ربوعه واسقاط الحكومات وتوجيهها حسبما يريد، والسيطرة على الاعلام وحركة رؤوس الاموال، ولنلاحظ انه اذا كان اليهودي بهذه القوة فلا يوجد ما نفعله سوى الاستسلام، او الفرار، لان الحرب ضد مثل هذا الشيطان هو من قبيل الانتحار فكل من البروتوكولات (المعادية لليهود) وماسادا (الصهيونية) يتفقان في عدم جدوى الجهاد وضرورة الاستسلام.

ولكن الشواهد حولنا تبين ان الامر جد مختلف، واننا آثرنا الهزيمة بدلا من الجهاد. ولنأخذ اسطورة ماسادا التي يراد منا تصديقها. لم يقف التاريخ عام 1967 بل استمر، بطور الانسان العربي نفسه وتحرك عام 1973 فتساقط خط بارليف، فهو لم يكن حائطا منيعا ضد التخلف الشرقي (كما ادعى هرتزل) بل كان مليئا بالثقوب مثل قطعة الجبن (كما قال ديان). ومن المعروف ان القوات "الاسرائيلية" التي حوصرت في خط بارليف عام 1973 استسملت بطريقة عملية ورشيدة للغاية على مسمع ومرأى الصليب الاحمر الدولي والتلفزيون المصري، وفي احد هذه المواقع، سال الجنوب قيادتهم بتهكم ان كان المطلوب هو القتال حتى الموت لاقامة ماسادا ثانية، فأتاهم الرد بالاستسلام على ان يبتسموا امام عدسات التلفزيون المصري.

واثناء الانتفاضة لم يتحدث احد عن ماسادا وانما تحدثوا عن الطائرة المروحية، وما هي حكاية الطائرة المروحية هذه؟ يقول شارون انه ان لم يصمد "الاسرائيليون" فستأتي الطائرات المروحية وسيستقلها "الاسرائيليون" من على سطح السفارة الامريكية كما حدث في حرب فيتنام عند انسحاب القوات الامريكية. وقد كتب احد الشعراء "الاسرائيليين" (حاييم حيفر) آنذاك قصيدة بعنوان سنرحل جميعا إلى امريكا. تبدأ القصيدة بالتصويت في الكنيست على الخروج الاخير، ولذا فلنرحل إلى امريكا الان فلقد لملمنا حقائبنا وامانينا. ويتدافع الجميع دون نظام (ولا تتزاحموا لكل مكانه/ عفوا لا تضغطوا هكذا)، ويتصور رئيس الوزراء عملية الخروج السريع هذه وهو يجلس في مقعده في الطائرة ويروق له المقام / يعلن ان لا مكان للباقين هنا، فلسان حاله وحال وزرائه هو نحن ومن بعدنا الطوفان، ان الصورة السائدة هنا عكس صورة البطل في ماسادا الذي يهلك مع رفاقه.

وبسرعة اخذت الطائرة تطير

اما الدولة…

فقد هجرت…

وحيدة .. تركت .."اسرائيل"

تركت بقية الشعب رغم اننا جميعا.. في الرحيل اليها.. راغبون.

بعيدا عن ماسادا المتهالكة، بعيدا عن صهيون التي اشتعلت فيها النيران، إلى الولايات المتحدة الوطن القومي الامن وربما الحقيقي.

وقد انتحر عدد من الجنود "الاسرائيليين" في جنوب لبنان ولم يكن انتحارهم تعبيرا عن الاصرار في الدفاع عن اماكنهم، وانما كان احتجاجا على حرب لا معنى لها من وجهة نظرهم، كما لوحظ تصاعد ظاهرة الفرار من الخدمة العسكرية، ان اسطورة ماسادا، شانها شان الاساطير الاخرى مثل المقاتل الصهيوني الشرس واليهودي الشيطان الذي يسير العالم، هي مجرد اكاذيب تهدف إلى تنشيط الهمة "الاسرائيلية" واشاعة عقلية الهزيمة العربية.

ورغم تقويض الاسطورة عدة مرات، ورغم عبور 1973 وانتفاضة الثمانينات، الا ان العدو بطبيعة تكوينه كعنصر استيطاني احتلالي دخيل لا يمكنه ان يتخلى عن انكار للزمان والتاريخ، ولذا ظل متمترسا في نظرية الامن "الاسرائيلي" المؤسسة على فكرة المكان، ولذا تقدمت الجيوش "الاسرائيلية" الغازية واحتلت جنوب لبنان وطورت خط بارليف إلى الحزام الامني وهو المكان الذي يقيمون فيه مع بعض العناصر العملية (كما فعل الأمريكيون في فيتنام). ولكنهم هاهم يفرون كما فعلوا من قبل، وعليهم ان يعيدوا النظر في نظرية الامن "الاسرائيلية" المكانية، وفي اساطيرهم مثل اسطورة ماسادا وارض بلا شعب والمنطقة الجغرافية اللاتاريخية والمقاتل الصهيوني الشرس الخ…

 

 ما بعد الانسحاب

وعلينا نحن ان نستوعب درس الانتصار في جنوب لبنان، وان ندرك ان الاستسلام المذل ليس هو نهاية المطاف وليس حلا للمشكلة على الاطلاق. فالاسرائيليون يتصورون انهم بانسحابهم سيحققون عدة اشياء من بينها طرح صورة ايجابية عن انفسهم باعتبارهم جماعة متحضرة تمتثل لقرارات هيئة الامم المتحدة (بعد مرور 22 عاما) ولك الاهم من هذا لن يتخلى الصهاينة عن حلمهم بتقسيم المنطقة إلى دويلات اثنية وعرقية متناحرة، تصبح "اسرائيل" في وسطها بمثابة المركز والحكم والقائد. ولبنان في التصور الصهيوني هي الدولة المرشحة لذلك اكثر من غيرها، ولذا يتصور الصهاينة انهم بانسحابهم يزرعون الفرقة. وبذور الخلاف بين ابناء الشعب اللبناني.

وقد قال الجنرال "الاسرائيلي" شاؤول موفاز، حينما اخبره احد الصحفيين الامريكيين ان الامر قد انتهى (نهاية التاريخ وسيادة المكان واللازمان مرة اخرى) عم تتحدث؟ انتهى؟ هذا وضع جديد ولنرى ماذا سيحدث؟ ونحن بوسعنا ان نقرر ماذا سيحدث فباب الاجتهاد والجهاد مفتوح لمن يريد ان يلجه، كما ان وحل الاستكانة والهزيمة موجود لمن يريد ان يغوص فيه، والنصر من عند الله سبحانه وتعالى، ولكنه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم، والله اعلم.