المساعدة الاميركية "لإسرائيل" : الرباط الحيوي.
توماس ر.ستوفر
- كثيرا ما أثار التفوق "الإسرائيلي" الظاهر في المنطقة العربية المتوسطية التساؤلات حول حقيقة هذا التفوق. وحدا بكثير من الباحثين والمفكرين الى تحليل اسبابه الذي قرن على الدوام بعامل أميركي مساعد، ساهم على امتداد حوالي خمسين سنة من الزمن بتخطي "اسرائيل" الكيان المنشأ في القلب العربي، لمعطيات الواقع كافة. من هنا تكتسب دراسة السيد "توماس ر. ستوفر" اهميتها في بيان الربط الحيوي" بين اميركا" و"اسرائيل"، ودور المساعدة الاميركية "لاسرائيل" في فرض واقع تكون موازين القوى فيه لصالح السياسة والمصالح "الاسرائيلية".
فيما يلي نص الدراسة التي يعود تاريخها الى الفترة السابقة على سنة 1983 المالية. لذلك فهي قديمة، نسبية من حيث الأرقام، جديدة كل الجدة لجهة بقيان طبيعة المساعدات ونسبتها.
اولا : مقدمة
ان أداء "اسرائيل" الاقتصادي وحاجتها الى مزيد من ضخ المساعدات الاميركية قد ظهرا، في السنوات الاخيرة، كالعامل المتفرد الأشد حساسية في العلاقات الاميركية - "الاسرائيلية"، وكأهم تقييد كامن على حرية نشاط "اسرائيل" السياسي.
تتلقى "اسرائيل"، حاليا، 2.5 مليار دولار في السنة على شكل مساعدة اميركية رسمية مباشرة، وهي كمية تعادل نحو ربع اجمالي الأموال المنفقة إعلاميا من المساعدات الاميركية. وقد تقدمت "اسرائيل"، في الخريف، بطلب عاجل لمبلغ 700 مليون دولار اضافي سنة 1984 المالية، واذا تمت الموافقة على هذا الطلب فستصل المساعدة الاميركية الى "اسرائيل"، سواء الرسمية منها او غير الرسمية، التي لا تخضع للضريبة نحو 5 مليارات دولار.
ان الدعم المالي الاميركي "لإسرائيل" هو فعليا اكبر من الارقام التي اشرنا اليها اعلاه. فهناك ما يمكن اعتباره الدعم المرتبط "باسرائيل". وهناك الانكشاف المتزايد للمصارف التجارية الاميركية التي امدت "اسرائيل" بالقروض. وعلى سبيل المثال، يرتبط مدى المساعدة الاميركية لمصر ارتباطا عضويا بموقف مصر السياسي تجاه "اسرائيل" والسلام السائد، وبالتالي فان مبلغ 1.5 مليار دولار مساعدة اميركية لمصر يرتبط بالنتيجة بمساعدة الولايات المتحدة "لاسرائيل" نفسها.
ولا تتضمن هذه الارقام الديون "الاسرائيلية" الكبيرة والمتزايدة والقصيرة الاجل من مصارف تجارية محلية في الولايات المتحدة، وهي ديون تبلغ 2 مليار دولار على الاقل، وربما كانت اكثر من ذلك بكثير. تعطى هذه القروض او الأرصدة الدائنة على اساس شروط تجارية. لكن اذا اخذنا في الاعتبار عدم استقرار السيولة في "اسرائيل" وواقع ان صافي احتياط العملة الأجنبية هو صفر او ربما سلبي، وبوجود الثقل المتنامي للفوائد والمستحقات على ديون قديمة متراكمة، فان القرض التجاري يكون متوفرا فقط بفضل المساعدة النقدية الاميركية التي تسمح بتأدية شكلية لمستحقات القرض. ومن دون المساعدة الاميركية ستتلاشى هذه الاموال بسرعة.
ان تزامن الظروف بين حاجة "اسرائيل" الملحة الى مزيد من الموارد المالية وبين الضيق الاقتصادي المستمر في الولايات المتحدة والاقتطاعات من الميزانية المحلية، التي خفضت بنتيجتها النفقات الموجهة لخدمة الاميركيين، هو مسألة شديدة الحساسية. "فاسرائيل" تطالب بمزيد من المساعدات، في حين يجري خفض البرامج الاجتماعية والانعاشية داخل الولايات المتحدة نفسها.
ان إلحاحية الطلبات "الاسرائيلية" لمزيد من المساعدة حقيقية جدا. ومن يقلل من شأن مأزقها المالي يخطئ في قراءة المدلول الكامل للمؤشرات الاقتصادية "الاسرائيلية":
- تتجنب "اسرائيل" التخلف العملي عن ايفاء ديونها الخارجية الضخمة فقط عن طريق الهبات المالية المستمرة من الولايات المتحدة. وتسمح هذه الهبات والقروض الجديدة بتغطية شكلية لمستحقات الديون. و"اسرائيل"، من دون ذلك، هي في خطر عجز حقيقي عن ايفاء الديون.
- ان احتياطها الفعلي من العملة الأجنبية يدنو كثيرا من الصفر، وهو يعادل تقريبا اسبوعا او اسبوعين من الواردات. وتعادل الاحتياطات الرسمية تقريبا صافي الديون القصيرة الاجل للمصارف التجارية.
- ان اعتماد "اسرائيل" على المساعدة المالية اساسي بالنسبة اليها، كحال اعتماد الدول المصدرة للنفط على النفط، اذ ان المساعدة الخارجية، التي تشكل المساعدة من الولايات المتحدة 75 % الى 90 % منها، تساهم في خلق نصف الناتج القومي الاجمالي تقريبا. وليس هناك، في المدى المنظور، امكان للتقليل من شأن هذا الاعتماد.
- على "اسرائيل" ان تجمع ما بين 9 و 11 مليار دولار من الموارد المالية الجديدة هذه السنة لتغطي عجزها ولتعيد تمويل ديونها القصيرة الاجل وديونها المستحقة. وقد تكون المصارف التجارية غير مستعدة للاستمرار في هذه المخاطر من دون ضمانات الحكومة الاميركية بشكل او باخر.
ان الوضع المالي حساس للغاية. فعلى "اسرائيل" ان تجمع مبلغ 9 مليارات دولار خلال السنة القادمة، أي نصف ناتجها القومي الاجمالي تقريبا. وسيستخدم، على الاقل، ما قيمته 3 مليارات دولار من هذا المبلغ لتمويل موجودات العملة الاجنبية المعلنة رسميا من قبل المصرف المركزي.
وسنقوم بمعاجلة الابعاد الاقتصادية الرئيسية الثلاثة لهذه المسألة في الاقسام التالية: يقدم القسم الثاني نظرة عامة عن اجمالي تدفق الموارد الاميركية المنقولة الى "اسرائيل". ويعالج القسم الثالث مدى اعتماد "اسرائيل" المستمر على المساعدات الخارجية والإعانات. اما القسم الرابع فيتضمن خلاصة تقويمية حول "ضائقة" السيولة الراهنة "لاسرائيل" والاحتمال المشؤوم لأي تخلف عن دفع الديون في غياب تدخل مهم من جانب الولايات المتحدة الاميركية والالتزام المالي الاميركي الضخم تجاه "اسرائيل".
ثانيا : المساعدة الاميركية "لاسرائيل" - تفصيل وتقدير
تطال المساعدة الاقتصادية الاميركية "لاسرائيل" عددا كبيرا من البرامج. اما المساعدة الرسمية التي تتطلب موافقة الكونغرس، فتشكل فقط جزءا - وليس بالضرورة الجزء الاكبر - من رزمة المساعدات الاجمالية. وتتوزع هذه المساعدات على التصنيفات المختلفة التالية:
|
التصنيف |
البرامج |
المبلغ- سنة 1980 (مليون دولار) |
|
رسمية : بيان المساعدة الخارجية |
صندوق الدعم الاقتصادي، المبيعات العسكرية الخارجية مبيعات ب ل 480 |
2213 |
|
رسمية : حسابات غير مشمولة كمساعدات |
عقود عسكرية، منح وعقود (وزارة الطاقة والصحة)، قروض مصرف التصدير والاستيراد |
اكثر من 200 |
|
تحويلات خاصة : اعفاءات ضريبية، حصص عائدة من توظيف شركات، قروض تجارية |
جمعيات يهودية خيرية، مصارف خاصة |
حد ادنى 1400 |
|
بنية تحتية اقتصادية |
دعم تجاري واردات مضمونة سلفا، نقل تكنولوجي |
حد ادنى بين 500 و 1000 |
|
مساعدة طارئة |
اتفاقات امداد نفط (1975 و 1979) |
10 مليارات خلال أي ازمة امداد محتملة |
ان بنية المساعدة الاميركية "لاسرائيل"، كما تظهر في الجدول السابق، متعددة الوجوه تترواح من الهبات النقدية والقروض المعفاة فوريا على الصعيد الرسمي، الى التوظيف المباشر في الصناعة "الاسرائيلية" او المنح المعفاة من الضريبة للمؤسسات الخيرية "الاسرائيلية" على الصعيد الخاص. وتتضمن المساعدة ايضا المعونة الممنوحة لمصر والتي هي مشروطة بعلاقتها السياسية "باسرائيل"، وايضا اتفاقات امداد النفط التي في حال حدوث الظروف المؤدية الى تطبيقها تفترض كلفة سنوية قد تصل الى 10 مليارات دولار.
أ- مصادر رسمية
تصل اليوم المساعدة الاميركية الرسمية "لإسرائيل" الى 2.5 مليار دولار لسنة 1983 المالية، وهي تزيد 300 مليون دولار عن مستوى سنة 1982. وهذا المبلغ كان من ضمن قرار مستمر اتخذه الكونغرس في كانون الأول / ديسمبر 1982.
ويتضمن الجزء الأكبر من المساعدة الرسمية 785 مليون دولار منح نقدية من صندوق الدعم الاقتصادي ( ESF) ، و 1.7 مليار دولار ارصدة صفقات اسلحة من خلال برامج المبيعات العسكرية الخارجية ( FMS). يتم بيع هذه الاسلحة شكليا، الا انه يجري عمليا تحويل تلقائي لما نسبته 40 % الى 50 % من السعر الى منح، ويخضع المبلغ المتبقي لتسهيلات دفع خاصة عبر مصرف التمويل الفيدرالي، حيث تقل معدلات الفائدة بما نسبته 2 % الى 5 % عن اسعار السوق.
ولقد ارتفع حجم المساعدة الاميركية بصورة كبيرة خلال السنوات العشر الماضية، في حين تزايدت الشروط التسهيلية. ففي سنة 1972 كان حاصل المساعدة الاميركية الرسمية 475 مليون دولار تقريبا، 88 % منها قرض. اما اليوم، حيث تبلغ المساعدة الرسمية 2.5 مليار دولار، فيشكل ما يزيد على 60 % منها - أي 1.5 مليار دولار - هبة مباشرة لا تحتاج الى ايفاء، والباقي قروض تستوفى بعد عشر سنوات وخلال فترة تتراوح بين 20 و 30 سنة، وبمعدلات فائدة دون مستوى السوق. مع هذه الشروط التسهيلية يكون الجزء الممنوح من القرض اكثر من خمس تقريبا، وبالتالي يكون اكثر من ثلثي المساعدة الاميركية الرسمية، عمليا، هبات. ولقد اصبحت هذه المساعدة كبيرة الاهمية خلال السنوات العشرين المنصرمة، مع انتقال جزء متزايد من الثقل الاقتصادي لدعم "اسرائيل" من المساهمات اليهودية والتعويضات الالمانية الى حكومة الولايات المتحدة الاميركية.
وقد ظهر عنصر جديد المساعدة الرسمية منذ سنة 1979 عندما بدأت "اسرائيل" الاستقراض بصورة كثيفة من مصرف التصدير والاستيراد. ففي سنة 1980 سحبت "اسرائيل" ما مجموعه 306 ملايين دولار، وشكل ذلك زيادة حادة عن البضعة عشرات من الملايين في السنة خلال العقد المنصرم. ومن ثم قامت "اسرائيل" بسحب 217 مليون دولار في سنة 1981. ولا بد من الاشارة الى ان هذا التمويل تصحبه تسهيلات مهمة.
ب- مساعدة رسمية خارجة عن الميزانية
ان عنصرا اضافيا من المساعدة الرسمية الاميركية "لاسرائيل" يمول خارج مخصصات المساعدة العادية، ويتضمن شروطا خاصة لعقود اميركية. ويصل مجموع العقود مع الصناعات العسكرية "الاسرائيلية" الى عدة مئات من ملايين الدولارات في السنة، وهي بذلك تؤمن لها دعما اساسيا من العملات الاجنبية.
وتبعا للعديد من نصوص مذكرات اتفاق بين "اسرائيل" والولايات المتحدة، تقوم مصانع الاسلحة "الاسرائيلية" بصفقات بيع للولايات المتحدة بشروط خاصة مؤاتية جدا لها. فهي تعفى الى حد كبير من القيود التي تفرض عادة على وزارة الدفاع الاميركية بشراء منتوجات محلية الصنع، كما انها تعفى من الرسوم الجمركية على الواردات، حتى لو كانت تشكل مبيعاتها منافسة مباشرة للبائعين المحليين. ويجري بعض المبيعات مع وزارة الدفاع مباشرة، كالعقد الذي جرى مؤخرا بمبلغ 93 مليون دولار مع الشركة الالكترونية "الاسرائيلية" "تاديران"، في حين تجري مبيعات اخرى بواسطة ملتزمين ثانويين مع موافقة الملتزمين الاصليين في وزارة الدفاع، كشركة ماغدونالد دوغلاس.
ان ما يسمى المبيعات "المتقابلة" التي يقوم بموجبها الشاري الاجنبي ببيع اجهزة فرعية كجزء من صفقة لشراء الاجهزة الرئيسية من الولايات المتحدة، هو شكل تبادل تشترك فيه جميع دول حلف شمال الاطلسي. لكن في حالة "اسرائيل"، لهذه المبيعات اهمية ضئيلة لأنه لا يوجد، من الوجهة الاقتصادية، وضع تبادلي ذو شأن. فدول حلف الناتو تدفع في المطاف الأخير ثمن مشترياتها من الولايات المتحدة، بينما ليس هناك تعادل في الصفقات العسكرية التي تجري مع "اسرائيل". فمن جهة، تدفع الولايات المتحدة بواسطة وزارة الدفاع، او بواسطة ملتزمين رئيسيين، السعر الكامل "لاسرائيل"، بينما تتمتع "اسرائيل" - من جهة اخرى - بحسم يتراوح بين 40 % الى 50 % على "مشترياتها" من الولايات المتحدة عبر التخلي التلقائي عن جزء من سعر الشراء. وتستفيد "اسرائيل" ايضا من تسهيلات التمويل على المبلغ المتبقي، وبشروط لا تقدمها "اسرائيل" في المقابل للولايات المتحدة.
وتأمل "اسرائيل" بتوسيع مهم لهذا الوجه من المساعدة الخارجية عن الميزانية، كطريقة لتخفيض حجم المساعدة المطلوبة كل سنة من الكونغرس. وبحسب مذكرة التفاهم المتفق عليها في تشرين الثاني / نوفمبر 1981، والمجمدة موقتا، وعدت الولايات المتحدة "اسرائيل" بزيادة 200 مليون دولار على مشتريات وزارة الدفاع الاميركية من "اسرائيل"، وطالب "الاسرائيليون" ايضا الولايات المتحدة بتوسيع شروط التسهيلات التمويلية في برنامج المبيعات العسكرية الخارجية ( FMS) ليطال دول العالم الثالث التي تشتري اسلحة من "اسرائيل" مباشرة.
ج- تحويلات خاصة
بالاضافة الى التمويل الرسمي، ينقل سنويا من الولايات المتحدة الى "اسرائيل" مبالغ ضخمة من الاموال الخاصة معظمها معفى من الضرائب. فخلال السنوات القليلة الماضية كان المعدل السنوي لاجمالي التحويلات الخيرية الى "اسرائيل" يتراوح بين 950 و 1050 مليون دولار، فقدرت السلطات "الاسرائيلية" ان اكثر من 70 % منها كان مصدره الولايات المتحدة. اما الممولون الرئيسيون فهم الجمعيات اليهودية الخيرية النافذة، مثل جمعية النداء اليهودي الموحد. هذا مع العلم ان مبالغ اخرى مهمة تتدفق ايضا من قنوات صغرى عديدة. وتجدر الاشارة الى ان أي جمعية خيرية معترف بها في القانون "الاسرائيلي" تخضع تلقائيا للإعفاءات الضريبية في الولايات المتحدة، وذلك تبعا لقانون ضريبة الدخل الاميركي، وهو امتياز غير متوفر عموما لدول اجنبية اخرى.
كما ان لمبيعات سندات التنمية "الاسرائيلية" (البوندس) اهميتها المعتدلة في هذا المجال، وهي تصل الى 450 مليون دولار تقريبا في السنة، جزؤها الأكبر يأتي من الولايات المتحدة.ومعروف ان مردود هذه السندات قليل جدا، ويصل الى نحو 4 % او 5.5 %. وفيما كان حاملو السندات من الافراد، فان مبيعاتها تتزايد الان لدى صناديق التقاعد الاميركية ومؤسسات مالية اخرى. ولا تعفى هذه السندات من الضرائب، لكن تبعا للانظمة الفيدرالية وانظمة الولايات خاصة، كقانون ولاية نيويورك لسنة 1976، تعتبر السندات "الاسرائيلية" موجودات استثمارية على الرغم من مردودها المنخفض وسوقها المحدود. وهذا الوضع الخاص يسهل جدا شراءها من قبل مؤسسات مالية تخضع لقواعد الحذر، والتي من دون ذلك لن تستطيع توظيف اموالها في هكذا سندات منخفضة المردود ومنخفضة الدرجة.
ونأتي الى العنصر الأخير في هذا المجال، وهو التوظيف الخاص المباشر في الصناعة "الإسرائيلية" او حسابات السندات التجارية. يتأرجح معدل هذا التوظيف بين سنة واخرى، ووصل سنة 1980 الى ما مجموعه 300 مليون دولار (اجمالي). وكما الحال بالنسبة الى السندات "الاسرائيلية"، يأتي ما نسبته اكثر من 70 % منه من الولايات المتحدة.
ان مجموع الموارد غير الحكومية التي تأتي من الولايات المتحدة هو، على الاقل، ما بين 1.2 و 1.4 مليار دولار في السنة، تتضمن 500 مليون دولار خسارة ضريبية لخزانة الولايات المتحدة بسبب الاعفاءات الضريبية على المساهمات الخيرية. ويمكن اعتبار ايضا ان جزءا من السندات "الاسرائيلية" يتضمن خسارة ضريبية، وذلك حيث تشتري تلك السندات منظمات معفاة من الضرائب في الولايات المتحدة.
واخيرا، هناك ايضا ما يمكن اعتباره تحويلات خاصة الى "اسرائيل"، وهو الزيادة السريعة للقروض "الاسرائيلية" القصيرة الاجل من المصارف التجارية لتمويل عجزها النقدي. وقد ارتفعت هذه القروض الى 3 مليارات دولار خلال السنوات الاربع الماضية. وجزء مهم من هذه الديون هو قروض "لاسرائيل" او ودائع لدى المصارف "الاسرائيلية" موضوعة من قبل الفروع الأميركية لمصارف "اسرائيلية" محلية، وبالأخص في نيويورك. ومن غير الواضح ما اذا كانت شروط القرض "امتيازيه" او ان القروض والودائع تضمنت ليونة في القواعد التي تحدد مدى المخاطر، لكن هذه الاموال قد لعبت دورا مهما في تغطية العجز "الاسرائيلي" المتصاعد خلال السنوات الأربع الأخيرة.
د- دعم اقتصادي لبنى تحتية
يتعدى الدعم الاقتصادي الاميركي "لاسرائيل" المساعدة من الميزانية او التحويلات الخاصة، ويطال ايضا مجموعة من الإجراءات الخاصة التي تسهل الصادرات "الاسرائيلية" الى الولايات المتحدة او تشجع الهجرة اليهودية الى "اسرائيل".
ان اعفاء "اسرائيل" من الرسوم الجمركية على 95 % من صادراتها الى الولايات المتحدة، يمثل شكلا مهما من الدعم الاضافي. تصنف "اسرائيل" كـ"دولة نامية" على الرغم من ان حصة الفرد من الدخل القومي لديها مرتفعة نسبيا، وبالتالي تتمتع - تبعا لنظام الافضلية ( GSP) - بحرية ادخال البضائع من دون التعامل بالمثل الى السوق الاميركية، وتبيع تقريبا ما يعادل مليار دولار في السنة. ويشكل هذا المبلغ جزءا مهما من صادراتها، وبالتالي تعزيزا مهما لها.
وتدعم الولايات المتحدة الهجرة اليهودية الى "اسرائيل" بعدة وسائل. والجزء الملموس من معونة الهجرة، الذي يعادل 25 مليون دولار تقريبا في السنة، يمول كمساعدة خاصة - مخصصات نقل واعادة توطين - لليهود السوفيات المهاجرين الى "اسرائيل". وقد اثار هذا البرنامج بعض الجدل، ذلك بان جزءا ضئيلا فقط من اليهود الخارجين من الاتحاد السوفياتي يحطون رحالهم فعليا في "اسرائيل"، اذ ان معظمهم يفضل الهجرة الى اوروبا او الولايات المتحدة، في حين ان البرنامج خص تحديدا لتشجيع الهجرة الى "اسرائيل".
ان دعم الهجرة على مستوى اوسع، والذي يصعب قياسه كميا، يتضمن مثلا ربط الصادرات الاميركية الى الاتحاد السوفياتي، ومؤخرا رومانيا، بمعدلات خروج اليهود المهاجرين. وهذه التكاليف التي تقاس بصادرات محددة سلفا او امتيازات تجارية غير مرخص لها، من الصعب قياسها لكنها تبقى تكاليف حقيقية.
شكل اخر مهم من المساعدة الاقتصادية - على الرغم من صعوبة قياسه كميا - هو الدعم ذو الحدين المقدم الى الصناعة العسكرية "الاسرائيلية"، والذي يتضمن إمدادها الثابت بتكنولوجيا عسكرية وتسهيل منتوجاتها. وتشكل السلع العسكرية حاليا القطاع الرائد في الصادرات "الاسرائيلية"، وتولد ما قيمته 1.4 مليار دولار في السنة، أي ما يعادل ثلث مجموع صادرات السلع المصنعة، الامر الذي يضع "اسرائيل" في مصاف الاقتصاد ذي كثافة التصدير العسكري الأعلى عالميا - نحو 350 دولارا للفرد الواحد في السنة.
لقد تمتعت "اسرائيل"، بصورة فعالة، بحرية الوصول الى التكنولوجيا العسكرية الاميركية، جزئيا من خلال اقتنائها - المجاني او باسعار رمزية - طيفا واسعا من المعلومات التقنية التي توفر تكاليف كبيرة في مجال الابحاث والتطوير او التصنيع، وجزئيا ايضا من خلال التنقل الكثيف للمهندسين والعملاء بين المنشات الدفاعية او المختبرات العسكرية الأمريكية وبين "اسرائيل". وهذا النقل التكنولوجي سمح للمنشات "الاسرائيلية" بزيادة قدرتها التنافسية حيال البائعين الاميركيين.
ثانيا، وضع الولايات المتحدة على نفسها قيودا كابحة في بعض اسواق الاسلحة، مثل نيكاراغوا وجنوب افريقيا والارجنتين، وبالتالي سهلت المبيعات "الاسرائيلية" لهذه الدول. وقد برهن الكونغرس الاميركي، في كثير من الاحوال، انه كان مساعدا فعالا في تعزيز وصول "اسرائيل" الى هذه الاسواق المتخصصة. فهذا التمنع الاميركي كان مسؤولا عن تحقيق قدر كبير من المبيعات "الاسرائيلية" - والتي قد تبلغ اكثر من 500 مليون دولار.
ومع توسع صادرات الاسلحة في ميزان التبادل الخارجي "لاسرائيل"، سيزداد الدور الاميركي اهمية، ان على صعيد التعاون في مجال التكنولوجيا، او على صعيد السماح باعادة تصدير التكنولوجيا، او على صعيد الامتناع عن التنافس المباشر. ويطرح هذا الامر احدى الوسائل الفعالة للمساعدة الاقتصادية التي لا تتطلب مناقشة في الكونغرس او تخصيصا من الميزانية، والتي من الممكن ان تحتل مكانة اكثر اهمية في المستقبل.
ان تنامي صادرات الاسلحة والمعدات العسكرية في قد قلل، الى حد كبير، من العبء المالي للمشتريات العسكرية "الاسرائيلية". ومن المتوقع ان تزيد صادرات الاسلحة على 1.5 مليار دولار في السنة، وتغطي ما بين نصف وثلثي الواردات المخطط لها من الخردوات العسكرية، مما يجعل صافي تكاليف التبادل الخارجي للمعدات العسكرية اقل كثيرا من اجمالي الواردات.
وعلى الرغم من ان الامتيازات التجارية المختلفة غير محتسبة في الميزانية، يبقى ان لها تكاليف اقتصادية حقيقية بالنسبة الى الولايات المتحدة، كما ان لها منفعة حقيقية بالنسبة الى "اسرائيل". ان الموقف الاميركي المتسامح بالنسبة الى الصادرات "الاسرائيلية" من الاسلحة المنافسة للولايات المتحدة وحرية وصولها المعفاة من الرسوم الى الاسواق المحلية للولايات المتحدة، يترجم عمليا الى خسارة مالية على صعيد التبادل الخارجي والى خسارة عدد كبير من الوظائف.
نستطيع فقط اعطاء تقدير حول الصفقات المتمتعة بتسهيلات، الا انه يمكن القول ان الخسارة في الصادرات وفي الواردات المنافسة قد تترواح بين 500 مليون دولار ومليار دولار في السنة، وهي تنعكس مباشرة في 25 الف وظيفة ضائعة كحد ادنى (20 الف دولار قيمة صادرات لكل وظيفة واحدة). فكل مليون دولار من مبيعات او صادرات السلع المصنعة يولد نحو 50 وظيفة مباشرة صعودا الى اكثر من 80 وظيفة، اذا ما احتسبنا تأثير المضاعف.
ان الخسارة في التوظيف المحلي للولايات المتحدة، الناتج عن الوضع الخاص المعطى للصادرات "الاسرائيلية"، هي فعليا اكثر من ذلك. اولا، لان الرقم المعطى لتقدير قيمة الصفقات رقم متحفظ بشمل بعض المبيعات التي تتمتع بامتياز وليس جميعها. ثانيا، لان رقم المضاعف بالنسبة الى خسارة الوظائف المرتبطة بالخسارة على صعيد الصادرات مرتفع، وبالتالي فالخسائر غير المباشرة مرتفعة ايضا. وهذا يعود الى نسبة البطالة المرتفعة في الولايات المتحدة حاليا التي تخلق ظروفا يكون فيها مضاعف التجارة الخارجية عاليا.
وبالتالي، فان اعتبرنا ان الحد الادنى للوظائف الضائعة هو 25 الف وظيفة يكون التقدير المعقول لخسارة في الوظائف 100 الف وظيفة، وذلك مع احتساب جميع الصفقات الخاصة والاخذ في الاعتبار تأثير المضاعف في الاقتصاد الضعيف الراهن.
هـ- الدعم الاقتصادي الطارئ
يشمل هذا التصنيف اتفاقات امداد النفط التي تحول الولايات المتحدة، بموجبها، النفط الى "اسرائيل" في حال حدوث انقطاع في الامداد النفطي "الاسرائيلي".
لقد ضمنت الولايات المتحدة، بحسب مذكرات الاتفاق المتعددة لسنتي 1975 و 1979، امداد "اسرائيل" بالنفط ان بالنسبة الى الاسعار او بالنسبة الى الحجم. وتنخفض الكمية التي تضمن الولايات المتحدة تحويلها اذا كانت تتعرض هي الاخرى لمقاطعة نفطية، وذلك تبعا لمعادلة توزيع النفط الموضوعة من قبل وكالة الطاقة العالمية. ومن المرجح، في هذه الحال، ان يتم تحويل 150 الف برميل نفط يوميا من الانتاج المحلي الاميركي الى "اسرائيل"، في الوقت الذي تكون فيه الولايات المتحدة تعاني من خسارة معظم وارداتها من النفط العربي او مجملها. ويقر التعديل الذي ادخل، سنة 1979، على قانون ادارة الصادرات تصدير النفط الاميركي الى "اسرائيل" حصرا في هكذا حالات.
وتعني الكلفة الاقتصادية للتضحية بكميات اضافية من النفط في ظل هكذا حالات، خسارة سنوية للناتج القومي الاجمالي بالنسبة الى الولايات المتحدة تتراوح ربما بين 10 و 18 مليار دولار، وهي تعادل خسارة 1 الى 1.5 مليار دولار في الشهر خلال فترة تنفيذ الاتفاق. ويتعلق عامل الخسارة بحدة المقاطعة النفطية وطول امدها.وقد يكون اثقل اذا ما حققت المقاطعة النفطية نجاحا خاصا، او اذا ما حول مزودون آخرون النفط عن الولايات المتحدة.
و- المساعدة "المرتبطة"
ان مساعدة الولايات المتحدة لفريق ثالث ترتبط ايضا بدعمها "لاسرائيل"، وبالتالي فهو جزء من رزمة المساعدة الشاملة.
فقد تلقت وكالة الامم المتحدة لاغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الادنى ( UNRWA) كميات قليلة من هذه الاموال كمساعدة في اطار المساعدة المرتبطة "باسرائيل"، والتي تقدر بـ 52 مليون دولار سنويا للفلسطينيين الذي هجروا من قبل "الاسرائيليين". ومؤخرا تم طلب 100 مليون دولار لتمويل برامج اعانة للبنانيين واخرين غيرهم تشردوا خلال اجتياح "اسرائيل" الاخير للبنان. وقد ساهمت ايضا الولايات المتحدة بـ 125 مليون دولار في السنة للقوة المتعددة الجنسيات والمراقبين المتركزين على الحدود المصرية - "الاسرائيلية".
الا ان القسم الاكبر من المساعدة المرتبطة "باسرائيل" هو برنامج المساعدة الحالي لمصر، الذي يصل الى 1.5 مليار دولار في السنة والمرتبط الان بحياد مصر السياسي في ظل اتفاق كامب ديفيد. وتحل هذه المساعدة محل المساعدة الرسمية من مصادر عربية التي خسرتها مصر مع دخول الرئيس السادات في معاهدة سلام منفصلة مع "اسرائيل". والحياد المصري عامل مهم يسمح "لاسرائيل" بتركيز قواتها العسكرية على الحدود الشمالية الشرقية، وهي نقطة اثيرت في البيان الاخير لوزارة المالية "الاسرائيلية" من اجل تقديم طلبات لمزيد من المساعدة.
ولم تحصل مصر على تكافؤ كامل في المساعدة مع "اسرائيل"، على الرغم من ان بعض الشروط المالية، وبالاخص التوازن بين المنح والقروض، قد تغير بنسب واحدة بحيث تستفيد مصر بشكل متواز مع "اسرائيل". ويدرك مؤيدو "اسرائيل" هذا الارتباط. وقد قامت لجنة الشؤون العامة "الاسرائيلية" الاميركية، وهي المنظمة التي تلعب دور "لوبي" "لاسرائيل"، بدعم برنامج المساعدة لمصر ايضا.
ويصل مجموع المساعدات المرتبطة "باسرائيل" الخارجة من الولايات المتحدة الى نحو 1.7 مليار دولار في السنة بحسب الطلبات الراهنة.
ثالثا: الاعتماد "الاسرائيلي" على المساعدات الخارجية
ان الاعتماد على الاموال المحولة من الخارج او على المساعدات الخارجية ليس حالة جديدة بالنسبة الى "اسرائيل". فالمستوطنات اليهودية الاولى، في القرن التاسع عشر، اعتمدت على اموال يهود محسنين من الخارج. ومنذ اقامة الدولة سنة 1948 اتخذ هذا الاعتماد أشكالا مختلفة. وقد ظلت "اسرائيل" معتمدة على الاموال الآتية من يهود الخارج، ومن مدفوعات التعويضات والترميمات الالمانية، و - الاكثر اهمية من ذلك - من المصادر الاميركية : الرسمية منها والخارجة عن الميزانية.
وتتميز "اسرائيل" بكثافة اعتمادها على المساعدات وثباته. ويصل اليوم مجمع الموارد الخارجية، أكانت على شكل مساعدة رسمية او هبات او تسهيلات مالية او ديون تجارية، الى 1500 دولار للفرد الواحد، وهي اكثر من نسبتها في الاردن بنحو 3 الى 5 مرات، اذ ان الاردن هو البلد الثاني بعد "اسرائيل" بالنسبة الى كثافة اعتماده على المساعدات الخارجية. وقد زاد هذا الاعتماد بصورة ثابتة خلال الخمس والثلاثين سنة المنصرمة، ولا يوجد في المدى القريب افق لتحسين هذه الحال.
ويمكن قياس الاعتماد "الاسرائيلي" على المساعدات بعدة اساليب. ويشكل العجز التجاري افضل معيار مباشر في هذا المجال، اذ يعكس مدى استمرار البلد في الاستهلاك اكثر من الانتاج. فقد زاد العجز من بضع مئات من ملايين الدولارات في اوائل الخمسينات الى ما يمكن ان يقدر بأكثر من 5 مليارات دولار للعام 1982/1983، والذي يشكل بحد ذاته زيادة كبيرة عن مستواه سنة 1980، الذي وصل الى 3.8 مليارات دولار. وقد تم تمويل العجز الحالي بصورة كاملة تقريبا من المساعدات والتسهيلات المالية. وتشكل مدفوعات الفائدة على الديون الخارجية - ضمن هذا الواقع - العنصر السلبي المتزايد الاهمية خلال السنوات الاخيرة، هذه المدفوعات التي تصاعدت بسرعة على الرغم من المساعدات الضخمة الممنوحة، وعلى الرغم من معدلات الفائدة المنخفضة على معظم الديون.
ويشكل العجز جزءا مهما من الناتج القومي الاجمالي تراوح من 40 % سنة 1979 الى 25 % سنة 1980، ومن المتوقع ان يصعد مجددا سنتي 1982 و 1983، بما ان التوقعات الاقتصادية التي تمت قبل اجتياح حزيران / يونيو للبنان قد برهنت عن تفاؤل مفرط.
ان التبعية الاقتصادية هي فعلا اكثر كثيرا من رقم 25 % او غيره من الارقام المشار اليها، وذلك لوجود تأثيرين اضافيين: اولا، يخفي العجز التجاري المساعدة الفعلية، لان بعض المساعدات يمول مباشرة مستحقات الديون مما يسمح للواردات بان تكون اكبر.
ثانيا، هناك تأثير مضاعف المساعدة الخارجية الكبير الحجم، وبالتالي لا يمكن تجاهله، وهو يتراوح ربما بين 1.5 و 1.8. فالمساعدة بالدولارات، بتمويلها استيراد بضائع تجارية، تسمح للاقتصاد بان يركز اكثر على انتاج خدمات غير معدة للتجارة. وبالتالي فان خسارة او ربح دولار واحد من المساعدة يؤدي الى خسارة او ربح اكثر من دولار للناتج القومي الاجمالي، وهو تأثير المضاعف الملاحظ في حالات اخرى تجاه عائدات النفط مثلا او التوسع التجاري.
ويؤدي تحليل عمومي اكثر، مماثل لذاك المتبع في قياس اعتماد الدول المصدرة للنفط على عائدات النفط، الى تقدير الاعتماد "الاسرائيلي" على المساعدات بنسبة تتراوح بين 40 % 50 %. أي ان المساعدة الخارجية تولد نصف الناتج القومي الاجمالي "لاسرائيل"، ومعظم النمو الاقتصادي ان لم يكن كله. فمن دون المساعدات المستمرة لن يتاح نمو، ويصبح التراجع الاقتصادي امرا لا يمكن تحاشيه.
ويدعم هذا التقدير مؤشران متلازمان: اولا، لقد اشرنا الى ان الادخار في "اسرائيل" سلبي. فالمساعدات تمول الاستثمارات المطلوبة للنمو لان "الاسرائيليين" يستهلكون اكثر من مدخولهم. ان صافي تكوين رأس المال في "اسرائيل" كان اقل من المساعدات خلال السنوات العشر الماضية، ومؤخرا كان صافي الاستثمار في البلد نحو 40 % من ايصالات المساعدات.
ثانيا، يعتمد قطاع الصادرات بصورة كبيرة على المعونات الحكومية. وهذا الاخيرة، بدورها، ممولة من اموال المساعدات بما ان عجز ميزانية الحكومة يمكن تغطيته فقط عن طريق تدفق المساعدات. وتشكل المعونات المباشرة للصادرات 20 % تقريبا من القيمة المضافة، هذا مع ان القطاعات الزراعية والصناعية تستفيد ايضا من جملة واسعة من المعونات غير الظاهرة، من دون ان تكون منتوجاتها مخصصة بالضرورة للتصدير. وهذه المعونات الاخيرة تشكل ما بين 10 % و 50 %، الامر الذي يشير بوضوح الى مدى مساهمة المساعدات الخارجية في الحفاظ على المستوى الحالي للصادرات.
ومن الممكن ان يكون التأثر الشديد الحساسية للاقتصاد "الاسرائيلي" بالمساعدة الخارجية اكبر من المشار اليه أعلاه، لأن زيادة سنوية في المساعدات تبدو ضرورية، وذلك فقط من اجل الحفاظ على الوضع القائم. ان مستحقات الدين تسير في صعود، مما يعني ان مزيدا من المساعدة سيكون مطلوبا لسد مستحقات الديون او لاعادة تنظيم هذه الديون المتراكمة من جراء الاستهلاك الزائد في السنوات السابقة، كما للحفاظ على العجز الراهن المتأتي من الاستهلاك الزائد الحالي.
رابعا: تقييدات السيولة والقدرة على ايفاء الدين والحاجات الملحة
قد تكون حاجة "اسرائيل" الى المساعدة اليوم اكبر من أي مرحلة سابقة في تاريخها، لان الضغوطات الاقتصادية وعدم التوازن البنيوي اكثر وضوحا الان. ان اكثر من 9 مليارات دولار من الموارد المالية الجديدة - وربما ما يساوي 12 مليار دولار - سيكون مطلوبا خلال السنة القادمة للحفاظ على مظاهر القدرة على ايفاء الديون، ولمنع حدوث تخلف في ايفاء مستحقات 20 مليار دولار من ديونها المعروفة. ويجب تحصيل هذا المبلغ من اجل تغطية الـ 6 مليارات دولار المطلوبة لعجز ميزان المدفوعات واستهلاك الديون الموجودة، بالإضافة الى 3 مليارات دولار لاعادة تمويل صافي الديون القصيرة الأجل من المصارف التجارية.
ان جميع المؤشرات التقليدية للعافية المالية سلبي، لكن الشاغل الجدي الاكثر اهمية هو فقدان احتياط حقيقي للعملات الاجنبية - ومن الممكن ان يكون واقع صافي احتياط ارصدة النقد الاجنبي سلبيا منذ الان.
ظاهريا، يحتفظ مصرف "اسرائيل" بنحو 3 مليارات دولار من احتياط العملة الصعبة، ولكن هذه ليس الا مظاهر. فالاحتياط الرسمي يمول منذ سنة 1978 من خلال زيادة حادة في الديون الخارجية للمصارف التجارية "الاسرائيلية"، التي تتخطى ديونها من النقد الاجنبي موجوداتها بـ 3 مليارات دولار. وصافي هذا الدين الكبير يتضمن إيداعات، وقروضا قصيرة الاجل، واموالا موظفة يجب تدويرها باستمرار ويمكن سحبها - أي امكان عدم تجديدها - باشعار قصير.
ومن الافضل قياس الوضع الفعلي للعملة الاجنبية من خلال "احتياط النقد الاجنبي الفعلي" - المشابه لمفهوم "(صافي) الاصول الاجنبية" لدى صندوق النقد الدولي - الذي يعادل الاحتياط الرسمي ناقص صافي الحسومات الاجنبية القصيرة الاجل للنظام المصرفي. وفي حالات شاذة كحال "اسرائيل" - وفي وقت سابق غانا - يكون هذا المقياس مؤشرا اكثر واقعية للوضع المالي. لقد انحدر، بدءا من منتصف سنة 1982، الاحتياط الفعلي، أي الاحتياط الرسمي ناقص صافي الحسومات القصيرة الاجل للمصارف التجارية، الى مستوى يعادل اسبوعين من الواردات، الامر الذي يقرب "اسرائيل" الى حدود الافلاس من الزاوية التقنية. واصبح اوضع اكثر سوءا في كانون الثاني / يناير 1983. وهناك حاجة الى كل من اتفاقات المساعدات المنتظمة واعادة التمويل المنتظم للديون القصيرة الاجل المتفاقمة من اجل تغطية الواردات، وذلك تقريبا على مستوى يومي.
علاوة على ذلك، هناك 3 مليارات اخرى من الدولارات مما يعتبر ديونا طويلة الاجل هي في الواقع حسومات قصيرة الاجل. وبالتالي، فان الحاجة المالية المتوقعة، بما في ذلك عجز ميزان المدفوعات واعادة تمويل مجموع الديون القصيرة الاجل، قد تتعدى 12 مليار دولار في السنة القادمة. ويظهر ايضا عنصر اضافي في حسومات الاجل القصير، وهو ان سندات "اسرائيل" قابلة للاستهلاك من قبل المؤسسات الحاملة لها خلال اشعار مدته 90 يوما، على الرغم من ان مدتها غالبا ما تكون 15 عاما. وهؤلاء الدائنون يمكنهم سحب سنداتهم بسرعة اذا لم يظهر في جو القلق العام على السيولة "الاسرائيلية" شكل من أشكال الضمان الاميركي، او لم تحدث زيادة في المساعدة الاميركية.
مقياس اخر لأهمية ثقل الديون، وايضا مقياس لمدى إمكان انهيار مالي، هو نسبة الديون من الناتج القومي الاجمالي التي تقارب الان الواحد. وبالتالي، يمكن تصنيف "اسرائيل" بين دول كموريتانيا وبنغلادش. وفي الواقع، ان ثقل الدين الفعلي لدى "اسرائيل" هو اعلى، بما ان جزءا مهما - تقريبا النصف - من الناتج القومي الاجمالي لا يمكن تغذيته من مصادر مستقلة، بل بأموال المساعدات، مما عيني ان الديون هي ضعفي الناتج القومي الاجمالي غير المعتمد على المساعدات.
مؤشر اخير يتعلق باقتصاد "اسرائيل" المتزعزع هو العلاقة بين المساعدات وخدمات الديون. ان مجموع ما يصل "اسرائيل" من مساعدات يفوق في الوقت الحاضر خدمات القروض المتوجبة عليها، وبالتالي فانها محمية من خطر العجز عن ايفاء الديون للولايات المتحدة، فقط عن طريق الهبات النقدية السنوية والديون الجديدة من حكومة الولايات المتحدة.
ان وزارة المالية "الاسرائيلية" قد استخدمت مؤشرا آخر للعلاقة بين الاعتماد على المساعدات والإفلاس المالي ومخاطر العجز عن ايفاء الديون. فهي تقوم بمقابلة مكاسبها من صافي العملة الاجنبية على الصادرات - بعد حسم تكاليف العملات الاجنبية لهذه الصادرات مثل استيراد الالماس الخام قبل اعادة تصديره مصقولا - بحاجات خدمات الديون، والرقم النسبي بينهما يقارب حاليا الواحد. هذا يعني ان مكاسب "اسرائيل" من مجموع الصادرات لا تكاد تكفي تغطية الفائدة واستهلاك الديون المتراكمة. أي ان المساعدات الخارجية تقوم الآن بدفع مجمل حاجات الواردات للسكان المحليين.
ان وضع الديون "الاسرائيلية" المستحقة للولايات المتحدة موضوع تساؤل جدي، اذ ان "اسرائيل" قادرة - من الناحية الشكلية فقط - على تلبية خدمات هذه الديون عبر تحويلات متزايدة باستمرار من المساعدات التي تأتيها من الولايات المتحدة. ومجموع هذه الديون غير معروف علنيا، "فاسرائيل" تعترف بـ 7 مليارات دولار منها، في حين تشير مصادر اميركية حكومية الى 9 مليارات دولار بما في ذلك الحسومات الطارئة. وكلا المصدرين "الاسرائيلي" والاميركي يستثني السندات "الاسرائيلية" لدى حامليها من المواطنين او المؤسسات الاميركية، كما يستثني صافي الديون القصيرة الاجل للمصارف "الاسرائيلية" من مصارف اميركية. ان مجموع المديونية تجاه حكومة الولايات المتحدة ومواطنيها قد يتعدى 13 - 14 مليار دولار.
وستكون السنة المقبلة سنة خطرة بالنسبة الى "اسرائيل" ودائنيها، وبالاخص بالنسبة الى الدائنين الاميركيين الاكثر عرضة من غيرهم. ان تقدير الملاءة العالمية "لاسرائيل" يتوقف بتأثر شديد على رغبة الكونغرس الاميركي في الموافقة على مزيد من المساعدة او على الاقل التسامح بجزء من القروض المستحقة. ان قيام "اسرائيل" بتلبية خدمة ديونها، في غياب مزيد من المساعدات الاميركية، سيؤدي الى تراجع اقتصادي خطر والى تعديل مستوى معيشة البلد للتلاؤم مع قدرات مكاسب متواضعة جدا، والى تحلل أنماط الإنفاق التي تم اكتسابها على مدى 34 عاما من الهبات الخارجية.
ان أي تسوية في هذا المجال لا بد من ان تتضمن تضحية من قبل دافعي الضرائب في الولايات المتحدة، ودائني "اسرائيل"، او المستهلكين "الاسرائيليين"، لكن من غير الممكن ان يسير الجميع قدما، ذلك بان مصادر "اسرائيل" المحلية او دخلها المكتسب غير كافية لدعم مستويات الاستهلاك المفضلة لديها.