القدس: بين الدعاوى الصهيونية وحقائـق التاريـخ :
  اليونيسكو تتبنى مزاعم الصهاينة بأن تاريـــخ القدس يبــدأ باليــهود

القاهرة - مجدي السيد:
الاتحاد الاماراتية
27/3/2001


 مقدمة:

حذر مسؤولون ومفكرون عرب من حملات مكثفة ومنظمة تقودها الحركة الصهيونية في الأوساط العلمية والاعلامية بهدف تزييف التاريخ ومحاولة اقناع الرأي العام العالمي بدعاوى واباطيل لا تمت لحقائق التاريخ بصلة، مؤكدين ان تأثير النفوذ الصهيوني تغلغل في العديد من المؤسسات الدولية ذات الثقل والمصداقية ومن بينها منظمة اليونسكو·

واشاروا - في ندوة نظمها المجلس الأعلى للشؤون الاسلامية بالقاهرة تحت عنوان القدس بين دعاوى الصهيونية وحقائق التاريخ - الى ان الدورية الشهرية التي تصدرها منظمة اليونسكو تحت عنوان رسالة اليونسكو خصصت في عددها الأخير موضوعا كبيرا عن القدس، وجعلت تاريخ المدينة المقدسة يبدأ بالتاريخ اليهودي مخالفة بذلك حقائق التاريخ والواقع والحفريات التي قامت بها سلطات الاحتلال “الاسرائيلي” تحت الحرم القدسي·

 

 

أكد الدكتور عبدالصبور مرزوق نائب رئيس المجلس الاعلى للشؤون الاسلامية ان هدف الندوة تجلية ماران على قضية القدس من ضباب صنعه فساد السياسة في العالم والانحياز الأميركي الأعمى لـ”اسرائيل” ثم العجز العربي الراهن بعد أن أصبحنا في موقف محزن ومخز في آن واحد، حيث نُصفع كل يوم على وجوهنا فلا نتحرك ويراد بنا الشر علنا وجهارا نهارا فلا ننطق·

وأضاف اننا كعرب يجب الا نلوم الغرب فهو صليبي بطبعه وتحكمه الصهيونية، ومن ثم فهو منطقي مع نفسه وبالتالي فنحن الملومون اولا واخيرا ويجب ان نتحرك قبل فوات الأوان وقبل ان نندم في وقت لا ينفع فيه الندم·

 جرائم الصهاينة

واستعرض الدكتور محمد عبدالغني شامة استاذ الدراسات الشرقية بجامعة الأزهر الجذور التاريخية لصراع الوجود في فلسطين بشكل عام مع التركيز بصفة خاصة على القدس منذ نشأتها وحتى ميلاد المسيح ·

وقال الدكتور شامة انه لا يوجد أقسى مما يرتكبه الصهاينة في فلسطين، ولا أبشع من ممارساتهم الوحشية مع أطفال الحجارة، فهم احفاد يوشع بن نون الذي أمر جنوده بأن يحرقوا المدينة أريحا بمن فيها من الرجال والنساء والأطفال كما جاء في كتبهم المقدسة! ولم يقتصر الأمر على حرق أريحا، بل كان هذا شأنهم في كل مدينة استولوا عليها، اذ عندما استولى جيش يشوع على مدينة عاي اطلق اليهود على أهلها فذبحوهم جميعا، وكان عددهم اثني عشر ألفا، ونهبوا كل ممتلكاتهم وبهائمهم، ثم احرقوا المدينة، ولم يتركوها إلا رمادا، وأسروا ملكها وقدموه الى يشوع فشنقه على شجرة وترك جثته معلقة حتى المساء، ثم أنزلها وطرحها عند مدخل المدينة·· وهكذا فعلوا في كل مدينة استولوا عليها، فمن لم يقتل صار عبدا لهم وعاملوه معاملة أقل مما تعامل بها الدواب·

وأشار الى انه قد يقال ان هذه المعاملة كانت سمة العصور القديمة، اذ كان المنتصر يتحكم في اقدار المهزومين، لكن اليهود عاملوا المهزومين بأقسى مما كان معروفا في ذلك العصر في مثل هذه الحالات، يؤيد ذلك ما يفعلونه اليوم مع الفلسطينيين، فلم نسمع في التاريخ الحديث أن مستعمرا قمع ثورة شعب يريد حريته واستقلاله بالدبابات والطائرات والصواريخ، فمشروعية الثورة تحتم على المستعمر ان يكون أكثر حكمة في مواجهتها، حتى لا تشذ ممارساته ضدها عما ارتأته الدول المتحضرة، وصاغته في قرارات وتوصيات اجمعت عليها في منظماتها الدولية·

بلا وطن

ثم تناول الدكتور شامة ادعاءات اليهود بأن أرض فلسطين هي موطن آبائهم واجدادهم، وان من حقهم ان يعودوا إليها ويستردوها بعد ما ضاعت منهم هذه السنين الطوال مؤكدا انها ادعاءات لا سند لها من التاريخ، إذ تنبئنا المصادر التاريخية والدينية ان آباءهم الأوائل لم يستقروا في مكان، فلم يكن لهم موطن ثابت، بل كانوا يرتحلون من مكان الى آخر، شأنهم في ذلك شأن البدو الرحل·

وقال ان لفظ عبري ورد في مواضع كثيرة من التوراة بمعنى الغريب أو الاجنبي وهناك اشارات الى ان اللفظ عبري استخدم على لسان الشعوب التي عاش العبريون بينها بمعنى غريب، فكانوا يطلقون عليهم: العبريين أو العبرانيين ويقصدون بذلك: الغرباء بل ان التوراة نفسها تتحدث عن العبريين بصفتهم غرباء بما يعني ان العبري هو الاجنبي الذي يعيش بين أهل البلد، كما كان حال اليهود في الاماكن التي نزلوا فيها·

وقال ان اليهود ظلوا خاضعين لحكم المصريين زهاء أربعمئة وثلاثين سنة، الى ان خرج بهم موسى عليه السلام، الى سيناء وظلوا يرتحلون في صحرائها من مكان الى آخر - تائهين فيها - مدة أربعين سنة·

وأشار الى ان حقائق التاريخ تؤكد ان ملك اليهود لم يدم إلا نحو 73 سنة، من عام 1048 حتى 975 قبل الميلاد، ولم تكن أرض فلسطين كلها تحت سيطرتهم، بل ان اليهود انفسهم كانوا منقسمين على داود في السنين السبع الأولى من حكمه، اذ لم يجتمعوا على مبايعته إلا بعد سبع سنين من ملكه·

ويقرر جميع المؤرخين انه بعد السبي البابلي انتهى الوجود اليهودي في فلسطين نهائيا، ولم يتمكن اليهود من استعادة كيانهم السياسي، بل عاشوا مجرد طائفة دينية يرأسها كاهن· ومما تجدر ملاحظته ان الباحث في تاريخ الشرق الاوسط يجد انه على طول ما عاش “الاسرائيليون” في فلسطين، وما خاضوا من حروب مع جيرانهم العرب وغيرهم، لم نجد لهم ذكرا في كتب المؤرخين المعاصرين - كبقية الشعوب الاخرى - مما يدل على ان الشعب اليهودي لم يكن سوى شعب قبلي، حروبه عبارة عن غزوات قبلية ضئيلة، يمكن ان تكون اشبه بتلك التي كانت تحدث في الجزيرة العربية في زمن الجاهلية، بل ان التوراة نفسها لم تذكر ان اليهود سيطروا على فلسطين كلها في يوم من الايام، على الرغم من صغر مساحتها·

واستعرض الدكتور عبدالغني شامة تاريخ ونشأة مدينة القدس موضحا انها كانت في الأصل تسمى يبوس لانها كانت عاصمة اليبوسيين، ويذهب بعضهم الى ان الكنعانيين سموها ساليم نسبة الى كنعاني مشهور، وقال الفيروز آبادي : شليم ، و شاليم اسم لبيت المقدس، ومنه اشتق الأوروبيون ٍمٌفَِّّْمي· وأول من احاط المدينة بسورهم اليبوسيون العرب، سكان القدس نحو 2500ق·م ·

وكان اليهود آنذاك بدوا رحلا، يبحثون عن المراعي الخصبة لمواشيهم، ابتداء من شمال العراق حتى مصر· ومن المعروف ان اليهود لم يسكنوا القدس إلا بعد ان استولى عليها الملك داود، وظل عددهم يتأرجح نتيجة الغزوات التي تعرضت لها المدينة من الاشوريين، والبابليين، والفرس، والرومان الذين حرموا عليهم دخولها بتاتا منذ عهد هدريان سنة 135م، ثم سمح لهم صلاح الدين بالمعيشة فيها، مع العلم بأن الصليبيين كانوا قد طردوا جميع اليهود منها· وجدير بالذكر انه لم يكن بها في القرن الثاني الميلادي سوى يهودي واحد على حد قول السائح اليهودي بتاحيا الذي زار القدس في هذا القرن·

كما يذكر لنا علماء الآثار ان أول من سكن القدس قبائل بدائية في العصر الحجري القديم، وقد وجدوا جمجمة موجودة حاليا بمتحف القدس يطلق عليها الانسان الفلسطيني القديم · ويذكر المؤرخون ان الكنعانيين بنوا المعابد الضخمة، والقصور الفخمة في فلسطين· وقد كشفت الآثار عن مدن كنعانية تدل على حضارة هذا الشعب العربي، لكن كان عيبهم الرئيسي هو تفككهم السياسي في شكل حكومات فرعية يحكمها امراء مستقلون، فلم يستطيعوا ضم هذه الحكومات المتعددة تحت قيادة حاكم واحد واقامة دولة كنعانية قوية مما سهل على العبرانيين - فيما بعد - الاستيلاء على اجزاء كبيرة من ارضهم، واحتلالها مدينة بعد اخرى ايام القائد اليهودي يوشع بن نون كما تصفه التوراة، الا انه - مع ذلك - لم يتمكن “الاسرائيليون” من بسط سلطانهم الكامل بصفة دائمة على كل الضفة الغربية للاردن، لان جزءا كبيرا ظل في ايدي الكنعانيين، وظلوا في صراع دائم معهم نحو مئتي عام·

هيكل سليمان

تناول الدكتور شامة قصة هيكل سليمان ومكانه الحقيقي قائلا: كان “الاسرائيليون” منذ أيام موسى عليه السلام حتى عهد داود يقيمون شعائرهم الدينية في خيمة تفك وتركب في أي مكان خيمة الاجتماع ، أثناء ترحالهم من سيناء وتسللهم الى ارض كنعان تدريجيا، فرأى سليمان الاستعاضة عنها بمعبد يبنى من الحجارة، فاختار مكانا على جبل موريا في جنوب شرق القدس·

جاءت الإشارة الى نقل ملكية الارض التي بني عليها الهيكل في سفر صموئيل وفي سفر أخبار الأيام الاولى فتضاربت روايات اليهود عن كيفية انتقال ملكية المكان الذي بني عليه الهيكل وثمنه، فزعموا ان هذه البقعة كانت بيدرا لرجل يبوسى يدعى أرونة ، وان داود اشترى منه البيدر ليقيم عليه مذبحا للرب الهيكل ، فمن قائل انه خمسون شاقلا من الفضة، وآخر يقول انه ستمئة، وإزاء هذا التضارب يتبادر الى الذهن هذا التساؤل: أليس من الجائز ان يكون الكاتب اليهودي أو الكتاب غير المعروفين الذين كتبوا نصوص شراء الملك داود لبقعة الأقصى بعد السبي في صموئيل والاخبار كان هدفهم ان تكون تلك المقولة نقطة تجميع لليهود ليرددوا ان ارض الاقصى هي لهم بحكم ما تعارف عليه جميع الناس وهو البيع والشراء، لا بحكم ما لم يعترف الناس لهم به من انهم الى الابد هم شعب الله المختار؟ وذلك بعد زوال مملكتهم من الوجود باسقاط بابل لها وسوقهم اسرى الى بابل ثم احتلال الفرس لهم، ثم اليونان، ومن اجل هذا جاء التناقض الصارخ بين النصين في ثمن الشراء، الى جانب تناقض نصي الشراء مع مسلك “الاسرائيليين” الفعلي في احتلالهم لما استطاعوا احتلاله من ارض فلسطين بأمر الرب إله “اسرائيل”·· وفعلا فانه مع كل هذه التناقضات فان اليهود على مر العصور - حتى وقتنا هذا - يتغامزون - بل يصرون - على مقولة شراء الملك داود لأرض المسجد الاقصى·

وقال ان “الاسرائيليين” ارادوا نفي قدسية الموقع بالنسبة لليبوسيين، ولذلك جعلوه بيدرا بدلا من ان يشيروا اليه كمعبد، لان المعبد لا يمكن أن يباع ويشترى، وان رواة التوراة انفسهم يشيرون الى ان أرونة كان يعرف الذبح للرب، مما يدل على انه كان يمارسه مع بقية شعبه العربي اليبوسي، وهذا يؤكد ان الموقع استمر معبدا لله العلي القدير طيلة عهد اليبوسيين، ولم يتحول الى ملكية خاصة لفرد لكي يتصرف فيه كما يحلو له، فيقيمه بيدرا أو ما شابه ذلك، انه معبد فقط ومسجد لله تعالى·· ولذلك فان داود عليه السلام قد شرع يعد لإقامة المسجد الاقصى على قواعده السابقة في الموقع نفسه الذي كان معبدا لليبوسيين، ومن هنا فان روايات “الاسرائيليين” في توراتهم حول شراء داود عليه السلام للموقع من أرونة اليبوسي ، وانه كان بيدرا، هي روايات مختلقة اساسا لا صحة لها على الاطلاق·

الحكم الاسلامي

واستعرض الدكتور السيد محمد الشاهد استاذ الدراسات الاسلامية بجامعة الازهر تاريخ بيت المقدس منذ الفتح الاسلامي وحتى زمن الخلافة العثمانية مؤكدا ان بيت المقدس لم يعش فترة من فترات الاستقرار والأمان كما عاشها تحت الحكم الاسلامي

ودلل الدكتور الشاهد على الحق التاريخي للمسلمين في القدس مشيرا الى انه ينقسم الى ثلاث مراحل هي:

أولا: مرحلة الفتح الاسلامي لبيت المقدس: حيث فتح ابوعبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد بيت المقدس عام 16هـ 638م في خلافة عمر بن الخطاب، ودخل المسلمون المدينة بناء على الوثيقة أو العهدة العمرية حيث تذكر بعض المصادر التاريخية ان بطريرك بيت المقدس سوفرونيوس هو الذي كتب وثيقة تسليم المدينة ثم قدمها الى الخليفة عمر بن الخطاب، فوافق عليها عمر ما عدا شرط واحد يمنع اليهود من دخول المدينة، حيث لم يجد عمر بن الخطاب في القرآن الكريم ما يؤيد ذلك الا انه ضمن للنصارى عدم دخول اليهود للأماكن المقدسة أو الاقامة في الحارات التي يسكنها النصارى وتذهب مصادر أخرى الى ان عمر بن الخطاب هو الذي كتب أو أملى هذه الوثيقة التي سميت بالعهدة العمرية نسبة اليه·

ويصف وول ديورانت الموقف الذي تم فيه تسليم المدينة للخليفة عمر بن الخطاب على النحو التالي: قابل عمر البطريرك سوفرونيوس مقابلة ملؤها اللطف والمجاملة، ولم يفرض على المغلوبين الا جزية قليلة وأمن المسيحيين على كنائسهم ويقول المؤرخون المسيحيون انه طاف مع البطريرك بيت المقدس واختار في الايام العشرة التي اقامها فيها موضع المسجد الذي سمي فيما بعد باسمه، ولما سمع ان اهل المدينة يخشون ان يتخذ عمر بيت المقدس عاصمة للدولة الاسلامية عاد الى عاصمته الصغيرة المدينة ·

وجدير بالذكر ان عمر لم يصل في كنيسة القيامة التي كان موجودا فيها عندما حل وقت صلاة العصر حرصا على الا يأتي من بعده من يجعل من هذه الكنيسة مسجدا ولذلك فان عودة عمر الى المدينة وعدم اتخاذه بيت المقدس عاصمة للخلافة الاسلامية وكذلك عدم صلاته في الكنيسة حفاظا على وضعها وملكيتها للمسيحيين، رغم قدرته على عكس ذلك مثلان رائعان لسماحة الاسلام ومراعاة قادته العظام لمشاعر المغلوبين·

وفي المرحلة الأموية بنى عبدالملك بن مروان المسجد الجامع المسجد الأقصى الحالي وكذلك قبة الصخرة عام 688م 64هـ طبقا لما ذكره مجير الدين الحنبلي في الانس الجليل· وفي عام 705م 81 هـ تولى سليمان بن عبدالملك الخلافة بعد ابيه وكان ينوي اتخاذ مدينة القدس عاصمة للخلافة الاسلامية إلا انه عدل عن ذلك مراعاة لمشاعر أهل المدينة النصارى واقتداء بعمر بن الخطاب رضي الله عنه·

وفي عام 969م/ 245هـ استولى المعز لدين الله الفاطمي على القدس، وكان شديد العطف على أهل الكتاب·

ودخل الصليبيون القدس لأول مرة عام 1099م على يد القائد الفرنسي جوفروا وابادوا معظم المسلمين واليهود في المدينة المقدسة واحرقوا ديارهم ومقدساتهم·

واسترد صلاح الدين بيت المقدس من الصليبيين يوم الجمعة 2 اكتوبر عام 1187م وكان يكرم اهل الكتاب طبقا لما ذكره الاديب الألماني ليسنج في كتابه ناتان الحكيم ·

وعاد الصليبيون فيما بعد واحتلوا القدس إلا ان المماليك ظلوا يتناوبون حكم فلسطين مع الصليبيين الى ان خلصت فلسطين للمماليك قرب نهاية القرن الثالث عشر الميلادي في عام 1291م حيث طرد الظاهر بيبرس الصليبيين الى غير رجعة وانهى بذلك كابوس الحروب الصليبية·

وظلت المدينة المقدسة تحت الحكم المملوكي الى ان جاءت الدولة العثمانية في اوائل القرن السادس عشر عندما استولى عليها السلطان سليم الاول عام 1516م، وجاء من بعده السلطان سليمان القانوني الذي حكم الامبراطورية الاسلامية من عام 1520 الى 1566م وهو الذي امر بإعادة بناء أسوار القدس الشريف على النحو الذي نعرفه الآن·

الحق القانوني

وفي اشارته للحق القانوني للمسلمين في القدس تناول الدكتور الشاهد عدة حقائق هي:

أولا: عندما دخل المسلمون المدينة لم يكن فيها يهودي منذ اكثر من خمسمئة عام ولم يبق لهم فيها أي أثر·

ثانيا: تسلم المسلمون بيت المقدس بموجب وثيقة قانونية ارتضاها كل من الطرفين، بطريرك بيت المقدس والخليفة عمر بن الخطاب عن طيب خاطر·

ثالثا: ظلت المدينة تحت الحكم الاسلامي لمدة ثلاثة عشر قرنا ينعم فيها أهل الديانات الثلاث بالأمان على أنفسهم وممتلكاتهم ومقدساتهم ولم يتعرضوا لأي نوع من أنواع الاضطهاد، ناهيك عما يحدث اليوم للمسلمين الفلسطينيين اصحاب الحق من تصفية عرقية ودينية وحصار وتجويع على يد الصهاينة المغتصبين·

واختتم الدكتور الشاهد حديثه مسلطا الضوء على اهم المنشآت الاسلامية التي بناها المسلمون في القدس وهي: المسجد العمري ثم بنى عبدالملك بن مروان مسجد الصخرة عام 72هـ ثم بنى المسجد الأقصى وأتمه ابنه الوليد بن عبدالملك كما بنى بعض المسلمين قبابا ضمن الصخرة وبجوارها منها: قبة المعراج وقبة محراب النبي وقبة يوسف وقبة موسى وقبة سليمان وقبة الخضر ومحراب داود· وقد بنوا اكثر من 24 مسجدا معظمها داخل المدينة القديمة· كما بنوا عددا من الزوايا التي يؤمها الحجاج من مختلف أنحاء العالم الاسلامي، منها الزاوية النقشبندية لحجاج اوزبيكستان والزاوية القادرية لحجاج افغانستان وزاوية الهنود لحجاج الهند كما اسسوا لهذه الزوايا الاوقاف الخيرية التي تغطي نفقاتها· كما انشأوا 56 مدرسة وأوقفوا عليها المصاحف والمخطوطات النادرة، ولا تزال هذه المدارس قائمة حتى الآن بأبوابها الحديدية حول الحرم القدسي·

 الوضع القانوني

وفي تناوله للوضع القانوني لمدينة القدس أشار الدكتور جعفر عبدالسلام استاذ القانون الدولي وامين عام رابطة الجامعات الاسلامية الى ان فلسطين كانت مثل غيرها من الدول العربية حتى نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1919 جزءا من الدولة العثمانية وهي الدولة التي ورثت الخلافة الاسلامية، لذلك فقد كان هدف الحلفاء في الحرب العالمية الأولى تفتيت هذه الدولة والاستيلاء على الأجزاء الأساسية فيها وساعدهم على ذلك كمال اتاتورك باعلانه انتهاء الخلافة العثمانية عام ·1924

وأضاف ان بريطانيا وفرنسا بعد نهاية الحرب العالمية الاولى استحدثتا نظام الانتداب لتبرير سيطرتهما على المنطقة العربية ويعني ان تقوم الدولة المنتدبة أو المحتلة لاقليم ما بالارتقاء بأحوال سكانه حتى تصل الى الحكم الذاتي ثم الاستقلال ووضعت فلسطين في الفئة الأولى بمعنى انها تستحق من وجهة نظر الحلفاء الاستقلال السريع، لكن محاضر جلسات الحلفاء التي تم الكشف عنها بعد فترة تشير الى ان رغبات 600 ألف عربي هم سكان فلسطين في ذلك الوقت لم تكن اهم من مزاعم اخرى تتصل بالصهيونية العالمية والتي رأت ان يكون لليهود موطن في هذا المكان، وفي ذلك تناقض غريب، لكن كانت تلك الخطوة بداية المرحلة التي يمكن ان يؤرخ فيها لمأساة فلسطين، حيث مكنت سلطات الانتداب البريطانية لليهود في فلسطين وسمحت لهم بالبناء وامتلاك المرافق، ولم يسكت العرب على تلك المؤامرة وتوالت حركات الاحتجاج والمظاهرات التي اقضت مضاجع سلطات الاحتلال البريطاني والتي اعترفت في نهاية المطاف عام 1939 بانها اخطأت بالسماح بهجرات “اسرائيلية” واسعة لفلسطين، لكنه كان اعترافا متأخرا، حيث افلت الزمام واتخذ الصراع ابعادا جديدة أكثر دموية وشراسة·وواصل الدكتور جعفر عبدالسلام انه بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بدأت المؤامرات الدولية الكبرى على فلسطين حيث ارسلت منذ عام 1945 لجان دولية عديدة لاستطلاع آراء اهل المنطقة لتقرير مصيرها، ورغم ان آخر تلك اللجان انتهت الى ضرورة استقلال فلسطين وقيام دولة عربية فيها ولا بأس من الاعتراف بتجمع يهودي داخل هذه الدولة، الا ان لجانا اخرى اقترحت تقسيم فلسطين الى دولتين، وصدر بالفعل قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في هذا الصدد والذي اعطى وضعا خاصا للقدس واعتبرها مدولة حيث وضع نظاما دوليا خاصا لها وأوكل لمجلس الوصاية وضع نظام قانوني للمدينة وعين حاكما لها، مشيرا في هذا الصدد الى الفرمان العثماني الذي صدر عام 1852 وهو الذي اخذ به الانتداب ولايزال الاساس الذي يجب ان يحكم هذه المدينة المقدسة حيث اكد حرية ممارسة الشعائر وحرية وصول اصحاب الديانات للأماكن المقدسة فيها وضرورة حماية هذه الأماكن وعدم السماح بالمساس بها·وأوضح ان اليهود استغلوا قرار التقسيم للاعلان عن قيام دولتهم عام 1948 دون اي سند شرعي أو قانوني، ثم توالت الاحداث بعد ذلك في حروب شهدتها المنطقة اسفرت في النهاية عن احتلال “اسرائيل” للجزء الشرقي والغربي من المدينة، مشددا على ان ما حدث في القدس سواء الشرقية أو الغربية هو احتلال حسب القانون الدولي وبالتالي فان الاحتلال العسكري يعتبر حالة مؤقتة لا يمكن ان تنقل سيادة او حقوقا للمحتل، كما انه يجب حماية المدنيين في الاراضي المحتلة حسب اتفاقيات جنيف عام 1949 والتي تنص على ضرورة ان تكون هناك دولة حامية أو قوات دولية لحماية المدنيين لكن للاسف فانه في حالة فلسطين بصفة عامة والقدس على وجه الخصوص، لم يتم تعيين دولة ثالثة لهذا الغرض، كما ان “اسرائيل” ترفض حتى الآن ارسال قوات دولية لهذا الغرض مثلما ضربت عرض الحائط بعشرات القرارات الدولية الأخرى·

واضاف انه رغم الحق القانوني واهميته فانه يصبح بلا قيمة اذا لم تكن هناك قوة تحميه، وبدون تلك القوة لن يمكننا الحفاظ على حقوقنا في القدس وفلسطين، مشيرا الى اننا امام خصم عنيد وشرس حيث لم يسبق في التاريخ ان وجدنا شعبا يواجه قوات مدججة باعتى انواع السلاح بالحجارة·

كلينتون صهيوني

واكد المفكر الفلسطيني الدكتور احمد صدقي الدجاني انه بقدر ما في الصورة الراهنة للواقع العربي الحالي من جوانب مظلمة فان فيها اضاءات مشرقة تتمثل في انتفاضة الاقصى وفي نجاح المقاومة اللبنانية في اجبار قوات الاحتلال “الاسرائيلي” على الانسحاب من الأراضى اللبنانية، مشددا على الاهمية التي مثلتها القمة العربية الطارئة بالقاهرة في اكتوبر الماضي رغم ما عليها من تحفظات خاصة وان العدو “الاسرائيلي” كان قد قرر بمساعدة الولايات المتحدة الاميركية محو النظام العربي وانشاء نظام شرق أوسطي بقيادة “اسرائيلية”·

وأشار الدجاني الى ان الصهيونية تعتبر اشرس حركات العنصرية في عالمنا المعاصر فهي عبارة عن حركة استعمار استيطاني عنصري نشأت في قلب دائرة الحضارة الغربية واستهدفت دائرة الحضارة الاسلامية موضحا ان الصهيونية تنقسم الى شقين اولهما صهيونية يهودية اما الثاني فهو الصهيونية غير اليهودية ومن قادتها ونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، وايضا الرئيس الاميركي السابق بيل كلينتون·

وقال ان الحركة الصهيونية قامت على اساس فكرة وهمية وهي اصطناع قومية لليهود رغم كونهم ينتمون لقوميات متعددة وليسوا شعبا واحدا، ولجأوا في هذا الصدد الى دعاوى ومزاعم كثيرة تهدف في مجملها الى تزييف التاريخ وتلجأ لاساليب متعددة عبر حملات منظمة للتأثير على الرأي العام العالمي وايهامه بصدق هذه المزاعم والخرافات·

واضاف ان تأثير هذه الحملات وصل الى عدد من المنظمات الدولية المحترمة ومن بينها منظمة اليونسكو حيث تضمن العدد الاخير من مجلتها الشهرية المسماة رسالة اليونسكو موضوعا حول تاريخ مدينة القدس يزعم ان تاريخ المدينة يبدأ بالتاريخ اليهودي·

وأكد الدجاني انه رغم نجاح الغزوة الاولى للصهيونية الا انها تعيش حاليا مرحلة انكماش، ويجب على المسلمين ان يرصدوا عوامل واسباب نجاح الصهاينة في تلك الغزوة حيث ركزوا على العلم والتكنولوجيا وتعبئة المشاعر الدينية في الاتجاه الخاطىء·

واكد السفير محمد صبيح مندوب فلسطين الدائم لدى جامعة الدول العربية ان سكان القدس يعيشون حاليا اسوأ أيامهم على الاطلاق ولا يستطيعون الوصول الى اماكن العبادة الا عبر اختراق الجبال والاشواك بل وتتم الصلاة في المسجد الاقصى تحت فوهات البنادق والمدافع·

وأكد صبيح ان جميع الحفريات التي قام بها “الاسرائيليون” والتي بدأت منذ اكثر من مئة عام بتمويل يهودي لم تعثر على اي دليل يؤكد هذه المزاعم ولم تجد سوى اثار كنعانية أو عربية حديثة، ولذلك فقد اكد عالم اثار يهودي اسمه بندوف ان ما ورد عن الهيكل في التوراة هو مجرد وهم لا أساس له من الصحة·