الآثار العربية للاندحار "الاسرائيلي" من جنوب لبنان

معن بشور

 مفكر عربي

الاتحاد الاماراتية 24/7/2000


 في الحديث عن الآثار والتداعيات التي يطلقها اي حدث كبير، كالاندحار "الاسرائيلي" من جنوب لبنان قبل اسابيع، لا بد من استدراكين رئيسيين:

الاستدراك الاول: هو تجنب الوقوع في احد منزلقين فكريين غالبا ما نجد انفسنا مدفوعين اليهما ازاء الحدث، اولهما المبالغة في الحديث عن تأثيرات الحدث وآثاره ويدفعنا الى ذلك عواطف حارة، او حماسة لاهبة، او موجة أمل عارمة بعد ليل من اليأس طويل، وثاني هذين المنزلقين هو محاولة القفز فوق الحدث، والتعامل معه كمجرد خبر عابر، والتقليل من شأنه، والايحاء ان وراءه مؤامرة أو لعبة دولية، من تلك التي تعودنا عليها في بلادنا· ومما يدفع التحليل باتجاه هذا المنزلق اما مصالح متضررة، او افكار مسبقة تعرضت للاهتزاز، او احباط مستبد بالنفوس لا قدرة لاي حدث على اخراجه منها، او اخراجها منه·

واذا كان المنزلق الاول يقود الى استعجال التفاعلات، وتسريع الآثار، والانضاج المبكر للثمار، فان المنزلق الآخر يسعى الى رفض الربط بين الحدث واية تطورات مترافقة معه او تالية لوقوع·

فاذا كان الحدث بالاساس عابرا، قليل الشأن، فلماذا تكون له تداعيات وآثار وثمار، ولماذا تربط به التطورات جزئيا او كليا·

اما الاستدراك الآخر الملازم للاستدراك الاول، فهو ضرورة تجنب التعاطي مع منهجين قاصرين في فهم اي حدث، اولهما منهج الانبهار به الى درجة محاولة تعميم نموذجه حرفيا في كل زمان، وفي كل مكان، وهو منهج الذين لم تعلمهم دروس التاريخ انه من المستحيل تكرار حدث كبير بكل تفاصيله، وسماته لان كل حدث هو ابن ظروفه الخاصة، ابن زمانه، ومكانه، ابن تفاصيله وشخوصه، وان ما قد يتكرر هو المنهج والروح لا الشكل والمظهر·

وبالمقابل، نجد منهجا يرفض التعامل مع الحدث ودروسه وايحاءاته وتداعياته المتمثلة باحداث اخرى او اوضاع مختلفة، بذريعة اختلاف الظروف الى درجة انعدام التأثير والتأثر بأي حدث أو وضع·

واذا كان هذان الاستدراكان ضروريين في معالجة التأثيرات والآثار التي يتركها اي حدث مهم يمر بأمة أو منطقة أو في العالم الواسع، فكيف اذا كان هذا الحدث بحجم الانتصار الذي حققته المقاومة المجاهدة في لبنان، وهو انتصار سيترك بصمات واثارا ليس على الاوضاع العربية فحسب، ولا على المشروع الصهيوني فقط، بل ربما على مناطق وأصقاع وبقاع عديدة من العالم بأسره·

وقبل ان نتناول في هذه الورقة الآثار والنتائج العربية لهذا الحدث اللبناني، البالغ الاهمية والتطور، فان علينا ان نتذكر دوما امرين اساسيين:

1- ان الآثار النهائية لهذا الحدث، كما لكل حدث، ليست حتمية بالضرورة، بل ان المسار الذي تأخذه، مرتبطة الى درجة كبيرة بطريقة التعامل مع هذا الحدث، طريقة التعامل اللبنانية والعربية، الرسمية والشعبية، على حد سواء، وتاريخنا مليء بأحداث، بل بانتصارات كبرى ضاعت دون أن تحقق أهدافها، أو قادت الى أهداف معاكسة تماما، بسبب الاداء العام الذي رافقها او تعامل معها·

2- ان الآثار الحقيقية لاي حدث تنقسم بالضرورة الى مستويين: المستوى الاول هو الآثار السريعة والمباشرة، والمستوى الآخر هو الآثار البعيدة وغير المباشرة·

واذا كانت الظروف العربية الراهنة، وما تشهده من تردد وتفكك وانقسامات وهرولة واستقواء بالاجنبي، لا تشجع على الاعتقاد بإمكان وقوع آثار سريعة ومهمة على المدى القصير، فان احتمال تفاعل هذا الحدث مع ما تمور به حركة الشارع العربي، من احتقان وإحساس بالقهر والذل والمهانة والعجز، من شأنه ان يطلق تداعيات ايجابية على غير مستوى، وسيعزز نوعا من الاداء الفكري السياسي والنضالي العربي نعتقد ان أمتنا بكل قواها ومواقعها هي بأمسّ الحاجة اليه·

فما هي الآثار المتوخاة عربيا من هذا الحدث على المدى المتوسط والطويل·

أول هذه الآثار ان هذا الحدث قد أعاد للأمة الثقة بنفسها وقدرتها، وأظهر لها بما لا يقبل اي شك انه حين تتوافر الارادة مع العزم مع القيادة الشجاعة والحكيمة الصالحة فان النصر حتمي·

ولم يكن من الضروري التوقف عند مسألة الثقة هذه لولا اننا جميعا  ندرك مدى حجم اليأس واتساع نطاقه في مختلف الاوساط بل الاجيال العربية، وما قاد اليه هذا اليأس من فقدان ثقة العربي بنفسه وبأمته وبمستقبله مع كل ما يرافق هذا الفقدان من شعور بالمهانة والاحباط والانهزام·

صحيح انها ليست المرة الاولى التي يحقق فيها العرب انتصارا على عدوهم الصهيوني، ولكن ميزة الانتصار الجديد انه كان كاملا، اي غير مشوب بعيوب لحقت بانتصارات اخرى (كوقف التقدم نحو المعابر في حرب اكتوبر وبروز الدفرسوار والخيمة 101 وغيرها)· او بسرعة اغراق انتصارات محدودة بفوضى التجاوزات (كما حصل في الاردن ولبنان)·

كذلك كان هذا الانتصار شعبيا خالصا بمعنى انه كان انجازا تحقق بفضل مقاومين مجاهدين لم يستخدموا الجيوش ولا الحرب النظامية والاسلحة الثقيلة وانهم وان كانوا اعتمدوا دون شك على دعم دول، وفي مقدمها دولتهم ودول شقيقة اخرى، وعلى مساندة جيوش، وفي مقدمها جيش بلادهم، الا ان الانتصار الميداني على العدو كان انتصارهم باسلحتهم البسيطة وبعددهم المحدود·

وثاني هذه الآثار المرتبط بالاول هو ان هذا الانتصار قد اعاد الاعتبار لدور القوى الشعبية في الصراع، بل انه فتح الآفاق من جديد امامها لتستعيد مكانتها الهامة والمؤثرة في تقرير مصيرها·

لقد بدت في السنوات الاخيرة من القرن المنصرم مصطلحات  كعصر الجماهير  و كالارادة الشعبية  و كالحركة الشعبية  وكأنها مصطلحات منقرضة، غير علمية، متهافتة، تلحق بمن يستخدمها صفات متعددة لعل اكثرها لباقة هي صفة  المثالي  أو  الخيالي  أو  غير الواقعي ·

وفي وقت كان ينتظر فيه ان يعاد الاعتبار للانسان في الثورة التكنولوجية والمعلوماتية التي عصفت بالعالم، باعتبار ان الانسان هو محور هذه الثورة وهو اداتها وغايتها فقط، شاعت في بلادنا، كما في بلاد مشابهة، نظرية انتصار الانترنت على الانسان، والكمبيوتر على الناس، دون التنبه الى ان الانسان هو قائد هذه الثورة، ومحرك اجهزتها وادواتها وغاية انجازاتها، بل هو وسيلة تواصلها بالانسان الآخر·

ولقد برزت في تجربة المقاومة اللبنانية المجاهدة كل هذه المفاهيم مجتمعة، فالمقاوم في حزب الله جمع بين الايمان والعلم، واستخدم العبوة كما الانترنت، ونجح في تجهيز العمليات العسكرية النوعية كما تحضير البرامج التلفزيونية التعبوية الراقية، ونجح في ان يفك الحصار الاعلامي عنه، وكان كبيرا وخطيرا، كما الغى ذلك التناقض المفتعل بين الكفاح الشعبي والتطور العلمي، بين النضال وبين التكنولوجيا·

ولا شك ان مثل هذا الانجاز سيترك آثاره على صعيد اداء الحركة الشعبية ونضالها في كل المستويات·

الاثر الثالث الذي سيتركه هذا الحدث اللبناني التاريخي على دنيا العرب هو في اعادة الاعتبار لمنطق المقاومة لا على اساس انه ما زال صالحا في مواجهة العدو فحسب، بل في انه المنهج الاكثر واقعية في التعامل مع عدو لا يفهم الا لغة القوة، بل مع عدو بات له سمعة مشهود لها في التنصل من التزامات، والتراجع عن اتفاقات وفي تأجيل مواعيد، فاذ به في لبنان، وامام المقاومة، لا يتقيد فقط بوعد الانسحاب من الارض اللبنانية، بل يسارع الى هذا الانسحاب، وقبل الموعد المحدد، وفي طريقة جعلت عناوين ابرز صحفه في اليوم التالي تتصدرها كلمات  كيوم المذلة  او  يوم العار  الى الاشارة في الاسلوب المذل الذي انسحبت فيه قوات الاحتلال·

ومما سيعزز من وهج هذا الخيار على المستوى الفلسطيني والعربي بشكل خاص، ما اصاب الخيارات الاخرى من تعثر وارتباط وسقوط تدريجي في فخ الشروط الاسرائيلية·

ان تزامن المشهدين معا، مشهد المقاومة المنتصرة، ومشهد التسويات المحتضرة، سيترك دون شك اثره على مجمل النظرة الى مستقبل الصراع العربي الصهيوني، وسيعيد الاعتبار الى فكرة المقاومة، بكل مستوياتها، بعد ان بدت مفهوما من خارج هذا العصر في لحظات الانبهار بالعولمة، والانهيار امام النظام العالمي الجديد، والانجرار في ركاب الشرق اوسطية·

وبهذا المعنى، فان ارض فلسطين ستشهد- حسب تقديري- تفاعلات مهمة مع هذا الحدث بحيث تعود لغة المقاومة والانتفاضة الى الصدارة من جديد·

ان فكرة المقاومة التي اعيد الاعتبار اليها في لبنان، ليست فقط مقاومة الاحتلال "الاسرائيلي"، بل كل احتلال اجنبي، وليس فقط مقاومة الوجود العسكري الصهيوني بل كل وجود عسكري استعماري، وليس فقط مقاومة الظلم التلمودي بل كل ظلم، وليس فقط مقاومة القهر العبري بل كل قهر·

واعادة الاعتبار لفكرة المقاومة تتضمن بالضرورة اعادة الاعتبار لفكرة موازين الارادات في مقابل فكرة موازين القوى التي اريد لنا، باسم الخلل اللاحق بها، ان نتخلى عن حاضرنا ومستقبلنا كما ماضينا، وعن حقوقنا وارضنا كما مواردنا، متناسين ان الارادة اذا توفرت يمكن ان تنسج حولها قوة، وان القوة اذا غابت عنها الارادة سرعان ما تتآكل وتضمر وتتراجع·

واعادة الاعتبار الي فكرة المقاومة صححت النظرة الى العلاقة بين الثوابت والمتغيرات، فاذا كانت المتغيرات حقائق لا يجوز تجاهلها، فان الثوابت قيم تستطيع بالمقاومة ان تحاصر السلبي من المتغيرات وتحول دون الخضوع له·

ولعلها من المفارقات اللافتة، ان اكثر المتحمسين للتكيف مع المتغيرات، يتصرف وكأن هذه المتغيرات ثوابت لا يصيبها هي الاخرى قانون التغير الدائم، وان فعل المقاومة الاساسي هو في تسريع مفاعيل هذا القانون·

واعادة الاعتبار لفكرة المقاومة لم تكن محصورة بالمقاومة الاسلامية التي حققت الانتصار، بل ان هذا الانتصار كان- كما ردد قائد حزب الله مرارا- ثمرة لتراكم كل مراحل المقاومة العربية والاسلامية ضد المشروع الصهيوني منذ بداية القرن الماضي، كما لكل مراحل المقاومة الفلسطينية واللبنانية التي عرفتها الارض اللبنانية علي امتداد الثلث الاخير من القرن العشرين·

فالفلسطيني كما السوري كما اللبناني، والقومي العربي كما القومي السوري، والبعثي كما الشيوعي، والملتزم كما المواطن العادي، وهم شركاء في هذا النصر، وان هذه الشراكة ليست تعبيرا عن مرحلة سابقة بل يمكن ان تكون تأسيسا لمرحلة قادمة هي دون شك مرحلة التلاقي بين تيارات الامة وقواها الحية على طريق مواجهة التحديات الكبرى المفروضة عليها·

اما رابع هذه الآثار، فهو ان انتصار المقاومة الاسلامية في لبنان قد أعاد الاعتبار لدور العقائد والايديولوجيات، ناهيك عن الدين ذاته، في حياة الشعوب وفي حركة تحررها وتقدمها·

لقد انهالت علينا بعد زلزال الخليج عام 1991، وبعد سقوط المنظومة الشيوعية، نظريات وفلسفات تبشرنا  بنهاية التاريخ  من جهة، و بسقوط الايديولوجيات  من جهة ثانية·

وعلى الرغم من ان النظريات التي روجت لهذه المفاهيم، هي ذاتها التي استخدمت للحديث عن خطر الاسلام بعد زوال الشيوعية (اي للاعتراف بقوته كعقيدة في عصر سقوط العقائد)، فان العديد من المثقفين والمنظرين والكتاب في بلادنا سارعوا الى التكيف مع المقولات العالمية الجديدة، والى القاء شبهة  العقائدية  على اي نص تاريخي او اقتصادي او سياسي او ادبي، يشتم منه روح الانحياز لمصالح الامة ومبادئها، وكأن العقائدية هرطقة ينبغي التخلص منها، وكأن اصحاب نظرية سقوط العقائد ليسوا هم انفسهم مروجين لعقيدة من نوع معين، هي عقيدة الرضوخ لاسياد النظام العالمي أو لادواتهم·

لكن العقائدية التي جسدها حزب الله كانت عقائدية باداء مختلف قلما عرفنا مثله سابقا، فهي عقائدية الانفتاح لا الانغلاق، عقائدية مد يد التعاون الي المختلف، لا عقائدية اقصائه، عقائدية بناء الجسور مع الآخر لا عقائدية التحصن وراء المتاريس، اسلامية الايمان والتعبئة وفي الوقت ذاته هي وطنية حد الطاقات وقوميته·

لهذا لم يجد امين عام حزب الله السيد حسن نصر الله ضيرا او ضررا في ان يقول في تصريح شهير لجريدة  السفير  اللبنانية قبل ايام، نحن  حزب وطني وحزب قومي ايضا ·

ولقد ادى هذا الاداء العقائدي المنفتح لحزب الله الى نجاحه في حشد اوسع تحالف شعبي حوله ضم في صفوفه المختلفين عنه دينا، والمختلفين عنه مذهبا، والمختلفين عنه عقيدة·

بل بسبب هذا الاداء نجح حزب الله في ان يكون حزب عقيدة دينية يجتمع في صفوفه المؤمنون بهذه العقيدة، وفي الوقت ذاته، حزب برنامج عريض يلتف حوله من لم يشاركه الايمان ذاته او المذهب عينه·

ولا شك ان هذا السلوك الميداني والسياسي الناجح لحزب عقائدي ديني كحزب الله، سيشكل نموذجا يحتذى به من كثير من الحركات العقائدية، الاسلامية منها غير الاسلامية، بحيث تبدو واضحة اهمية الترابط بين الالتزام الكامل بالعقيدة، والانفتاح الواسع في البرامج لا سيما في مراحل التحرر من الاحتلال والاستعمار وادواته·

وفي هذا الاطار ايضا، لا بد من ان نسجل ان هذا الانتصار الذي حققه حزب اسلامي شيعي، واعتز به كل عربي ومسلم بغض النظر عن مذهبه، سيشكل اطارا مشجعا لحركة التقريب بين المذاهب الاسلامية، وسيحاصر دعاة احياء الفتنة الكبرى بين المسلمين والمستفيدين من ديمومتها·

كما ان نجاح حزب اسلامي كحزب الله، ورغم تمسكه باسم  المقاومة الاسلامية ، في ان يستقطب الى تأييده العديد من المسيحيين اللبنانيين، بل ان يضم في صفوف  السرايا اللبنانية للمقاومة  شبانا مسيحيين لبنانيين، من شأنه ايضا ان يعزز من فعالية الدعوة الى الوحدة الوطنية في المجتمعات التي تواجه مخططات الايقاع بين ابنائها المنتمين الى ديانات مختلفة·

فالانتصار اللبناني عزز عقائدية الانفتاح لا التزمت، وعقائدية الحشد لا الفرز، وعقائدية الوحدة لا الانقسام، وبهذا المعنى سيسهم دون شك في محاصرة كل مشاريع التفتيت الطائفي والمذهبي السائدة في المنطقة، لا سيما اذا استفاد حزب الله من توظيف الرصيد الهائل الذي كسبه بعد هذا الانتصار في خدمة مشروع الوحدة في الامة، واذا عرفت القوى الاخرى، اسلامية وغير اسلامية، كيف تقرأ التجربة اللبنانية بتجرد وموضوعية·

خامس هذه الآثار على المدى المتوسط والبعيد سيعبر عن نفسه في تشجيع العديد من الساسة والقياديين على سلوك سياسات تتسم بالجرأة والشجاعة وبعض الاقتحام·

فبعد هذا الانتصار لم تعد الهيمنة الصهيونية ولا حتى السيطرة الاميركية قدرا لا يمكن التصدي له، بل على العكس من ذلك، فان ثغرات واسعة قد انفتحت في جدار هذه الهيمنة يمكن النفاذ منها·

ان هذا الانتصار قد يشجع بعض المسؤولين العرب وغير العرب على كسر الحصار المفروض على العراق، بل قد يشجع على لقاءات عربية ما زالت ممنوعة حتى الساعة بقرار اميركي·

وهذا الانتصار قد يشجع بعض المسؤولين على مراجعة سياسة التطبيع، أو الهرولة باتجاهه، بل على اتخاذ مواقف تعكس هذه المراجعة، ولقد شهدنا في غير عاصمة عربية مواقف تؤكد على هذا الاتجاه، كخطاب الرئيس اليمني حول منع استقبال اليهود "الاسرائيليين" من اصل يمني، وكخطاب الرئيس الجزائري حول التبرؤ من الصحافيين الذين زاروا "إسرائيل"·

لم تعد اميركا ومعها "إسرائيل" وحدهما اللتان يحسب لهما الحساب، بل باتت عوامل جديدة تدخل في الحسابات·

  

على المدى القصير، فانني لا اعتقد ان نتائج ايجابية حاسمة ستبرز بعد الانتصار اللبناني، وذلك بسبب حجم التردي والتفكك والضعف السائد في الوضع العربي سواء على المستوى الرسمي او المستوى الشعبي·

غير اننا لا بد ان نسجل هنا بعض الملاحظات المتصلة بهذه الآثار:

فعلى المسار الفلسطيني، سيعزز الانتصار اللبناني من منطق المقاومين الفلسطينيين، ومن مواقعهم وستبرز تحركات شعبية وسياسية في هذا الاتجاه، كما سيحرك داخل السلطة الفلسطينية والقوى المرتبطة بها حوارات ونقاشات تدعو الى المراجعة الشاملة للنهج المعتمد·

وهذا الانتصار، كما تداعياته، يمكن ان يشكل عامل قوة للمفاوض الفلسطيني اذا عرف كيف يوظفه، وكيف يستفيد منه، ولا سيما ان من ابرز المطالب اللبنانية التي اعلنها المسؤولون الرسميون، كما قادة المقاومة، هو عودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم وممتلكاتهم·

ولقد كان الاحتشاد الفلسطيني على طرف الحدود اللبنانية الفلسطينية بعد التحرير رسالة واضحة لدعم حق العودة المكرس دوليا بالقرار 194·

ولعل الصلة الواضحة بين قضية القدس من جهة، والطبيعة الجهادية الاسلامية للمقاومة اللبنانية، يمكن ان تشكل كذلك عنصرا ضاغطا لمصلحة اسقاط مشروع تهويد القدس·

اما على المسار السوري، فانني اعتقد ان فشلا ذريعا قد اصاب خطة الانسحاب "الاسرائيلي" من جنوب لبنان والتي كانت تستهدف اضعاف الموقف السوري كما تخفيف الخسائر في صفوف قوات الاحتلال·

فالطريقة التي تم فيها الانسحاب، ووصول المقاومين الى الحدود الدولية، والمماطلة الاسرائيلية بالانسحاب من كامل الاراضي اللبنانية والاحتفاظ بالرهائن، ورفض كشف مصير المفقودين، جعلت من منطقة الجنوب مفتوحة على احتمالات عدة، ابرزها دون شك  توازن الرعب ، حيث تدرك تل ابيب انها اذا كانت قادرة على توجيه ضربات قاسية ضد لبنان وسورية، فهي غير قادرة على حماية مجتمعاتها السكنية والصناعية والاقتصادية من ردود الفعل عليها سواء من صواريخ الكاتيوشا المتوسطة المدى التي تحملها المقاومة وقد باتت على الجانب الآخر من الحدود، او الصواريخ السورية البعيدة المدى القادرة على الوصول الى العمق "الاسرائيلي"، تماما كما كان الامر مع الصواريخ العراقية التي اطلقت تداعيات نفسية وسياسية هامة داخل المجتمع الصهيوني رغم محاصرتها اعلاميا، ورغم تغطيتها في ظل نتائج زلزال الخليج وآثاره·

من هنا، فان الموقف السوري ازداد قوة بعد التطورات اللبنانية، كما بعد التطورات السورية ذاتها حيث كان هناك رهان مزمن في تل ابيب على انهيار سورية بعد رحيل الاسد وهو ما لم يحصل في ظل الانتقال الهادىء للسلطة·

واذا كان المرء لا يستبعد عودة الحياة الى المفاوضات على المسار السوري، فان امكانية الوصول الى نتائج حاسمة ليست بالامر المتاح في وقت قريب لا سيما في ظل الانشغال الاميركي بالانتخابات الرئاسية، وفي ظل عجز باراك عن تقديم تنازلات يراها المجتمع "الاسرائيلي" جوهرية واساسية·

وفي لبنان، المرتبط مسارا ومصيرا في دمشق، سنبقى نشهد في ظل ما يسمى  بتوازن الرعب ، الذي سيستمر الى حين، محاولات "إسرائيلية"، مدعومة من بعض الاوساط الاميركية، من اجل الالتفاف على الانتصار اللبناني، عبر تصعيد الضغط الاقتصادي والمعيشي والاعلامي على لبنان، وعبر تحريض اللبنانيين على سورية، وتحريضهم على بعضهم البعض، بهدف اعادة لبنان الى أجواء الانقسام الداخلي الذي تراجع كثيرا في اجواء مواجهة الاحتلال "الاسرائيلي"·

وستبرز في هذا المجال مشكلات متعلقة بتنمية المناطق المحررة والمتضررة، وبتحريك دورة الحياة الاقتصادية في لبنان واخراجها من الركود، وفي مشكلات لا نجد في الافق القريب حلولا لها لا سيما في ظل غياب الدعم العربي والدولي للبنان، وهو دعم منصوص عليه في قرارات عربية ودولية·

ولعل المحاولات الاميركية والغربية لتعطيل مؤتمر الدول المانحة لدعم لبنان في أواخر تموز الجاري هي اوضح دليل على ربط الدعم الاقتصادي بالموقف السياسي·

اما على الصعيد العربي، فقد يكون لهذا الانتصار ايجابياته على المدى القريب، ولعل ابرزها تراجع منطق دعاة التطبيع وارتباك اوضاعهم وحساباتهم، كما قد تتحسن العلاقات الثنائية بين بعض الاقطار العربية·

ولعل اول هذه العلاقات التي يتطلع العرب الى تحسينها، هي العلاقات السورية - العراقية التي من شأنها ان تعزز موقف البلدين، كما ان تسهم في تحسين العلاقات بين العرب وايران من جهة، وبينه وبين الكويت والسعودية من جهة ثانية·

 خاتمة

 ان هذه اللوحة المتفائلة للآثار العربية البعيدة المدى، كما القريبة، للانتصار اللبناني يجب الا تغيب عن البال بالمقابل احتمالات الانقضاض "الاسرائيلي" والاميركي على هذا الانتصار والسعي الى تجويفه من الداخل، والى تعطيل كل مفاعيله وآثاره الايجابية·

واذا كانت هذه المقالة لا تتسع لسرد كل السيناريوهات المحتملة لمشاريع الثأر الاسرائيلية من الانتصار اللبناني، الا انه يمكننا ان ندرجها جميعا تحت عناوين ثلاثة:

اولا: السعي لتمزيق الوحدة الوطنية في لبنان، وفلسطين، وسورية، والعراق، والاردن، ومصر وفي كل قطر عربي او اسلامي عن طريق تحريك كل انواع الغرائز والعصبيات والحساسيات والمخاوف المتبادلة·

ثانيا: السعي لتعطيل اية محاولة للتضامن العربي والاسلامي، والعمل على إذكاء الخلافات الثنائية بين الدول وتعطيل مؤسسات العمل العربي والاسلامي المشترك·

ثالثا: الاستمرار في التضييق الاقتصادي والمالي على معظم الدول العربية، لا سيما الرافضة للتطبيع مع العدو، بدءا من الحصار المباشر، كما هي الحالة العراقية، مرورا بحجب المساعدات وصولا الى التلاعب بهذه الاقتصادات من الداخل·

ولعل انعقاد ندوة مخصصة لدراسة  السيناريوهات الاسرائيلية المحتملة لمواجهة الانتصار اللبناني  من شأنه ان يسهم في وضع صورة متكاملة امام صاحب القرار، الرسمي او الشعبي، في الوطني العربي من اجل رسم استراتيجية شاملة للمواجهة·