الأنبياء مارسوها والشعوب المقاومة قديمة قدم الإنسانية

فوزي صلوخ

سفير لبناني سابق


مقدمة

المقاومة حالة شعبية ناتجة من عمل يسيء إلى الوطن أو الشعب أو القيم أو الدين أو غير ذلك مما يستدعى إعلان الاحتجاج والرفض والمقاومة. وليست المقاومة ظاهرة حديثة العهد، حداثة قيامها على أرضنا وفي وسطنا انما هي حالة قديمة قدم الإنسانية تصوغت بصيغ متعددة وأخذت أشكالا وصورا متنوعة، وان الكثيرين من قادة المجتمع من روحيين وزمنيين قاوموا على مدى التاريخ البشري الكفر والطغيان والظلم والاستبداد والتحكم بمصائر الناس من المواطنين الأبرياء. فالأنبياء والرسل (ع)  قاوموا، وكذلك قادة الشعوب . وان الشعوب المؤمنة بالعقيدة أو القضية أو الأهداف كانت داما الخميرة المباركة لهذه المقاومة. وفي التاريخ كما جاء في (مستدرك ج2. ص 242) عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ان أول من قاتل وقاوم في سبيل الله النبي إبراهيم الخليل حيث أسرت الروم لوطا فنفر إبراهيم عليه السلام واستنقذه من أيديهم.

ونتقدم في التاريخ فنرى ان النبي موسى عليه السلام قاوم الجبارين وقاتلهم في الوقت الذي تخلف فيه بنو "إسرائيل" عن ذلك. وقد ورد ذلك في الآيات البينات من 19-24 من سورة المائدة في قوله تعالى: وإذا قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله علكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا واتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين - يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين - قالوا يا موسى ان فيها قوما جبارين وأنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فان يخرجوا منها فأنا داخلون - قال رجلان من الذين يخافون انعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا ان كنتم مؤمنين - قالوا يا موسى أنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا أنا ها هنا قاعدون.

لقد ذكر النبي موسى بنعم الله على بني "إسرائيل" كونه جعل فيهم الأنبياء وجعلهم ملوكا أي مستقلين ينعمون بالحرية، وانزل عليهم المن والسلوى بلا حرث ولا حصاد واخرج لهم المياه العذبة من الحجر بلا حفر وتنقيب، واظل فرقهم الغمام، ومع ذلك فقد عادوا إلى جبلتهم من العناد والتمرد والقحة والغلظة وقالوا له "فاذهب أنت وربك". وهم في هذا يريدون تحقيق مصالحهم من دون تعب وعناء، كما يعني هذا في واقعه ان أهواءهم وشهواتهم وحدها هي ربهم والههم الذي يستحق منهم العبادة والتقديس بحمده. واستمر النبي موسى طوال حياته يقاوم شهوات بني "إسرائيل" ورغباتهم وأحقادهم ومصالحهم متحملا الأذى من اجل شعب غضب الله عليه من كثرة ما آذوا الأنبياء واهتموا بالمكاسب والمغانم يريدون نصرا رخيصا ومريحا.

والسيد المسيح عليه الصلاة والسلام قاوم الكفار من بين "إسرائيل" أنفسهم بالمحبة، بالكلمة الطيبة والإرشاد والنصيحة، وبما اتاه اله من قدرة على تحقيق المستحيلات والعجائب، ومع ذلك ظلوا يجحدون نعمة الإيمان وينكرون عليه الرسالة ويتواطؤون مع الأعداء من اجل إلحاق الأذى به والدس عليه والإسهام بتقديمه للمحاكمة وما أسفر عن ذلك من أحكام، لكن المسيح (ع) السلام مشى في طريق الجلجلة إلى الرب كي يفتدي قوما أنكروه وباعوه بالقليل من الفضة معاندين النبي الرسول مشاكسين منكرين رسالة المحبة والطهر والإيمان. ورفع الله المسيح إليه فخلف وراءه ثلة من تلامذته عسى ان يكملوا الطريق.

وجاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حاملا مشعل النور والتنوير، جاء نبراس هداية إلى نبذ الكفر، إلى تحطيم الوثنية، إلى التخلي عن عبادة الأوثان يدعو إلى وحدانية الله المتجلي في خلقه وعباده، إلى الصراط المستقيم، مبشرا لا منفرا، ميسرا لا معسرا. وقد بعد عنه قومه وعشيرته الا نفرا قليلا منهم لقي كل صنوف الأذى الشديد القاسي وقذف بالاتهامات البغيضة المسيئة فكان عليه ان يقاوم ويقاتل الكافرين الذي يحولون دون نشر الرسالة . وجاء ذلك بأمر الهي وليس رغبة شخصية كما تدل الآية 216 من سورة البقرة (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى ان تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وانتم لا تعلمون)، وقوله تعالى في الآية 75 من سورة النساء (مالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان  الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا).

وقد قاوم النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم والمؤمنين بالرسالة السماوية في عدد من الحملات والغزوات، كانوا فئة قليلة وكان أهل الكفر فئة كثيرة ولكن كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة باذن الله، وقد أمر الله هذه الفئة القليلة المؤمنة بإعداد القوة واستكمال العدة للأعداء بقوله تعالى في الآية 60 من سورة الأنفال (واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله بعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وانتم لا تظلمون) والمراد بالقول هنا كل ما يتقوى به على العدو رمحا كان أو سيفا أو قوسا أو صاروخا في عصرنا الحاضر. كما خص الخيل بالذكر لانها كانت من اعظم مظاهر القوة آنذاك. وروي انه عندما تلا النبي صلى الله عليه واله وسلم هذه الآية قال: "الا ان القوة الرمي، وقد رددها ثلاثا والقصد من ذلك بينان أهمية الرمي وتأثيره في الحروب. وقد اثبت تاريخ الحروب صحة هذه النظرية منذ اكثر من ألف وأربعمائة سنة حيث لم يعرف أولئك المؤمنون المجاهدون المقاومون قاذفات قنابل ولا صواريخ موجهة. لكن عباقرة العقول اتجهت في كل عصر إلى تقوية الرمي وتطويره من السهم إلى الرصاص، ومنه إلى القنابل، ومن القنابل إلى الصواريخ والقذائف الذرية والهيدروجينية كما جاء في التفسير الكاشف للعلامة المغفور له الشيخ محمد جواد مغنية. ومما يجدر ذكره ان المسلمين مع الرسول استعملوا الرمي بالمنجنيق في غزوة خيبر.

وان قوله تعالى ترهبون به عدو الله وعدوكم ينطوي على مبدأ بحفظ المجتمع الإنساني من الفوضى، ويردع الطغاة الأقوياء من التلاعب بحياة الناس واستغلالهم واحتلال أراضيهم وتشريد السكان وقتل الأبرياء كما تفعل "إسرائيل" في جنوب لبنان والبقاع الغربي فكان الرد الأفضل لها من المقاومة إرهاب العدو الغاشم كي لا تستفحل قوته المعتدية ويجعل من ترسانة التخريب والتدمير الذي يملك، على الرغم من المواثيق والمعاهدات الدولية التي تمنع ذلك وتحرمه، أداة لتقل الأبرياء الآمنين، وقوة لإخضاع المنطقة لإرادته وسيطرته واستمرار احتلاله للأراضي غير آبه لقرارات الأمم المتحدة.

واخلص من سوق هذه النماذج من المقاومة الشريفة المؤمنة التي مارسها الأنبياء الرسل ساعدهم على تحقيق النصر ونشر رسالة الإيمان رجال مؤمنون صابرون تعرضوا لمختلف أنواع الأذى والضيم والكراهية والبغضاء وما بدلوا تبديلا وكانت الشهادة أقصى درجات التمني لديهم، اخلص من هذا لاسوق نماذج أخرى قام بها قادة سياسيون قادوا شعوبهم إلى التخلص من نير الاحتلال وربقة الاستعمار باستعمالهم أشكالا مختلفة من المقاومة.

وسأقفز قفزات كبيرة في تاريخ البشرية الحافل بالمقاومة حتى اصل إلى الزعيم الهندي الراحل مهندس كرمشند غاندي المهاتما أو الروح العظيمة الذي ما ان بلغ الخامسة والعشرين من عمره في العام 1894 حتى بدأ نضاله ومقاومته الصامتة في جنوب أفريقيا ضد نظام التمييز العنصري والمظالم التي كان يتعرض لها مواطنوه الهنود في تلك البلاد، باشر مقاومته بالتقدم من المجلس التشريعي في مقاطعة ناتال في جنوب أفريقيا والحكومة البريطانية المستعمرة بعرائض موقعة من مئات الأشخاص يحتجون فيها على التمييز العنصري وعلى المهانة التي كان يتعرض لها الملونون من هنود وأفارقة أهل البلاد. كان مسالما في مقاومته مطالبا بالحقوق السلبية مدافعا عن حرمة الإنسان مهما كان لونه وجنسه وعرقه.

وقد عاد إلى الهند في العام 1914 ليعلن الجهاد المعروف بـ"الثبات في الحقيقة" على مدى ثلاثين عاما من العمل المتواصل. لقد شجب الحكم البريطاني في الهند كما شجبه في جنوب أفريقيا، ودعا إلى العصيان المدني والى عدم استعمال العنف وعدم التعاون مع الحاكم الإنكليزي. كان يسمى هذه الفلسفة أو هذه الصيغة من المقاومة "ساتياغراها" أي "قوة الحقيقة" أو "قوة الروح". كان يؤمن بان التغلب على الرذائل الاجتماعية يتطلب تغييرا في نفس الخصم والتأكيد على وحدة الإنسانية وكثيرا ما أعلن الصوم شاركه في ذلك مواطنوه الهنود من اجل تحقيق المطالب السياسية. وظل على هذا النضال بل هذه المقاومة حتى تم استقلال الهند في العام 1948.

اما حركات المقاومة في بلدان الشرق الأوسط فتعود إلى العشرينات أي الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الأولى حيث باتت تلك البلدان تحت نير الاستعمار الفرنسي والإيطالي والبريطاني . وقد قسم الثنائي سايكس - بيكو المنطقة بناء على رغبات بلديهما وبشكل يحفظ مصالحهما ويدعم الوجود البريطاني - الفرنسي فيها.

لكن الوجه الاستعماري تغير ما بين العامين 1943 و 1960 وحلت محله سمات الحكم الوطني.

ومما يجدر ذكره ان أول انتفاضة ضد الاستعمار كانت في الريف المراكشي - الإسباني بقيادة محمد بن عبد الكريم وامتدت حتى مراكش الفرنسية وحرر كثيرا من الأراضي وشكل حكومة وطنية لكن الدول المهيمنة لم تعترف بها وكثف الفرنسيون ضربهم لهذه المقاومة حتى قضوا عليها.

وابتدأت الانتفاضات المقاومة للاستعمارين البريطاني والفرنسي في العشرينيات أيضا في فلسطين ولبنان وسوريا ومصر . وكانت ثمة معارضة للوجود البريطاني في العراق وانتفاضات قبلية ضد البريطانيين في اليمن الجنوبية. ومع ان القبائل في الشرق الأوسط كانت في وضع الانطواء على مفارقة تاريخية فان زعماءها قاوموا بعناد السلطات المركزية والاستيطان القهري في إيران وليبيا. كما جرى ذلك أيضا في العراق والأردن والعربية السعودية خصوصا على الحدود حيث تمركزت قوات حدودية لمواجهة مثل هذه الانتفاضات.

أما في مصر فكانت الانتفاضات مزدوجة ضد البريطانيين والحكومات الوطنية المتعسفة واشدها تدميرا حدثت في كانون الثاني (يناير) 1952 المعروفة بالسبت الأسود والتي كانت ردا على اعتداء القوات البريطانية في منطقة قناة السويس على البوليس المصري ومقتل خمسين نفرا منه. وكانت البذرة التي نمت وأدت إلى قيام الثورة المصرية في 23 تموز (يوليو) التي استقبلها الشعب بالتهليل والترحاب.

وان الانتفاضات قائمة في فلسطين منذ مؤتمر بازل في سويسرا العام 1897 وإعلان وعد بلفور في العام 1917 ومن ثم قيام الدولة "الإسرائيلية" في العام 1948 وانسلال بريطانيا من الوضع المتأزم ووقوع الحرب بين العرب واليهود والتي ما زالت مستمرة حتى يومنا هذا والتي أصابتنا بسهام بالغة منها. والفرق شاسع بين انتفاضات الفلسطينيين ومقاومتهم ضد المحتل والمستوطن وبين أعمال "الإسرائيليين" الإرهابية ، وتبقى انتفاضة الحجارة التي ابتدعها الصبية الفلسطينيون الأطهر والأشرف.

وتجدر الإشارة إلى التمييز بين حروب الاستقلال وعمليات العنف والإرهاب، مثلا على ذلك انتتفاضة محمد بن عبد الكريم ضد الفرنسيين والأسبان في المغرب كما مر آنفا والمقاومة الجزائرية ضد الفرنسيين الذين احتلوا البلاد منذ العام 1830 كما عملوا على فرنستها الا ان انتفاضات الجزائريين والتي بلغت شأوها ما بين العام 1954 والعام 1960 جعلت الجيش الفرنسي يتقهقر في الجزائر وتنتصر المقاومة الجزائرية وتنتزع الجزائر استقلالها في العام 1962 بقيادة جيش التحرير الوطني.

لم تكن المقاومة حكرا على الشعوب العربية والآسيوية والأفريقية التي ذاقت ويلات الاحتلال والاستعمار وحتى الاستيطان، انما تعدت هذه المقاومة دائرة الشعوب المقهورة إلى الشعوب القاهرة والتي باتت مقهورة في خلال الحرب العالمية الثانية كما كان الحال في فرنسا وبلجيكا وكذلك في بولونيا ولوكسمبورغ وغيرها من البلدان الأوروبية. ان سقوط حكومة فيشي في فرنسا العام 1940 سريعا ما قابله في خط متواز انتفاضة بدأت تعمل في الخفاء ضد الألمان. ولم تمض أسابيع قليلة حتى باشرت جماعات فرنسية صغيرة المقاومة على مختلف أنواعها من نقل معلومات وتهريب الطيارين البريطانيين وتوزيع المنشورات وتخريب سكك الحديد وغيرها.

واشتدت شوكتها عندما هاجم هتلر روسيا مما جعل أعضاء الحزب الشيوعي الفرنسي ينخرطون في المقاومة كما انضم إليها العمال. وقد انبثق عن هؤلاء جميعا نوع من الوحدة الوطنية تحققت في أيار (مايو) 1943 عندما تمكن ممثل ديغول الشخصي جين مولان من إنشاء المجلس الوطني للمقاومة الذي اصبح بمثابة فدرالية ضمت جميع حركات المقاومة الرئيسية. وكان الضابط العسكري شارك ديغول يقود هذه المقاومة من لندن حيث أسس منظمة اسماها فرنسا الحرة وسريعا ما عين لها هيئة باسم اللجنة الوطنية الفرنسية التي كان يعتبرها حكومة شرعية. وانتقل شارل ديغول إلى الجزائر ليقود معركة تحرير فرنسا منها في العام 1943. وعندما نزلت القوات الحليفة في النورماندي في فرنسا في 6 حزيران (يونيو) 1944 نمت المقاومة وقامت بدور مهم في المعارك التي عقبت الإنزال وساعدت على القوات الألمانية وأخذت تسيطر على المدن والقرى طاردة القوات الفيشية مفسحة في المجال لحكومة ديغول المؤقتة كي ترسل ممثلين عنها لتتسلم السلطة في الأراضي المحررة، ثم دخلت الوحدة الفرنسية الحرة باريس في 25 آب (أغسطس) 1944 كما دخلها ديغول في اليوم نفسه وغادرها الضباط الخونة وعلى رأسهم بتان ولافال. واعترف الحلفاء بحكومة ديغول في تشرين أول (أكتوبر) من العام نفسه التي أكملت مشوارها في تحرير فرنسا تحريرها كاملا.

وقد شهدت بعض البلدان انتفاضات شعبية في السبعينيات والثمانينيات كثيرا ما تشبه المقاومة كالانتفاضة الشعبية الإيرانية بقيادة الإمام الخميني صاحب الكاريزما القيادية الاستثنائية. وقد قاد الشعب الإيراني وهو خارج إيران، بواسطة الكاسيت. وقد تغلب كلام الكاسيت على جميع الأسلحة المعقدة. كما يمكننا ان نشير في هذا المضمار إلى مقاومة الشعب الأفغاني ضد الوجود الروسي في أفغانستان من اجل دعم الحكومة اليسارية فيها، وقد استمرت هذه المقاومة مدة عشر سنين حتى أجلت القوات السوفياتية عن أفغانستان مع سقوط هذا الاتحاد وتفككه.

ولقد سقطت الحكومة الاشتراكية لكن الحكومة الوطنية لم تتمكن من السيطرة على الموقف فانقسمت على نفسها ودب القتال بين القبائل المتناحرة مما أسفر عنه ما يشبه التدمير الكامل للبلاد وتشريد الشعب وسقوط مئات الآلاف من القتلى والجرحى.

وثمة انتفاضات تقوم بها عصابات أو منظمات تحارب ضد الحكومات الشرعية مثل منظمة الكونترا في نيكاراغوا ويونيتا في انغولا فحروبها ليست انتفاضات مقاومة بقدر ما هي لخدمة مصالح خاصة. كذلك فان الانقلابات العسكرية ضد الأنظمة الشرعية لا تعد مقاومة اذا كانت مثل هذه الأنظمة تحظى بحكومات وطنية تعمل من اجل مصلحة الوطن والمواطنين. اما اذا كانت هذه الانقلابات ضد أنظمة تسيطر عليها حكومات فاسدة فهي في عداد المقاومة بامتياز.

أما لبنان، فقد واجه الكثير من التحديات خلال تاريخه الطويل حتى لم تمض فترة زمنية من دون ان يتعرض إلى غزو أو احتلال وكان شعبه يدافع عن الأرض والعرض حتى ان مدينة صور بكاملها احرقها سكانها خشية ان تسقط رهينة في أيدي العدو الغازي بقيادة إسكندر المقدوني. ولم يعرف سكانه الراحة والاستقرار لكثرة ما تعرض لغزوات وحروب من مختلف الشعوب الأجنبية، هذه الشعوب التي تحطمت أحلامها على شواطئه، وتكسرت سيوفها على أرضه الصخرية الصلبة، لقد اندثرت تلك الشعوب ولم يبق منها في لبنان الا تواريخ مرورها منقوشة على صخور قرب نهر الكلب.

وبات لبنان دولة مستقلة مرتين، الأولى في العام 1978 والثانية في العام 1982. لم يعلن لبنان حربا على "إسرائيل" منذ هدنة العام 1948 عقب الحرب العربية - "الإسرائيلية" من اجل فلسطين. ذنبه انه استضاف اخوة له شردتهم بل استأصلتهم من جذورهم وبيوتهم وأراضيهم عصابات إرهابية منظمة ومسلحة.

وان "إسرائيل" التي تعبث بالمواثيق والقوانين الدولية، لم يكن عجبا منها ان تدير أذنا صماء لقرارات الأمم المتحدة التي تدعوها للانسحاب غير المشروط من جميع الأراضي اللبنانية وعلى الأخص القرار 425. وقد ساعدها على ذلك ازدواجية المعايير التي تمارسها الدول الكبرى وعلى الأخص الولايات المتحدة التي غدت الدولة العظمى الوحيدة في عالم اليوم.

امام هذا الواقع الأليم حيث يتعرض أهلنا في الجنوب والبقاع الغربي للقصف اليومي وللمهانة والأسر والزج في السجون، امام هذا الواقع الأليم حيث ان عشر المساحة اللبنانية يقع تحت الاحتلال ومعه ما يفوق عشر عدد السكان اللبنانيين فما هل الحل؟ وهل ان ثمة حلا غير المقاومة بعد ان هزئت "إسرائيل" بقرارات الأمم المتحدة وخرقت المعاهدات والمواثيق الدولية؟ لقد عادت الأصالة اللبنانية إلى سابق عهدها واشتعلت الثورة في نفوس الأباة الشرفاء فامتشقوا السلاح للدفاع عن الأرض المجبولة خصبا بدموع الأرامل ودماء الشهداء الصالحين. انها المقاومة التي هي ليست بندقية فحسب، وإنما هي بجميع الأشكال المتيسرة. "فهي ضد "إسرائيل" واجب شعري واخلاقي، وهي -أي المقاومة- ليست لطائفة أو منطقة ما، وبمعنى آخر، ان الواجب يلحق الجميع بمختلف انتماءاتهم، وكل من يرفع شعارا وطنيا في هذا الاتجاه أو ذاك.

وهنا يبرز السؤال الكبير: هل ان هذه المقاومة الواجبة بالنسبة لنا في وجه "إسرائيل"، الشر المطلق، يستسيغها الغرب على انها حق قانوني وشرعي يمارسه اللبنانيون ضد عدو محتل للأرض متربص بالشعب سارق للمياه والتربة؟ وهل ان الحكومات الأوروبية التي عرفت شعوبها مهانة الاستعمار وذلك الاحتلال وقاومتهما بغية انتزاع استقلالها وسيادته تقر بان مقاومة "الإسرائيلي" المحتل في الجنوب هي المقاومة نفسها التي مارستها بحق في خلال الحرب العالمية الثانية؟

ان الجواب عن هذين السؤالين يقتضي الصراحة والحقيقة.

الصراحة ان الحكومات الغربية ظلت حتى الأمس القريب تصف المقاومة الجريئة التي تدفاع عن مقدسات الوطن بانها إرهاب، وان مقاومتها للمحتل النازي تختلف كثيرا عن مقاومة اللبناني للمحتل "الإسرائيلي". يعود ذلك إلى غسل الأدمغة من قبل وسائل الإعلام التي يطغى عليها التأثير "الإسرائيلي" أولا والمحافظة على المصالح الذاتية ثانيا. وان هذا الشعب "الإسرائيلي" المسكين يفتقر إلى وطن يأوي إليه. لقد واجهنا العناد والتشبث لدى محاورينا في الخارج، وقد تعبنا بإقناعهم ان الأرض الفلسطينية لم تكن ارضا خالية من السكان وان جنوب لبنان المحتل ليس قطعة من صحراء رملية في سيناء، انه ارض خصبة مباركة مأهولة جعلتها "إسرائيل" أرضا يبابا طردت سكانها وجعلتهم لاجئين في وطنهم. لم يستوعب الفرنسي ولا البلجيكي ولا اللوكسمبورغي ان مقاومتنا اكثر قداسة من مقاومتهم واشد إيمانا منها. ان مقاومتهم كانت نتيجة حرب اشتركت دولهم فيها فكان فيها الخاسر والمنتصر، اما المقاومة في لبنان فهي بسبب عدوان سافر قامت به "إسرائيل" متذرعة بأوهن الذرائع واضعفها.

لذا تغير الحال عما كانت عليه منذ قبل سنوات قليلة ويعود الفضل في ذلك إلى المقاومة والتي يعضدها شعب لبنان الوفي لارضه وتاريخه. لقد اخذ الجميع في مختلف رياح الأرض يتقبلون المقاومة ويعترفون بها. ان أول اعتراف رسمي فيها تضمنه اتفاق 1996، انه اعتراف أمريكي - فرنسي أو بالأحرى أمريكي - أوروبي.

وتبقى المقاومة الشعلة النورانية التي تذكر العالم بالقضية اللبنانية ، ومن الواجب استمرار المقاومة في حال عدم زوال الاحتلال من غير شروط وترتيبات أمنية أو مائية أو غيرها. وطالما ان الاحتلال موجود فان جيش "إسرائيل" والقوى الصغيرة النفوس المتعاملة معه موجودة، لذلك ينبغي مقاومتها بجميع أنواع المقاومة وأشكالها، بالسلاح، بالعلام وبالتوجه إلى البلدان الصديقة والشقيقة لكشف حقيقة الاحتلال "الإسرائيلي" وحقيقة المقاومة.