جمال
الزعبي/ كاتب سوري
مجلة
معلومات دولية/ خريف 2000
مقدمة
لم
يكن وقوع العقيد في الموساد “الاسرائيلي”
الحنان تينينباوم في ايدي رجال المقاومة
اللبنانية من حزب الله الذي اعلن عنه يوم
15/10/2000 الاخفاق الوحيد لهذا الجهاز الشهير
خلال السنوات الاخير، فقد شهدت هذه السنوات
عمليات فاشلة وفضائح متلاحقة تعكس الوهن
والارباك الذي اصاب البنية العسكرية
العدوانية “الاسرائيلية”.
فهذا
الجهاز الذي ذاعت شهرته الافاق بسبب عملياته
السوداء وجرائمه البشعة ضد المناضلين
والعلماء العرب والفلسطينيين، والذي كان قد
انشئ بقرار من دافيد بن غوريون عام 1951 تحت اسم
"مؤسسة الاستخبارات والمهام الخاصة" لم
يعد ذلك الجهاز الاسطوري، وهوت سمعته الى
الحضيض بعد تلك الاخفاقات.
وهذا
الجهاز يتمتع في الاساس بمكانة محورية بين
اجهزة الاستخبارات “الاسرائيلية”
التي تضم: "الشين بيت" او فرع خدمات الامن
العام، و"امان" او فرع الاستخبارات
العسكرية، و"فرع الابحاث والتخطيط في
وزارة الخارجية"، وممثلي مراكز الابحاث
ومعاهد الدراسات الاستراتيجية.
اذ
ان رئيس الموساد هو الذي يرأس اللجنة المشرفة
على هذه الفروع المختلفة التي تسمى "لجنة
خدمات الامن العام ـ فعادات"، وتتبع مباشرة
لرئيس الحكومة “الاسرائيلية”.
ـ
جرائم سوداء
وكان
صيت هذا الجهاز قد ذاع بعد عملياته القذرة.
وجرائمه السوداء، كخطف "اودلف آيخمان"
من الارجنتين واعدامه في “اسرائيل”
عام 1960، واغتيال عدد من القادة الفلسطينيين
مثل كمال ناصر، وكمال عدوان، ومحمد يوسف
النجار في شارع فردان عام 1973 والتي قادها
باراك نفسه، واطلق عليها اسم عملية "ربيع
الصبا"، واغتيال علي حسن سلامة في بيروت
عام 1974 بتفجير سيارة مفخخة، وزهير محسن في
باريس عام 1979، وماجد ابوشرار في روما عام 1981،
وخليل الوزير في تونس عام 1988، وفتحي الشقاقي
في مالطا عام 1995. ولم تقتصر هذه العمليات
الاجرامية على القادة المناضلين، بل طالت
العلماء العرب مثل يحيى المشد، وسميرة موس،
وحتى المناصرين للقضية الفلسطينية مثل
الصحفي والكاتب "يفغيني يغسييف" الذي
قام عملاء الموساد بدهسه في موسكو في العاشر
من شباط 1992.
وعلى
الرغم من كل تلك الهالة الاسطورية التي اضيفت
على هذا الجهاز القذر، فان اخفاقات وفضائح
كثيرة لحقت به منذ بدايات عمله، من فشل "عملية
لافون" واعدام بعض الجواسيس “الاسرائيليين”
في مصر عام 1954 وسقوط الجاسوسة "شولا كوهين"
في لبنان عام 1951، والجاسوس ايلري كوهين
واعدامه في دمشق عام 1966، وفضيحة اغتيال
العامل المغربي "احمد بوشيكي" في
النرويج عام 1973، (اعتقادا منه بأنه ابوحسن
سلامة الذي جرى اغتياله فيما بعد كما شبق
واشرنا)، وفشل هذا الجهاز وغيره من اجهزة
الاستخبارات الاخرى في تقدير الوضع قبل حرب
تشرين الاول التحريرية عام 1973 واستبعاد
حدوثها، وهذا ادى الى تقليص صلاحيات الجنرال
"زبيغي زامير" رئيس هذا الجهاز آنذاك،
واقالة الياهو زائير رئيس الاستخبارات
العسكرية.
وكذلك
سقوط الجاسوس “الاسرائيلي”
في البحرية الامريكية جوناثان بولارد عام 1985
والذي حكم عليه بالسجن المؤبد، وفشلت كل
الضغوط “الاسرائيلية”
لاطلاق سراحه، والقاء القبض في نيسان (ابريل)
1989 على اربعة عملاء للموساد وهم يحاولون زرع
جهاز تنصت على الهواتف في السفارة الايرانية
في نيقوسيا في قبرص والذين اطلق سراحهم بعد
فرض غرامة شكلية عليهم في محاكمة خاطفة بعد
تسوية مع الحكومة القبرصية.
بيد
ان اخفاقات وفضائح هذا الجهاز تكاثرت في
السنوات الاخيرة لدرجة انها اطاحت بعض قادته،
ومن ابرز هذه الاخفاقات والفضائح.
ـ
عملية مشعل غيت
حدثت
في عمان يوم 25/9/1997 حين حاول رجال الموساد
اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس
باستخدام "تقنية متطورة" تتمثل في رشه
بمادة كيماوية قاتلة يبدأ مفعولها بعد ساعات
عبر ما يسمى "بالصدمة القاتلة"، او "المظلة
البلغارية"، وقد ادت شجاعة حارس مشعل،
ومؤازرة المارة الى اعتقال بعض عملاء الجهاز،
وهرب الآخرون الى السفارة “الاسرائيلية”
في عمان وهذا ادى الى ازمة بين الاردن
واسرائيل، واضطرار الاخيرة الى ارسال العلاج
الخاص وبالشحنة الكيماوية ونجاه مشعل،
واطلاق سراح الشيخ احمد ياسين زعيم حركة حماس.
وقد
تسبب فشل هذه العملية والفضيحة التي دارت
حولها الى اثارة جدل كبير في الكيان الصهيوني
وفتح ملف العمليات الفاشلة لجهاز الموساد،
والحديث عن "محرقة الرؤوس" لقادة هذا
الجهاز.
ـ
عملية برن في سويسرا
حدثت
يوم 17 شباط 1998 حين حاول خمسة من عملاء
الموساد، وهم امرأتان وثلاثة رجال، كانوا قد
وصلوا قبل يومين من تل ابيب، زرعوا اجهزة تنصت
في احدى العمارات السكنية التي قيل ان
اللبناني عبدالله الزين يقطن احدى شققها. لكن
حركة هؤلاء الذين كانوا يلبسون زي الطلاب
اثارت ارتياب امرأة تسكن في المبنى، فاتصلت
بالشرطة السويسرية التي حضرت واعتقلتهم، ثم
اطلقت سراح اربعة منهم، اختلقوا اعذارا
مختلفة لوجودهم في المكان، اما الخامس الذي
كان يحمل حقيبة الكترونية فقد انكشف خلال
تحقيق سريع وكشف هدف العملية وهو زرع جهاز
تنصت في شقة عبدالله الزين، قيل انه من
الاسلاميين، وتبين انه غادر المبنى قبل اربع
سنوات بع انفصاله عن زوجته السويسرية. وقد ادت
العملية الى ازمة في العلاقات مع سويسرا التي
تعد من الشركاء التجاريين لاسرائيل، والتي
قدمت احتجاجا شديد اللهجة على العملية اضطرت “اسرائيل”
للاعتذار. كما ادت الى هزة عنيفة داخل الموساد
والى استقالة رئيس الجهاز داني ياتوم، وتعيين
افرايم هاليفي مكانه، وتعيين قائد المنطقة
الشمالية الجنرال عميرام ليفكن نائبا له.
وقد
ذكرت الصحف مؤخرا ان العقيد الحنان تينينباوم
الذي اسره حزب الله كان من بين المتورطين في
عملية برن، وانه كان ينتحل اسما مستعارا هو
فاتي غوليبرغ، وانه كان من بين الذين افرج
عنهم فيما حكم في تموز الماضي على العميل الذي
حكم بالسجن 12 عاما مع وقف التنفيذ.
ـ
عملية قبرص
اعتقل
فيها الامن القبرصي في تشرين الثاني عام 1998
عميلين في منطقة زيغي العسكرية القبرصية التي
توجد فيها وحدات الاسطول والكوماندوس وكذلك
المظليون، وبطاريات الصواريخ من طراز
اكزوسيت المضادة للسفن الحربية، وكانا
يحملان اجهزة تصوير وتنصت. وذكرت المصادر
الامنية القبرصية وقتئذ انهما اعترفا بأنهما
كانا يحاولان معرفة ما اذا كانت قبرص قد تزودت
بمنظومة الرادار الخاصة بالصواريخ التي وقعت
على شرائها من روسيا، واعترضت عليها تركيا.
وقد
حاول الصهاينة التغطية على هذه العملية
بالقول: ان هدفها كان مراقبة الفلسطينيين
واللبنانيين وانهما ربما كانا في مهمة
تدريبية، وهذا اثار حفيظة القبارصة، خاصة وان
هذه العملية جاءت بعد ثلاثة ايام من زيارة
رئيس الكيان الصهيوني وقتئذ عيزرا وايزمن
لقبرص، والتي زعم فيها، ان “اسرائيل”
ليس لديها نوايا عدوانية تجاه قبرص.
وعلى
الرغم من ان اطلاق سراح هذين الجاسوسين قد تم
بعد شهرين فان هذه العملية قد كشفت عن حالة
الترهل التي اصابت هذا الجهاز، وان استبدال
رئيسه او بعض قادته لا يؤدي الى صلاحه خاصة
بعد ظهور شبهات حول قيام احد مسؤوليه ببيع
اسرار عسكرية الى الامريكيين والروس. وهذا
المسؤول هو عامي بن شالوم احد علماء الفيزياء
الالكترونية، الذي يعمل في وحدة البحوث
العسكرية والذي اظهرت تحقيقات الشرطة انه سرب
خلاصة ابحاثه في مجال تقنيات الاغتيال
الكيماوي والبيولوجي الى شركات امريكية
وروسية.
وفي
هذا العام اعترف اربعة من المتهمين الثلاثة
عشر الذين جرت محاكمتهم في ايران بتهمة
التجسس لمصلحته “اسرائيل”،
بانتمائهم الى جهاز الموساد “الاسرائيلي”
بعد سقوط شبكتهم في ايدي السلطات الايرانية
وقد حكم عليهم باحكام متفاوتة.
كما
عاد اسم الموساد للتردد مرة اخرى عندما اثيرت
في ايلول الماضي قضية السفير الامريكي في “اسرائيل”
"مارتن انديك" الذي اوقف عن مهامه وسحب
"ترخيصه الامني" واخضع للتحقيق، بعد
ضغوط من اعضاء في الكونغرس الامريكي، حيث
يشتبه بأنه كان ينقل معلومات عن اللقاءات
بالزعماء العرب الى “اسرائيل”،
وينقل ملفات سرية من وزارة الخارجية الى
حاسوبه الشخصي. وقيل انه اجتمع مرتين برئيس
الموساد في ناتانيا بعد قمة كامب ديفيد.
وانديك يهودي مولود في استراليا صعد الى
مراكز القرار في الولايات المتحدة الاميركية
بصورة غريبة، بعد حصوله على الجنسية
الاميركية عام 1993، اذ عين مستشارا في مجلس
الامن القومي ثم سفيرا في “اسرائيل”،
فمساعدا لوزير الخارجية الامريكية لشؤون
الشرق الاوسط، ثم سفيرا في “اسرائيل”
مرة ثانية.
وهكذا
يمكن القول ان الترهل الذي اصاب هذا الجهاز،
والذي تؤكده الوقائع المذكورة ليس سوى مرآة
لحالة الوهن والترهل، التي بدأت تضرب في
مفاصل المؤسسة العسكرية والسياسية للكيان
الصهيوني، الذي قام على خليط عرقي استيطاني
متنافر شبهه احد الكتاب “الاسرائيليين”
"بالاناء الفخاري المكسور الملصق بلعاب
الصهيونية".