"اسرائيل" ولبنان / الهزيمة المرة

الياس شوفاني/ مفكر فلسطيني


مقدمة:

بينما افق المفاوضات مسدود وضربات المقاومة تتزايد، اشتد النقد الموجه إلى القيادة العسكرية "الاسرائيلية" التي راحت بدورها ترد على منظمي حركات الاحتجاج ضد استمرار الاحتلال في لبنان. ولمناسبة مقتل ضابط الارتباط في الجنوب اللبناني، ايرز غيرشتين، واللغط الذي دار في اعقابه، على خلفية موقفه السلبي من حركة الاحتجاج، وخاصة "منظمة الامهات الاربع"، كتب المحلل السياسي/ العسكري، الاستاذ زئيف سطرنهل (هآرتس، الملحق الاسبوعي،12/3/1999) يقول: "في كل مجتمع يجد نفسه يتلظى بلهيب حرب مختلف بشأنها، تميل العلاقة بين الجنود والمدنيين إلى الانهيار. هذا قد يفسر ردود الفعل العاطفية جدا على موت العميد ايرز غيرشتين في لبنان مؤخرا. فالجدل العلني لم يعد يدور بين اولئك الذين يعارضون الحرب وبين حكومة حفلة، وانما بين جماعات مدنية، بمن فيها آباء ثكلى وآخرون يخدم ابناؤهم في لبنان، وبين قادة الوحدات العسكرية المقاتلة. واذا وجدت نهاية لحرب "اسرائيل" في لبنان سريعا، فان من شاننا ان نجد انفسنا طرفين نقيضين في دراما كلاسيكية، جرى تمثيلها في مجتمعات اخرى غاصت في مستنقع حروب كولونيالية، مثل الفرنسيين في الجزائر والاميركيين في فيتنام. وبالفعل، فخلال عدد قليل من السنوات، تحول قادة جيش "اسرائيل" من كونهم مقاتلين من اجل الحرية يثيرون الاعجاب، إلى كونهم مادة للاحتقار من قبل دوائر واسعة في المجتمع".

وعرض سطرنهل إلى التحولات في النظرة إلى الخدمة العسكرية في "اسرائيل"، فقال: "من المفترض ان يكون المجتمع "الاسرائيلي" محصنا ضد هذا النوع من الازمة، فالخدمة العسكرية هي تجربة اساسية تضرب جذورا عميقة في الشخصية "الاسرائيلية". وحقيقة ان جنودا وضباطا قدامى، بمن فيهم ابطال حرب، هم بين مؤسسي حركات الاحتجاج وحركات السلام، كانت دائما مصدرا للدهشة بالنسبة إلى المراقبين من الخارج. وللعديد من "الاسرائيليين"، خاصة اولئك الذين خدموا في الوحدات القتالية، فان سنواتهم في اللباس العسكري، وايامهم في ميدان المعركة، قد تركت انطباعات لا تمحى. فصداقاتهم التي نسجت في اوضاع الخطر والجهد العالي، وفكرة ان عليهم تحدي حتى اصعب الظروف، والتشبث بالهدف مهما كان الثمن، كانت عناصر قوية في التجربة التي غطت على كل شيء آخر… الا ان هذا القاسم المشترك يبدي علامات تفسخ، بما يبدو وكأنه فجوة ادراك متسعة بين المجتمع المدني وقيادة الجيش العليا". واستطرد سطرنهل في تحليل اسباب التباعد بين ضباط الجيش العامل والجمهور "الاسرائيلي" في سنوات الحرب الطويلة في لبنان التي لم تشارك فيها قوات الاحتياط، فظلت الوحدات التي تحمل وزر القتال بعيدة عن الجمهور العادي.

لقد اعتبر قادة الوحدات المقاتلة في لبنان، ومنهم غيرشتين، الجدل العلني حول الاهداف "الاسرائيلية" في لبنان يضعف معنويات الجيش في مواجهة مقاتلي حزب الله. وكان غيرشتين، قبل مقتله بايام قليلة، اتهم منظمة الامهات الاربع بتعريض حياة الجنود للخطر. وهو بذلك، كان يعبر عن رأي سائد بين ضباط الوحدات التي تخدم في لبنان. وقال سطرنهل: "وهذا يطرح سؤال ما اذا كان المسرح يعد لاتهامات مستقبلية ضد اولئك الذين يفضلون الانسحاب من لبنان. فهل سيجري الادعاء في يوم ما بان انسحاب "اسرائيل" من لبنان لم يكن نتيجة لانتفاضة السكان المحليين، كما كان الحال في الجزائر وفيتنام، وانما بسبب المعارضة للحرب في "اسرائيل" من قبل اولئك الذين لم يشاركوا في القتال؟ وهل سيجري الادعاء بأننا خسرنا الحرب ليس بسبب اننا وقعنا في كمائن، او اننا تفجرنا بعبوات ناسفة على جوانب الطرق، او تحملنا خسائر ثقيلة، دون فائدة واضحة للعيان، وليس لاننا قصفنا معسكرات خالية، واخلينا مقرات وبالاختصار، ليس بسبب اننا لم نكن قادرين على مواجهة حرب عصابات في منطقة مأهولة بالسكان ـ وانما بسبب ان امهات الجنود وشاربي القهوة في شارع شاينكين قد حطموا معنويات الجنود؟". ونوه سطرنهل بان قادة الوحدات في لبنان قد اعتادوا على هذا النمط من القتال، وهم يفضلون الا يغامروا في تغييره. وهكذا، وبسبب تقليدية العقلية العسكرية، تستمر الحرب في لبنان، الامر الذي قد تكون له انعكاسات سلبية كبيرة على الجيش في المستقبل. واختتم سطرنهل مقاله بالقول: "ان جيلا كاملا قد انقضى بعد حرب الاستنزاف وخط بار ـ ليف، وهناك من يرغب بالعودة إلى تلك الايام السوداء. ومع ذلك، فتلك الفترة قد مرت، ولن تعود ابدا، وسيكون في مصلحة الجميع الفضلى استيعاب هذه الحقيقة بالسرعة الممكنة".

ولمناسبة اقامة نصب تذكاري لضحايا صدام طائرتي هيليكوبتر (شباط 1997) وعددهم 73 قتيلا، وذلك في مستوطنة دفنا في الجليل الاعلى، حيث سقطت احدى الطائرتين، توالى على الكلام عدد من القيادة السياسية/ العسكرية "الاسرائيلية" (هآرتس،6/4/1999). وقال رئيس الدولة عيزر وايزمن: "ان هذا النصب هو بمثابة "عامود النار" لزوار المكان، واضاف: "ان هذا الركن يجب ان يكون ايضا معلما بالنسبة إلى لبنان، ومرشدا للسؤال عن كيفية الخروج من هناك بطريقة صحيحة ونحن اقوياء، ودون فقدان الامن". وتكلم رئيس هيئة الاركان، شاؤول موفاز، فقال: "لقد تعلمنا بالطريقة الصعبة بان للاخطاء ثمنا باهظا". واضاف ان الجيش "الاسرائيلي" "سيستمر في العمل بتصميم في لبنان إلى ان يتوفر حل آخر". اما الجنرال آمنون ليبكين شاحاك، رئيس الاركان عند وقوع الحادثة، فخاطب العائلات الثكلى قائلا : "عندما تركت جيش الدفاع "الاسرائيلي"، حملت معي حملا ثقيلا، هو ابناؤكم الـ 73. فأينما ذهبت، ومهما عملت، سيبقى ثقل الالم، وحمل المسؤولية، وذكرى خسارة الشباب الذين ارسلتهم في مهمات، معي ورفيق دربي". وقال شاحاك ان على الجيش "الاسرائيلي" ان يحقق في كل كارثة، "ليس لاكتشاف المذنب، وانما لانقاذ الارواح في المرة القادمة". واما رئيس الاركان الاسبق، وهو مرشح حزب العمل لرئاسة الحكومة في الانتخابات المقبلة، ايهود باراك، فقال: "هذا ليس الوقت لاقحام السياسة "الاسرائيلية".. ولكن علي ان اعرب عن التزامي الشخصي بسحب جنود جيش الدفاع "الاسرائيلي" من لبنان خلال عام من تسلمي منصب رئيس الوزراء". واضاف : "ان واجبنا الاعلى ان نظهر من خلال اعمالنا اننا شعب واحد، ودولة واحدة، واننا لسنا معا في الموت فقط، وانما في الحياة ايضا… لقد رأيت الحدود من الجانبين، وانا اعلم انه بالامكان الخروج من المستنقع اللبناني". وكان هذا الحادث قد اثار الما شديدا في "اسرائيل" كلها، ودفع حركة الاحتجاج ضد استمرار الحرب في لبنان إلى ذروة جديدة، الا ان الجيش استطاع امتصاص مفاعيلها، واستمر في العمل كالمعتاد.

في مقابل اعلان ايهود باراك التزامه سحب الجيش "الاسرائيلي" من لبنان خلال سنة من توليه السلطة اذا فاز في الانتخابات لرئاسة الحكومة، اعلن "وزير الدفاع" في حكومة نتنياهو، موشيه آرنز، انه اصدر تعليماته إلى قيادة الجيش باعادة الانتشار العسكري في الجنوب اللبناني وادخال تعديلات عليه (9/4/1999). وفي افتتاحيتها بتاريخ 11/4/1999، علقت صحيفة "هآرتس" على تعليمات آرنز بقولها: "يجب الانتباه إلى ان ذلك ليس الخطوة الاولى على الطريق إلى عبور الحدود، وانما هو تغيير طفيف. ومن شأن هذا التغيير ان يعطي نتائج ايجابية من خلال تخفيض عدد جرحى "جيش الدفاع "الاسرائيلي""، ولكنه يجب الا يثير آمالا كبيرة". ومضت الصحيفة تقول : "ان نقل مواقع تابعة لجيش الدفاع "الاسرائيلي" في اماكن متقدمة إلى "جيش لبنان الجنوبي" ليس ظاهرة جديدة. فمن حين إلى آخر، تعين مؤسسة الدفاع موقعا او اثنين يجدد نقلهما، ولكن يجب الا ينظر إلى ذلك على انه مسار سيقود إلى الانسحاب الكامل. فليس كل عناصر نشاطات "جيش الدفاع "الاسرائيلي"" في لبنان يمكن ان تنفذ بنجاح من خلال مواقع "جيش لبنان الجنوبي". ولكن من الواضح ان ابعاد الاهداف (المواقع المتقدمة والقوافل) عن مراقبة حزب الله ومرمى نيرانه سيخفض عدد الاصابات". وهذا يعني ان هدف آرنز هو القاء عبء المواجهة مع حزب الله على "جيش لبنان الجنوبي" صونا للدماء اليهودية.

وخلصت الصحيفة إلى القول: "ان من لا يتمعن في اهمية التغيير المقترح قد يحصل على الانطباع الخاطئ بان حكومة نتنياهو تنوي تسوية المسألة اللبنانية. فمثل هذه التسوية ممكن فقط بالاتفاق مع سورية، أي من خلال صفقة تضم مرتفعات الجولان ايضا. وآرنز يعارض كلا من انسحاب "جيش الدفاع "الاسرائيلي"" من الجولان وانسحابه الاحادي في لبنان، وزيادة اعتماد "اسرائيل" على "جيش لبنان الجنوبي"، وهو يريد امنا افضل لـ"اسرائيل" بثمن يمكن تحمله اكثر. وهذا منظور تكتيكي محدود، يتجاهل عن وعي اعتبارات استراتيجية، ومن شأنه ان يعود بمردود عكسي على الحكومة التي ستتولى السلطة منذ تموز". وبالفعل، فان اجراءات آرنز كانت رمزية اكثر منها عملية، واستهدفت امتصاص موجة الاحتجاج المتصاعدة ضد استمرار المواجهة في لبنان وحرب الاستنزاف، وذلك عشية الانتخابات العامة للكنيست ولرئاسة الوزارة، والتي بدأت ملامحها تشير إلى تقدم باراك على نتنياهو.

ولكن "جيش لبنان الجنوبي" كان اعجز من تحمل العبء الذي اراد آرنز القاءه على عاتقه، خاصة وان شبح الانسحاب "الاسرائيلي" من الجنوب اللبناني، بناء على التزام باراك، كان يطارده، وبالتالي، انتابه القلق على مصير ضباطه وافراده وعائلاتهم. ولتقصير خطوط دفاعه في مواجهة هجمات حزب الله المتصاعدة والمتواترة، عمد هذا الجيش إلى اخلاء جيب جزين (اواخر ايار 1999). وعلقت صحيفة هآرتس (28/5/1999) على ذلك بقولها: "بعيدا عن كونه مؤشرا إلى توجه جديد في لبنان، فان قرار الانسحاب من جيب جزين يأتي نتيجة لكوابح تطورت مع الزمن. فقد اصبح واضحا لـ"جيش الدفاع "الاسرائيلي"" ان قدرة "جيش لبنان الجنوبي" على الاحتفاظ بالجيب تتراجع. فقوات "جيش لبنان الجنوبي" سريعة العطب، وقد عانت خسائر لا تستطيع تحملها على ايدي حزب الله. ويزداد عدد الفارين من خطوط "جيش لبنان الجنوبي" على هذه الجبهة، مما يجبره على الانسحاب من مواقع لا يستطيع الاحتفاظ بها بعد… وفوق ذلك، فقد فشل جيب جزين في تحقيق الهدف منه كحاجز امام تزويد حزب الله بالسلاح، كما انه لم يشكل عقبة في طريق مقاتلي حزب الله إلى الجنوب اللبناني.

وجاء في تعليق الصحيفة: "ان اخلاء جزين لا يمكن اعتباره اذن انسحابا من لبنان. وهو خطوة من جانب واحد، كان بالامكان اتخاذها منذ زمن طويل، دون علاقة بالجدل حول ما اذا كان على "اسرائيل" الانسحاب من لبنان ام لا … ولكن "اسرائيل" حاولت في الماضي ان تخلق رباطا بين الانسحاب من جزين واستمرار الانسحاب من لبنان بموجب اتفاق، لكن موقف سوريا ولبنان الموحد والعدائي اوضح انه لا مكان لمفاوضات منفصلة بالنسبة إلى الانسحاب من لبنان، او غني عن البيان، من جزء منه، فالموقف السوري واللبناني كان ولا يزال: كما دخلت "اسرائيل" إلى لبنان بدون اذن، فعليها ان تنسحب بدون شروط". وكان باراك قد كسب المعركة الانتخابية، وظلت حكومة نتنياهو بمثابة حكومة تصريف اعمال، واستمر الجيش "الاسرائيلي" في اسلوبه السابق من العمل العسكري، بانتظار تسلم رئيس الحكومة المنتخب مهام منصبه، وبالتالي، سلوكه في تنفيذ التزامه بسحب الجيش من لبنان.

انه بصرف النظر عن التبريرات لانسحاب "جيش لبنان الجنوبي" من جزين، فانه كان مؤشرا واضحا إلى ما سيحصل في الشريط الحدودي بعد الانسحاب "الاسرائيلي" منه. وقد استوعب عناصر هذا الجيش وضباطه مغزى الحدث، واصبح همهم الاساسي البحث عن ملجأ آمن للمستقبل  المظلم. اما في "اسرائيل"، فقد استمر الجدل الداخلي حول مسألة "ما العمل". وعشية تسلم باراك مهام منصبه كرئيس للحكومة، كانت الآراء في المؤسسة "الاسرائيلية" الحاكمة تتوزع على ثلاثة معسكرات. الاول ينادي بالانسحاب من جانب واحد، دون انتظار التوصل إلى اتفاق مع سورية، او مع الحكومة اللبنانية، ويقول بامكان الدفاع عن مستوطنات الشمال من الحدود الدولية. وفي المقابل، يهدد بشكل علني، او مبطن، بالرد العنيف اذا استمر حزب الله بمهاجمة تلك المستوطنات بعد الانسحاب. وهو يراهن على ان الانسحاب سينزع ذريعة المقاومة اللبنانية في ضرب اهداف "اسرائيلية"، سواء في الداخل او الخارج. والثاني على الطرف النقيض، يعارض الانسحاب بشدة، اذا كان ثمنه "التنازل" عن الجولان. وهو يدعو إلى الرد العنيف على عمليات حزب الله، بما في ذلك ضرب المرافق العامة والمصالح السورية في لبنان. والثالث في الوسط، ويقول بضرورة التوصل إلى اتفاق مع سورية، وهو الاقرب إلى الموقف الاميركي، والابرز فيه هو رئيس الحكومة المنتخب، ايهود باراك. وهو يعلل موقفه بان الانسحاب من خلال اتفاق يضمن الهدوء على الجانب الاخر من الحدود. وفيه جناح متفائل، يقوده باراك نفسه، ويراهن على امكان التوصل إلى اتفاق مع سورية، وهو مستعد لدفع ثمن ذلك بالانسحاب شبه الكامل من الاراضي السورية المحتلة عام 1967. والجناح الاخر يشك في ان سورية مهيأة لمثل هكذا اتفاق لاسبابها الخاصة. وكان نجاح الانسحاب من جزين دون نتائج سلبية تذكر عاملا في تشجيع المتفائلين بان التوصل إلى تفاهم مع سورية ممكن. وكانت المعسكرات الثلاثة تتنافس على كسب الرأي العام "الاسرائيلي"، خاصة وان الانسحاب من الجولان مشروط باستفتاء شعبي، يجري بعد التوقيع على الاتفاق بالاحرف الاولى.

وفي اواخر فترة ولايتها كحكومة تصريف اعمال، اتخذت حكومة نتنياهو قرارا بتصعيد الرد على هجمات حزب الله. واوردت هآرتس (25 حزيران 1999) الخبر كالتالي: "هاجم سلاح الجو "الاسرائيلي" الليلة الماضية محطة فرعية لتوليد الكهرباء على تلة فوق بيروت، ردا على هجمات حزب الله بصواريخ الكاتيوشا على شمال "اسرائيل" امس مساء، والتي اصيب فيها خمسة مدنيين بجروح، جراح احدهم خطيرة كما اصيب جندي من "جيش الدفاع "الاسرائيلي"" بجروح طفيفة و27 مدنيا عانوا من الصدمة وقد قتل ثلاثة لبنانيين على الاقل في هجمات الطائرات الليلة الماضية". اما بيان الجيش "الاسرائيلي" فكان التالي: "اطلق حوالي 60 صاروخ كاتيوشا باتجاه كريات شمونة والتجمعات السكنية في شمالي الجليل وغربه. وقد قتل مدنيان واصيب تسعة بجروح، جراح احدهم خطيرة كما اصيب جندي من "جيش الدفاع "الاسرائيلي"" بجروح طفيفة و27 عانوا من الصدمة. وعدا ذلك، فقد حدثت اضرار جسيمة في الممتلكات (اذ اصيب مبنى بلدية كريات شمونة). وردا على ذلك هاجم سلاح الجو "الاسرائيلي" اهدافا من البنية التحتية في لبنان". وكان هذه هي المرة الاولى التي تستهدف فيها العاصمة بيروت منذ سنة 1996، واعتبر قصف المحطة الفرعية لتوليد الكهرباء في الجمهور اشارة إلى بيروت ودمشق بان عليهما كبح جماح حزب الله. واعلن الناطق بلسان الجيش "الاسرائيلي" بان قصف المحطة وغيرها من الاهداف هو رسالة بان هذا الجيش لا يستطيع الاستمرار بسياسة ضبط النفس تجاه تصعيد حزب الله هجماته. وافادت مصادر الحكومة بأنها اتخذت قرارها دون التشاور مع رئيس الحكومة المنتخب، ولكنها ابلغته به بعد اتخاذه. وتجدر الاشارة إلى ان القصف وقع بعد ساعات قليلة من تذمر رئيس الاركان، شاؤول موفاز، من ان الحكومة تكبل ايدي الجيش في الرد، الامر الذي يضرب مصداقية قوة الردع التي يتمتع بها.

الا ان قصف البنى التحتية في لبنان بواسطة سلاح الجو استهدف عنوانا آخر في "اسرائيل" ذاتها ـ رئيس الحكومة المنتخب، ايهود باراك الذي ظل في حملته الانتخابية يؤكد عزمه على سحب الجيش "الاسرائيلي" من لبنان. ففي اجتماع مجلس الوزراء (27/6/1999)، قال نتنياهو عن اهداف هذا القصف "ان من شأنه ان يشكل قاعدة لانسحاب "جيش الدفاع "الاسرائيلي"" من لبنان، من خلال التوضيح بأن "اسرائيل" مستعدة لمهاجمة اهداف من البنية التحتية في لبنان كرد على الهجمات على بلدان الشمال (هآرتس، 28/6/1999). ونقلت الصحيفة عن نتنياهو قوله: "ان الهجمات على اهداف البنية التحتية هي تجسيد لسياسة الحكومة بان "اسرائيل" لن تتجاهل الهجمات على مواطنيها، وانما سترد بالطريقة الاشد عنفا. وهذه الرسالة، على الاقل حاليا، مفهومة في لبنان وسورية… لن يكون هناك وضع يقتل فيه مواطنونا، ويجلسون في الملاجئ، بينما الحياة في لبنان تسير كالمعتاد… ان "اسرائيل" مستعدة للاستمرار في انزال الضربات المؤلمة، اذا بدأت الهجمات على بلدات الشمال مرة اخرى". وقال وزير الدفاع موشيه ارنز ان هجمات حزب الله منسقة مع سورية، وحتى وقفها هو نتيجة اوامر من دمشق، واضاف: "اذا وافقت الحكومة الجديدة على الانسحاب من مرتفعات الجولان، فان ذلك سيفسر بانه استسلام لهجمات حزب الله علينا". اما قائد سلاح الجو، ايتان بن الياهو فقال : "ان سلاح الجو لا يمكن ان يكون بديلا لوجود القوات البرية في المنطقة الامنية من جنوب لبنان". وتجدر الاشارة إلى ان فرنسا احتجت بشدة على قصف البنى التحتية اللبنانية، واعتبرته تجاوزا لـ "تفاهم نيسان"، الذي تشارك باريس في مراقبة تنفيذه. اما الولايات المتحدة، التي تشارك هي ايضا في لجنة المراقبة، فقد اعتبرت الرد "الاسرائيلي" مبررا. ومهما يكن، فان هذا القصف "الاسرائيلي" لم يردع المقاومة اللبنانية عن مواصلة التصدي للاحتلال، كما انه لم ينجح في دق اسفين بين سورية ولبنان، ولا بين حزب الله والجيش اللبناني، او الحكومة اللبنانية، كما كانت حكومة نتنياهو تتوقع.

 

باراك يقرر الانسحاب :

لاسباب امنية وموضوعية، كان باراك المرشح المفضل لادارة كلنتون في انتخابات سنة 1999 "الاسرائيلية" العامة، كونه ربيب المؤسسة العسكرية، الاشد ارتباطا بالاستراتيجية الاميركية تجاه المنطقة. ومنذ البداية كان واضحا ان باراك يسعى لاحتلال موقع رابين في واشنطن، الامر الذي لم يتحقق لشمعون بيرس من قبله، وبالتأكيد ليس لبنيامين نتنياهو. وقد برز ذلك في اثناء زيارته الاولى إلى العاصمة الاميركية كرئيس لحكومة "اسرائيل"، حيث حظي باراك باستقبال الفاتحين. ومنذ توليه السلطة، كان على رأس همومه ترميم ما افسده نتنياهو في العلاقة مع واشنطن، لانه يرى ان تلك العلاقة المتميزة هي الاهم، بما لا يقاس في مرتكزات الامن الاستراتيجي الاعلى لـ"اسرائيل". ولا غرو انه في ختام زيارته لواشنطن اعلن عن التوصل إلى اتفاق مع الرئيس الاميركي على رفع مستوى التعاون الاميركي ـ "الاسرائيلي" درجة. والظاهر ان هذا التعاون اصبح يتجاوز دول الطوق العربية إلى الدائرة الابعد المحيطة بالشرق الاوسط، في اطار الاستراتيجية الاميركية في الخليج وآسيا الوسطى. ولكن باراك يعي، والاكيد ان واشنطن اوضحت له ذلك، ان الانخراط الاعلى في الاستراتيجية الكونية الاميركية، ولا سيما ما يتعلق منها بالخليج وروسيا، يستلزم منه انسجاما اعلى معها في الشرق الاوسط، الامر الذي تعبر عنه في اصرارها على انجاز تسوية للصراع العربي ـ "الاسرائيلي". فهذا في نظرها يؤمن حالة من الاستقرار في الشرق الادنى، تضمن مصالحها، وتؤدي إلى عزل العراق وايران، تمهيدا لتطويعهما (الخيار المزدوج).

في المقابل، فان باراك بلا شك يرى بانخراط "اسرائيل" في هذه الاستراتيجية الاميركية فرصة ذهبية لاحياء دورها الوظيفي العسكري، خلافا لمنظور شمعون بيرس في ما اسماه "الشرق الاوسط الجديد"، وبالتالي، فباراك مستعد للاستجابة للعرض الاميركي. وقد ظهر ذلك من تصريحاته وحركته السياسية، قبل زيارته لواشنطن وبعدها. فقد تعهد بتنفيذ بروتوكول واي بلانتيشن، وبالتقدم على المسار السوري ـ اللبناني وفقا للمنظور الاميركي، كما اعلن نيته الانسحاب من الجنوب اللبناني خلال عام من توليه منصبه كرئيس للحكومة. وفي المحصلة، كان باراك، خلافا لنتنياهو، متحمساً لتلبية رغبة واشنطن في التوصل إلى تسوية للصراع العربي ـ "الاسرائيلي"، في مقابل تعزيز واشنطن دور "اسرائيل" الوظيفي في الدائرة الاقليمية الاوسع.

انا ما يرشح من اخبار متفرقة ومجتزأة يعزز القول بان الادارة الاميركية تميل إلى رفع مستوى التعاون الاستراتيجي مع "اسرائيل"، خلافا للتكهنات التي راجت بعد الحرب ضد العراق (1991). ويبدو ان واشنطن اصبحت تفكر في توسيع الدور الوظيفي لـ"اسرائيل"، ليطال الدائرة الخارجية للشرق الادنى. وهذا يعني تحديث الجيش "الاسرائيلي" واعداده للقيام بمهام جديدة ومتشعبة، بكل ما يترتب على ذلك من تمليكه الادوات اللازمة لاداء دوره المستقبلي. والظاهر ان واشنطن عرضت على باراك صفقة مغرية: مبادلته تطوير "التعاون الاستراتيجي" الاميركي ـ "الاسرائيلي"، وتوسيع نطاقه الجغرافي والتكنولوجي والاقتصادي، وحتى النووي، في مقابل تعاون اعلى في انهاء الصراع العربي ـ "الاسرائيلي"، الامر الذي يتضح من اصرارها على متابعة المفاوضات في ذلك السبيل. وظهر من تصريحات باراك وحركته السياسية انه مستعد للاستجابة للعرض الاميركي، وانه خلافا لنتنياهو، يبدو حماسا لتلبية رغبة واشنطن في التوصل إلى تسوية للصراع العربي ـ الاسرئيلي، في مقابل تعزيز واشنطن دور "اسرائيل" الوظيفي في الدائرة الاقليمية الاوسع. ففي خطاب نيل الثقة بحكومته في الكنيست، اكد باراك على انه يريد صياغة امن "اسرائيل" من خلال التسوية، التي ينوي تحقيقها من موقع القوة الفعلية، والمرونة الشكلية واللفظية، وبالاستناد إلى التنسيق المسبق مع الادارة الاميركية، وعلى اعلى المستويات، وكذلك بالاستعانة باطراف اقليمية. ولهذا السبب عين احد اكثر جنرالات الجيش السابقين تحمسا لهذا التعاون، دافيد عفري، قائد سلاح الجو السابق ورئيس مجلس الامن القومي، سفيرا في واشنطن، ليعمل على تجسيد هذه السياسة. ويتوقع باراك ان تحصل "اسرائيل" على مساعدات مالية ضخمة، قد تصل إلى عشرات مليارات الدولارات، الامر الذي من شأنه ان يعينه على تذليل العقبات الداخلية، باقناع جمهور المستوطنين، وكذلك المؤسسة الحاكمة، في "اسرائيل" بجدوى التسوية. وآخذا في الاعتبار التفتت السياسي في المؤسسة "الاسرائيلية" الحاكمة، وكذلك في جمهور المستوطنين، فان باراك يواجه صعوبات جمة في تنفيذ برنامجه السياسي.

فعلى ارضية الانقسام السياسي القائم في "اسرائيل" بعد انتخابات سنة 1999 بدا ان باراك يفاوض بلا تفويض عملي، وبالتالي، فهو مقامر دون رصيد فعلي. ذلك لان رغبة باراك في تلبية الارادة الاميركية، على اهميتها، لا تكفي لجعل التسوية التي تطالب بها واشنطن تحظى بتأييد واسع النطاق في "اسرائيل"، خاصة في الاطار الزمني الذي يجري الحديث عنه (من سنة إلى 15 شهرا، منذ تولي باراك والائتلاف الحكومي، والخط السياسي الذي يتبناه لا يحظى بتأييد الغالبية في الحكومة والكنيست، كما ان نجاحه في الاستفتاء الشعبي على الانسحاب من الجولان ليس مضمونا، ومن هنا، وبصرف النظر عن نية باراك، وكذلك عن رغبته في تعزيز العلاقة مع واشنطن من خلال تلبية ارادتها، فانه لكي ينفذ سياسة عليه ان يبقى في السلطة، ومن اجل ذلك عليه ان يخضع حركته السياسية لموازين القوى الحزبية في الائتلاف الحكومي والكنيست، وهذه الموازين ليست في صالحه راهنا. فالكثير من الاعتبارات الداخلية يصطدم بمتطلبات التسوية، كما برغبة واشنطن في تسريع المسارات المؤدية اليها. وهنا يكمن مأزق باراك، الذي يرغب جدا في تطوير "التعاون الاستراتيجي" مع واشنطن، ولكنه لا يملك التفويض السياسي لدفع استحقاقات ذلك. فمن وجهة نظر واشنطن، يستلزم هذا التطوير تخفيض حدة التوتر مع دول الطوق العربية، ليتسنى للاداة العسكرية "الاسرائيلية"، التي ينوي باراك تحويلها إلى "جيش رشيق، صغير وذكي"، الانخراط في الاستراتيجية الاميركية ازاء الدائرة الاوسع، المحيطة بالشرق الادنى. ولكن باراك يصطدم بالوضع الداخلي في "اسرائيل"، التي من الواضح انها ليست مهيأة للتسوية التي تطرحها واشنطن. فحكومة مشكلة من ائتلاف يضم 8 احزاب، ليست جميعها على وفاق مع خطه التسووي، لا على الصعيد السوري، ولا على الفلسطيني ايضا. وفي الكنيست 16 قائمة حزبية، وهي بتركيبتها الراهنة، لا توفر قاعدة صلبة لباراك للتقدم في مشروعه التسووي.

ومع ذلك، ففي خطابه السياسي، كما في حركته التفاوضية، ظل باراك يروج لمشروعه التسووي، ويبدي ثقة عالية بالنفس من انه سينجح في تجسيده. وكان يراهن على دعم واشنطن له في سبيل ذلك، خاصة لناحية تذليل العقبات، الداخلية والخارجية، التي تعترض سبيله، كما كان يتوقع من اطراف عربية مساعدته، سواء في تيسير حركته على مسارات المفاوضات مع الاطراف المعنية، وتحديدا مع سورية والسلطة الفلسطينية، او في ترويض الوضع "الاسرائيلي" الداخلي. وكانت خطته، اذا وجد السبيل إلى تنفيذها، تقضي بالتقدم على المسار الاسهل بداية، والذي لا يولد ردة فعل داخلية عنيفة، بل من شانه ان يعطي مردودا ايجابيا على الصعيد "الاسرائيلي" الداخلي، ويعزز قوته في المؤسسة الحاكمة، تمهيدا للاستفتاء الشعبي على كل اتفاق يتم التوصل اليه، خاصة على المسارين السوري والفلسطيني. ومن هنا، فقد سعى إلى ايجاد السبيل للخروج من لبنان، بينما هو يفاوض سورية على الانسحاب من الجولان، والسلطة الفلسطينية على الوضع النهائي. وبهذا الترتيب رأى بارك تدرج التقدم على هذه المسارات، فقد التزم بتاريخ محدد للانسحاب من لبنان قبل 7/7/2000. وكان يفضل، ولا يزال 27/4/2000، ان يكون الانسحاب بالاتفاق حتى بدون اتفاق، أي من طرف واحد. وظل باراك يراهن على التوصل إلى اتفاق مع سورية، على الرغم من تعرقل المفاوضات معها، واساسا لانه لا يريد، او لا يستطيع، الانسحاب إلى حدود 4/6/1967، كما تصر سورية على ذلك. الا انه بعد فشل قمة جنيف بين الرئيسين، الاسد وكلنتون (26/3/2000). وادعت حكومة باراك ان الكرة في الملعب السوري، علما بأنها هي التي امتنعت عن اتخاذ قرار الانسحاب الكامل من الجولان. وما لبثت حكومة باراك ان "اكتشفت" قرار مجلس الامن رقم 425، وبدأت تمهد السبيل إلى الانسحاب على اساسه، وبالتفاهم مع الولايات المتحدة، وبالتعاون مع الامم المتحدة.

وكان واضحا منذ تولي باراك السلطة بان التركيبة البرلمانية التي تمخضت عنها انتخابات سنة 1999 لا تبيح له التحرك بحرية كما يرغب، او بالسرعة التي تتوقعا منه واشنطن، والتي تريد ان تنجز التسوية في عام 2000 (في ولاية كلنتون)، كما صرحت بذلك وزيرة الخارجية البرايت. ومن هنا، فان موجة التفاؤل بالتسوية التي رافقت وصول باراك إلى رئاسة الحكومة في "اسرائيل" كانت مبالغا فيها جدا، فهو بالتأكيد لم يكن قادرا على تلبية ما كان متوقعا منه، لا فلسطينيا، ولا سوريا او لبنانيا، ولا حتى اميركيا. ذلك لانه واجه مشاكل صعبة ومعقدة في حركته تجسيد برنامجه السياسي إلى ثلاث فئات : 1- توضيب العلاقة مع واشنطن، وترميم ما افسده نتنياهو على هذا الصعيد. 2- التقدم في مسارات التسوية التي جمدها نتنياهو لمدة ثلاث سنوات. 3- معالجة طيف واسع من الاوضاع الداخلية المتردية. وهذه الفئات الثلاث مترابطة، وشرط نجاح باراك في حلها يكمن في قدرته على الجمع بينها في وحدة متفاعلة ايجابيا، تمكنه من التقدم على طريق الحلول في حركة جدلية لولبية صاعدة، واما العكس من ذلك، فيؤدي بالضرورة إلى نتائج عكسية. ففي الحساب الاخير، يبقى نجاح باراك، او فشله، رهنا بمدى ما يتمتع به من تفويض سياسي للعمل وفق برنامجه، الامر الذي يتوقف على موازين القوى داخل جمهور المستوطنين، المعبر عنها في المؤسسة "الاسرائيلية" الحاكمة. هذا بالاضافة إلى انه تعهد باجراء استفتاء شعبي على كل اتفاق يتم التوصل اليه في مفاوضات التسوية. وبالفعل، فقد ولي باراك السلطة في دولة استيطانية مأزومة، تمر بمرحلة حاسمة في سيرورة تطورها نحو استكمال بنائها الذاتي، تحت ضغط مسار تسووي ليست مهيأة لدفع استحقاقاته. وهو بالتأكيد يعي تماما عواقب الخروج على هذا المسار، علما بان الولايات المتحدة هي التي تقود، وهو يرى في ترميم العلاقة معها مفتاح الحل لمشاكله جميعا. وفي المحصلة، فان السمة البارزة للتجمع الاستيطاني "الاسرائيلي" هي الانقسام، وعلى صعد متعددة ـ عرقية ودينية واثنية وطبقية وثقافيةـ وقد جاءت عملية التسوية لتفاقم هذا الانقسام، وتجعل القرار السياسي بشأنها ممتنعا على المؤسسة الحاكمة في هذا المستوطن.

واذ كانت طريق باراك إلى واشنطن سالكة، فان "لعبه"، الذي قد يكون مقتله، في ائتلافه الحكومي المكون من ثمانية احزاب متنافرة، لقد عمد باراك إلى تشكيل ائتلاف حكومي موسع، يبدو وكأنه كل طرف فيه يشل الاخر. وكان غرضه من هذا التوسيع ضمان استقرار الحكومة، ومحاولة تهدئة الجبهة الداخلية، والحؤول دون استثارة الشارع ضده، كما حصل في ايام رابين. الا ان هذا التوسع الذي لم يسعفه في الداخل، اثقل عليه في الخارج. فلا يمكن الجمع بين ميرتس وشاس في حكومة واحدة يسودها الوئام، فظلت كلما "رتقها من جانب، انفتقت من الاخر". وبهذه التركيبة، لم يستطع باراك التقدم في التسوية، سواء على المسار الفلسطيني، ام السوري ـ اللبناني. وبقيت حكومته محكومة بحلقتها الضعيفة، حركة شاس، وبالتالي، بمزاج الحاخام عوفاديا يوسف، زعيم تلك الحركة الروحي. ويعارض عدد كبير من ائتلافه الحكومي سياسته التسووية المعلنة. ومن هنا، فهو لا يملك الصلاحية لدفع استحقاقات التسوية التي يعلن رغبته في التوصل اليها. وعندما وصلت المفاوضات مع سورية إلى طريق مسدود. اعلنت حكومة باراك نيتها الانسحاب من طرف واحد من الجنوب اللبناني، واستدركت لاحقا امكان توفير غطاء سياسي لهذا الانسحاب عبر الامم المتحدة، من خلال الاعلان بأنها تنفذ قرار مجلس الامن رقم 425، وطبقا للالية الواردة في القرار رقم 426. وفي توجهه هذا يحظى باراك بتأييد المعارضة، التي تطالبه بذلك لاسبابها الخاصة. وبينما ظل باراك يراهن على امكان التوصل إلى اتفاق مع سورية، وحتى بعد فشل "قمة جنيف" بين الرئيسين، الاسد وكلينتون، فان الوقت راح يضيق عليه للموعد المحدد (7/7/2000). وفي الواقع، فانه بصرف النظر عن الذرائع التي تسوقها "اسرائيل" ووسائط اعلامها عن المسؤولية في توصيل المفاوضات مع سورية إلى طريق مسدود، يبقى فقدان باراك التأييد الكافي لتلبية متطلبات الحد الادنى المقبول سوريا، سواء في الحكومة، او الكنيست، او الجمهور، هو السبب الحقيقي لما آلت اليه الامور.

وفي ندوة تلفزيونية (12/4/2000) ادارها المراسلان امنون افراموفتش وايهود يعري، تضاربت تقويمات المشاركين السياسيين والعسكريين فيها لقرار حكومة باراك الخروج من لبنان: هل هو انسحاب ام هروب؟ واذا تجرأت قلة من غلاة المتطرفين على الاعراب عن رأيها بضرورة استمرار الجيش "الاسرائيلي" في حربه اللبنانية، وربما تصعيدها، حتى يتم القضاء على حزب الله، وتفرض التسوية على لبنان وسورية. فاشار العميد احتياط يعقوب حسداي (متدين متطرف) إلى التحولات العميقة في جمهور المستوطنين "الاسرائيليين"، الذي لم يعد مهيأ للتضحية، خاصة في غياب قيادة كارزمية تدعوهم اليها، فيستجيبون لندائها. في المقابل، دعا العميد احتياط رافي ريشيف، الذي كان ضابط ارتباط في جنوب لبنان، إلى الانسحاب الفوري إلى الحدود الدولية، سواء باتفاق او بدونه، وادعى ان الجيش يستطيع الدفاع عن البلد من تلك الحدود بشكل افضل. اما الغالبية، فكانت تفضل الانسحاب باتفاق مع سورية، كما يرى باراك، ومنهم العميد احتياط مئير داغان، مستشار باراك السابق لشؤون الارهاب. ودعا دافيد كمحي، عميل الموساد السابق، ووكيل وزارة الخارجية، الذي شارك في المفاوضات على عقد اتفاقية 17 ايار 1983، إلى رفع اليد عن لبنان، مرة والى الابد، لان اصابع "اسرائيل" احترقت فيه. وتساءل المحلل العسكري بديهتور: لماذا لا يستطيع الجيش الدفاع عن البلد من الحدود الدولية، كما فعل حتى عام 1976؟ واشار شلومو ايليا إلى النجاحات التي حققها حزب الله، عسكريا واعلاميا، واثر ذلك على الرأي العام في "اسرائيل"، وخاصة بعد كارثة تحطم الطائرتين (1997) ومقتل 73 جنديا في الحادث. وطرح المراسل العسكري ألون بن ـ دافيد الانكفاء عن التدخل في لبنان، لانه فشل تمام في تحقيق اهدافه الاستراتيجية والتكتيكية. وقال مئير داغان: لقد حقق حزب الله نجاحا على المستوى المحلي والدولي، اجبر الجيش "الاسرائيلي" على الهروب من لبنان.

ومهما تكن التقويمات "الاسرائيلية" لخطوة حكومة باراك، فالحقيقة التي لا مراء هي ان الجيش "الاسرائيلي" الخارج من لبنان في سنة 2000، هو ليس ذلك الجيش الذي دخله في سنة 1976، وعاود اجتياحه لاجزاء منه، قبل غزوه له في سنة 1982 وبعده، فهو يغادر منهكا ومجروحا، ماديا ومعنويا، بعد ربع قرن من القتال المستمر، باشكال مختلفة، على الاراضي اللبنانية. لقد نجح في اخراج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان (1982)، لاسباب لا مجال للتطرق اليها هنا. ولم تكن القيادة السياسية العسكرية "الاسرائيلية" تفكر بامكان بورز مقاومة وطنية لبنانية، وبالتأكيد، لم تخطر ببالها ظاهرة حزب الله وتعاظمها، وبالتالي، وقوع الاحتلال "الاسرائيلي" للبنان في ازمة. وعندما تحولت المواجهة بين الجيش "الاسرائيلي" والمقاومة الاسلامية إلى حرب استنزاف مريرة، لم يستطع ذلك الجيش، وحتى الوحدات المختارة منه، ان يتحول إلى قوة عصابات قادرة على سحق المقاومة. وفي الصراع الدموي الطويل والمدمر، فقد الجيش "الاسرائيلي" قوة الردع التي طالما تبجح بها، وحتى التقنيات العسكرية المتقدمة، وسلاح الجو المسيطر تماما في سماء لبنان، والتحصينات المنيعة على طول الشريط الحدودي المحتل، لم تمكنه من كسر شوكة حزب الله. وفي اوساط الجمهور "الاسرائيلي"، راح ذلك الجيش يفقد مصداقيته، فاصبح في موقع الدفاع عن النفس ازاء الرأي العام هناك، الامر الذي اسهم كثيرا في حسم المعركة لصالح المقاومة الاسلامية. لم يبق امام القيادة السياسية/ العسكرية "الاسرائيلية" خيارات مقنعة، فاضطرت إلى اتخاذ قرار الخروج مما درجت على تسميته "المستنقع اللبناني"، بينما هي تجر ذيول الهزيمة. في المقابل، وتحت راية "الشهادة او النصر" سطرت المقاومة الاسلامية في لبنان ملحمة بطولية، وقدمت قوافل الشهداء، لتظفر بالنصر الذي لا يمادي فيه الا المغرضون.

وخلافا لغالبية وزراء حكومته، ظل باراك لفترة طويلة يراهن على امكان التوصل إلى تفاهم مع سورية ولبنان بشأن سحب القوات "الاسرائيلية" من الشريط الحدودي، يسمح لها بالخروج المنظم، ويحفظ لها "كرامتها". وحتى عندما تبين له انعدام وجود هذه الامكانية، راح يراهن على تحقيق هذا الهدف بالتعاون والتنسيق مع الامم المتحدة، وكأنه ينفذ قرار مجلس الامن رقم 425، بآليته الواردة في القرار رقم 426. وكانت خطته تنطوي على انسحاب مبكر، بحيث يتولى "جيش لبنان الجنوبي" سد الفراغ، ريثما يتم تعزيز القوات الدولية المرابطة في الجنوب اللبناني، والتي تتولى بدورها نقل ذلك الشريط إلى السلطة اللبنانية بالتدريج. ويبدو ان باراك كان يرمي بذلك إلى ضمان نوع من الحل لمشكلة عناصر "جيش لبنان الجنوبي"، بحيث تبقى غالبيتهم في لبنان، وتتم تسوية اوضاعهم بشكل او بآخر لاحقا. ولكن انهيار هذا الجيش بسرعة لم تكن متوقعة، وهروب عناصره من مواقعها، حتى قبل اخلاء وحدات الجيش "الاسرائيلي" للمواقع التي تشغلها، خرب على باراك خطته، ووضع تلك الوحدات في موقف حرج، ينذر بتطويقها. وازاء الوضع الذي تشكل، وانتشار مقاتلي حزب الله في الشريط، اتخذت الحكومة المصغرة لشؤون الامن، برئاسة باراك، قرار اصدار الامر إلى قيادة الجيش بالانسحاب "الكيفي" مع "الحفاظ على الذات"، وخلال ساعتين (1-3 من ليلة 24-25/5/2000). فأخلت تلك الوحدات مواقعها على عجل، تحت غطاء جوي كثيف، بينما مقاتلو حزب الله يطاردونها إلى بوابات العبور على الحدود. وقد انطلق جزء من افراد تلك الوحدات مهرولا نحو المعابر الحدودية، تاركين وراءهم كثيرا من العتاد والعدة، وحتى الحاجات الشخصية. وبذلك انهارت خطة باراك بالكامل، الامر الذي عرضه إلى النقد الشديد على هذه المهزلة، التي ختمت ربع قرن من العبث "الاسرائيلي" في لبنان.