العملاء الفارون: مشاهد الذل
الوسط 5/6/2000
مقدمة:
آلاف المتعاملين وعائلاتهم الذين فروا إلى "اسرائيل"، بدأوا يشكون من الذل والمهانة من جانب "اسرائيل" التي خدموها طويلا ولم تأبه لمصيرهم.
في هذا التحقيق الذي اجرته مجلة الوسط مشاهد حية عن عدم احترام "اسرائيل" لعملائها. وشاهد حي عن الذل الذي يلاقيه العملاء بعد فرارهم إلى الاراضي المحتلة.
بعض هؤلاء يؤكد ان "اسرائيل" تعاملهم كالكلاب. وبعض الاخر يؤكد ان "اسرائيل" تعاملهم مثل الشحادين والآخرون يبكون مصيرهم… ويصرخون "لقد خانتنا "اسرائيل"".
الابتسامة الوحيدة التي ارتسمت على شفتي ض. كان عندما سألناه عن "حلف الدم" بين ميليشيات لحد التي ينتمي اليها وبين الجيش "الاسرائيلي".
ـ "حلف الدم ؟ "، تساءل ساخرا. "حلف… خـ …"، وقال الكلمة التي لا يحتملها الورق. هو اليوم في الثامنة والثلاثين من العمر، امضى معظمها (20 سنة) في خدمة جيش الاحتلال "الاسرائيلي". عندما سألناه عن رتبته العسكرية راح يبكي: "كان بودي ان تري الصور والشهادات والاوسمة التي حصلت عليها. انا كنت قائدا لمئة وعشرين جنديا … دعيهم يخبرونك ماذا انا". وراح يبكي… في حين تبرع احدهم في الحديث عن تاريخه وامجاده وسيارة المرسيدس التي كان يركبها والفيللا الفاخرة التي عاش فيها في قريته إلى ما قبل اسبوع واحد، واليوم نهبت وحطم اثاثها.
"كل شيء راح وانتهى. قلبي مكسور. خوفي على افراد عائلتي الباقين في لبنان يقتلني. عائلتي اصلا تمزقت ولم يع امل باعادة اللحمة لها. لي شقيقان يخدمان في "الجيش الجنوبي" لا اعرف عنهما شيئا، انا قلق عليهما. وهما قلقان علي. ووالدتي … آه … والدتي"، ولم يستطع الاستمرار في الحديث فطلبت منا زوجته ان نعفيه من هذه المقابلة. "ارجوك ـ قالت ـ انه على هذه الحال منذ ان وصل إلى هنا قبل خمسة ايام. لم يخرج من الغرفة ابدا. لم يستحم. لم يحلق ذقنه. يبكي طوال الوقت".
انه واحد من 6500 لبناني هربوا إلى "اسرائيل". انهم افراد "جيش لبنان الجنوبي" المتعامل مع "اسرائيل"، وافراد عائلاتهم واقاربهم، الذين انهاروا مع انهيار هذا الجيش في الجنوب اللبناني وهرعوا فارين من وطنهم مذعورين، واليوم يعيشون في المجهول.
لقد رافقهم الذل والمهانة منذ لحظة الانهيار في 20 ايار(مايو) الماضي، هذا التاريخ الذي سجل كيوم تحرير الجنوب اللبناني من الاحتلال "الاسرائيلي". فقد داهمهم الحدث وهم لا يدرون ماذا يفعلون ولا يصدقون ما يحدث لهم.
وحتى عندما راوا ما حدث لعملاء الاحتلال "الاسرائيلي" من الفلسطينيين، بعد دخول منظمة التحرير إلى الضفة الغربية وقطاع غزة، لم يتعلموا الدرس. اقنعوا انفسهم بانهم مختلفون عن اولئك العملاء الفلسطينيين في نظر "اسرائيل". وفجأة يكتشفون انهم لا يختلفون . فالجيش "الاسرائيلي" يتركهم ينهارون ويهربون من وطنهم من دون ان يستطيعوا حمل حقيبة ملابس او زجاجة ماء. بل لم يتمكنوا من لملمة عائلاتهم.
وما هي الا لحظات، حتى وجدوا ان "اسرائيل" الدولة العظمى المساندة المساعدة: "لم اصدق ما رأته وتراه عيناي حتى الان" يقول س . احد كبار ضباط ميليشيات لحد الذي يعتبر اليوم محظوظا، اذ اسكنوه في فندق صغير في بلدة نهاريا الساحلية في الشمال "الاسرائيلي". ويضيف: "طلبوا مني الهرب باتجاه "اسرائيل" فورا وبلا تأخير. فحسبت انني مدعو لاجتماع، وفي الطريق عرفت ان عائلتي ايضا استدعيت إلى "اسرائيل" فاستغربت. وصلت إلى حاجز الجدار الطيب (توقف هنيهة عن الكلام وتنهد واضاف ساخرا) ما زالوا يسمونه الجدار الطيب. انه الجدار الشرير. وجدت طابورا طويلا من الناس ينتظرون ويتدافعون. فحاولت ان انظم الامور. لكن الشباب صرخوا في وجهي. لم يحترموني. حسبت انهم لم يتعرفوا إلى شخصي. لكنني وجدت بينهم بعضا من جنودي. تجاوزت الطابور واقتربت من البوابة طالبا مقابلة الضابط "الاسرائيلي"، فصاح بي آمرا: عد إلى نهاية الطابور حتى يأتي الدور. فعرفته بنفسي وبرتبتي، فعاد وامرني بلهجة صارمة اكثر: "عد إلى الوراء ودعنا نعمل". فاتصلت بهاتفي الخليوي بضابط ارتباط "اسرائيلي"، لكنه لم يكلمني. وترك لي خبرا عند سكرتيرته بانه سيعود الي، فبدأت افهم ما الذي يجري…".
ويصل س. في نهاية المطاف إلى البوابة ويستقبله ضابط استخبارات "اسرائيلي"، يجري معه تحقيقا يدوم اكثر من ساعة عن تاريخه وحياته واقاربه ونشاطه. فهو ايضا، بعد 18 سنة خدمة متواصلة، ما زال مشبوها. فاسرائيل تخشى ان يكون قد تسرب إلى هذه الطوابير احد "مبعوثي" المقاومة اللبنانية. لذلك لم تدخل ايا منهم الا بعد هذا التحقيق.
وارسل س. إلى مخيم اقيم فوق جبل التطويبات المطل على بحية طبرية، وهي الخيام التي نصبت في المكان نفسه عند قدوم البابا يوحنا بولس الثاني. وهنا قرر ان يتمرد. فطلب من كل ركاب الباص ان يعلنوا رفضهم النزول من الباص ويهددوا بالعودة إلى الحدود من جديد، حيث يوجد الصحافيون، و"سنعمل فضيحة كبيرة". وعلى الفور عمد "الاسرائيليون" إلى تغيير وجهة سير الباص، فاتجهوا به إلى منتجع للجيش في مكان قريب. وفي اليوم التالي اخذوا س. إلى هذا الفندق الصغير، وهو يأمل الان بان ينقلوه إلى "بيت محترم" او إلى فندق ارقى كما حصل لبقية ضباط الميليشيات الذين تركوا الفنادق الصغيرة ونزلوا، على حسابهم، في "الفنادق المحترمة" التي كانوا يقيمون فيها وهم ذوو شأن عند "اسرائيل".
ـ "لو كنت اعرف انني سأقع في يد القضاء اللبناني والدولة اللبنانية لكنت تركت "اسرائيل" فورا وعدت. انا مستعد للمحاكمة وللسجن. جهنم لبنان ولا جنة "اسرائيل". لكن من يضمن لي هذا؟ من يضمن لي ان لا اقتل حالما اصل؟"، تساءل س.
تركنا الفندق وتوجهنا إلى المعسكر قرب بحيرة طبرية، فهناك يوجد حوالي 1200 عميل، لا يوجد بينهم ضباط، وهم من الانفار الصغار او العمال، وبينهم من لم يفهم لماذا هرب اصلا من لبنان، "زوجي لم يرتكب أي جريمة، كان موظفا اداريا في دائرة التموين ولم يقم باي عمل عسكري. لكنه خاف ودب فينا الفزع، فهربنا".
ولماذا لا تعودون؟ سألناها. فلم تجب. وفي ما بعد، قيل لنا ان "اسرائيل" وعدتهم بدفع التعويضات لهم عن الخدمة وبمواصلة دفع مرتباتهم اذا بقوا. والتعويضات هزيلة وكذلك المرتب، بالمقاييس "الاسرائيلية"، لكنها مغرية بالنسبة إلى كثرين منهم، حوالي 600 دولار في الشهر والتعويضات تدفع على اساس معاش شهر عن كل سنة (من خدم عشر سنوات يقبض 6 آلاف دولار(.
غير ان هناك من قال ايضا انه لا أريد مالا ولا معاشا ولا تعويضات، "اريد العودة إلى بيتي وعائلتي حتى لو مت هناك"، تقول ام عاصي، وتغلق عينيها وتضغطهما عميقا والدموع تنهمر.
هنا لم يتح لنا دخول المعسكر. فالجيش "الاسرائيلي" اعلنه منطقة عسكرية مغلقة، بحجة حماية افراد الميلشيات.
ـ ممن ؟ سألنا الضابط:
فاجاب ضاحكا: منكم انتم.
فسألناه ومن نحن ؟ تقصد الصحافيين ام العرب في "اسرائيل" (فلسطينيو 1948)؟
فرد : كلاكما خطر.
فلم يكن امامنا سوى البحث عن طريقة اخرى للوصول اليهم. وشاهدنا بعض الجنود فغضوا الطرف.
ب. شاب في السابعة والعشرين من العمر. ترك قريته رميش مهرولا، لكنه حاول ان يأخذ معه خطيبته. فرفضت. ويشعر اليوم انه خسرها إلى الابد: "كل القرية عندنا تقريبا خدمت "اسرائيل". من ابن 15 سنة وحتى سن الستين. نشأنا على حبها. شعرنا اننا "اسرائيليون". نسينا اننا لبنانيون. فطعنا علاقاتنا مع اقاربنا في بيروت وغيرها. هكذا فعلنا سنوات طويلة. ثم فجأة، خلال بشع ساعات، انهار كل شيء، خانتنا "اسرائيل". طعنتنا في الظهر. قالت لنا، عمليا، انتهى دوركم. تعاملت معنا كما يتعامل الناس مع حبة الليمون. يعصرونها، يمتصون خيرها، ثم يقذفون بها إلى سلة المهملات". إلى هنا تكلم بحزن وهدوء. لكنه راح يصرخ فجأة بشيء من الهيستيريا: "انا اكره باراك، اكره "اسرائيل"".
سامية، المرأة الشابة التي تحمل طفلا رضيعا، اقتربت مني باندفاع حاسبة انني صحافية يهودية، "انتم سبب شقائنا. لا يوجد لكم صديق. لا تعرفون الامانة والاخلاص…" وعندما عرفت اننا نكتب للصحافة العربية، صمتت لحظة ثم انطلقت في اللهجة نفسها: "وهل تحسبين ان العرب افضل؟ العرب تركونا وخانونا قبل "اسرائيل"". وذهبت رافضة الاجابة علي أي سؤال اخر. فاعترضنا شاب آخر: "وانتم العرب في "اسرائيل" لماذا تكرهوننا؟ لماذا تسموننا خونة؟ لماذا تعلنون انكم ترفضون اسكاننا بينكم؟ اتريدوننا ان نصبح يهودا؟ انتم اسوأ من العرب".
فسألناه عن ممارسات الميليشيات ضد اهل الجنوب والتعذيب في سجن الخيام، فحاول الاعتداء علينا، لولا تصدي رفاقه له. فانتقلنا إلى مجموعة من النساء تجمعن عند طرف آخر للمعسكر. في البداية رفضن الكلام، "نحن نحمد الله على كل شيء مهما يكن ونشكر "اسرائيل" على كل ما تقدمه لنا" قالت احداهن.
· اذا، لماذا احرق الشباب الملابس التي تبرع به المواطنون "الاسرائيليون"؟ سألنا.
فاجابت احداهن : "لانهم جلبوا لنا ملابس مستعملة. هل يحسبون اننا شحاذون؟ نحن خدمنا "اسرائيل" بارواحنا. لو ارادوا مكافأتنا بصدق، لكانوا دفعوا لكل عائلة مليون دولار، فنحن خسرنا وطننا من اجل "اسرائيل". خسرنا عائلاتنا وكرامتنا ومستقبلنا. اين سنعيش الان؟ في "اسرائيل"؟ كيف ولمن ازوج ابنائي وبناتي؟".
· الن تعودوا إلى لبنان حتى في ظل معاهدة سلام مع "اسرائيل"؟.
أي سلام هذا. لن يحدث سلام. وحتى لو تحقق، سنبقى نحن خارج الصورة. لا "اسرائيل" ستهتم بنا ولا لبنان، لقد يئسنا من الجميع.
· ولماذا قلتم انكم تشكرون "اسرائيل"؟
وماذا تريدون ان نقول.
· الا ترون ان الكبار منكم، الرجال من افراد الميليشيات والضباط، هم السبب؟
وماذا يهم هذا الان؟ وهل تحسبين ان عندنا رجلا بعد؟ انظري اليهم. الرجال نائمون في الخيام، يندبون حظهم. يبكون. نادمون. فماذا بوسعهم ان يفعلوا؟.
· هل تعلمن ماذا كانوا يفعلون وهم "رجال"؟
ماذا كانوا يفعلون؟ وكيف نعرف؟ وهل كنا نراهم اصلا؟.