“اسرائيل” والانسحاب من لبنان:
الحدود الغامضة

محمود حيدر
كاتب وباحث لبناني


مقدمة:

لمن ينته السجال الحدودي بين لبنان واسرائيل عند حد اعلان فريق الامم المتحدة انهاء الخروقات من الجانب “الاسرائيلي”، لكن السجال في المجال الجيوبوليتيكي والامني على الحدود اللبنانية ـ الفلسطينية سيمتد الى فضاء اوسع مما يتصوره مراقبو اللحظة الراهنة. لقد كان الرابع والعشرين من تموز(يوليو) 2000، يوما مشهودا في حلقات النقاش المتسلسلة حول الالتزام “الاسرائيلية” بما يسمى الخط الازرق، في هذا اليوم كان ثمة موقفان يفصحان عن حصاد شهرين مضنيين لعمل فرق مراقبة خط الحدود التابعة للامم المتحدة بالاضافة لفريق الخبراء اللبناني.

الموقف الاول اعلنه الموفد الدولي تيري رود لارسن بعد اجتماعه الى رئيس الجمهورية والحكومة في بيروت، وجاء على الشكل التالي:

 

1 ـ ان “اسرائيل”، ازالت جميع الخروقات التي كانت قائمة على الخط الازرق.

2 ـ ان قيادتي الجيش اللبناني والطوارئ ستجتمعان لبحث خطة اعادة القوات الدولية في المنطقة الحدودية.

3 ـ ان الامانة العامة للامم المتحدة تبلغت مضمون البندين المذكورين.

4 ـ ان قوات الطوارئ سترصد مستقبلا منطقة الحدود فتبلغ الامم المتحدة باي خروقات مستجدة، والمنظمة الدولية ستبلغ مجلس الامن بذلك.

5 ـ ان الامم المتحدة ستبدأ جهودها لدعم تلبية حاجات لبنان من خلال مؤتمر الدول المانحة.

اما الموقف الثاني، فهو موقف لبنان وحدده رئيس الحكومة السابق سليم الحص بما يلي:

1 ـ ان لبنان سوف يلتزم موجبات القرار 425.

2 ـ ان “اسرائيل” ازالت الخروقات التي كانت قائمة على مستوى الخط الازرق.

3 ـ ان لبنان سيظل يطالب بأرضه حتى الحدود الدولية. وباستعادة حرية الاسرى والمعتقلين في سجون “اسرائيل” وبمزارع شبعا وبالاراضي التي لم تزل محتلة ما بين الحدود الدولية وبين "الخط الازرق".

4 ـ ان القوات الدولية سوف تنتشر حتى الحدود الدولية وان قوة مراقبي الهدنة (U.N.T.S.O) سوف تكون عند الحدود وسوف تراقب مدى احترام لبنان واسرائيل لخط الانسحاب، وهي التي سوف تتلقى ملاحظات او شكاوى الطرفين.

5 ـ اذا وافق لبنان على خارطة الانتشار المقترحة من جانب القوة الدولية فسوف يكون الانتشار سريعا وربما خلال يومين او ثلاثة.

6 ـ ان القوات المسلحة اللبنانية ستنتشر بالتزامن مع انتشار القوات الدولية وللحكومة اللبنانية الحق في تقدير موجبات ارسال قوات من الجيش لدعم القوى المشتركة اللبنانية الموجودة في مناطق الجنوب، وهذا ما حدده تقرير الامين العام للامم المتحدة (السفير البيروتية ـ 25/7/2000).

 

بين الخط الازرق وخط الحدود الاصلي

يمكن القول انه بهذين الموقفين، الدولي واللبناني يكون المبعوث الدولي لمراقبة جلاء قوات الاحتلال، تيري رود لارسن قد نجح ضمن حدود مهمته المعلنة في المهمة الموكولة اليه. أي في اعادة تثبيت علامات الحدود بين لبنان واسرائيل. بحيث صار ما يسمى "الخط الازرق" او خط لارسن هو خط انسحاب قوات الاحتلال من جنوب لبنان. لكن هل حصل لبنان فعلا على حقه النهائي في حدود اراضيه المعترف بها دوليا؟

حتى اعلان الفريقين اللبناني والدولي انجاز الانسحاب “الاسرائيلي” كان الجدل لا يزال يدور حول النقاط الغامضة التي تشكل المنطقة الوسطى بين حدود 1923وحدود الانسحاب او ما يسمى "الخط الازرق". وثمة فرق مهم سبق وافصح عنه رئيس الجمهورية اللبنانية اميل لحود عندما اشار الى ان بين لبنان وفلسطين حدودا دولية معترفا لها لم تكن في أي يوم موضوع نزاع بين البلدين، بل ان الرسم الوصفي لتلك الحدود والذي عام 1923، قد اعيد ترسيمه بصورة دقيقة وفي اشراف الامم المتحدة ومراقبيها عام 1949 من النقطة B.P.1  الى النقطة B.P.  بما فيها النقاط الوسيطة. ولقد فوجئ لبنان بحسب ما بيَّن الرئيس لحود في مذكرة ارسلها الى الامين العام للامم المتحدة كوفي آنان (في 11/6/2000) بطرح يقول باعتماد "خط الانسحاب" لتثبيت الانسحاب “الاسرائيلي”. والمفاجأة هنا تكمن في ان هذا الطرح يخالف منطق الامم المتحدة من حيث ان قرار مجلس الامن رقم 242 وتقرير الامين العام الملحق به لا يشيران مطلقا الى هذا الخط، بل الى خط يتطابق مع الحدود الدولية. وبالتالي فانه لا يمكن تأكيد الانسحاب الا على اساس خط هذه الحدود وليس على اساس خط وهمي غير موجود هو ما يسمى بـ "خط الانسحاب".

هل "خط الانسحاب" الذي اكدت عليه الامم المتحدة هو نفسه الخط العملي الذي سعى الامين العام كوفي انان الى اعتماده وبما يتوافق مع ما توفر من خرائط لدى المنظمة الدولية؟

لنعرف اولا على ما يقصد بالخط العملي:

انه الخط الذي سبق وتحدث عنه رئيس الجمهورية اللبناني ومعه عدد غير قليل من السياسيين والخبراء اللبنانيين واعتبروه خطا وهميا تحاول الامم المتحدة وفريقها جعله امرا واقعا ليرسم الحدود الفاصلة بين لبنان واسرائيل في مرحلة ما بعد الاحتلال. لذا فان هذا الخط هو نفسه الذي سبق واقترحه الامين العام للامم المتحدة عبر موفده تيري رود لارسن، وينطلق من الامتداد الارضي وتضاريس الهضاب التي تفصل لوجستيا بين قوات الامم المتحدة التي تشرف على فض الاشتباك في الجولان بين سوريا واسرائيل والمعروفة باسم "اندوف" وقوات الامم المتحدة العاملة في جنوب لبنان والمعروفة باسم "يونيفيل". ومن منطلق ان هناك نقاط تماس لوجستي ـ ارضي في عمل هاتين القوتين يفترض ان تكون قائمة وموجودة، ولكنها بقيت حتى الان من دون تنفيذ عملي من الجانب اللبناني لان قوات الامم المتحدة "يونيفيل" لم توسع انتشارها الى الحدود ومنذ مجيئها الى لبنان لاسباب تتعلق بالوضع الامني الدائم التفجر في الجنوب. ولان “اسرائيل” رفضت على امتداد 22 عاما الانصياع الى رغبة الشرعية الدولية وتنفيذ القرار 425.

هكذا يشكل اقتراح "الخط العملي" دعوة في جانب منه الى تقدم قوات الطوارئ "اليونيفيل" الى خط تماس مع قوات مراقبي الهدنة "اندوف"، وفي هذا الاطار سعى كوفي انان الى ضخ كمية وافرة مما اسماه المراقبون بـ "الغموض البناء" في نطاق السجال الدائر حول "مزارع شبعا" وهو ما راهنت عليه المنظمة الدولية لكي تتجاوز العقبات التي سببتها عقدة المزارع في استئجار الانسحاب “الاسرائيلي”. واذا كانت حجة الامم المتحدة يومئذ ان ليس من مهماتها رسم الحدود بين لبنان واسرائيل فهي لا تستطيع ان تنكر وبحسب الرأي الرسمي اللبناني ـ الحدود المعترف بها دوليا وفق مستندات ووثائق 1923 و 1949. حتى مزارع شبعا التي ادخلتها الامم المتحدة على مثلث جغرافي غامض بين سوريا ولبنان وفلسطين فان ثمة وثائق تؤكد لبنانيتها، وبهذا يبقى القرار 425 غير نافذ ما دامت باقية تحت الاحتلال. في هذا المجال يقول الخبراء اللبنانيون ان خط الحدود المعتمد خلال الانتداب الفرنسي على لبنان وسورية اغفل آنذاك الاشارة الى مزارع شبعا ووضعها ضمن الاراضي السورية، ولهذا فان الحكومة اللبنانية قامت في عام 1946 بتوجيه مذكرة الى الحكومة السورية رقمها 574 تاريخ 29/9/1946 تؤكد ان ما حصل هو خطأ فني من الانتداب لم يكن القصد منه تعديل الحدود او ادخال هذه المزارع في نطاق الاراضي السورية. وان المفاوضات بين لبنان وسوريا التي ارسل رئيس الحكومة اللبنانية السابق سليم الحص نسخا من محاضرها الى كوفي انان تتضمن اقرارا بلبنانية هذه المزارع دعمته بالطبع تأكيدات وزير الخارجية السورية فاروق الشرع الى الامين العام وهذه امور ثابتة ودامغة يجب ان تكفل اغفال المنظمة الدولية لمزاعم “اسرائيل” التي تقول ان هذه المنطقة كانت في عهدة السوريين عندما احتلتها عام 1967 وان المفاوضة عليها يجب ان تتم مع السوريين لا مع اللبنانيين (راجع الخوري ـ الشرق الاوسط ـ الاحد 21/5/2000).

واذا كان صحيحا ان بعض الخرائط قد وضعت نسبة غير قليلة من مزارع شبعا ضمن الحدود والسورية، واوصلت الحدود السورية ـ اللبنانية ـ “الاسرائيلية” الى نهر الحاصباني، فان خرائط اخرى لحظت وجود نقطة تلاقي الحدود السورية ـ اللبنانية ـ “الاسرائيلية” بين بانياس والحاصباني. فعلى سبيل المثال لا الحصر ان خريطة لبنان الطبيعية الصادرة عام 1943. من قبل L.Dubertret  رئيس القسم الجيولوجي فترة الانتداب. تؤكد ان مزارع شبعا هي ضمن الاراضي اللبنانية (عصام خليفة ـ السفير 19/5/2000).

ربما كانت نقطة الضعف الاساسية في الموقف الرسمي اللبناني حول السيادة على مزارع شبعا وجود خرائط رسمية لحظت وجود العديد من المزارع في هذه المنطقة بالاضافة الى قرية النخيلة ضمن الحدود السورية.

لكن بعض الخبراء يردون على هذه النقطة بتسجيل نقطتين مهمتين:

اولا: ان هناك خرائط كثيرة اخرى تشير الى وجود شبعا ومزارعها والنخيلة ضمن الحدود الدولية اللبنانية.

ثانيا: ان السيادة الفعلية وليس السلطة الفوقية كان للدولة اللبنانية على شبعا ومزارعها وعلى النخيلة عند بدء الاحتلال “الاسرائيلي” لها عام 1967، وعليه فان التطبيق الصحيح للقرارات الدولية وبخاصة القرارين 425 و 426 تحتم الانسحاب الكامل الشامل من كل الاراضي اللبنانية حتى الحدود المعترف بها دوليا، أي خط بوليه نيوكمب بالنسبة للحدود بين لبنان وفلسطين. كما يجب الانسحاب من شبعا ومزارعها ومن النخيلة حتى حدود القرى العقارية على امتداد قضاء حاصبيا (…) وثمة توكيد اخر على لبنانية المزارع حتى عندما احتلتها القوات “الاسرائيلية” في حزيران عام 1967. وفيه ان “اسرائيل” عندما بدأت باحتلال مزارع شبعا كانت السيادة الفعلية عليها للدولة اللبنانية على الصعد كافة (قضائيا وضريبيا وامنيا وسكانيا) وذلك على الرغم من تواجد قوات عسكرية سورية ذلك ان هذا التواجد لم يلغ باي حال سيادة الدولة اللبنانية على هذه المنطقة. وفي الفترة اللاحقة للعام 1967 قامت لجنة سورية لبنانية مشتركة (عن الجانب اللبناني ترأس اللجنة العقيد انطوان دحداح وكان من اعضائها امين عبدالملك وفوزي ساروفيم) وعن الجانب السوري ترأس اللجنة عبد الحليم خدام محافظ دمشق) قامت هذه اللجنة المشتركة بدراسة مسائل الحدود ووضعت تخطيطا عاما لها. وبموازاة هذه اللجنة حصلت مفاوضات سورية لبنانية ساهمت فيها الهيئة الدائمة اللبنانية ـ السورية وكان يرأسها كل من مديري وزارة الخارجية في البلدين. وعنها تفرعت لجنة عقارية مشتركة مؤلفة من قاضي لبناني وآخر سوري. وقد تم الاتفاق في المناطق غير المحددة والمحررة او التي لم ينته التحديد والتحرير فيها، على ان تكون الحدود الدولية بين سوريا ولبنان هي الحدود الادارية للقرى، وانطلاقا من كل ذلك وبرغم وجود تخطيط وتحديد عام للحدود بين سوريا ولبنان وخاصة في منطقة جبل الشيخ فانه لا يوجد ترسيم وتثبيت للحدود خاصة في هذه المنطقة. (عصام خليفة ـ المصدر نفسه) في اية حال، فقد ترك بيان التحقق من الانسحاب في الرابع والعشرين من تموز (يوليو) المنصرم كمية لا بأس بها من الغموض حول جغرافية الانسحاب “الاسرائيلي” من لبنان، وضمن هذا المناخ فان الاسئلة راحت تعيد نفسها حول ما اذا كان القرار 425 قد طبق وفقا لنصه وروحه فيما يتعلق بالحدود المعترف بها دوليا. بل اكثر من ذلك فان المذكرة التي سبق وارسلها رئيس الجمهورية اللبناني الى الامين العام للامم المتحدة كوفي انان، ظلت على حيويتها، وجدتها، ولاسيما لجهة المخاطر المترتبة على تبني الامم المتحدة خط الانسحاب وليس خط الحدود لانهاء الاحتلال “الاسرائيلي” لجزء من لبنان.