انتفاضة الأقصى وتداعياتها الأمنية
إحسان مرتضى
في
نهاية هذا الشهر (28/أيلول/2001) تكون انتفاضة
الأقصى المباركة في فلسطين المحتلة قد اختتمت
عاماً على اندلاعها وفصلاً من فصول بطولاتها
ومكتسباتها التي تتلخص في دحر الاحتلال ومنعه
من استكمال مشروعه الرامي الى إقامة "اسرائيل
الكبرى" من خلال التركيز على الهوية
الوطنية المتجذرة في الارض دماً وجهاداً
ودموعاً وأجساداً طاهرة لشهداء مضوا
ويستبشرون بالذين سوف يأتون من بعدهم، فهذه
الانتفاضة قدمت حتى الآن ما يزيد عن خمسمئة
شهيد وما لا يقل عن 15 ألف جريح ومعاق، وتهديم
ما لا يقل عن 15 الف بيت وتشريد عشرات الألوف من
المواطنين الابرياء الآمنين من ديارهم
وتدمير قسم كبير من البنى التحتية المدنية
الاقتصادية والخدماتية والأمنية والحياتية،
وتجويع الالاف من العائلات الفلسطينية التي
كابدت الفقر والبؤس والحصار وجميع اشكال
الاضطهاد والعدوان الصهيوني العنصري.
ما
يثلج القلب ويطمئن النفس قليلاً ان كل هذه
التضحيات المباركة لم تذهب هدراً ولا يمكن
اعتبارها خسارات صافية من رصيد الشعب
الفلسطيني، بل انها تضحيات مباركة في مسار
حركة التحرير الوطني والانساني الفلسطيني
خاصة وحركة النضال العربي عامة.
لقد
عززت الانتفاضة ثقة الجماهير الفلسطينية
بقدراتها وطاقاتها وعدالة قضيتها وكسرت حاجز
الخوف الذي حاول “الاسرائيليون”
بناءه، من خلال انتخاب الارهابي المجرم آرييل
شارون، الذي جاء ليزرع اليأس والشك في قلوب
المجاهدين، ولكن المواجهات والبطولات
اليومية حطمت هذه الفرضية وسفهت مقولة تفوق
العدو وجيشه ومستوطنيه، وأدت الى تصديع
المرتكزات السياسية والاجتماعية
والاقتصادية والايديولوجية والعسكرية
لمشروع ما يسمى "اسرائيل الكبرى"، ما ادى
الى احداث حالة من الارباك والجدل في الاوساط
الصهيونية داخل الكيان وخارجه، خاصة كلما
تزايدت الخسائر الاقتصادية والبشرية في صفوف
العدو.
وفضحت
الانتفاضة الكيان الصهيوني وأظهرته على
حقيقته القمعية والفاشية والعنصرية، وساهمت
في حرمان المجتمع الصهيوني من الاحساس
بالاستقرار أو الامن، وأغرقت الجيش “الاسرائيلي”
وسائر القوى الامنية الاخرى في حرب ارادات لا
تنتهي، ما حمل بعض المسؤولين على طرح السؤال:
الى متى نعيش على أسنّة الحراب، وهذا السؤال
دفع بالعديد من المهاجرين الجدد الى تغيير
خياراتهم ولا سيما اليهود الروس الذين دفعوا
ثمناً باهظاً من أبنائهم في العملية
الاستشهادية التي طاولت نادي الدلافين وأدت
الى مصرع نحو 20 مستوطناً، فقرر بعضهم
المغادرة، كما قرر البعض الآخر من الذين لم
يأتوا بعد الى الغاء قرار المجيء.
والانتفاضة
في الجانب الآخر من المعادلة، أفرزت نتائج
بالغة السلبية في التوازن الداخلي لكيان
العدو على جميع الصعد والمستويات الامنية
والاقتصادية والنفسية وفي مجال علاقات هذا
الكيان بالعالم الخارجي العربي والغربي،
الاقليمي والدولي، حيث يمكننا الاشارة في هذا
المجال الى مجموعة من النتائج السياسية
والعسكرية والامنية أهمها ما يلي:
1
ـ
ان الانتفاضة والمقاومة قد وضعتا حداً لخيار
المساومة السياسية مع العدو الصهيوني الذي
غرقت القيادات الفلسطينية والعربية في
متاهاته نحو تسع سنوات عجاف فاصلة ما بين
مؤتمر مدريد واتفاق اوسلو عامي 1991 ـ 1993 وبين
انهيار مفاوضات كامب ديفيد الثانية عام 2000
لتعيد تأكيد الثوابت الوطنية الفلسطينية
والثوابت القومية في الصراع مع العدو، ولتعيد
وتؤكد على خيار المقاومة على انه هو وحده وليس
وسواه، الخيار الاستراتيجي الحقيقي والكفيل
بصد العدوان وتحقيق الحقوق الوطنية والقومية
والدينية على نحو ما اثبتته المقاومة
الاسلامية في لبنان التي رفضت حتى المصافحة
مع العدو بل رفضت اي شروط يمكن ان تخدم هذا
العدو في أمنه او اطماعه التوسعية.
2
ـ
الانتفاضة والمقاومة نجحتا بأساليبهما
المتنوعة مدنياً وعسكرياً في استنزاف قوة
العدو مادياً ومعنوياً من خلال الحاق ضربات
موجعة بقواه البشرية وأمنه الداخلي، كما ومن
خلال احداثهما الشرخ العميق في ثقته بنفسه
وإجراءاته الدفاعية، الأمر الذي أوجد حالة من
التعادل الاستراتيجي وتوازن الرعب من خلال
التأكيد على ان إهراق الدم الفلسطيني لم يعد
نزهة عسكرية محمودة العواقب بل يستتبعه رد
قاسٍ يقوم على قاعدة العين بالعين والسن
بالسن، بعدما كانت العصابات الاجرامية
الصهيونية تستبيح الدماء الفلسطينية لوحدها
دون رادع أو حسيب. والجدير بالذكر هنا ان
الارهابي العتيق آرييل شارون كان يصول ويجول
في اثناء الانتفاضة الاولى التي اندلعت عام
1987 مطالباً بسفك الدماء الفلسطينية من أجل
فرض حالة الاحباط والانكسار النفسي والمعنوي
على مجاهديها وكان يقول: "مزيد من الدم
وسيفهم الفلسطينيون ان الافق مسدود أمامهم
فينكصون على اعقابهم. فلنجعل كمية كبيرة من
الدم تسيل دفعة واحدة وتنتهي الانتفاضة".
وعلى الرغم من ان ايهود باراك لم يقصر في
تنفيذ وصايا استاذه في الاجرام والارهاب فإنه
لم يحصد الا الفشل وعندما جاء شارون بنفسه الى
رئاسة الحكومة الصهيونية، لم يكن قد تخلى عن
نظريته القديمة، بل حاول تأكيد قناعاته
القديمة والتشبث بنتائجها في وقت قصير، عندما
حدد لنفسه فترة المئة يوم فقط، لكي يضع
الانتفاضة، حسب تعبيره، في خانة النسيان
ويجعل منها مجرد ذكرى وعبرة.
وكان
شارون يعتمد بالطبع على سمعته الدموية في
إشاعة حالة الخوف والهلع لدى الفلسطينيين،
الا انه وجد نفسه عاجزاً مربكاً امام
التضحيات التي فرضتها الانتفاضة والمقاومة
فلجأ الى ترسانته الأميركية المتوحشة
واستخدم طائرات F16
والاباتشي في مواجهة الحجارة والبنادق
الخفيفة، الأمر الذي جعل الصحافي “الاسرائيلي”
حامي شاليف يقول: "ان شارون كشف نفسه للدعوى
بأنه تحت جلد الحمل كان يختفي بنجاح كبير توق
قديم لنظرية ضربة واحدة وانتهينا، الى مزيد
من القوة، والى هاجس الافراط في القتل، وهو
المنطق الذي قاده من قبية الى لبنان".
وكان
شارون يزداد شراسة ووحشية كلما اقتربت نهاية
فترة المئة يوم، ومع ذلك فهو ادرك عجزه
العسكري عندما ادرك ان المجاهدين
الفلسطينيين قادرون على مضاعفة جهادهم
وعطائهم فانهالت على رأسه العمليات
الاستشهادية البطولية في قلب دائرة الأمن
الصهيوني حيث تم توجيه ضربات مؤلمة جداً في
القدس ونتانيا وتل ابيب، فاهتزتّ أركان
الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية وقطاع
غزة، بل وحتى داخل ما يسمى الخط الأخضر. بل
وكان شارون يشتاط غضباً عندما يرى تزايد
اعداد الاستشهاديين وأعداد الجماهير
المتحمسة التي تشيعهم الى مثواهم الأخير في
تراب الوطن.
وهكذا
انهارت آمال شارون في استعادة عوامل الردع
والهيبة حتى ان البعض تهكم به قائلاً: "ان
شارون لا يزال يملك القنابل النووية أيضاً،
بعد استنفاده استخدام احدث الطائرات
الأميركية الصنع".
وعلى
خلفية هذا العجز الفاضح واستنفاد الوقت
والادوات، بدأت تتسرب الملامح الانقاذية
الأولى لما سمي تقرير لجنة ميتشل التي شكلت في
اعقاب اجتماعات شرم الشيخ التي حضرها الرئيس
الأميركي السابق بيل كلينتون. ومن هنا
وبالرغم من تخفظات شارون على تقرير اللجنة
فإنه أعلن قبوله به ولكن بصورة استنسابية
انتقائية، وخاصة للفقرة التي تشير الى وقف
العنف أو حسب تعبير شارون الى "وقف اطلاق
النار" في ظل اجواء من النفاق الكامل
والتواطؤ مع العدو “الاسرائيلي”
المصاب بصدمة الاحباط واليأس.
3
ـ
ان الانتفاضة أوجدت جسور التواصل والتكامل ما
بين مختلف أقسام الشعب الفلسطيني الممزق ما
بين اراضي 1948 وأراضي 1967 المحتلة وبين
فلسطينيي الداخل وفلسطينيي الشتات وبين
فصائل منظمة التحرير المقاتلة وقوى الحركة
الاسلامية ما ادى الى قطع مسافة هامة في اتجاه
تحقيق الوحدة الفلسطينية الوطنية، في مقابل
حكومة الوحدة الوطنية التي يترأسها شارون،
الأمر الذي يزيد من الفعالية العسكرية
والأمنية لنضال الشعب الفلسطيني.
4
ـ
ان الانتفاضة هزت أركان الشارع العربي المصاب
بحالة عميقة من الغثيان والعدمية ودفعته التي
تفجير مشاعره الوطنية والدينية والانسانية
تجاه قضية فلسطين، التي كادت ان تمحى من ذاكرة
الاجيال، فأحيت بذلك الأمل في استرجاع شيء من
الأمن القومي العربي المنسي.
5
ـ
ان الانتفاضة كسرت هيبة الكيان الصهيوني لدى
المجتمع الدولي وكشفت وجهه الارهابي
والعنصري والدموي واثبتت انه عالة على
الاستقرار الاقليمي.
6
ـ
ان الانتفاضة اكدت بتضحياتها ودماء ابنائها
النازفة على مفهوم استراتيجي جديد في مجال
ادارة الصراع مع العدو في الفترة الزمنية
المقبلة حيث انها ثبتت قدسية مبدأ الحفاظ على
الدم الفلسطيني الذي يتم هدره على ايدي
الصهاينة وليس في الصراعات البينية
الفلسطينية، كما أنها جعلت من المستحيل
مبادلة هذه الدماء الغالية بلقاءات
استعراضية واتفاقات واهنة وهزيلة لا جدوى
منها. فهذه الدماء أوقعت في صفوف العدو نحو
مئتي قتيل وعشرات الجرحى وأنهكت الاقتصاد
والحياة الاجتماعية في كيان العدو، وفرضت
مسألة القدس كقضية جوهرية غير محسوبة لمصلحة
العدو، وحولت الاستيطان الى مشكلة أمنية
معقدة ومتفرعة يستحيل ضبطها والاستمرار بها
من دون رقيب، كما وأكدت على ان الصراع بجميع
أوجهه هو في النهاية صراع حضارات أكثر مما هو
صراع أسلحة. وقد كشف رئيس أركان العدو شاؤول
موفاز عن ان الكيان الصهيوني يواجه حالياً
أطول صراع وأصعب اللحظات في تاريخه. وقال: "ان
هذا الصراع لا يتم فقط عن طريق الجيش على
الرغم من انه قادر على الصمود في وجه العنف.
لكن يجب ان نتساءل كم سيطول ذلك. ولهذا يجب ان
نقاتل لفترة من الزمن ثم نحاول تخفيض حدة
القتال حتى يتوقف وربما يطول ذلك لأيام وأشهر
وربما لسنوات". وأوضح موفاز خطورة المرحلة
في المواجهة المزمنة مع الشعب الفلسطيني
بقوله: "ان الحروب التي خاضتها اسرائيل من
قبل كانت بعيدة عن اسرائيل أما هذه الحرب فتقع
في قلبها نفسها".
7
ـ
لقد وجدت الانتفاضة حالات واضحة من التهافت
والتداعي على مستوى الأمن النفسي المجتمعي في
مختلف انحاء الكيان الغاصب حيث تبين وجود
إقبال شديد من قبل “الاسرائيليين”
على تناول المهدئات والمضادات الخاصة
بالاكتئاب، كما وسجل تزايد في ترددهم على
عيادات الطب النفسي، حتى ان الصيدليات اشتكت
من عجزها في كثير من الاحيان عن تلبية طلبات
زبائنها من هذه الأدوية، كما اشتكى العديد من
الاهالي من ظاهرة خوف الاولاد وتبولهم في
مدارسهم أو في اثناء نومهم مما يستدعي علاجاً
نفسياً، في حين اشتكى الكبار ايضاً من تراجع
العلاقات الاجتماعية حيث بات أكثر الناس
يفضلون عدم التنقل واللجوء الى البيت والمكوث
فيه.
على
خلفية ما تقدم نعود ونؤكد ان الصراع مع العدو
الصهيوني هو أولاً وأخيراً صراع ارادات يقتضي
الصبر والمثابرة والقدرة الشديدة على
الاحتمال. وفي هذا المعنى قال احد الباحثين
الاستراتيجيين “الاسرائيليين”:
"ان العرب يستطيعون ان يترجموا التفوق
العسكري والعملاني الى نصر استراتيجي وذلك
بإنهاء الصراع عبر تدمير "اسرائيل". في
حين لا تستطيع "اسرائيل" في المقابل
انهاء الصراع عسكرياً، وبنتيجة ذلك، ليس لدى
"اسرائيل" اهداف حربية محددة بوضوح".
وهذه
النظرة تنسجم مع الرأي السائد في المؤسسة
العسكرية ـ الأمنية الصهيونية التي ترى ان ما
يسمى السلام العربي ـ “الاسرائيلي”
لا يمكن ان يكون سلاماً مسلحاً، وأن ما سيجعله
ممكناً هو التوازن المسلح الذي يصون قدرة "اسرائيل"
واعتمادها على قواها الذاتية. والمفارقة
الكبرى في هذا المجال هي ان كل ما تتحدث عنه
"اسرائيل" على صعيد السلام والتسوية
السلمية مع الفلسطينيين او سواهم من العرب ما
هو في الحقيقة سوى وهم سلام مؤقت هدفه تجميد
بعض الجبهات لتركيز الجهد والضغط العسكري
والأمني على جبهات اخرى، وهذا يعني ان
استفراد الانتفاضة في الوقت الراهن انما يعني
زيادة هامش القدرة الصهيونية، على تحطيمها
وتصفية الحساب معها من اجل نقل الجهد والقدرة
العسكرية في المستقبل الى جبهات اخرى. وما
كانت "اسرائيل" لتتمكن من ممارسة لعبة
المسارات المشرذمة هذه لولا التفكك المميث
الحاصل في الساحة القومية العربية، ولعل
الدماء الطاهرة النازفة من انتفاضة الاقصى
ترسل بعض النور الذي يتكامل مع انوار شهداء
المقاومة الاسلامية في لبنان، فيوضح درب الحق
والحقيقة التي من دونها لا عز ولا كرامة ولا
وجود لهذه الأمة.