قراءة
في كتاب:
بيت
المقدس في ادب الحروب الصليبية 492 – 648 هـ
تكمن
اهمية كتاب "بيت المقدس في ادب الحروب
الصليبية 492-648هـ" انه يقدم صورة موسعة
وشاملة، ترصد ادبياً ما تعرض له بيت المقدس في
العصرين الفاطمي والايوبي وفي العهود
الزنكية والفاطمية والايوبية على ايدي
الغزاة. فيركز على دراسة موضوع "بيت المقدس
في ادب الحروب الصليبية" منذ اواخر القرن
الخامس الهجري، وفي القرن السادس الهجري وفي
النصف الاول من القرن السابع الهجري اي منذ
احتلالها في سنة 492هـ، من قبل الغزاة الفرنج،
وحتى تحريرها للمرة الثالثة في سنة 642هـ.
يوضح
مؤلف الكتاب عبدالجليل المهدي، انه استخدم
"مصطلح ادب الحروب الصليبية" عن دراسة
وخاصة ان هذا التعبير استخدم في العصر الحديث
ويشير الى كل ما قام من ادب حول الحروب
الصليبية، من ادب عربي، او ادب غير عربي.
تقع
الدراسة في اربعة فصول.
الفصل
الاول يقدم فيه المؤلف عرضاً تفصيلياً لـ"
بيت المقدس في ادب الحروب الصليبية قبل الفتح
القدسيب" وفيه تظهر صورة بيت المقدس فيما
كتب من شعر نظر الى الهزيمة وصداها، والدعوة
للجهاد ووحدة المسلمين لتحرير بيت المقدس
وغيرها مما احتل من ديار المسلمين. يتحدث
الفصل الثاني عن "بيت المقدس في ادب الحروب
الصليبية" في فترة الفتح القدسي وصداه
العميق في الادب العربي. اما الفصل الثالث
فيركز على صدى اهم الاحداث التي نزلت ببيت
المقدس، وتبينها في الادب العربي آنذاك. اما
الباب الرابع فيبحث في دراسة فنية للاشعار
القدسيات.
صدى
احتلال بيت المقدس في سنة 492هـ في ادب الحروب
الصليبية
يتوقف
د. عبدالجليل المهدي في الفصل الاول من الكتاب
والذي جاء تحت عنوان "صدى احتلال بيت
المقدس في سنة 492هـ، في ادب الحروب الصليبية"
امام الحدث الجلل واثره في نفوس الادباء، حدث
احتلال بيت المقدس من قبل الصليبيين في سنة 492هـ،
فيشير الى ان الشعر لم يكن على مستوى الحدث،
لا كماً ولا كيفاً. في الوقت الذي كان ينتظر
فيه من الادب دوراً ريادياً. فيتساءل "هل
يمكن ان يكون الشعراء قد قصدوا الى الا يقولوا
شعراً يعبر عن الهزائم حتى لا يفتوا في اعضاد
الجند، وهل امتنعوا عن القول في مثل هذه
الاحداث لما يحسون به من مرارة الهزيمة،
وخيبة الامل؟ ان على الشعراء ان يرتفعوا الى
مستوى الحدث في اشعارهم نصراً كان او هزيمة
(..)".
على
الرغم من القصائد القليلة التي وصلت الينا
والتي ينطبق على معظمها "شعر رثاء المدن"
وقد شاعت هذه الظاهرة في فترة الحروب
الصليبية، في المشرق الاسلامي، كما كانت
شائعة في مغربه، فان هذا القليل من الشعر
ينطبق عليه كما يرى د. المهدي لون الادب
الباكي فيعرض لبعض القصائد المجهولة الاسماء:
مزجنا
دماءً بالدموع السواجم
فلم
يبق منا غرضة للمراحم
وشر
سلاح المرء دمع يفيضه
اذا
الحرب شبت نارها بالصوارم
وفي
قصيدة اخرى يرى ان هناك فرجاً بين الرثاء
والدعوة للجهاد وحث المسلمين على مقاومة
الاعداء الغزاة:
دوناكم
والحرب تدعو ملحة
الينا
بألحاظ النسور القشاعم
تراقب
فينا غارة عربية
تطيل
عليها الروم عض الاباهم
ويذكر
د. المهدي ان هناك شاعراً لم يذكر اسمه، رثى
بيت المقدس بأبيات مؤثرة مستثيراً المسلمين،
فصور ما حل بهم، وبدينهم داعياً اياهم للجهاد:
احلّ
الكفر بالاسلام ضيماً
يطول
عليه للدين النحيب
فحق
ضائع، وحمى مباح
وسيف
قاطع ودم صبيب
وكم
من مسلم امسى سليباً
ومسلمة
لها حرم سليب
امور
لو تأملهن طفل
لطفّل
في عوارضه المشيب
فقل
لذوي البصائر حيث كانوا
اجيبوا
الله ويحكم اجيبوا
يبدو
ان ندرة ما كتب عن مرحلة الانكسار ووصف احتلال
بيت المقدس، قد عوضه الادباء في شعر
الاستنهاض والدعوة للجهاد. وقد انعكس ذلك
جلياً في شعر الانتصارات التي احرزها
المسلمون منذ نحو سنة 539هـ، وذلك بعد بروز
شخصيات قيادة اسلامية قادت الجهاد المقدس ضد
العدو الصليبي، من امثال عماد الدين الزنكي
ونور الدين الزنكي وغيرهما. وفي هذا الجانب
يشير المؤلف الى ان الصورة تجلت بشكل عميق في
الشعر ودعواته للجهاد بعد الثلث الاول من
القرن السادس الهجري، بعد ان تمكن المسلمون
من احراز الانتصارات الحاسمة في معركة
الرّها، ومعركة انّب وغيرهما من المعارك، وقد
تغنى الشعراء بتلك الانتصارات.
وفي
هذا السياق كتب الشاعر ابن القيسراني قصيدة
اشاد فيها بقوة الحق، مبيناً ان بيت المقدس
والاقصى لن يحررا الا بالسيف، ولا يتم
التحرير الا بالتضحية بالنفوس يقول في قصيدته:
كأني
بهذا العزم لا فلّ خده
واقصاه
بالاقصى وقد قضي الامر
وقد
اصبح البيت المقدس طاهراً
وليس
سوى جاري الدماء له طهر
وقد
ادت البيض الحداد فروضها
فلا
عهدة في عنق سيف ولا نذر
وان
تتيمم ساحل البحر مالكاً
فلا
عجب ان يملك الساحل البحر
وصلت
بمعراج النبي صوارم
مساجدها
شفع وساجدها وتر
ويشارك
العماد الاصفهاني في الدعوة الى تحرير بيت
المقدس، كما يكتب الحافظ ابو القاسم علي بن
الحسن بن هبة الله بن عساكر داعياً للجهاد
وتحرير بيت المقدس. وتظهر الدعوة الى تحرير
بيت المقدس في اشعار للعماد الاصفهاني وتتجلى
في قصيدة ارسلها لصلاح الدين الايوبي يدعوه
لتحرير الساحل وتطهير بيت المقدس من جس
الاحتلال، يقول:
يا
مخجل البحر بالايادي
قد
آن ان تفتح السواحل
فقدس
القدس من خباث
ارجاس
كفر غتم اراذل
وفي
مكان آخر يشيد عمارة اليمني بجهاد صلاح الدين
ضد الفرنج، ويحرضه على القضاء على "مرّي"
ملكهم في بيت المقدس في قصيدة كتبها في سنة 564هـ
يحثه على تحرير بيت المقدس في قصيدة اخرى
قائلاً:
قل
لابن ايوب وكم ناصحٍ
انفع
ممن هو شاكي السلاح
حارب
على مثل نجو السما
فملك
مصر ما عليه اصطلاح
فالقدس
قد آذن اغلاقه
على
يدي يوسف بالانفتاح
وتستمر
الدعوة الى تحرير بيت المقدس تشيع في الشعر
كما يرصد المؤلف في ما كتبه العماد الاصفهاني
وغيره من الشعراء، ويشارك في هذه الدعوة ابن
الساعاتي في قصيدة انشأها في ربيع الاول سنة
575هـ يهنئ صلاح الدين بفتح حصن بيت الاحزان
وتخريبه وكان بيد الافرنج ومطلعها:
بجدّك
اعطاف القنا تتعطف
وطرف
الاعادي دون مجدل يطرف
ويشير
المؤلف في الفصل الاول من الكتاب الى رسائل
الفاضل والعماد الاصفهاني وضياء الدين بن
الاثير التي كتبوها حول بيت المقدس في دعوة
لتحقيق وحدة المسلمين، بعد ان اصابتهم الفرقة
واخذت منهم وحدتهم التي كانت تشكل سداً
منيعاً في وجه اعداء الاسلام والمتربصين به.
يصور
القاضي الفاضل – كما يورد المؤلف – غاية صلاح
الدين في الوحدة جلية كما يبدو في قوله
مخاطباً رسول قطب الدين ينال بن حسان الشبجي
"اعلم انني وصلت الى الشام لجمع كلمة
الاسلام، وتهذيب الامور وحياطة الجمهور، وسد
الثغور، وتربية ولد نور الين، وكف عادية
المعتدين". ولم يكن صلاح الين يريد "الا
من تكون عليه يد الله، وهي الجماعة". وكان
غرضه من ضم الموصل "ان يكون الموصل الى
القدس سواحله". كما يبين القاضي الفاضل في
بعض رسائله.
ويصور
العماد الاصفهاني عمل صلاح الدين، وانه لن
يترك المسلمين يقبصد بعضهم بعضاً وسيجمع "شملهم
على الاتفاق والاتحاد".
ويرصد
المؤلف مشاركة الشعراء في الدعوة الى الوحدة
بين مصر والشام والجزيرة، وذلك للوقوف صفاً
واحداً في وجه العدو الصليبي وتحرير الارض،
والانسان. وقد عرف الشعراء ان اهم الاسباب
التي ادت الى احتلال بلاد المسلمين وعلى
رأسها بيت المقدس، تتمثل في تفرق صفوف
المسلمين وانقسامهم وتنازعهم فيما بينهم. ومن
بين هؤلاء الشعراء الذين شاركوا في الدعوة
الى وحدة المسلمين طلائع بن رزيك واسامة بن
منقذ.
وما
يمثل الدعوة الى تلك الوحدة، قول طلائع بن
رزيك مخاطباً اسامة بن منقذ:
فانهض
الآن مسرعاً فبأمنا
لك
ما زال يدرك المطلوب
والقِ
عنا رسالة عند نور الدين
ما
في القائها ما يريب
قصدنا
ان يكون منا ومنكم
اجل
في مسيرنا مضروب
صورة
بيت المقدس في ادب الحروب الصليبية في سنة 583هـ
الفصل
الثاني من الكتاب "صورة بيت المقدس في ادب
الحروب الصليبية في سنة 583هـ" دعوة الشعراء
في السنة التي سبقت سنة الفتح اي في سنة 582هـ،
فقد استمر الشعر يدعون الى تحرير مدينة بيت
المقدس، ويحثون على الجهاد لتحريرها وتحرير
غيرها من ديار المسلمين المحتلة. وقد احتل شعر
العماد الاصفهاني مساحة واسعة في ما انشده
داعياً للجهاد وتحرير بيت المقدس. ويصور في
هذا المضمار ابن الساعاتي مستبشراً بالنصر
الذي حققه المسلمون في طبريا وحطين ويدعو الى
الاستمرار في الجهاد مشيداً بصلاح الدين
ويبدو لك في قوله:
قضيت
فريضة الاسلام منها
وصدقت
الاماني والظنونا
تهز
معاطف القدس ابتهاجاً
وترضي
عنك مكة والحجونا
ويصف
د. عبدالجليل المهدي وقائع تحرير بيت المقدس
على يد صلاح الدين الذي استولى اولاً على
عسقلان وبيت جبريل، بعد ان طهر وادي الاردن من
العدو المحتل. ويضيف انه " في شهر رجب سنة 583هـ،
اخذت جيوش المسلمين بقيادة صلاح الدين تقترب
من بيت المقدس، وكانت قادمة من الخليل، وعسكر
الجيش الاسلامي بالجانب الغربي، ثم رأى
السلطان صلاح الدين وقادته ان المكان غير
مناسب عسكرياً" ويتابع في مكان آخر "ان
الجيش الاسلامي نصب المنجنيقات، وضايق بيت
المقدس بالزحف والقتال وكثرة الرماة (...)"
ويذكر المؤلف ان القدس اصبحت بيد المسلمين في
يوم الجمعة السابع والعشرين من رجب بعد ان
استسلم الفرنج طالبين الامان من صلاح الدين.
لقد
نظر الادباء الى هذا الفتح نظرة تعظيم. فقد
صور العماد الاصفهاني هذا النصر، وعده هجرة
ثانية للتاريخ. واشاد القاضي الخطيب محي
الدين بن زكي الدين بالفتح القدسي ووصفه بـ"الفتح
الاسنى، والنصر الاهنى". واعتبر القاضي
الفاضل الزمان، ان فتح بيت المقدس مدعاة
للفخر.. وعده ابن شداد "فتوحاً عظيماً.
اعتبر
هذا الفتح كما يورد المؤلف انه الفتح الاعظم
وتررد صداه في الاشعار والقدسيات وتمثل في
شعر العماد الاصفهاني، اسامة بن منقذ،
والحكيم ابي الفضل عبدالمنعم الجلياني،
والرشيد بن بدر النابلس، وابن الساعاتي، وبن
سناء الملك، وسبط بن التعاويذي، وابن جبير،
ويوسف بن الحسين بن المجاور، والحسن بن علي
الجويني، وفتيان الشاغوري وغيرهم، وانشئت
الدواوين الخاصة التي تحدثت عن الفتح المبين.
ومما
قاله بعض الشعراء في الفتح الاسلامي، يورد
المؤلف بعض الاشعار فعلى سبيل المثال ربط ابن
الساعاتي بين الخليفة عمر بن الخطاب،
والسلطان صلاح الدين مشيداً بكل من الفاتحين
كما يبدو في قوله:
فليت
فتى الخطاب شاهد فتحها
فيشهد
ان السهم من يوسف اصمى
وقد
اوتي الفتحين مالاً وبلدة
فلم
يبقَ نصراً ما حواه ولا غنما
وفي
السياق ذاته يصور الشعراء الفتح القدسي ملحمة
من الملاحم الجهادية، وكانت الملحمة ذات
الحان طالما تاقت الآذان الى سماعها كما يقول
الشاعر فتيان الشاغوري:
انشأت
ملحمة تمل مقاتل
الفرسان
بالعدد الذي لم يحصر
اعرابها
ضرب الحسام ونقطها
وقع
السهام وخطها بالشمهري
والحبر
بحر تعطمط موجه
اذ
ليس ثم سوى الثرى من دفتر
ويذهب
العماد الاصفهاني الى تصوير آثار الفتح
وبشائره وانعكاساته على الدين الاسلامي
فيقول: ".. وتلي التنزيل، وحق الحق، وبطلت
الاباطيل، وتولى لافرقان، وضفت السجادات،
وصفت العبادات، واقيمت الصوات.، واعليت
الرايات، ونطق الآذان (..)".
ويصور
الادب الاستجابة لنداءات الصخرة المشرفة –
كما يورد المؤلف – التي طالما استصرخت
بالمسلمين، فلبى صلاح الدين نداءاتها
واستصراخها وعلى لسان الاصفهاني تنطلق
الكلمات التي تمجد نصر صلاح الدين فيقول: "وقد
كانت الصخرة مستصرخة، ومطايا الكفر بكلاكلها
عليها منوخة، فأجيبت دعوتها، واصيبت حظوتها..
، ودنا المسجد الاقصى للقاصي والداني".
وفي
هذا يصور الشعر تحرير بيت المقدس، وغيرها من
بلاد الاسلام، عامل امن واستقرار. ومن ذلك ما
نجده في شعر ابن الساعاتي، اذ يتحدث عما نجم
عن الفتح القدسي من نشر للأمن يقول من قصيدة
يمدح فيها صلاح الدين، عند فتح القدس في سنة 583هـ:
لقد
سكن الدهياء امناً وغبطة
فهل
كان لفظاً سار او عسكراً دهما
ويفرد
المؤلف تحت عنوان فرعي من الكتاب الصورة التي
رسمت لفاتح بيت المقدس وما انشئ من الرسائل
والخطب، وما انشد من الشعر الكثير من مبشرات
وقدسيات. فقد تغنى الشعراء بالانتصارات التي
احرزها المسلمون بقيادة صلاح الدين، وعلى
رأسها فتح بيت المقدس. ومن اولئك الشعراء
العماد الاصفهاني، وابن سناء الملك، وابن
الساعاتي، وعبدالمنعم الجلياني وغيرهم. كما
يعرض المؤلف لصورة محتلي بيت المقدس في الادب
العربي.
فبين
الشعر كيف عمل الفرنج على تغيير معالم بلاد
المسلمين سياسياً واقتصادياً وحضارياً
وفكرياً ودينياً. فقد صور ابن الخياط الدمشقي
جيوش الفرنجةب الذين غزوا بلاد المسلمين في
الشام كما كتب في المنحى ذاته ابن الساعاتي
والعماد الاصفهاني ومحي الدين بن الزكي
وآخرون.
الفصل
الثالث من الدراسة جاء تحت عنوان: "صورة بيت
المقدس في ادب الحروب الصليبية (القدسيات) بعد
الفتح القدسي "584 – 648هـ".
في
هذا الباب يعرض المؤلف لصدى محاولات الفرنج
استرداد بيت المقدس في ادب الحروب الصليبية.
فيعرض لما ذكره ابن الاثير وما تابعه ابن واصل
الحموي فذكروا ان "فرديك بربروسيا" ارسل
الى "قلج ارسلان" السلطان السلجوقي
قائلاً: "ما قصدنا بلادك، وانما قصدنا
البيت المقدس" ويبين المؤلف محاولات
الامبراطور فردريك الذي عمل على استثارة
الفرنج للثأر لكنيستهم بالقدس.. كما يشير
العماد الاصفهاني. وفي رسالة الامبراطور تظهر
النزعة الاستعلائية والتهديد "خذ الموعظة
من فرعون، وسلم بيت المقدس" والرسالة كانت
موجهة الى صلاح الدين. فرد عليه صلاح الدين
بقوله: "لم يبقَ امامهم من شيء الا ان نعمل
دائبين للاستيلاء على صور، وطرابلس،
وانطاكية وعرض عليهم تسليمها..".
ويشير
المؤلف الى ان العماد الاصفهاني رصد في كتاب
كتبه الى ديوان الخليفة، كيف افضى الامر على
عقد الهدنة، ويبين ان الاعداء قد اجمعوا على
قصد بيت المقدس ولكنهم "عرفوا ان المرمى
بعيد المرام، وانهم لا يستطيعون مقاومة عسكر
الاسلام، فنكصوا على اعقابهم ثم استقرت
المهادنة ووضعت الحرب اوزارها".
ويدعو
العماد الى عدم الاغترار بعقد الهدنة.
ويبين
المؤلف المحاولات المستميتة من الفرنج
لاستعادة بيت المقدس، واحتلالهم عكا
والمفاوضات التي دارت مع المسلمين واستيلاء
الفرنجة على حيفا، وتجدد المفاوضات ومحاولات
ريتشارد احتلال بيت المقدس ومواجهة المسلمين
للقوات المهاجمة.
لم
يكن صدى هذه الاحداث بارز التأثير في الادب
العربي، فكان صداه باهتاً في الشعر، جلي في
النثر، فقد قلت الاشعار في هذا المجال،
واكتفت بالحديث عن قصد الفرنج بيت المقدس،
والهدنة. بينما تتحدث رسائل الاصفهاني،
والقاضي الفاضل عن هذه الاحداث، وتصورها،
وتصور صداها في النفوس، وتصور المواقف كما
تصور الاحاسيس والمشاعر.
وعن
صدى تخريب بيت المقدس في 616هـ في الادب
العربي، يرصد المؤلف ذلك الصدى بقوله انه "كان
باهتاً فلم يكن موازياً للحدث الجلل الذي
ثارت بسببه نفوس المسلمين وخرجوا الى الاقصى
والصخرة ومزقت الثياب، وقطعت الشعور".
ومن
الاشعار التي قيلت يورد المؤلف مقاطع من
قصيدة للشاعر ابن الشعار الموصلي يصور فيها
مصاب القدس الجلل واثره في نفوس المسلمين:
مصاب
القدس قد سلب الرقادا
وقد
لبس الخطيب به حدادا
وقاضية
قضى نحباً وان لم
يمت
لخراب ما اعلى وشادا
ونادى
المسجد الاقصى ايرضى
بهذا
الفعل من فرض الجهادا
ومنبره
الشريف يئن خوفاً
وعما
حل بالمحراب ماذا
ولا
ترقى لصخرته دموع
فكم
قد اقرحت اسفا فؤادا
صدى
الفتح القدسي الثاني في سن 637 هـ في ادب الحروب
الصليبية
يتساءل
المؤلف عن سبب قلة الكتابات في هذه الفترة
قائلاً: "لِمَ لم يلقَ تخليص بيت المقدس صدى
يذكر في هذه المرة، ولم لم نجد الشعراء
والكتاب يشيدون بالملك الناصر داوود، محرر
بيت المقدس، في سنة 637هـ".
ويذكر
د. المهدي ما وصل الينا مما قيل من شعر في هذا
الفتح القدسي والذي اقتصر على ثلاثة ابيات
قالها الشاعر جمال الدين يحيى بن مطروح، وقيل
انها قصيدة طويلة مشتملة على ابيات كثيرة:
المسجد
الاقصى له عادة
سارت
فصارت مثلاً سائرا
اذا
غدا للشرك مستوطنا
ان
يبعث الله له ناصرا
فناصر
طهره اولاً
وناصر
طهره آخرا
في
خاتمة الفصل الثالث يشير د. المهدي الى الفتح
القدسي الثالث ويوصف هذا الفتح بالفتح
الصلاحي النجمي، كما يقول مجير الدين
العليمي، نسبة الى الملك الصالح نجم الدين
ايوب، اذ تم الفتح في عهده.
الفصل
الرابع والاخير هو دراسة فنية للقدسيات وفيه
اطلالة على التجربة الشعرية للشعراء الذين
كتبوا في تلك المرحلة الزمنية ومقاربة لبنية
القصائد والاسلوب والصنعة البديعية.
كما
يفرد الفصل الرابع عناوين فرعية لدراسة "القدسيات"
في النثر فيعرج على الاسلوب ولغة الشعر ولغة
النثر وقواسمها المشتركة وقضايا فنية اخرى.
اهمية
هذا الكتاب عدا عن كونه مرجعاً موثقاً
وعليماً رصيناً، فهو محرض يدعو العرب
والمسلمين الى التنبه لتلك الاطماع التي تريد
سلب المقدسات الاسلامية.. فالتاريخ يعيد نفسه
الآن وما تشهده فلسطين من محاولات تهويد الا
حلقة اخرى من حلقات الغزوة الصليبية الكبرى.