دفعة معنوية لجهاز مطبوع بالفشل

الموساد: حملة تطويع ورزمة أولويات جديدة

محمد عطوي

جريدة العهد25/8/2000


     يُعتبر جهاز الموساد الذراع الطويلة للكيان الصهيوني التي امتدت في الماضي ـ وما زالت تمتد ـ الى أماكن عديدة في العالم من أجل ارتكاب جرائم ارهابية.

     وقد تعرض هذا الجهاز خلال الفترة الاخيرة الى العديد من السقطات والهزات التي أثرت على صورته في الداخل الصهيوني وعلى مستوى العالم.

     من أجل هذا، بدأ قادة "الموساد" حملة واسعة لـ"تبييض" هذه الصورة، وكانت الخطوة الاولى فيها طلب المزيد من المرشحين للانتساب الى هذا الجهاز.

     "العهد" تقدم في ما يلي رؤية صهيونية لخطة انهاض "لموساد" من كبوته، اعتمادا على مصادر صهيونية وغربية متعددة.

     أعلنت المسؤولة الثانية السابقة في اجهزة الاستخبارات السرية الصهيونية "اليزا ماغون" في برنامج سياسي للتلفزيون الصهيوني مؤخرا، ان اكثر من الف مرشح لبوا دعوة أطلقها "الموساد" عبر الصحافة العبرية الى التطوع خلال حملة تجنيد استمرت شهرا واحدا.

     وقالت في برنامج سياسي "ان اكثر من ألف مرشح منهم نسبة كبيرة من النساء لبوا دعوة التجنيد التي أطلقناها قبل شهر عبر الصحافة".

     وأضافت: "ان على النساء الخضوع لجميع تجارب الاختبار المفروضة على الرجال، واذا ما نجحن فيها فسيعني هذا أنهن يتمتعن بمستوى رفيع جدا".

     وأكدت أنها تضطلع بدور على مستوى التجنيد في "الموساد". واذ لم تشر ماغون الى الهدف من قبول طلبات هذا العدد الكبير من النساء، فان مصادر متابعة توقفت مطولا عند هذه النقطة، داعية الى قراءتها بدقة.

     وأوضحت ماغون "ان الموساد يقوم بعشرات العمليات يوميا، أي مئات في الشهر، والآلاف في السنة، وهذا يفترض احيانا     حصول اخفاقات تناولتها الصحافة بالنقد، مع الاسف، في العقد الاخير، بينما كانت في السابق موضع تحليلات داخلية وسرية".

     بدوره أوضح الرئيس السابق للموساد شابتاني شافيت، الذي شارك ايضا في البرنامج، "ان اختيار مرشح واحد من اصل 100 (من بين الذين لبوا حملة التجنيد) سيُعتبر نجاحا. اننا نبحث عن النوعية وليس عن الكمية".

     ومن جهته قال ديفيد كمحي المسؤول الثاني السابق في الموساد، الذي شارك ايضا في البرنامج السياسي: "اننا لا نجند الا الأفضل، لكن من الضروري الاعتراف بأن العمل في الشؤون العامة لم يعد يجتذب الشبان اليهود، كما كان الامر عليه قبل ثلاثين عاما".

     وتقررت الحملة التي أطلقها رئيس الموساد افراييم هاليغي بموافقة رئيس الوزراء ايهودا باراك، والتي حملت بيانات نشرتها الصحف الاسرائيلية "الموساد يفتح أبوابه ليس لجميع الناس، وليس للكثير من الناس، وربما لك أنت". ويتعين على المرشحين الذين سيُختارون لتعزيز صفوف "الموساد"، ان تتراوح اعمارهم بين 25 و35 عاما. وأن "يكونوا ممن تجذبهم المهن المثيرة". وقد طُلب منهم تقديم نبذة عن حياتهم للانخراط في "وحدة خاصة تتطلب كفاءات ومحفزات خارقة". والجدير بالذكر ان هذه "الوحدة الخاصة" التي كان باراك احد قادتها، هي المسؤولة عن العمليات في عمق البلدان العربية والاسلامية.

     وفي تصريح للاذاعة الصهيونية، قال اسحق هوفي الرئيس السابق للموساد: "اننا نحتاج اكثر من أي وقت مضى الى عملاء سريين بسبب المخاطر التي لا تزال تهددنا.. لكننا نواجه منافسة لا هوادة فيها، من عالم التكنولوجيا فائقة التطور، الذي يعرض رواتب وخطة تدرج وظيفي بالغتي الاغراء".

     ويقول غوردون توماس مؤلف كتاب "موساد آكت" (جواسيس جدعون) الصادر عن دار (لختنبيرغ) للنشر: "ان الاستخبارات الاسرائيلية الخارجية "الموساد" تتجه نحو الألفية الثالثة بأمر من باراك، بأن تعيد ترسيخ مكانتها كأعتى وأعند جهاز استخبارات في العالم"، وذلك بعد السقطات الكثيرة التي تعرض لها مؤخرا.

     ويضيف توماس: "ستمحى ذكريات العمليات الفاشلة والفضائح الداخلية عن طريق تنفيذ حملة شاملة ضد الجماعات الاسلامية. وفي حكم المؤكد تقريبا ان قرار استهداف هذه العمليات سيتجاوز حدود الشرق الاوسط ليصل الى داخل اوروبا ـ بل حتى جنوب أفريقيا ـ حيث تحقق (الاصولية الاسلامية) مكاسب مطردة، وقد جرى تحديد عدد من كبار زعمائها لاغتيالهم.

انتهاء عهد

     ومن المؤكد تقريبا ان قرار ايهودا باراك، بث النشاط مجددا في "الموساد" سيعني انتهاء عهد مديرها العام الحالي افراييم هاليفي قبل الأوان. وقد اتسم عهده بسلسلة من الورطات المحرجة، كانت آخرها فضيحة بيرن في سويسرا، حيث جرى القاء القبض على عناصر من الموساد وهي تتجسس على شخص ادعت الصحافة الاجنبية انه من حزب الله. وسيحل مكان هاليفي عميرام ليفين الذي يعمل حاليا نائبا للمدير ومديرا للعمليات في آن واحد. وليفين العضو السابق في "الوحدة 269" الشهيرة في الجيش الصهيوني ـ والمكونة على نمط قوات "ساس" البريطانية ـ خدم في وقت من الاوقات الى جانب باراك، واشتهر الاثنان بقيادتهما غارات "اعتقال وخطف" في مناطق عدة من العالم. وقد أثبت باراك مهارته في التنكر، وذهب الى بيروت ذات مرة في مهمة تجسس لابسا ثياب امرأة عربية.

     وقال باراك ـ متذكرا تلك الايام عن "الموساد" ـ "ان الاقدام على المجازفات جزء أساس من العمل الاستخباري، والجرأة يجب ان تكون صديقتك". ومن المرجح ان تصبح هذه الكلمات شعارا لجهاز "الموساد" ضد أهدافه. ويعتقد الجنرال يوئيل بن بورات، وهو عضو كبير مخضرم في مجتمع الاستخبارات الصهيونية، ان ايام صعود نجم "الموساد" تحت قيادة مئير يميت الملهمة على وشك ان تعود. وكانت تلك هي الفترة التي شهدت تنفيذ "عملية دمقليس"، عندما جرى تحديد أماكن وجود علماء الصواريخ النازيين الذين باعوا مهاراتهم الى مصر في الستينيات وقتلهم. والوقت نفسه الذي ضمن فيه "الموساد" عمليا انتصار "اسرائيل" في حرب الايام الستة قبل اطلاق رصاصة واحدة.

احياء الذكريات

     يريد باراك من ليفين احياء تلك الذكريات، لكنه أيضا نبه ليفين الى ضرورة عدم حدوث أي اخطاء اخرى، كالخطأ الذي وقع عندما حاول عملاء "الموساد" وفشلوا في اغتيال احد قادة "حماس" خالد مشعل، في شوارع العاصمة الاردنية عمان في العام 1997. وقد كانت تلك العملية من بدايتها الى نهايتها تراكما لأخطاء بسيطة. اذ كان فريق "الموساد" التنفيذي عديم الخبرة في استخدام السلاح الذي اختير، وهو مسدس لحقن السم في أذن مشعل. ولم يكن فريق المساندة موجودا في المكان المحدد، وكانت النتيجة ان جهاز "الموساد" واجه اكبر اذلال منذ سنوات كثيرة، عندما اضطر الى ارسال احد أطبائه بالطائرة الى عمان لإعطاء مشعل حقنة مضادة للسم لإنقاذ حياته. وكان على "اسرائيل" ان توافق على ذلك، او تفقد النظام الاردني كصديق رئيسي لها في الشرق الاوسط.

     ويمكن ايجاز الثغرات في الاستخبارات الصهيونية على النحو الآتي، كما وردت على لسان مسؤولي ومحللي الشؤون الامنية في الكيان الصهوني:

     اولا: فقدان وافتقار الشباب اليهودي للانخراط في الاستخبارات الصهيونية، اذ انها تحتاج الى رغبة صادقة وحماسة. وهذا ما يفتقر اليه جيل الشباب اليهودي الجديد، اذ أصبح يقاتل من دون هدف، ويرى ان لا نهاية لذلك القتال.

انهيار الأسطورة

     ثانيا: كانت الاستخبارات الصهيونية في السابق لا تكشف النقاب عن اخطائها، بل كانت تنشر نجاحاتها الكبيرة. وقد صورت "الموساد" كأنه اسطورة لا يمكن قهرها. اما خلال الفترة الاخيرة، فقد بدأت وسائل الاعلام العبرية وغيرها تنشر اخفاقات "الموساد".

     ثالثا: هناك الآن صراع حاد ما بين الموساد ووزارة الخارجية الصهيونية، اذ ان الجهاز الاستخباري هذا كان بمثابة سفارة سرية وخفية للصهاينة في بعض البلدان في العالم. اما الآن، وبعد انفتاح معظم بلدان العالم على الكيان الصهيوني، أصبحت وزارة الخارجية الصهيونية هي المسؤولة رسميا عن العلاقات مع تلك الدول، وذلك بواسطة سفرائها.

     رابعا: لقد وجه زئيف شيف المعلق العسكري لصحيفة "هآرتس" نقدا شديدا الى أجهزة الاستخبارات الصهيونية، التي وصلت في رأيه الى "مفترق طرق لا مثيل له، ويتعلق مفترق الطرق هذا بالأكاذيب المتفق عليها بين رجال الامن والمدعين القانونيين والقادة حول الاسلوب الذي تنتهجه الاجهزة في تحقيقاتها". واعتبر شيف "ان الكذب الملفق قد تطور خلال السنوات الاخيرة".

     خامسا: يرى المحلل دان مرغليت في "هارتس" ان القيادة السياسية ورجال السياسة يتحملون مسؤولية كبيرة عن التدهور الذي حدث في أجهزة الاستخبارات الصهيونية. واعتبر مرغليت "ان القيادة السياسية كانت تعرف اخطاء الاجهزة الامنية، لكنها لاذت بالصمت سنوات طويلة.." ولا شك في ان رؤساء الوزراء الصهاينة كانوا يتخذون الموساد مطية لتحقيق مآربهم السياسية.

     سادسا: ترى صحيفة "عال همشمار" ان اسرائيل تفتقر الى موارد بشرية تؤهلها للاحتفاظ بامبراطورية مصغرة تقوم على جهاز استخبارات فعال. وأن مجموعة أجهزة الامن السرية التي لا تزال تشكل مصدرا للحسد، كبيرة جدا على مقاييس الكيان الصهيوني، وصغيرة جدا على مقاييس "الامبراطورية الاسرائيلية". فالمهام التي تضطلع بها في "اسرائيل" والمناطق المحتلة وفي الخارج، هي مهام كبيرة تتطلب مادة بشرية من نوعية ممتازة. وهذه غير متوافرة كفاية. وفي موازاة ذلك، فالرقابة والسيطرة الحكومية العامة على الاستخبارات بأنواعها وبمختلف أجهزتها، آخذتان في الوهن، لأنها ذات مقاييس تفيض نسبيا عن بنية القدرة السياسية في الكيان الصهيوني.. وقد تحولت "اسرائيل" الى (دولة) لا تعرف كيف تستوعب اجهزة امنها نفسها". وهذا اذن ما يجمع بين قضية بولارد وفضيحة ناقسو وقضية فاعنونو وقضية الباص المخطوف، التي ظهرت فيها جميعا هوامش جهاز سري غير ذي مصداقية وغير عاقل، ويميل الى الهستيريا ويتخذ قرارات خطأ ويتمسك بها بقوة.. وفي النهاية يتورط في مجموعة من أنصاف او أرباع الحقائق والأكاذيب الكاملة. حتى أنه يطمس بأعماله تماما الحد بين المسموح والمحظور. وهذه بوادر مقلقة جدا، تشير الى عدم فاعلية الكثير من الاعمال. انهم لا يقولون الحقيقة، ولا يقدمون أي تقارير الى القيادة السياسية، لأن حجم نشاط الاستخبارات ومكافحة التجسس والامن السري يزيد أضعافا كثيرة على قدرة وزراء الحكومة المسؤولين عن الاستيعاب المتزن.. بلد صغير ومتطلبات استخبارية تمتد الى كل مجال، من شأنه ان ينوء في النهاية تحت عبء ونوعية العملاء السريين، وهو مضطر الى استخدامهم هنا وهناك.

فشل تلو فشل

     سابعا: ماذا حدث لأجهزة الاستخبارات الاسرائيلية؟ هذا السؤال الذي تردد الى ما قبل عدة اشهر بصورة سرية بعيدا عن الأضواء، أصبح الآن يسمع علنا على رؤوس الاشهاد. فالميجر جنرال احتياط شلومو غزيت الذي شغل منصب رئيس شعبة الاستخبارات في الجيش الاسرائيلي قال بالحرف الواحد: "أعتقد انه ليس من قبيل الصدفة ان يُمنى "الموساد" بالفشل تلو الفشل، ويبدو ان هناك نواقص وعيوبا، وأن مستواه قد انخفض قياسا مع الماضي، وأنه لا يتمتع حاليا بقسط كبير من الحكمة والدراية والاتزان لدى اتخاذ القرارات. كما أن قيادته، سواء على الصعيد الاستشاري او التنفيذي، ليست على قدر كاف من الكفاءة العالية".

      ثامنا: يرى رفائيل ايتان مستشار رئيس الحكومة لشؤون الارهاب سابقا، والذي أعفي من منصبه على خلفية قضية الجاسوس الاميركي بولارد، والوزير السابق: "ان الجهاز الامني في اسرائيل ليس على وعي كاف بالتطورات والمستجدات، ولذلك يجب البحث عن أدوات وأساليب حديثة تناسب الواقع الجديد. واذا لم يتكيف الجهاز مع المستجدات، فان اسرائيل ستجد نفسها في محنة".

     تاسعا: يرى اللواء احتياط سكومو غامزيت رئيس شعبة الاستخبارات سابقا، أنه "جرى استغلال الاستخبارات بشكل غير نزيه لأغراض السياسة الاعلامية للقيادة السياسية، الامر الذي يلحق الضرر بالاستخبارات. وأنا أشعر بالارتعاد عندما أرى رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية يقف في مؤتمر صحافي ويؤكد قول احد رؤساء الوزراء عن الضوء الاخضر الذي أصدره الرئيس عرفات لرجاله من اجل القيام بعمليات (ارهابية).. كيف يحدث أمر كهذا؟".