الانتفاضة والفلسطينيون: ضحية شارون وجورج بوش

 

د. احمد يوسف احمد (كاتب وباحث مصري)


مقدمة

بين حين وآخر تقتحم حياتنا السياسية والفكرية مفردات ومصطلحات جديدة ذات دلالات ملتبسة، يبدأ استخدامها اولاً نوع من بالونات الاختبار، ثم تبدأ في الشيوع والانتشار، الى ان تعتاد عليها، ونجد بعد مدة – قصرت ام طالت – اننا – او بعضنا على الاقل – اخذنا نرددها، ربما دون ادراك لمضامينها الحقيقية، او دون اتفاق على هذه المضامين.

 

وقد نذكر كيف تسلل لنا في مناخ التسوية مع “اسرائيل” مصطلح "ثقافة السلام"، وهو مصطلح لا يختلف حول نبله اثنان، اذا نظر اليه على نحو مجرد، غير انه بوضعه في السياق الذي اريد له من دوائر غير عربية بالاساس يكشف عن غطاء فكري رفيع لمقاصد خبيثة حاولت تحطيم الذاتية للامة العربية في مواجهة صراعها الممتد مع “اسرائيل”.

ومنذ تولى احد مجرمي الحرب رئاسة مجلس الوزراء في “اسرائيل” اخذ في الالحاح على واحد من هذه المصطلحات الذي اتخذ في الحال الراهنة شكل مطلب سياسي “اسرائيلي” من الفلسطينيين، وهو ضرورة "وقف العنف" كشرط لبدء المفاوضات، وان هي الا ايام قليلة حتى بدأ المصطلح يتردد في تصريحات سياسية رسمية صادرة عن مسؤولين في دول ومنظمات دولية عديدة، غير انه بدأ بعد ذلك يدخل في بعض تصريحات سياسية عربية، ربما كان مقصدها الرئيسي في حالات النوايا الحسنة ان تبين الالتزام بتحقيق الهدوء والاستقرار، كسباً لتعاطف دولي لن يجيء، وعملاً على حماية الفلسطينيين من مغبة استمرار عنف “اسرائيلي” لن توقفه اية تصريحات، لكن الامر كله لا يمكن ان يعالج على هذا النحو المبسط والمباشر، ذلك انه ينطوي على ابعاد متداخلة متشابكة ينبغي توضيحها، وثمة ملاحظات اربع اساسية على الاقل يمكن تسجيلها في سياق مناقشة مثل هذا المصطلح المراوغ.

 

مساواة بين المجرم والضحية

الملاحظة الاولى التي تتبادر الى الذهن على الفور ان مصطلح "وقف العنف" يمثل امتداداً لمنطق المساواة بين المجرم والضحية، فعندما نصف عنفاً وقع بين اللحص والمسروق دون ان نشير الى التباين الهائل في الهدف من العنف الذي مارسه كل منهما، او دونما ان نسمي الاشياء بمسمياتها، فنقول ان اللص قد اعتدى على المسروق بغرض سلبه بعض او كل ممتلكاته، وان الاخير انما كان يدافع عن نفسه يكون تصويرنا للموقف بعيداً كل البعد عن الدقة، ناهيك عن الانصاف.

ويذكرني هذا بمصطلح آخر شاع في مرحلة ما قبل شارون كان يشير الى ان التقدم في جهود التسوية يتطلب "تنازلات مؤلمة من الطرفين"، وعندما كانت اطراف دولية تستخدم مثل هذا المصطلح كان المرء يعزو هذا اما الى التحيز او الجهل، اما عندما كانت اطراف عربية رسمية او غير رسمية تستخدمه فان الامر بدا في حينه مستعصياً على التفسير، ذلك ان الفلسطينيين لم يعد لديهم اي "تنازل مؤلم" جديد يقدمونه بعد كل ما فرض عليهم من تنازلات، كأنك تسأل شخصاً يتعلق بحبل خشية السقوط المميت ان يتنازل لك عن هذا الحبل حتى يكون بمقدورك ان تنقذه.

حقيقة الامر اذن ان الموقف الراهن وان انطوى على عنف متبادل ومتصاعد الا ان ثمة فارقاً بنيوياً هائلاً بين "العنف “الاسرائيلي”" و"العنف الفلسطيني" اذا جاز التعبير، فالاول يمثل فعلاً استعمارياً فاضحاً، والثاني يمثل مقاومة متواضعة لهذا الفعل، وهو موقف اكثر تعقيداً بكثير من ان يجسده  مصطلح واحد شديد التبسيط كمصطلح وقف العنف.

 

جذور العنف

اما الملاحظة الثانية فتشير الى عقم مصطلح "وقف العنف" فيما يتعلق بجذور الموقف الراهن، فهو – اي هذا الموقف – يعود الى عقود تكاد تصل الى قرن من الزمان من عنف استعماري مباشر وغير مباشر طال الشعب الفلسطيني منذ اعلنت ارضه هدفاً لمشروع بناء الدولة الصهيونية العبرية، واذا كان البعض الان يتحدث عن العنف المباشر الذي تسيل فيه دماء الطرفين على نحو غير متناسب باي معيار من المعايير فان التذكرة واجبة بعقود طويلة من العنف المباشر الذي ارتبط من حيث مصدره بالحركة الصهيونية فحسب، بل ان ثمة عنفاً "بنيوياً" اخطر قد ترتب على المشروع الصهيوني، وبالذات منذ تجسد في شكل دولة منذ 1948 تمثل في تشريد ما يقرب من شعب بأكمله خارج وطنه، بحيث عاشت قطاعات واسعة منه في ظل ظروف لعل ضحاياها اكثر عدداً مئات المرات من ضحايا العنف المباشر الراهن، ذلك ان تدني ظروف المعيشة من الناحية الاقتصادية والصحية.. الخ.. يبدو من منظور "العنف البنيوي" اشد خطراً على حياة الانسان وامنه واستقراره من الرصاصات التي تنطلق لتصيب الابرياء في مقتل، وتصيبنا بدورنا بالانزعاج الشديد، مع ان هذه الرصاصات ليست الا محاولة لحماية ما اخطر منها، وهو الاوضاع التي تحميها القوة المستترة وراء اطلاق النار على الابرياء، ومن هنا فان مقاومة اسباب المرض تبدو اهم الف مرة من التوقف عند اعراضه الظاهرية.

ومن عجب ان احداً – وبالذات من القوى الدولية ذات الصلة – لم ينادِ بوقف العنف عندما كان الشعب الفلسطيني ساكناً صامتاً بوقع الصدمة من الفعل الصهيوني او بسبب الامل في حل عربي، ولم يبدأ الحديث عن وقف العنف الا عندما بدا ان مقاومة الشعب الفلسطيني للعدوان الواقع عليه قد اخذت تسبب بعض الالم والضرر للمعتدى، ولذا يجب ان يكون واضحاً ان المطالبة "بوقف العنف" في الظروف الراهنة تساوي المطالبة بوقف مقاومة الاستعمار والاحتلال والعدوان.

 

ما بعد العنف

تشير الملاحظة الثالثة الى امر مهم يغيب عن اولئك الذين يطالبون بوقف العنف، فهم لا يهتمون كثيراً بما بعده، ان اهتموا على الاطلاق. بعبارة اخرى لنفترض اننا سنتفق على ان وقف العنف مطلوب، وانه يخدم الامن والاستقرار والسلام، ويحفظ دماء الابرياء على جانبي الصراع.. الى آخر كل هذه العبارات "الخيرة" هنا نلاحظ ان احداُ لا يكلف نفسه مشقة النظر الى ما هو ابعد من استئناف المفاوضات، فلا احد يسأل عن اية مفاوضات نتحدث. وفي ظل اية موازين للقوى.

لقد انبثقت عملية التسوية التي تم وأدها في ايام باراك الاخيرة من اطار اوسلو الذي مثل لدى البعض املاً في التوصل الى تسوية مقبولة، ولا نقول متوازنة، ناهيك عن ان تكون عادلة، لكن “اسرائيل” اثبتت في اشد حالاتها اعتدالاً ان اقصى ما تستطيع ان تقدمه لا يمكن ان يصلح اساساً لمثل تلك التسوية، فهل يعقل ان تنجح المفاوضات بعد ان قدم الشعب الفلسطيني ما قدمه من تضحيات استناداً الى ذات الاسس القديمة، وذلك بالاضافة الى ان شارون لم يكتفِ بعدم الاعتراف بهذه الاسس، ولكنه نكص عنها، وارتد الى مقولات استعمارية تقليدية من شأنها ان تقضي على اي امل في نجاح المفاوضات بغرض امكان وقف العنف.

وفي الواقع ان ما سبق يمثل المعضلة السياسية والاخلاقية التي ينطوي علهيا مصطلح وقف العنف، فأنصار هذا الملطب يريدون من الفلسطينيين ان يتوقفوا عن ممارسة العنف "اي الدفاع عن النفس او المقاومة" بدعوى الحرص على السلام الذي لن يكون في هذه الحالة سوى غلاف من الهدوء والسكينة للعنف البنيوي المستمر ضد الشعب الفلسطيني منذ ما يزيد على نصف قرن على اقل تقدير، ومن ثم فلن يكون سوى مرحلة مؤقتة تفضي الى انفجار اشد خطراً بكثير مما نشهده حالياً.

 

وقف العنف والحماية الدولية

تنبثق الملاحظة الرابعة والاخيرةب من ان مطالبة الدولة الصهيونية والقوى الدولية المتحالفة او المتواطئة معها للفلسطينيين بوقف العنف تنطوي على تناقض صارخ لا يبدو ان العرب يتحركون على نحو كاف – ان كانوا قد تحركوا على الاطلاق – لكشفه، ذلك انهم – اي الصهاينة وحلفاءهم – يقفون بالمرصاد في الوقت نفسه للمطلب الفلسطيني – العربي بالحماية الدولية للشعب الفلسطيني، ذلك انهم ان كانوا راغبين حقاً في وقف العنف فان احدى الآليات المضمونة لذلك تتمثل في الاستجابة لمطلب الحماية الدولية، غير انهم يريدون الحسنيين: الاحتلال ووقف العنف معاً، فوجود قوات الحماية الدولية على الرغم من انه سوف يحول دون ان يواصل الفلسطينيون مقاومتهم للاستعمار الصهيوني والاحتلال “الاسرائيلي” على نحو ما يجري الآن فانه سوف يكسب المسألة طابعاً دولياً اكيداً قد يصعب النكوص عنه لاحقاً، او على الاقل ستبقى له دلالاته دائماً.

وعلى الرغم من ضآلة الامل في ان تفضي الحماية الدولية ان تمت الى خطوات ايجابية ابعد من ذلك، طالما بقيت موازين القوى على ما هي عليه، فان ثمة احتمالاً في ان تمثل مع خطوات اخرى تطوراً ايجابياً في الوضع الدبلوماسي الفلسطيني والعربي، وكلها دلالات واحتمالات لا يمكن ان ترضى بها الدولة العبرية وحلفاؤها، مفضلين جميعاً ان تلقي الضحية بسلاحها، وتعترف بذنبها، وترضى باستمرار الاسر، وانتظار الفتات الذي سيلقى به اليها على موائد التسوية الشوهاء.

ان الطريق المضمون لوقف العنف – اذا استخدمنا ذلك المصطلح المشبوه – هو رد الحقوق لاصحابها، واذا كان ذلك مستحيلاً بسبب طبيعة المشروع الصهيوني من ناحية، وموازين القوى بينه وبين الفلسطينيين والعرب من ناحية اخرى فلن يكون هناك سبيل الآن او مستقبلاً سوى استمرار المقاومة المشروعة للاستعمار والاحتلال، وذلك اذا استخدمنا المصطلحات الصحيحة، وبعدنا عن تبني ذلك المصطلح المضلل المسمى بوقف العنف.

وعندما يطرح مطلب استمرار المقاومة بل وتصعيدها يتباكى البعض عادة على التكلفة البشرية والمادية الهائلة التي ينطوي عليها مثل هذا المطلب، متهمين المنادين به بالاستهتار بالارواح البريئة للشعب الفلسطيني، ويلفت فريق آخر النظر من ناحية ثانية الى الخلل الفادح في ميزان القوى بين الفلسطينيين والاسرائيليين، الامر الذي سيفضي الى نتيجة محتومة لغير صالح الفلسطينيين والعرب.

وتنبثق المقولات السابقة – بافتراض حسن النية – من عدم المام كاف بخبرة حركات التحرر الوطني المعاصرة، وطبيعة الموقف الاستعماري – التحرري، ان الشعوب لا تناضل وتدفع الثمن الفادح من اجل حريتها لان كاتباً او سياسياً هنا او هناك يدعوها الى ذلك، ولكنها تصل عادة الى نقطة زمنية تدرك فيها ان التكاليف الفادحة التي ينطوي عليها النضال التحرري اهون بكثير من استمرار الوضع الاستعماري، وهذا هو السبب الموضوعي لما رأيناه ونراه من بطولات قد تبدو غير مفهومة لدى البعض في سياق حركة التحرر الفلسطيني الراهنة، تماماً كما كان الامر في حركات تحرر وطني سابقة.

ومن ناحية اخرى فان التذكير مطلوب بان حركات التحرر الوطني قد انطلقت عادة في اطار موازين للقوة المادية مختلة على نحو فادح لصالح المستعمر، ولذلك فانها ابدعت دائماً من الاساليب ما يتناسب وهذا الخلل في موازين القوى، وليس صحيحاً ان تلك الحركات قد لجأت دائماً الى اقصى صور الممارسة للقوة المادية، فبينما هزم الفيتناميون الامريكيين بالقوة المسلحة تغلب غاندي على الامبراطورية البريطانية بالمقاومة السلمية، والمهم ان حركات التحر الوطني قد انتهت دائماً بالانتصار على المستعمر على الرغم من الخلل الفادح في ميزان القوى المادية لصالحه، ولندع مهمة تفسير هذه الظاهرة "كواجب منزلي" لاصحاب الحجج الفارغة علهم يدركون اسبابها التي ادركها وعي الشعوب منذ عقود طويلة من الزمن.

وختاماً فان الاهم من كل ما سبق ان امتناع الشعوب المستعمرة عن "ممارسة العنف" كما يقول المضللون "بفتح اللام الاولى او بكسرها" لم يوفر في اية خبرة استعمارية ماضية ضمانة من اي نوع ضد عنف المستعمر، ذلك انه عرض اصيل من اعراض المرض الاستعماري، بل ان الممارسة المباشرة والبنيوية لهذا العنف كانت عادة هي المعول الذي هدم الافكار المغلوطة عن مهادنة الاستعمار، فهل نطمح اذن الى بلورة خطاب عربي سياسي يضع الامور في نصابها، ويستخدم المصطلحات الصحيحة في وصف موقف ينطوي  على تهديد حقيقي لامن العرب ورخائهم حاضراً ومستقبلاً؟.

المصدر مجلة "الهلال" – القاهرة – حزيران 2001.