مفارقة تظهر محدودية القوة

حلمي موسى


في اعين الكثيرين من "الاسرائيليين" بات لبنان لعنة. وهذه اللعنة لم تعد تطال "الاسرائيليين" وتعيدهم جثثا او معاقين الى المقابر او الى البيوت بل فاقت ذلك بدخولها ميدان علم النفس وعلم الاجتماع وقواعد الاخلاق والسياسة الداخلية، عدا عن ابعادها الاقتصادية . والمأزق الكبير يتمثل اساسا في طول فترة الصراع الساخن ومحصلته اليومية ليس في عديد الاصابات، وانما في أثر ذلك على المجتمع برمته.

وعلى رغم ان لبنان دخل الوعي "الاسرائيلي" اساسا من البوابة العسكرية، وان الجيش في السابق لم يكن حصينا امام هذه الآثار، الا ان عواقب ذلك كانت في الغالب اما محصورة في النخبة، او ان لها دويا كبيرا في فترة محدودة . ولكن ذلك تغير بفضل فعل المقاومة المستمر والمتطور من جهة ، وبفضل الموقف السياسي الاصلب الذي يتخذه لبنان.

وهكذا فان عوامل المأزق التي تراكمت عبر السنين باتت تنتج ظواهر جديدة. زئيف شيف يتحدث عن "اهالي ضد الاهالي" وسواه يتحدث عن الاهالي ضد الجيش.عوزي بنزيمان يتحدث عن "الفشل المؤسساتي" وغيره يتحدث عن تفاصيل هذا الفشل، استخباريا، تدريبيا، تخطيطا وتنفيذا، في "اسرائيل" يزداد الوعي، بفضل المقاومة في الجنوب ، لمصطلح مقاتلي الحرية والتمييز بين "الارهاب" و"حرب العصابات".

والاهم من ذلك كله ان السجال حول الانسحاب باتفاق من طرف واحد لا يتوقف، وتنضم اليه يوميا المزيد من الناس. فقضية لبنان التي ارادتها حكومة حزب العمل قضية محشورة في الهوامش الضيقة تخترق يوميا المزيد من الجدران وتهدد بان تغدو قضية كل بيت في "اسرائيل". فالمسألة لم تعد فقط في ذهن الكثيرين تعني الجنود الذي يخدمون في لبنان وعائلاتهم. بل تعني كذلك كل الجنود الذين يمكن ان تورطهم حكومات "اسرائيل" في مغامرات عسكرية يئس اغلبهم من قدرتها على تحقيق ما ترجوه حكوماتهم منها.

وهكذا ، اضطرت الحكومة "الاسرائيلية" ، عبر مجلسها الوزاري المصغر، الى اتخاذ قرار تبدو من خلاله وكانها تضع حدا للسجال حول لبنان. لكن على ما يبدو فان القرار لا يحمل في طياته بذرة ذلك، وليس من قبيل المبالغة القول ان هذا القرار زاد من حدة السجال. فمن جهة ارادت حكومة نتنياهو القول ان الموضوع اللبناني خارج اللعبة الانتخابية. لكنها عمليا ادخلت لبنان الى صلب المعركة الانتخابية. ومن جهة اخرى ارادت القول للمتطرفين في "اسرائيل" انها لن تتراجع قيد انملة عن مواقفها المعلنة تجاه لبنان، في نفس الوقت ادركت فيه من عروض القوة العسكرية ومن تقديرات قادة الجيش ان لا امل يرجى من التصعيد غير الموزون.

وبالاجمال ، يعيش المجتمع "الاسرائيلي" ومؤسستاه السياسية والعسكرية مفارقة غربية تظهر محدودية القوة وارتباطها بانسجام المجتمع تجاه القضية المحددة. وفي ظل هذه المفارقة يرى المراقبون انه ليس في انتظارنا غير الذي كان ، حتى وان ارتدى لبوسا جديدا، فقد جربت "اسرائيل"  في لبنان كل ما يمكن ان يخطر بالبال، وكمحصلة كل ذلك كانت ازدياد القناعة بان قضية "اسرائيل" في لبنان قضية خاسرة، لذلك لا كثير جدال في "اسرائيل"  حول هذه النقطة ، بل الجدال يدور حول كيفية الخروج من هذا الوضع باقل الخسائر .

وهذا بالتحديد ما يثير الارتباك في "اسرائيل" ، هو ما تجلى في قرار المجلس الوزاري المصغر، فالحكومة "الاسرائيلية" اوضحت بقدر من الايحاء والالتباس انها تنوي اجبار الحكومة اللبنانية على كبح جماح المقاومة. ورئيس الاركان "الاسرائيلي" يؤكد نية "اسرائيل"  في التصعيد وتدمير البنية التحتية في لبنان، فيخرج الشارع "الاسرائيلي" لا يدري من يصدق.

واجمالا، فقرار الحكومة "الاسرائيلية"  عبر حسب صحيفة "معاريف"  4/1/99 عن انعدام وجود سياسة مبلورة تجاه لبنان. وهذا ما يزيد من حدة السجال.