حقائق أخرى عن قرار صعب

جدعون سامت

هآرتس 4/1/1999


في نهاية الأسبوع الماضي صدر حول الانسحاب من طرف واحد إعلانان غير متساويين في وزنهما، فالمجلس الوزاري المصغر اتخذ قراره ضد الانسحاب، وانضم الى مؤيدي الانسحاب صاحب رأي مثير للاهتمام. فقد اشتغل كبير ضباط سلاح الاستخبارات، العميد حاييم يفراح اول فرصة له مع نهاية اجازة تسريحه من الخدمة العسكرية، من اجل ان يكرر في مقابلة مع القناة التلفزيونية الثانية ما لم يستوعبه بعد الكثير من "الاسرائيليين". وبين الاثنين لا يجب الاهتمام بالوزن الزائد للمجلس الوزاري المصغر. انظروا اليه: "انه جزء من حكومة مهشمة لن يدفعها أي سبب الان لاتخاذ قرار مغاير.

ولقد سبق يفراح في تصريحات علنية - من بين كبار ضباط الجيش فقط - قائد الجبهة الشمالية السابق ونائب رئيس الموساد الحالي عميرام ليفين. قائد سلاح البحرية السابق ورئيس الشاباك الحالي عامي ايالون. والقائد الاسبق لهيئة اركان الجبهة الشمالية، العميد شاي افيتال. ولم يتحدث أي من هؤلاء في جلسة المجلس الوزاري المصغر التي تقرر فيها الاغارة على اهداف في لبنان اذا ما سقطت كاتيوشا على الجليل.

وهذا قرار فريد في نوعه: وهو مرعب بقلة مسؤوليته، او فارغ، هش وغير قابل للتنفيذ. والاحتمال الثاني هو الصائب، فعلى النقيض من الخشية من ان حكومة انتخابات يمكن ان تستغل القرار لقصف شديد، فان الحقيقة في انه تحديدا في فترة الانتخابات تكون اياديها مكبلة.

بل انه حتى رئيس وزراء يائس لن يأخذ على عاتقه هذه المجازفة. فمثل هذا القصف، والذي كما هو معروف جيدا، جرى تجريب مثله في الماضي، من دون نجاح، سيؤدي الى سقوط كاتيوشا كالأمطار على الشمال وربما كذلك على اسواق كريات شمونة التي ما زال يعلو فيها هتاف بيبي - بيبي. ولذلك فان قرار المجلس الوزاري المصغر كان مجرد قصف ضعيف بالكلمات. وقد اعتمد هذا القرار على الصيغة الملمعة لرجل عسكري سابق، افيغور كهلاني. وهو احد رجال السياسة الاكثر ابتذالا بين الموجودين.

وقد جسد هذا القرار ثانية الارضية الهشة التي يقف عليها الموقف "الاسرائيلي". فليس هناك بعد الان قضية امنية هامة ينتشر فيها مثل هذا الاحتجاج الواسع على موقف هيئة الاركان والحكومة. كذلك فإن مجلس الامن والسلام، وهي الهيئة التي تضم حوالي الف من كبار المسؤولين السابقين في المؤسسة الامنية. يؤيد الانسحاب من طرف واحد. ومبررات الرفض والقبول معروفة جيدا، لكن في اعقاب قرار المجلس الوزاري المصغر استجاب احد اعضاء الاطار الارفع (والاشد هدوءا) لمؤيدي الانسحاب لمطلب اختيار ثلاثة مبررات اقل شهرة من تلك التي يطلقها يوسي بيلين، الزعيم الانشط للحملة الشعبية للانسحاب من طرف واحد.

قال الرجل، ان المبرر الاول هو ان حزب الله منزعج تحديدا من ذلك السيناريو المعهود حول الانسحاب م في اطار تسوية واسعة مع سوريا. وحزب الله يفضل ان يتم خروج الجيش "الاسرائيلي" جراء تفاهم مباشر معه. وحسب رأي رؤسائه، فان تفاهما سوريا - "اسرائيليا" سيؤدي الى قيام دمشق بممارسة الضغط عليهم لوقف اعمالهم العدائية، ويقول الرجل. ان هذا غير صحيح. فثمة مصلحة مشتركة لحزب الله وسوريا.

ثانيا، انه لم يتفاجأ بمقتل الرقيب اوهاد زاخ بتبادل نيران بين قواتنا. وحسب علمه (الكثير) فالجيش "الاسرائيلي" لا يستخدم كل التكنولوجيا المتوفرة لمنع حوادث كهذه وللعمليات الليلية عموما، أي بما يسميه الجيش "تشخيص زميل مفترس"، حيث تتوافر لسلاح الجو وسائل غير مستخدمة لدى القوات البرية. فاجهزة الرؤية الليلية، على سبيل المثال، ليست الاكثر تطورا. وأجهزة متطورة على وجه الخصوص، التي بوسعها الحيلولة دون مثل هذا التبادل للنيران. تعتبر باهظة الثمن. كذلك فإن مؤيدي عدم استخدام هذه الأجهزة يزعمون ايضا انه اذا ما سقطت بايدي حزب الله فان هذا سيتيح له التشويش على اطلاق النار على رجاله. والاساس: لهذا السبب او ذاك، يختار الجيش - او يضطر - لعدم استخدام كامل الوسائل المتوفرة لديه في القتال اليومي في لبنان، حتى قبل ان يقصف اللبنانيين.

واضاف هذا الرجل المطل على العلاقات مع الولايات المتحدة، ان المبرر الثالث هو ان واشنطن ليست متحمسة للانسحاب من طرف واحد، ويبدي الاميركيون تقديرهم بان هذا سيسهل على نتنياهو اهمال المفاوضات مع كل من سوريا والفلسطينيين. وقد عارضت الادارة الاميركية، على سبيل المثال، مبادرة الامين العام للامم المتحدة، كوفي عنان، الذي قام بتعيين طاقم مهمات لفحص  امكانية ارسال قوة من الامم المتحدة كجزء من عملية الانسحاب. فليس كل توصية من واشنطن تستقبل بالترحاب في تل ابيب. وفي هذه القضية المعقدة من المريح للحكومة ان ترفق التحفظ الاميركي لزيادة المبررات الرافضة للانسحاب.

انه قرار صعب، حيث مبررات الرفض والقبول معقدة، حسب اعتراف  الرجل، لكن لا ريب عنده في انهم يميلون بشدة الى جانب الانسحاب من طرف واحد من لبنان.