اللبننة.. من هاجس للعرب إلى خطر على "اسرائيل"
صبحي غندور
مدير مركز الحوار العربي في واشنطن
هل يمكن اعتبار الهزيمة العسكرية في لبنان هزيمة كاملة للمشروع الصهيوني على ارضه؟ وهل سيمر هذا الحدث التاريخي بدون انتقام "اسرائيلي" لاحق؟ وما هو مصير المشروع "الاسرائيلي"في تقسيم لبنان وتشجيع الصراعات المحلية المسلحة فيه لكي لا يبقى لبنان نموذجا بديلا لحال الكيان العنصري ""الاسرائيلي"".
كان يوم 24 ايار/ مايو الماضي يوم ذل ومهانة لاسرائيل وجيشها ولعملائها في الشريط الحدودي مع لبنان. وكان هذا يوم قلق وترقب في الامم المتحدة وفي واشنطن وفي باريس وفي عدة عواصم اخرى. لكن هذا اليوم كان بدون أي شي، يوم فرح وفخر واعتزاز لدى عموم اللبنانيين والعرب اينما كانوا.
ففي هذا التاريخ انهزم الاحتلال "الاسرائيلي"في لبنان بعد مقاومة متواصلة بدأت مع احتلال "اسرائيل" لبيروت عام 1982، ثم تصاعدت هذه المقاومة وقويت حتى حررت الاراضي اللبنانية واستعادت ما احتلته "اسرائيل" منذ آذار/ مارس 1978.
ولعل قيمة هذا الحدث او الانجاز بالنسبة إلى العرب ككل، انه لاول مرة منذ 25 عاما، أي منذ بدء المفاوضات العربية مع "اسرائيل"، ومنذ بدء الصلح معها، ومنذ بدء الاعتراف بها، تضطر "اسرائيل" لاول مرة في تاريخ الصراع العربي/ "الاسرائيلي"للانسحاب الكامل من ارض بلد عربي، بدون تفاوض او اتفاقيات او ضغوطات دولية… فقط تنسحب بسبب المقاومة لهذا الاحتلال، وما سببته هذه المقاومة على مدار سنوات من خسائر بشرية كبيرة في الجيش "الاسرائيلي"وضباطه وجنوده وعملائه، حيث فاقت هذه الخسائر حجم مجموع ما خسرته "اسرائيل" في حروبها المتعددة مع الجيوش العربية.
كان درس المقاومة في لبنان مهما لكل العرب: بعد 10 سنوات تقريبا على مسيرة مؤتمر مدريد (وما اوجدته هذه المسيرة من مراهنات وحيدة على "عملية السلام"، وعلى المفاوضات مع "اسرائيل"، وعلى اقامة العلاقات الشاملة قبل انتهاء "عملية السلام" وقبل استرجاع الحقوق العربية وقبل حل جوهر الصراع، أي القضية الفلسطينية) جاء درس المقاومة اللبنانية ليؤكد ان "الحرية تؤخذ ولا تعطى"، وبان "ما يؤخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة"، وبان "الحق بغير قوة تدعمه هو حق ضائع".
فالحق اللبناني بتنفيذ القرار رقم 425 عمره اكثر من 22 عاما، لكن "اسرائيل" لم تستجب إلى هذا "الحق اللبناني" المدعوم بالشرعية الدولية الا حينما رافقت هذا الحق قوة المقاومة للاحتلال، هذه المقاومة التي استندت ايضا إلى قوة نهج العطاء والتضحية والبناء والتنظيم السليم، والى قوة التضامن الوطني اللبناني الشامل معها وحولها على المستويين الشعبي والرسمي. ايضا، استندت واستفادت هذه المقاومة من تضامن ومساندة ودعم انصار هذا الحق عربيا واقليميا ـ خاصة من سوريا وايران ـ ثم التضامن العربي معها الذي تجلى بصورة واضحة خلال شهر آذار/ مارس الماضي، حينما تضافر العرب عموما مع لبنان ومع حقه بالمقاومة المشروعة مما اسقط عربيا ودوليا صفة الارهاب التي كانت "اسرائيل" وامريكا تحاولان لصقها على المقاومة الاسلامية وتخويف العرب والعالم من طابعها الاسلامي.
كان شهر آذار/ مارس الماضي مهما جدا في تاريخ المقاومة اللبنانية، بل كان هذا الشهر وما حصل فيه من عدوان "اسرائيلي" كبير على لبنان ومنشآته، محطة زمنية هامة ارادها البعض ان تكون المحطة الاخيرة لاسلوب المقاومة المسلحة لكي ينتقل بعدها لبنان إلى خيار "القطار التفاوضي" الذي تقوده واشنطن، وتحدد "اسرائيل" مساره ومحطاته، وليتساوى لبنان مع الاطراف العربية الاخرى التي اختارت هذا القطار منذ مؤتمر مدريد، دون أي بديل اخر لها او لعملية التفاوض.
لقد خرجت اصوات وكتابات عديدة بعد عدوان آذار/مارس الماضي على لبنان تطالب (بتسريح المقاومة اللبنانية وبعدم جدواها وبانها تكلف تضحيات كثيرة للبنان وشعبه، بينما الآخرون في مسار آخر) وترافقت هذه الحملة آنذاك مع تصريحات امريكية (وفرنسية) واسرائيلية تصف المقاومة بالارهاب، وتحاول زج التناقض بينها وبين المنطقة العربية وحكوماتها وشعوبها من خلال وصف المقاومة انها (حالة ارهابية ايرانية). لكن كان الرد العربي آنذاك واضحا ومهما ومن مستويات رسمية عالية جاءت إلى لبنان تؤكد دعمه وحقه بالمقاومة (بل بعضها اجتماع مع مسؤولين بالمقاومة لاول مرة)، وايضا، من مستويات شعبية عربية مختلفة وصلت إلى طلاب الجامعات الفلسطينية الذين عبروا عن مشاعر كل العرب حينما احسنوا "استضافة" رئيس الوزراء الفرنسي الذي انتقد المقاومة اللبنانية وبرر لاسرائيل عدوانها.
لقد كانت قيمة هذا الحدث التاريخي الاخير في لبنان، ان "اسرائيل" تزعم التزامها بشعار (الارض مقابل السلام) وهو اللافتة التي افرزها مؤتمر مدريد، بينما التطبيق العملي لهذا الشعار كان حصول "اسرائيل" على كل نتائج السلام دون التخلي عن الارض.
اما في الحالة اللبنانية فلقد جرى الانسحاب "الاسرائيلي"من كل الارض اللبنانية مقابل لا شيء سوى "سلامة الجيش ""الاسرائيلي""". حصل الانسحاب بدون توقيع اتفاقيات وبدون مفاوضات وبدون شروط للتطبيع او رفع العلم "الاسرائيلي"في بيروت.
لقد ارتفع العلم "الاسرائيلي"في بيروت ولبنان فقط خلال فترات الاحتلال، ثم سقط هذا العلم وداسته اقدام اللبنانيين حتى اخر المواقع المحتلة منذ عام 1978.
كان شرفا عظيما للبنان ولمقاومته المؤمنة ان يحصل هذا الانسحاب "الاسرائيلي" بدون اتفاق او مفاوضات تحفظ ماء وجه المحتل حينما ينسحب، كما حدث على جبهات عربية اخرى.
انها الهزيمة الكاملة التي ترد "اسرائيل" اطلاقا ان تحدث بالشكل الذي حدثت فيه. فاسرائيل راهنت على ان انسحابها المفاجئ والسريع سيكون مشابهة لما حدث بعد انسحابها من الجبل اللبناني عام 1983، حيث استتبع الانسحاب معارك عسكرية واسعة بين الاطراف اللبنانية المسلحة هناك، وبطابع طائفي دفع لبنان ثمنا غاليا له.
"اسرائيل" راهنت على جعل الانسحاب المفاجئ ورقة ضغط على لبنان وسوريا والمقاومة، وعلى ان انسحابها سيجعل عناصر المقاومة اللبنانية تصطدم ولايام طويلة مع عملاء "اسرائيل" اللبنانيين في الشريط الحدودي، ثم على صراعات مسلحة بين الاطراف المحلية المواجهة لعملاء "اسرائيل".
لكن كل هذه المراهنات سقطت رغم حجم العدد والعتاد الذي تركته "اسرائيل" مع عملائها. فاذا باهالي قرى الشريط الحدودي الذين اضطروا لمغادرته بسبب الاحتلال، يعودون إلى قراهم مسالمين ومدعومين بتصرف سيلم جدا من عناصر المقاومة، واذ بجيش العملاء ينهار ويستسلم، ويتساقط جدار الشريط الحدودي كألواح كرتونية الواحد بعد الاخر.
ولقد اضاف هذا الاداء السليم للمقاومة في التعامل مع لحظة الانسحاب "الاسرائيلي"السريع والمفاجئ إلى ما حققته المقاومة من رصيد هام جدا على مدار السنوات الاخيرة، حيث حرصت هذه المقاومة على الاستفادة من سلبيات تجارب اخرى حصلت في لبنان والمنطقة والعالم. فلم تضع اولوية العمل الحزبي او الطرح العقائدي على سمات حركة التحرر الوطني التي تتطلب تجميعا للآخرين وليس فرزا بينهم او تناقضا معهم. كذلك حرصت المقاومة اللبنانية على حصر عملياتها في الارض اللبنانية المحتلة ولم تذهب في عملياتها إلى عواصم العالم ومطاراته المدنية، بل حتى حرصت على قتل الجنود "الاسرائيليين" والعملاء ولم تستبح قتل المدنيين في الشريط الحدودي رغم تعاونهم مع "اسرائيل".
كذلك نجحت هذه المقاومة في اسلوب تعامله مع تناقضات الساحة اللبنانية واطرافها المختلفة، ولم تنجر إلى صراع فرعي مع احد رغم ان بدايات عمل المقاومة كانت حافلة باخطار ومنزلقات سياسية وامنية عديدة، لكنها استفادت من هذه التجارب ومنعت تكرارها والزمت نفسها باولوية الصراع مع العدو، فرفضت الوقوع في صراعات جانبية مع اطراف محلية او عربية. وكانت هذه المقاومة تشيد بمن يقف معها عربيا ودوليا، لكنها لا تخون من لا يدعمها، فتركت مساحة فراغ من العلاقات كانت تملأها لصالح هدفها المقاوم للاحتلال مع مرور الزمن.
ولعل اهم عنصر في اسلوب المقاومة اللبنانية كان في كيفية ادارتها للعمليات العسكرية ضد جيش الاحتلال وعملائه، وايضا في كيفية علاقة المقاومة مع اهالي المناطق اللبنانية التي تتواجد المقاومة فيها، حيث غابت مظاهر التسلط وحلت محلها علاقات تفاعل اجتماعي وثقافي انبتت الكثير من المتطوعين والمستعدين للشهادة بحياتهم من اجل تحرير الارض، وليس من اجل حزب او مصالح فئوية ضيقة.
فكان هدف المقاومة الواضح الجلي: هو التحرير من الاحتلال "الاسرائيلي"وليس تغيير معادلات داخلية او عربية.
ولم تقع المقاومة اللبنانية في المطب او الكمين "الاسرائيلي"الذي حدث في العام 1975 في بدء الحرب اللبنانية، حيث رفع العديد من قيادات المقاومة الفلسطينية آنذاك شعار: "تحرير فلسطين يمر في جونية" كذلك حرصت المقاومة اللبنانية على التأكيد مؤخرا ان الانتصار هو لكل اللبنانيين ولكل المناطق ولكل الطوائف، وبانها لن تكون مرجعية امنية بديلة عن الدولة اللبنانية، حتى عناصر العملاء واسلحتهم جرى تسليمها للسلطات اللبنانية.
ماذا بعد التحرير؟
هل يمكن اعتبار الهزيمة العسكرية "الاسرائيلية" في لبنان هزيمة كاملة للمشروع الصهيوني في لبنان؟ وهل سمير هذا الحدث التاريخي بدون انتقام "اسرائيلي" لاحق؟ وما هو مصير المشروع "الاسرائيلي"في تقسيم لبنان وتشجيع الصراعات المحلية المسلحة فيه لكي لا يبقى لبنان نموذجا بديلا لحال الكيان العنصري ""الاسرائيلي""؟ وهل ستقبل "اسرائيل" ان يكون منطقها مع كل الاطراف العربية الاخرى (الارض مقابل السلام والتطبيع والعلاقات مع "اسرائيل") بينما لبنان لم يقدم أي شيء بعد؟! حتى التعهد بالسلامة لم تحصل "اسرائيل" عليه بعد!!
لا شك ان "اسرائيل" تراهن الان (بعد سقوط المراهنات السابقة) على ان تتحول الجبهة الحدودية مع لبنان إلى حال مشابه لكل الجبهات العربية الاخرى، أي إلى حدود مضبوطة من قبل الجيوش الرسمية، وممنوع فيه (ومنها) أي عمليات فردية او جماعية تستهدف ضرب "اسرائيل".
لقد شهدت الجبهة المصرية مع "اسرائيل" وكذلك الجبهة الاردنية، عمليات محدودة جدا من افراد عسكريين اطلقت صفة (الجنون) عليهم جميعا. ولعل هذا ما يفسر كثافة التصريحات "الاسرائيلية" والامريكية التي تطالب الحكومة اللبنانية بالاسراع في ارسال الجيش اللبناني إلى كل مناطق الشريط الحدودي حتى قبل انتشار القوات الدولية.
أي المطلوب اسرائيليا وامريكا الان استنساخ حالة الجبهات العربية الاخرى وتطبيقها على لبنان، وذلك قبل ان يستنسخ المواطنون العرب حالة التجربة اللبنانية لاسترجاع باقي الاراضي العربية المحتلة.
ايضا اعتقد ان "اسرائيل" ستحتفظ بمزارع شبعا لكي يكون هذا الموضوع هو مبرر دعوة لبنان إلى مفاوضات لاحقة حينما يتم الاتفاق على استئناف المفاوضات "الاسرائيلية" ـ السورية. فعندما سينتهي التلازم بين المسارين السوري واللبناني وسيتم توقيع اتفاقات تريدها امريكا واسرائيل وتحتاج لها ايضا عواصم الدول الكبرى وبعض الاطراف العربية لكي تنتهي عملية ومسارات التسوية إلى بناء وضع جديد في المنطقة قائم على الاعتراف العربي الشامل باسرائيل، وعلى اقامة علاقات معها في اوجه مختلفة لا تستثني دولة عربية، اضافة إلى ترتيب امور المياه واللاجئين الفلسطينيين، وهما قضيتان معني لبنان بهما حربا او سلما.
واذا لم يستجب لبنان ـ وقبله سورية طبعا ـ لهذا التطور المطلوب اسرائيليا وامريكيا، فان اسلوب المعاقبة سيكون بفتح ملفات كثيرة تتعلق بالوجود العسكري السوري في لبنان وفي اثارة اطراف لبنانية ضد اخرى من خلال العودة إلى موضوع "الخوف عند المسيحيين" واثارة القضايا ذات الطابع الطائفي والمذهبي في ساحة بلد ما زال كل ما فيه يحمل بصمات صراعات ملونة بعدد طوائفه ومذاهبه ومناطقه المتعددة.
لقد نجحت المقاومة اللبنانية في الحرب العسكرية ضد الاحتلال "الاسرائيلي"لكن مسؤولية ما بعد التحرير لا تتوقف على المقاومة وحدها.
حتى في الجوانب الاقتصادية والامنية، فان "اسرائيل" قادرة على الضغط والتأثير السلبي في المجتمع اللبناني الذي لم يتخلص بعد من آثار سنوات الحرب الطويلة وسوء هدر الاموال والفساد السياسي والاداري الذي كان سائدا في العهود والحكومات السابقة.
لكن بغض النظر عن كل الاحتمالات وعن ما يمكن ان يحدث مستقبلا، فان الحاضر هو وسام شرف على صدر الامة العربية وضعته المقاومة اللبنانية بعد فترة طويلة من الذل والهوان والتنظير السياسي والاعلامي بضرورة (الواقعية في التعامل) مع العدو "الاسرائيلي"والمتغيرات الدولية.
لقد كانت بداية الحرب اللبنانية عام 1975 هي نفسها بداية مرحلة عصر الهيمنة "الاسرائيلية" في المنطقة العربية، وبداية اسلوب التفاوض والصلح والاعتراف بين العرب واسرائيل، فعسى ان تكون نهاية الحرب اللبنانية الان وانتصار المقاومة على الاحتلال، هي مدخلا لمرحلة عربية جديدة تأخذ بعين الاعتبار دور القوى الشعبية في كافة جوانب الحياة العربية، ومن ضمنها حقوق الاوطان، وكيفية حفظ كرامة الحكومات والشعوب ايضا.
"اللبننة"، كانت حالة تقسيمية وتدميرية في بدء الحرب اللبنانية عام 1975، يخافها ويدفع ثمنها اللبنانيون ارواحا وممتلكات ويستفيد منها العدو "الاسرائيلي"في توسيع هيمنته وفرض شروطه على كل العرب.
"اللبننة" هي اليوم ـ انتصار المقاومة وانتهاء الحرب اللبنانية ـ خطر على "اسرائيل" التي تخشى آثار هذه "اللبننة" الجديدة على المناطق العربية المحتلة في اماكن اخرى وعلى نهج التطبيع مع "اسرائيل" بشكل عام.
فاي "لبننة" سيحرص عليها لبنان والعرب في المرحلة القادمة؟