حول شعور العداء لليهود في الدول العربية
مناقشة لوجهات النظر السائدة
عباس شبلاق
(باحث متخصص بالقضية الفلسطينية، يعمل في جامعة الدول العربية)
الدراسات الفلسطينية - العدد: 2، 1990
المقدمة
نناقش في هذه الدراسة الرأي، الذي يجري تعميمه على نحو حثيث في بعض الأوساط الأكاديمية والإعلامية الغربية، من أن اضطهاد اليهود و"معاداة السامية" بمفهومها الأوروبي، أمر عرفته المجتمعات الإسلامية والعربية. ويأتي هذا الرأي في إطار الجهود التي تبذلها الدوائر الصهيونية، وتلك المتعاطفة معها اليوم، لكتابة تاريخ الطوائف اليهودية في المجتمعات الإسلامية والعربية، في ضوء الصراع الذي نشب على أرض فلسطين. ويخدم هذا التوجه أغراضاً عدة للحركة الصهيونية، لعل أهمها: إدامة القطيعة مع الشرق، وغلق أبواب المشروع الصهيوني أو "الغيتو الجديد" على ما حوله.
العداء للسامية كمفهوم أوروبي:
شاع استعمال تعبير "العداء للسامية" ( Anti-Semitism) للتدليل على كره اليهود. وهو تعبير حديث الإستعمال نسبياً أُطلق، بداية، في ألمانيا مع نهاية القرن الماضي، وشاع استعماله في مرحلة لاحقة للدلالة على "كره اليهود والشعور المتصل تجاههم بالعداء"، إستناداً الى فكرة التمييز بين البشر على أساس من اختلاف العِرق.
على أن هذا التعبير، بمعناه السالف، تعبير مضلِّل، جرى استعماله في غير المعنى الموضوع له أصلاً. فالسامية، كما فهمها دارسو تلك المرحلة من الأوروبيين" عَنَوْ في استعمالها الإشارة الى مجموعة لغوية وثقافية من الناس لا عرقية. وتضم، في الأساس، اللغات العبرية والعربية والآرامية. ويميل بعض المفكرين الأوروبيين المعاصرين - لهذا السبب - الى البحث عن تعبيرات أكثر دقة للتدليل على المعنى المقصود. فيحبّذ "مكسيم رودنسون"، على سبيل المثال، إستعمال تعبير "جوديوفوبيا" ( Judeophobia) للتدليل على شعور العداء تجاه اليهود وحدهم. وهو يميز في هذا الصدد بين نوعين من "الجوديوفوبيا": جاء تعبيرها الأول بدوافع دينية، ويمكن فهمه في إطار الصراع التاريخي بين الديانتين اليهودية والمسيحية: أما تعبيرها المعاصر، المستند الى أساس من التمييز العرقي، فحديث النشأة نسبياً. (1)
ومع القناعة بوجاهة هذا الرأي، فنحن أميَل الى المحافظة على استخدام تعبير "العداء للسامية"، لا لشيوع استعماله فحسب، بل أيضاً لأغراض تتعلق بموضوع هذه الدراسة المنصبّة على البحـث فـي أوضاع اليهود في المجتمعات العربية والإسلامية، ولدواعي المقارنة مع أوضاع هؤلاء في أوروبا، ولتأكيد النشأة الأوروبية للإصطلاح.
يرى المستشرق البريطاني "برنارد لويس" (2) أن السمات الخاصة للعداء للسامية تكمن فـي تلك العلاقة الخاصة التي ربطت اليهودية بالمسيحية، وفي الدور الذي اضطلع اليهود به، إستناداً الى المعتقدات المسيحية، فيما يتعلق بسِفر "التكوين" وأصل نشأة العقيدة المسيحية. غير أن هذا التفسير يظل قاصراً عن تفسير العداء لليهود كظاهرة جديدة في عمقها وانتشارها على النحو الذي حدث في أوروبـا فـي القرن التاسع عشر. ويعود ذلك الى عوامل نجمت عن تطورات إجتماعية وسياسية كبيرة شهدتها أوروبا في تلك الأثناء، منها: ظهور القوميات الأوروبية المستندة الى أسطورة التمييز العرقي. وكذلـك جملة الإرهاصات والأزمات الإجتماعية والإقتصادية التي سادت أوروبا، والتي وصفها "أبراهام ليون"، أحد الفلاسفة اليهود، على النحو التالي:
"إن الوضع الشديد المأسوية، بالنسبة الى اليهود في هذه الحقبة، يكمن في تلـك الخصائـص الإجتماعية والإقتصادية الموغلة في الغرابة، والتي تميز أوضاعهم في أوروبا، فهم الفئة الأولى المرشحة للإنقراض على يد الإقطاع المتداعي، كما أنهم أول المنبوذين بسبب وطأة الأزمات الإجتماعية الملازمة لانحلال الرأسمالية. وهكذا، وجدت التجمعات اليهودية نفسها بين سندان الإقطاع المتداعي ومطرقة الرأسمالية الآخذة في التحلل". (3)
والعداء للسامية - بمعنى عداء أغلبية سكانية لأقلية بينها على أساس عرقي - ليس ظاهرة فريدة في التاريخ، وإنْ حمل معنىً خاصاً بالنسبة الى اليهود. ويمتلئ التاريخ البشري بسجل حافل وطويل من المواجهات القومية، العرقية والدينية. يبقى السؤال فيما إذا كان من الحكمة فهم العداء للسامية بمعزل عن الإطار التاريخي العام الذي أفرز ظواهر مماثلة عديدة، منها: الإضطهاد والعبودية اللـذان تعرّض السود لهما، أو المصير الذي آل سكان أميركا أو أوستراليا أو نيوزيلندا الأصليون إليه، على يد المستوطنين الأوروبيين. وحديثاً الكره والتمييز العنصري اللذان يتعرض لهما المهاجـرون العرب أو الأتراك أو الأفارقة أو سكان جزء الهند الغربية، في دول أوروبا حالياً.. هل العداء للسامية ظاهرة "ميتافيزيقية" فريدة، كما يوحي "برنارد لويس" في كتاباته، أم أنه إحدى الظواهر الإجتماعية التي عرفها التاريخ البشري وما زال يعرفها؟
إن ظهور العداء للسامية في أوروبا مهّد لظهور إيديولوجية أصولية أو متزمتة أخرى تستنـد الـى الأرضية الأسطورية ذاتها، متمثلة في الصهيونية السياسية. فمع ظهور القوميات الأوروبية، وشيوع النظرة الى اليهود كأقلية قومية دونية، بدا من الطبيعي أن تبرز إيديولوجية ذات ملامح قومية عرقية في أوساط اليهود.
ولعل الحقيقة المريرة هنا هي ما عبّر عنه المفكر اليهودي البريطاني "لوسيان وولف" من أن العداء للسامية "كان الحليف الطبيعي والمتناغم مع الصهيونية، والمبرر الأقوى لوجودها"(4). وكـان "ثيودور هيرتسل"، أبو الصهيونية السياسية، مدركاً هذه التوأمة في العلاقة تمـام الإدراك. وحقيقـة الأمر أن "هيرتسل" بنى آراءه على الأساطير العرقية ذاتها التي شكّلت المكوّنات النظرية للعداء للساميـة. وما زالت هذه الأساطير تحكم العقيدة الصهيونية، وتشكّل أحد أهم ملامحها الى اليوم.
وحالياً، يجري التوسع في مفهوم العداء للسامية وإعادة صوغه، بمثابرة تبعث على الدهشة والإستغراب، ليشتمل على كل ما هو معارض أو إنتقادي لسياسة ''إسرائيل'' ومصالحها. ولا يضطلع بهذه المهمة مسؤولو الدعاية والرسميون ''الإسرائيليون'' فقط، بل انضـم إليهـم أيضـاً أكاديميـون ومستشرقون يُعتبرون في الغرب خبراء بالمجتمعات الإسلامية وقضايا الشرق الأوسط، أمثـال "برنارد لويس" الذي يحمل لواء الرأي القائل: "إن معاداة السامية وحدها بين علل الدنيا لا يمكن أن تنتهي بوفاة طبيعية، بل إنها تبقى مرضاً مستفحلاً في العالم غير اليهودي".
إن هذا المفهوم لمعاداة السامية، الذي يجري تحويره وتوسيعه باستمرار، يُقصد منه تحقيق أمرين على الأقل:
الأول: إذكاء "عقدة الذنب" لدى الغرب كلما ضعف أجيجها بهدف إسكات أصوات الإنتقاد للمؤسسة الحاكمة في إسرائيل، وتبرير سياسة العسف والتوسع؛ وهو سلاح فعـال يجـري استعمالـه بنجاح، وخصوصاً في الولايات المتحدة الأميركية، بما يلائم رغائب الدولة العبرية.
الثاني: مد الإعتقاد الصهيوني التقليدي بحقن الحياة عند كل فتور في الإدعاء أن الخلاص الوحيد الممكن من معاداة السامية هو في الهجرة الى ''إسرائيل'' "الملجأ الوحيد في العالم الذي يستطيع هؤلاء المهاجرون أن يعيشوا فيه حياة يهودية كاملة".
وفي إطار هذا التوجه، تجري اليوم محاولات مستميتة لإشاعة أن عدوى "العداء للسامية"، بالمفهوم الأوروبي، إنتقلت الى المجتمعات العربية والإسلامية؛ وهذا رأي يتبناه "لويس" اليوم، وإنْ كان برّأ هذه المجتمعات من شرور هذه التهمة في القرن التاسع عشر. وفي إطار التوجه ذاته، يجري اليوم إعطاء العداء للسامية مضامين جديدة في الإتحاد السوفياتي ودول أوروبا الشرقية، بما ينسجم مع تحقيق الهدف النهائي، وهو الخلاص بالهجرة الى ''إسرائيل''.
الرواية الصهيونية لتاريخ الطوائف اليهودية في الدول العربية:
يلاحظ المتابع لتاريخ اليهود العرب، في المصادر الصهيونية وفي الكثير من المصادر الغربية المتعاطفة معها، فجاجة كبيرة في تزوير التاريخ والوقائع، تصل الى حد الصدمة. وتجري، في العقود الأخيرة، محاولات محمومة لإعادة كتابة تاريخ هذه الطوائف في ظل أجواء النزاع الذي نشب على أرض فلسطين بسبب قيام الحركة الصهيونية بتنفيذ مشروعها بإنشاء الوطن اليهودي بالقوة.
وانسجاماً مع ذلك، يُعْرَض تاريخ الطوائف اليهودية في المجتمعات العربية والإسلامية على أنه سلسلة متصلة من الإضطهاد والتعسف المستند الى موقف متأصل بالعداء في الدين الإسلامي.
ويجري، على صعيد آخر، النظر الى الإرث الثقافي لهذه الطوائف بدونية شديدة ناجمة عن أمرين: الأول، عام متعلق بطبيعة المشروع الصهيوني ذاته كإفراز أوروبي إستعماري، جاهل وهجين النظرة الى الشرق عامة. والثاني، خاص يتعلق بتوجهات المؤسسة ''الإسرائيلية'' الحاكمة وسعيها لقطع ما هو مشترك في إرث هذه الطوائف مع المجتمعات العربية والإسلامية المحيطة، أو إنكار مثل هذه الصلة أصلاُ، والتشديد على الطابع والقيم الأوروبية في المجتمع العبري، الذي رأى "هيرتسل" فيـه - كغيره من المستوطنين الأوروبيين في القارة الأفريقية - "رسولاً للحضارة الأوروبية وقيمها فـي وسـط الشرق الهمجي والمتخلف".
وكمثال لهذا النوع من المؤلفات يصف الكاتب، في أحد كتب التاريخ المقررة في ''إسرائيل'' على طلبة المدارس الثانوية العليا، حياة اليهود في المجتمعات الإسلامية على النحو التالي:
"عاش اليهود في أحياء سكنية فقيرة شبيهة بـ"الغيتو"، تفتقد المقومات الأولية للصحة، وعانَوا الكثير من الأوبئة والأمراض. وقد عُرفت هذه "الغيتوهـات" فـي المغرب وإيران باسم "الملّة"، وفي تونس باسم "الحارة". وكان اليهود يعتمـدون فـي عيشهم على مهن بدائية، وتجارة المفرّق الصغيرة.. كما كان يحظر على اليهودي المغربي تعليم أطفاله.. أما مصير اليهود في سوريا والعراق، فكان شبيهاً بمصير إخوتهم يهود المغرب.. لم تكن هناك شروط ملائمة لتطور يهودي خاص في الدول الإسلامية. أما الإضطهاد والقهر السياسيان، فقد حرماهم أية فرصة إقتصادية، إذ عاشوا في قهر مدقع وتعاسة كاملة.. إن هذا هو السبب في أن يهود الدول الإسلامية لم يؤدوا دوراً نشيطاً في التاريخ اليهودي، ولم يسمح لهم بأن يساهموا بأي قسط في الحركة الإجتماعية اليهودية أو في حركة المقاومة اليهودية". (5)
إن الشعور بالمهانة وبالتقصير، هذا الذي فرضته المؤسسة ''الإسرائيلية'' ذات النشأة الأوروبية الأشكنازية على يهود الشرق، دفع بعضهم - بتأثير "عقدة النقص" المتولدة - الى محاولة مجاراة منطقها ومقاييسها. وهذا هو التفسير الوحيد لكتابات بعض هؤلاء ممن يبذلون جهوداً خارقة في تزوير الوقائع والتاريخ بالإتجاه الآخر، وذلك لمحاولة إثبات أن يهود الشرق "كانوا صهاينة قبـل "أوشفيتـز" "، وأن العداء للسامية نشأ أصلاً في المجتمعات الإسلامية، وإنْ حاول الأوروبيـون اليـوم سرقتـه وادعاءه لأنفسهم.."، وهو اتجاه نلمسه - مثلاً - في كتابات "ألبرت ميمي" الأولى، وهو كاتب يهودي تونسي الأصل (6) . وكذا في كتابات اليهودي العراقي الأصل "شلومو هلّيل"، وزير الشرطـة ''الإسرائيلي'' السابق، الذي يتمادى على حقائق التاريخ بذاتية لافتة للنظر، ويعرض تاريخ يهود العراق علـى أنه سلسلة من البطولات الشخصية الخرقاء (7) .
اليهود في ظل الحكم الإسلامي:
يقرّ الدين الإسلامي بعض الفوارق في الأحكام الخاصة بالمسلمين وتلك المتعلقة بغيرهم. فقد ميزت هذه الأحكام بين ثلاث فئات: أهل الكفر، وأهل الإيمان، وأهل الذمة. وحددت الشريعة الإسلاميـة وضع أهل الذمة - أو "أهل الكتاب" - من اليهود والمسيحيين، وبيّنت حقوقهم وواجباتهـم. والأصل هو وجوب الجزية على هؤلاء في مقابل حمايتهم في دار الإسلام، وترك الحرية لهم في العبادة وإدارة شؤونهم الداخلية.
ويحذّر الكاتب المصري قاسم عبده قاسم (8) بحق، في دراسته القيّمة عن يهود مصر، من الإنسياق وراء نصوص التشريعات والقوانين في محاولة فهم أوضاع اليهود في ظل الإسلام. ويلاحظ أن حركة التاريخ تصنعها التفاعلات الإجتماعية والإقتصادية والسياسية والثقافية، التي تجري على أرض الواقع الذي يعيشه الناس في حياتهم اليومية. لقد حددت الشريعة الإسلامية الإطار القانوني العام لأوضاع أهل الذمة. لكن السؤال الذي يطرحه قاسم هو: الى أي مدى كان يجري التقيد بهذه النصوص حقاً؟
لقد لاحظ الماوردي أن فقهاء المسلمين جعلوا عقد الذمة من حق الإمام، وجعلوه قسمين: مستحق ومستحب. أما شروط المستحق فاتفقت مع روح الشريعة الإسلامية، وهدفت في الأساس الـى حماية الإسلام والمسلمين ونشر الدعوة. وأما شروط المستحق فلا نص فيها، بل الواضح أنها من وضع الفقهاء في مرحلة متأخرة، مغالاة منهم في فرض القيود على غير المسلمين. وجرى وضع هذه الشـروط فـي المرحلة الأولى من انتشار الحكم الإسلامي خارج شبه الجزيرة العربية، وهي في معظمها مستعارة من البيزنطيين. وهي ذات دلالات رمزية واجتماعية، ونادراً ما كان يجري تطبيقها أو التقيد بهـا. وعندما كان يجري إحياء العمل بها على يد أحد الحكام المتزمتين، سرعان ما كانت تتوقف خلال أمـد قصير. وتظل الحقيقة في أن أهل الذمة تمتعوا، في ظل الحكم الإسلامي، بقسط وافر نسبياً من الحقوق التي جرت صيانتها واحترامها معظم الوقت.
ويخلص قاسم، بعد متابعته لأوضاع اليهود في مصر الإسلامية، الى نتائج تعكس في الواقع أوضاع الطوائف اليهودية في المجتمعات الإسلامية على وجه العموم، من ذلك:
أولاً: إن اليهود، كغيرهم من الأقليات الدينية في المجتمعات الإسلامية، لم يشكّلوا وحدات ثقافية أو حرفية أو جغرافية منفصلة عن مجتمعاتها.. وفي مصر ظل اليهود المصريون، كغيرهم مـن الطوائف اليهودية المحلية في المجتمعات الإسلامية الأخرى، يشكّلون لَبِنة مهمة في البنية الإجتماعية والثقافية المصرية، وظلت الثقافات الفرعية للأقليات من صميم النسيج الثقافي العام للمجتمع المصري.
ثانياً: إن تاريخ العلاقة بين الأقليات اليهودية والمجتمعات الإسلامية، شهد لحظات هبوط وصعود. غير أن أوضاع هذه الأقليات، قياساً بأوضاع اليهود في المجتمعات غير الإسلامية، إتسمت بصورة عامة بالتسامح في مجتمعات قائمة، في الأساس، على فكرة المساواة والعدالة الإجتماعية.
لقد شهد اليهود، وأهل الذمة عامة، عهداً ذهبياً في إبّان الحكم الفاطمي في مصر؛ وحظي بعض رجالاتهم، من المقربين للحكم، بثراء ونفوذ كبيرين إستفزّا مشاعر المعاصرين. فكتب أحد شعرائهم في أبي سعد التستري، وهو أحد ثلاثة من اليهود ممن تولَّوا الوزارة وأعلنوا إسلامهم في خلافة المنتصر بالله الفاطمي (427 هـ - 487 هـ):
يهود هذا الزمان قـد بلغـوا غاية آمالهم وقد ملكـوا
العز فيهـم والمـال عندهـم ومنهم المستشار والملك
يا أهل مصر إني نصحت لكم تهوّدوا قد تهوّد الفلك (9)
وظهرت مشاعر عدم التسامح تجاه أهل الذمة خلال مرحلة قصيرة متأخرة من العصور الوسطى، مع نهاية حكم المماليك في مصر وسوريا وحكم الموحدين في المغرب العربي. ويعزو قاسم هذه المشاعر، في ظل حكم المماليك، الى تأثير عاملين:
1- رغبة حاكم متسلط في جذب تأييد العامة على حساب غير المسلمين من السكان في الغالب.
2- التأثير الذي تركته الحروب الصليبية. إذ وقف بعض المسيحيين في المشرق العربي الى جانب الصليبيين، الأمر الذي أثار الضغائن ضدهم. وعلى الرغم من أن اليهود لم يأخذوا موقف التأييد للصليبيين، فقد طالهم بعض الأذى في أجواء الفوضى واحتدام الصراع في تلك المرحلة.
ويمكن رد مشاعر عدم التسامح لدى الموحدين تجاه أهل الذمة الى طبيعة حركتهم الداعية الى نظام قاسٍ من الزهد والتقشف والعودة الى الأصول، واتسامها بطابع عسكري في مرحلة تاريخية صعبة شهدت ثورات كبيرة وفوضى عامة. وفي الحالتين - لدى المماليك والموحدين - فإن مشاعر عدم التسامح هذه جاءت مع بداية مرحلة من الإنهيار الإجتماعي والإقتصادي لا يمكن إغفالها.
إن نفوذ اليهود، وانتعاش حالهم في المجتمعات الإسلامية، سارا على نحو مطّرد مـع قـوة الحكم وضعفه، فازداد مستوى التعليم والإجتهاد الفقهي لدى اليهود ومدى انخراطهم في الحياة العامـة فـي الفترات الذهبية من الحكم الإسلامي: خلال الحكم العباسي، والفاطمي، والأندلسي، وبدرجة أقل في ظل الحكم العثماني. وغدت بغداد، ودمشق، والقاهرة، وغرناطة، وطليطلة، واستانبـول وسالونيـك، بمثابة مراكز التنوير والعلم ليهود العالم قاطبة. وشهدت القرون الخمسة الأولى من الحكـم الإسلامـي ازدهاراً في الفقه والفلسفة والعلوم لدى اليهود، وخصوصاً خلال الفترة المعروفة بالغاؤونية ( Ga´onic period). والغاؤون ( Ga´on) هو المرشد الروحي الذي اعتُبر المرجع الديني المطلق في بت المسائل الدينية ليهود العالم.
ويمكن ملاحظة أن التراجع الذي أصاب يهود الشرق عامة، في القرنين الأخيرين، كان في الواقع انعكاساً لحالة الضعف والتراجع التي أصابت المجتمعات الإسلامية ذاتها. وليس هناك ما يؤكد صحة ما ذهب "برنارد لويس" إليه هنا من أن التراجع الذي أصاب يهود الشرق كان أشد وأسرع مما أصاب المسلمين ذاتهم، أو أقليات أخرى من غير اليهود في المجتمعات الإسلامية.
إن هناك اتفاقاً عاماً بين المؤرخين على أنه خلال المواجهة بين الإسلام والمسيحية، التي استمرت قروناً طويلة، وما زالت آثارها تتفاعل الى اليوم، نظرت أوروبا المسيحية الى اليهود على الدوام على أنهم حلفاء للمسلمين في هذه المواجهة. ويرى "برنارد بلامينكرانز"، ومفكرون آخرون، أن العداء للسامية بمفهومه الحديث يجد أصوله، في الواقع، في العداء للسامية الممتد منذ القرون الوسطى، والذي اتخذ طابع العداء للمسلمين أصلاً في إبّان الحروب الصليبية (10) . ويقتبس الأكاديميان الأميركيان "ألن" و"هيلين كتلر" بعض الكتابات الكنسية التي جرى تداولها في إسبانيا في القرن الثاني عشر. وهي توضـح نظرة رجال الدين المسيحي، في تلك الأثناء، التي مالت الى اعتبار اليهود حلفاء للمسلمين. وفـي القرن السادس عشر، عندما أُجبرت أعداد كبيرة من اليهود على التحول الى المسيحية في تلك البلاد وعُرفوا باسم "مارانوس"، وكذا من المسلمين وعُرفوا باسم "ماريسكوس"، برزت موجة طاغية من العداء العنصري ضد هؤلاء "المسيحيين الجدد" وأحفادهم. ولاقت نظريات "العِرق الصافي" أو ما عُرف بالإسبانية Limpieza de Sanger ، حينها، مقداراً كبيراً من التلهف والحماسة. (11)
الإرث الإستعماري وأثره في اليهود:
أثّرت زيادة المصالح الإستعمارية في نهاية القرن التاسع عشر في وضع الأقليات فـي المقاطعات الخاضعة للحكم العثماني. ونجم عن "نظام الإمتيازات" الممنوح لرعايا الدول الأوروبية، ونظام الحماية الذي أسبغته هذه الدول على بعض الأقليات في المشرق العربي، تعميق الإحساس بالظلم وعدم المساواة في مجتمعات إثنية وقومية ودينية مختلطة الطابع، وفي الوقت نفسه سائرة على طريق التدهور. فادعت فرنسا لنفسها الحق في حماية الكاثوليك والموارنة. كما ادعت روسيا القيصرية الحق في حماية الروم الأورثوذكس. وعمدت بريطانيا - مع غياب وجود طائفة إنجيلية ذات شأن - الى التطلع نحو بسط حمايتها على أقليات أخرى بحثاً عن موطئ قدم لها، فأبدت اهتماماً خاصاً بالدروز، كما أنها كانت أول مَن قدّر أهمية الدور الذي يمكن أن تضطلع الطوائف اليهودية في المشرق العربي به. وكان من نتيجة ذلك كله، إثارة النعرات الطائفية واتسامها بالعنف أحياناً كما حدث في جبل لبنان في الفترة بين سنة 1840 وسنة 1860.
أما التأثير الذي تركته زيادة النفوذ الإستعماري في المنطقة العربية على وضع الطوائف اليهودية فيها، فاتخذ صوراً عديدة، منها:
أولاً: أصبح على هذه الطوائف أن تواجه منافسة متصاعدة، وخصوصاً في المجال التجاري، من أقليات أخرى كاليونانيين والأرمن، وفي مرحلة متأخرة من المسيحيين العرب. وعلينا أن نتذكر أن المنطقة كانت تلج عصراً جديداً أصبحت الكلمة الأعلى فيه لأوروبا المسيحية لا لتركيا المسلمة. وإذا كان مثل هذا التأثير يمكن تحسّسه بالنسبة الى الطوائف اليهودية في المشرق العربي، حيث يشكّل اليهود الطائفة الدينية الوحيدة من غير المسلمين. أما في الدول التي وقعت تحت النفوذ البريطاني، كمـا فـي العراق، فكان اليهود أول المستفيدين من زيادة المصالح الأوروبية، وذلك بسبب ارتفاع مستوى التعليم بينهم، وكذا هيمنتهم على القطاع التجاري، وخصوصاً في مجال تجارة الجملة.
ثانياً: على صعيد آخر، جلبت زيادة المصالح الأوروبية معها ألوفاً من اليهود الأوروبيين ممن استقروا في المنطقة العربية وكانوا، في الواقع، جزءاً لا ينفصل عن الوجود الإستعماري ذاته. إن الفوارق الثقافية والإجتماعية بين هؤلاء الأوروبيين من اليهود والطوائف اليهودية الأصلية في المجتمعات الإسلامية تعكس، في حقيقة الأمر، الفوارق ذاتها بين المجتمعات الأوروبية والمجتمعات الإسلامية.
ثالثاً: كان من شأن العاملين السابقين إثارة الشعور بالشك والإمتعاض إزاء اليهود. إذ رأى بعض فصائل حركة التحرر العربي أن الوضع الممتاز نسبياً لبعض الأقليات هو جزء من الإرث الإستعماري الواجب التخلص منه. وأصبح تحقيق العدالة والمساواة، في منظور هذه الفصائل، مطلباً أساسياً في نضالها من أجل تحقيق الحرية والإستقلال.
رابعاً: إن مظاهر التعاطف مع الوجود الإستعماري - سواء أكان مباشراً أم غير مباشر - التي عبّر عنها بعض الأقليات أصبحت تثير حساسية، وخصوصاً لدى الأغلبية الإسلامية ذاتها.. ويمكن في هذا الإطار - على سبيل المثال - فهم أحداث العنف التي جرت في بغداد فـي حزيران/ يونيو 1941، واستهدفت اليهود أساساً. فقد جرت تلك الأحداث في أجواء من الهزيمة القومية والشعور بالمرارة التي أحاطت بسقوط حكومة رشيد عالي الكيلاني وعودة الوصي على العهد الـى الحكم تحت حراب البريطانيين. ويعلّق الكاتب والصحافي البريطاني "ديفيد هيرست" على تلك الأحداث قائلاً:
"في المناسبات النادرة في التاريخ العربي، عندما انقلب المسلمون أو المسيحيون على اليهود بينهم، لم يكن ذلك وليد معاداة السامية في المفهوم الأوروبي التقليدي، بل كان وليد التطرف الناجم عن إحساس مبرر بالنقمة. فاليهود كغيرهم من الأقليات، يميلون الى الوقوف - جرياً وراء مصالحهم طبعاً - الى جانب سلطة ترى فيها أغلبية السكان أنها سلطة قمعية ومفروضة عليهم. وكان يعني هذا - في مراحل متأخرة - أنه من العراق حتى المغرب، وجدت الطوائف اليهودية نفسها محلاً لمعاملة تفضيلية من قِبل السادة البريطانيين والفرنسيين في العالم العربي. (12)
على أن الإنعكاسات التي خلّفتها التركة الإستعمارية في إطار التأثير العام في وضع الأقليات الدينية في المجتمعات الإسلامية، ظلت محصورة في حدوث معيّنة. وإذا كان من الصعب الآن قياس مدى هذه الإنعكاسات في حالة اليهود العرب، بمعزل عن الآثار الناجمة عن قيام المشروع الصهيوني في فلسطين، فإن الدلائل كلها تشير الى أن وضعهم لن يكون مختلفاً عن وضع المسيحيين العرب، إنْ لم يكن أفضل.
على أن التركة الإستعمارية جلبت معها الى المنطقة العربية مشروعاً خاصاً، هو المشروع الصهيوني الذي اتضحت آثاره المدمرة في اليهود العرب في مرحلة لاحقة. ومن المفيد الإشارة هنا الى أنه حتى نهاية الأربعينات، عندما بدأ اليهود العرب يشعرون بوطأة الأحداث في فلسطين، إعتبرت الفصائل الرئيسية في حركة التحرر العربي اليهود رفاق درب في نضالها لتحقيق الحرية والإستقلال. وفي مرحلة مبكرة، عندما كان العرب لا يزالون تحت تأثير التصور الأوروبي للفكرة القومية، والقائمة على العِرق، إعتبروا اليهود العرب جزءاً لا ينفصل من العِرق العربي. وفي بيان نشرته "لجنة الثورة العربية" في باريس سنة 1915 - أي قبل عامين من صدور وعد بِلفور - خاطبت اللجنة "العرب مـن الديانتيـن المسيحيـة واليهودية" تحضّهم على الإنخراط في النضال. "لا تنصتوا الى أولئك الذين يقولون إنهم يحبذون الأتراك من دون توحد معهم في الدين، على العرب مع اختلاف دينهم.. إنهم جهلة لا يفهمون المصلحة الحيوية لأبناء العِرق الواحد". (13)
وفي العراق، كان القادة الوطنيون والعلماء يحضّون المسلمين على توحيد نشاطاتهـم السياسيـة والإجتماعية مع مواطنيهم من المسيحيين واليهود في إبّان الإنتفاضة الشعبية ضـد البريطانييـن سنـة 1920(14). واتخذ قادة تاريخيون ومفكرون عرب في دول أخرى الموقف نفسه. وبدا ذلك في مراحل مبكرة في مواقف الأمير عبد القادر الجزائري ومواقف جمال الدين الأفغاني، على سبيل المثال. وكذلك في مراحل لاحقة كموقف سعد زغلول في مصر، والحبيب بورقيبة في تونس. وشاركت عناصر من اليهود - كانت نشيطة على قلّتها - في صفوف الحركة الوطنية في المشرق والمغرب العربيين على حد سواء. وتحمّل مشاركة اليهود في مثال المغرب العربي دلالة خاصة هنا، لأنها جاءت بعد قيام ''إسرائيل''.
اليهود العرب والحركة الصهيونية: (15)
يسود اليوم الرأي الذي تروّج الدوائر الصهيونية له، والذي قَبِله - مع الأسف - بعض الكتّاب والمؤرخين، في أن يهود الشرق كانوا صهاينة بالمعنى السياسي للكلمة. على أن أية محاولة جدية للنظر في الأدلة التاريخية المتوفرة تشير الى عكس ذلك تماماً.
أما الحركة الصهيونية، فقد وفدت الى المنطقة العربية بعد الحرب العالمية الأولى، كجزء لا ينفصل من الوجود الإستعماري الأوروبي، وبتشجيعه وتحت رعايته. وسمح للمبعوثين الصهاينة بدخول البلاد العربية وممارسة نشاطهم بحرية كاملة تقريباً، بغرض جمع الأموال أساساً ولم يكن النشـاط الصهيونـي محظوراً في هذه البلاد حتى تاريخ قيام الدولة العبرية سنة 1948.
واتسمت مواقف يهود الشرق عامة تجاه النشاط الصهيوني بعدم المبالاة والشك، وغالباً بالعداء.
وعلى الرغم من أن حرية الحركة والتنقل كانت متاحة بين المقاطعات الخاضعة للحكم العثماني، فإن أعداداً قليلة من يهود الشرق فضّلت العيش في فلسطين في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. ولم يتجاوز عدد مَن عاش من هؤلاء في فلسطين سنة 1948 أربعين ألفاً كانوا هنـاك، فـي الغالب، لأسباب روحية ودينية. وهو عدد لا يتجاوز 10 % من مجموع اليهود في فلسطين فـي تلك الأثناء.
وكان لقيام الدولة العبرية في فلسطين سنة 1948، ولجولات العداء التي جاءت نتيجة ذلك، تأثير أساسي في اليهود العرب. فقد أصبح مصيرهم مقيّداً - باطّراد - بنزاع سعت الحركة الصهيونية له، وسلّمت الحكومات العربية به. وكان الرأي الذي عبّرت الزعامة ''الإسرائيلية'' عنه، غـداة تأسيـس الدولة العبرية، هو تصفية ما سمّته الشتات، وضرورة هجرة يهود العالم الى ''إسرائيل''. ونصّبت هذه القيادة نفسها ناطقة باسم اليهود أينما كانوا، وهو دور نازعها فيه بعض الطوائف اليهودية القوية، وخصوصاً في الولايات المتحدة الأميركية.
إن تأثير تلك التطورات السريعة في يهود الدول العربية كان الأقسى والأشد، فحاجة الدولة العبرية الفتية الى اليد العاملة دعتها الى الإلتفات صوب يهود الشرق والعمل على جذبهم إليها. وكان على هؤلاء قطع حضورهم المتصل الممتد لآلاف السنين في مجتمعاتهم الإسلامية، والإنتقال الـى مجتمع جديد هم غرباء عنه، وينظر العرب إليه نظرة عداء، لأنه سلب الأرض وطرد أهلها من العرب.
وفي ظل هذه الأوضاع، عاودت الحركة الصهيونية نشاطها في الدول العربية، وبتركيـز وهدف واضح هذه المرة: ضرورة الهجرة الى ''إسرائيل''. وكان للموقع الذي احتلته ''إسرائيل'' في الساحـة الدولية، وتقدير القوّتين العظميين للدور الذي يمكن أن تؤديه في المنطقة العربية، أثرهما في إضفاء المزيد من الزخم والحيوية على التحرك الصهيوني في أكثر من ساحة. وقامت الولايات المتحدة الأميركية، على وجه الخصوص، بدور بارز - من خلال نفوذها الصاعد بعد الحرب العالمية الثانية - في تمكين الحركة الصهيونية من تحقيق أهدافها. لم تترك الحملة الصهيونية لدفع اليهود العرب الى الهجرة مجالاً للراحة والتقاط الأنفاس، سواء لليهود العرب أنفسهم أو للحكومات العربية. وكانت "نيويورك تايمز" - بحسب تعبير "ساسون خضوري"، الحاخام الأكبر ورئيس الطائفة اليهودية في العراق، تمتلئ بصورة يومية عن مذابح وهمية تُرتكب ضد اليهود، من دون اهتمام بسؤالهم أصلاً عن صحة مثل هذه التقارير. وقد خدمت هذه الحملة أغراضها الأساسية، وذلك بتعميق الإحساس بالشك والقلق المتزايد لدى الطوائف اليهودية في الدول العربية. وانتشر مبعوثو الحركة الصهيونية بصورة سرّية فـي دول عربية عديدة، يوزعون بيانات التحريض، ويبثّون الرعب بين اليهود بالقيام بأعمال عنف ضدهم وإظهار تلك الأعمال أنها ارتُكبت من قِبل المسلمين.
ويثور السؤال هنا في شأن متى وكيف بدأ النزاع في فلسطين بالتأثير في صوغ اتجاهـات العرب ومواقفهم من اليهود العرب؟ إن هناك أدلة كافية تشير الى أن مثل هذا التأثير لم يكـن ملموساً لغاية الفترة التي تلت انتهاء الحرب العالمية الثانية. وإنه إزاء التقدم الذي حققه المشروع الصهيوني في فلسطين في تلك الفترة، وبروز فرصة نجاحه كإمكان واقعي أكثر مما مضى، بدأت تظهر في ردات الفعل العربية علامات الربط بين ما يجري في فلسطين وبين وضع اليهود العرب.
صحيح أن الأحداث الكبرى التي شهدتها فلسطين في العشرينات أو الثلاثينات، شهدت تعاطفاً شعبياً واسعاً في الدول العربية، وخصوصاً تلك القريبة من النزاع، إلا أن هذه الدول كانت منخرطة في النضال لانتزاع حريتها واستقلالها وحل مشكلاتها الإجتماعية والسياسية الخاصة بها. وبدا النزاع في فلسطين، حتى ذلك التاريخ، بعيداً عن المساس بمستقبل اليهود العرب، سواء من جهة نظر المجتمعات العربية نفسها أو نظرة الطوائف اليهودية في هذه المجتمعات الى ذاتها.
وحتى عندما ظهر هذان التأثير والربط في النصف الثاني من الأربعينات، كان يصعب الحديث عن موقف واحد في صفوف العرب. ويظل من قبيل السذاجة الإفتراض أن العرب قد بلوروا، في تلك الأثناء، مواقف ثابتة ومتسمة بالعداء إزاء اليهود.
على صعيد آخر، تمكنت الحكومات العربية من احتواء الإتجاهات المعادية لليهـود لدى بعض الأطراف السياسية (..). إلا أن هزيمة الجيوش العربية في فلسطين سنة 1949، كان لـها مضاعفات يصعب تجاهلها على اليهود العرب. وبدت هذه الحكومات الآن أكثر استعداداً للإنصياع للمطاليـب المعادية لليهود كوسيلة ناجعة لصرف النظر عن الفشل الذي منيت به في فلسطين، وكذلك للتخفيف من حدة المطالب الشعبية بضرورة الإصلاح الإجتماعي والديمقراطي في هذه الدول. وكان للتحالف المؤقت - في العراق على سبيل المثال - بين السلطة الحاكمة المتعاونة مع البريطانيين وحزب الإستقلال، بعد الهزيمة في فلسطين، أثره في ضرب أطراف الحركة الوطنية الأخرى المطالبة بالحريـات والإصلاح الديمقراطي والمتمسكة بالفصل بين الصهيونية واليهودية. ومع الزمن بدت الحكومات العربية تنزلق بالتدريج الى المواقع التي استهدفتها الحركة الصهيونية ذاتها في عقد المقارنة بين معاملة الفلسطينيين العرب في ''إسرائيل'' وبين أوضاع مواطني الدول العربية من اليهود. وبدا أن الفصل التاريخي الذي عرفته المنطقة العربية بين الصهيونية واليهودية آخذ بالضعف والإختفاء أمـام سلسلـة متواليـة من الضربات.
ومن المثير هنا ملاحظة مسألة في غاية الأهمية، وهي أن مواقف العرب تجاه مواطنيهم من اليهود، والنسق الذي اتخذه خروج هؤلاء وهجرتهم من البلاد العربية بعد قيام ''إسرائيل''، إرتبطت الى حد بعيد بإمكانات الحرب والسلام في فلسطين. ففي العراق، على سبيل المثال، قدّر معظم اليهود أن معظم اليهود أن إجراءات التضييق التي فرضتها الحكومة العراقية، هي إجراءات إستثنائية فرضتها أوضاع الحرب في فلسطين وسرعان ما تزول حال التوصل الى تسوية سياسية. وفي ضوء مثل هذا التقدير، لا عند اليهود فقط بل لدى الحكومة العراقية ذاتها، يمكن فهم تمسّك اليهود بالبقاء. ويمكن أيضاً فهم النجاح الذي حققته القيادة الصهيونية لاحقاً، عندما دبّ اليأس من إمكان التوصل الى حل قريب. واتضح أن الحملة الصهيونية العالمية والدور الذي بدأت تمارسه ''إسرائيل'' على الساحة الدولية، كانا العاملين الأكثر حسماً في تقرير مصير يهود العراق، لا مشاعر العداء التي ظهرت على السطح بعد توقف القتال في فلسطين سنة 1949.
وخرج يهود العراق (140 ألفاً تقريباً) على نحو جماعي منظم خلال أقل من عام، بين صيف سنة 1950 وصيف سنة 1951، في إثر صدور قانون بإسقاط الجنسية عمن يرغب منهم في المغادرة. وجاء هذا القانون ثمرة ضغوط صهيونية وغربية كبيرة - وخصوصاً من بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية - على العراق، وهو يمثّل في الواقع إقراراً من الحكومة العراقية بالعجز والإستسـلام الكامـل للمنطق الصهيوني. وحتى في حمأة هذه الضغوط والشعور الطاغي بعدم الأمان الذي تملّك يهود العراق خلال تلك الفترة العصيبة، فقد تطلّب الأمر من الزعامة الصهيونية الإيعاز الى عملائها بالقيام بإلقاء بعض القنابل على الكنس ومحالّ تجمع اليهود، لدفعهم الى الهجرة والكف عن التردد.
إن المتتبع لوتيرة الهجرة اليهودية من البلاد العربية يلاحظ مدى ارتباطها الوثيق بجولات الحرب، وارتفاع حدة المواجهة في النزاع العربي - ''الإسرائيلي''. وبقيت هذه بمثابة السمة الأساسية التي طبعت الهجرات الكبرى والجماعية في الفترة التي أعقبت قيام ''إسرائيل'' حتى اليوم. فجاءت الهجرة الكبرى ليهود اليمن والعراق، وبدرجة أقلّ المغرب، مع انتهاء الجولة الأولى من الحرب العربية - ''الإسرائيلية'' 1948 - 1949. وجاء الخروج الأكبر ليهود مصر عقب العدوان الثلاثي عليها سنة 1956. كما جاء الخروج الأكبر ليهود ليبيا وتونس بعد حرب 1967.
وتعكس وتيرة الهجرة على النحو السالف، بعد كل دورة عنف جديدة، جملة حقائق مؤداها: إن قيام ''إسرائيل'' وحرب 1948 - 1949 لم يكونا كافيين، بحد ذاتهما، لوقوع هجرة يهودية واسعة على النحو الذي تم من البلاد العربية. وإن العامل الحاسم في هذه الهجرة كان استمرار حالة الحرب والعداء التي تتحمل الزعامة ''الإسرائيلية'' مسؤوليتها بالدرجة الأولى. ولهذا السبب، عمدت ''إسرائيل'' الى تعطيل عمل "لجنة التوفيق الدولية"، التي جرى تأليفها بعد توقف القتال في فلسطين سنة 1949 للبحث، ضمن أمور أخرى، في حل قضية اللاجئين الفلسطينيين، إستناداً الى القرارات الدولية المتخذة في هذا الشأن. وتشير الأدلة التاريخية - بما فيها وثائق الأرشيف الصهيوني التي جرى الإفراج عن بعضها مؤخراً، واستند بعض المؤرخين ''الإسرائيليين'' إليها - الى أن ''إسرائيل'' سعت، في الحقيقة، للحرب على الرغم من موافقتها اللفظية على قرار التقسيم. وأن الدول العربية أبدت استعدادها في إطار اجتماعات "لجنة التوفيق الدولية" للتوصل الى حل يستند الى قرار التقسيم، على الرغم من عدم موافقتها الرسمية على القرار عند اتخاذه. والحال، فإن إدامة المواجهة وغلق الباب أمام فـرص السلام كانا، ولا يزالان حتى اليوم، من المبادئ الأساسية في توجهات القيادة ''الإسرائيلية'' المتعاقبة. (16)
ويؤكد بقاء طوائف يهودية كبيرة العدد في البلاد العربية، بعد قيام ''إسرائيل''، صحة الإفتراض السابق في العلاقة بين تصفية وجود هذه الطوائف والحروب العربية - ''الإسرائيلية'' اللاحقة. كما أن بقاء طوائف يهودية كبيرة العدد في دول إسلامية غير عربية، مثل تركيا وإيران، يؤكد سقم الإدعاء الذي يجري ترويجه الآن فيما يتعلق بالطبيعة المعادية لليهود في المجتمعات الإسلامية.
خلاصة ورؤى:
إن شعور العداء لليهود في العالم العربي يعتبر ظاهرة جديدة نسبياً، وهو ناجم عن نـزاع سياسي عادي، ولا يمكن فهمه إلا في إطار الصراع على أرض فلسطين. وأية محاولة لرد هذا الشعور الى دعاوى دينية قديمة في ضوء العلاقة بين الإسلام والمسيحية، أو الى تفشي "معاداة السامية" في المجتمعات الإسلامية على النحو الذي جرى في أوروبا، هي محاولة عقيمة مجافية للواقع وطبيعة الأشياء. إن هذا الشعور بالعداء لا يستند الى نص لاهوتي بتحميل الذنب لليهود وإدانتهم، كما لا يستند الى قاعدة من التميز العرقي، أو محكوم بنظرة دونية لعِرق معيّن، إنما يعكس إحساساً بالصدمة والمرارة لما حدث في فلسطين.
ولم تكن الهجرة الواسعة لليهود العرب ممكنة من دون توفر عوامل كان من أهمها:
1- النشاط المحموم الذي قامت ''إسرائيل'' والدوائر الصهيونية العالمية به لحمـل هـؤلاء على الهجرة، في الوقت الذي تطلعت الدولة العبرية الفتية الى مصادر جديدة للقوى البشرية.
2- إدامة الحرب وحالة العداء التي تتحمّل مسؤوليتها، أساساً، الزعامة ''الإسرائيلية''، التي سعت من ورائها لخدمة أغراض عديدة، كان على رأسها تصفية وجود الطوائف اليهودية في المجتمعات الإسلامية، وضمان انتقالها الى ''إسرائيل''. وكذلك، إعطاء فرصة لإغلاق أسوار "الغيتو" الجديد الذي أقامته في المنطقة العربية - لأطول أمد ممكن - في محاولة لصهر المجموعات الإثنيـة والقوميـة والثقافية المختلفة من المهاجرين في المجتمع الجديد.
3- الدعم الذي لاقته ''إسرائيل'' على الساحة الدولية من قِبـل حكومـات الـدول الغربية، وخصوصاً الولايات المتحدة، الأمر الذي مكّنها من ممارسة الضغط على الحكومات العربية لفتح أبواب الهجرة وتسهيلها، بالإضافة الى ضمان توفير الدعم المالي اللازم لاستيعاب الأعداد الكبيرة من المهاجرين خلال فترة قصيرة نسبياً.
إن ارتباط اليهود العرب بالمنطقة يتجاوز اعتبارات السياسة الى عوالم وآفاق أرحب وأعمق، تتعلق بالإرث الثقافي والحضاري المشترك. غير أن بث الروح في هذا المشترك يتوقف على السلام. إن هذا أمر تفهمه الزعامة ''الإسرائيلية'' جيداً، وهو ما يساعد في فهم سر مواظبة تلك الزعامة على التمسك بموقف الرافض والمتعنت تجاه السلام، ورفضها في الوقت ذاته الإقرار بملامح المجتمـع ''الإسرائيلـي'' الشرقية. ولهذا السبب، أيضاً، تحثّ ''إسرائيل'' الخطى اليوم لجذب أعداء كبيرة من اليهود السوفيات بعد أن نجحت - كما في حالة اليهود العرب - في إغلاق معابر الهجرة الى دول أخرى بالنسبة إليهم.
لقد بذلت الحركة الصهيونية، وما زالت تبذل، جهداً مضنياً لإبراز طابع الدولة العبرية الأوروبي، وهي مسألة لم تكن محل شك بقدر ما هي عليه الآن، لا بسبب الأغلبية السكانية الطاغية للشرقيين (من يهود وغيرهم) في المجتمع ''الإسرائيلي''، والتي تتجاوز نسبة 70 % من إجمالي السكان، فحسب، بل أيضاً بسبب انهيار تلك التجارب السقيمة القائمة على تشييد مجتمعات، أو بالأصح جزر إستيطانية بيض خالصة ذات طابع إستعماري في أفريقيا وغيرها من مناطق العالم. وهو تطور لا تستطيع ''إسرائيل'' الزعم أنه لا يخصها. وفي وسع العرب التسريع - في هذا الإتجاه - في فتح أبواب التواصل بين الشرق الباحث عن هوية ما في المجتمع ''الإسرائيلي'' وبين عواصمهم التي ساعدت سياساتها ''إسرائيل'' فـي الماضي على إقامة أسوار "الغيتو" الجديد في المنطقة العربية.
المصادر
(1) M. Rodinson, Cult, Ghetto and State: The Persistance of the Jewish Question, Translated from French by John Tothschild (London: Al-Saqi Books, 1987), P: 172.
( 2) Lewis, Semites and Anti-Semites: An lnquiry into Conflict and Prejudice (London: Weidinfeeld and Nicolson, 1986).
( 3) A. Leon, The Jewish Question: A Marxist Interpretation (New York: Rathfinder Press Inc., 1970), P: 226.
(4) إقتبس في:
R. Garaudy, The Case of Israel, A Study of Political Zionism (London: Shorouk International, 1983), P: 92.
( 5) إقتبس في:
M. Woolfson, Prophets en Babylon, Jews in the Arab World (London: Faber and Faber, 1980), p: 51-52.
( 6) A. Memmi, Jews and Arabs, Translated from french by Eleanor Levieux (Chicago: J. Philip O'hara, 1975).
( 7) S. Hillel, Operation Babylon, Jewish Clandestine Activity in the Middle East, 1946 - 51 (London: Collins, 1988).
( 8) د. قاسم عبده قاسم، "اليهود في مصر من الفتح العربي حتى الغزو العثماني" (القاهرة - باريس: دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، 1987).
(9) إقتباس في المصدر نفسه.
(10) A. and H. Cutler, Jews as an Ally of Ally of the Moslems (Notre Dame, IND: Uneversity of Notre Dame Press, 1986).
( 11) Lbid.
( 12) D. Hirst, The Gun and the Olive Branch (London: Faber and Faber, 1977), p: 171.
( 13) H. Batatu, The Old Social Classes and the Revolutionary Movements in Iraq: A Study of Iraq's Old Landed and Commercial Classes and its Communists, Ba'thists, and Free Oggicers (Princeton, N.J.: Princeton University Press, 1978), p: 258.
( 14) K. Abd al-Muhsin, The Political Career of Muhammad Ja'atar Abu'l-Timman, 1908-1937, A Study in Iraqi History, PhD thesis of Oriental and African Studies, London University. Unpublished.
( 15) حيث لا إشارة خاصة الى مصدر المعلومات في هذا الجزء، أنظر كتاب المؤلف:
A. Shiblak, The Lure of Zion, The Case of the Iraqi Jews (London: Al-Saqi, 1986).
( 16) لمزيد من التفاصيل أنظر:
S. Flapan, The Birth of Israel, Myths and Realities (London: Croom Helm, 1987).