التطبيع الثقافي خطر يهدد ثقافتنا العربية الاسلامية

د· محمد علي الفرا

عضو المجمع الملكي لبحوث الحضارة - عمان

الاتحاد الاماراتية 22/4/2000


في البداية أود أن أستهل مقالي هذا بالتنويه بالمؤتمر الشعبي الخليجي لمقاومة التطبيع مع الكيان الصهيوني الذي نظمه أخوة كويتيون من ابرزهم الدكتور عبدالله فهد النفيسي أمين عام المؤتمر، والذي سعدت بزمالته حينما كنت أعمل أستاذاً بجامعة الكويت، ولازلت أكنّ له كل محبة ومودة، وأقدّر له الكثير من مواقفه الجريئة وآرائه النزيهة وتمسكه بمبادئه النبيلة· وكانت سعادتي غامرة وأنا أشاهده في برنامج بلا حدود على محطة الجزيرة الفضائية مساء الأربعاء 21/4/2000·

إن عقد هذا المؤتمر في الكويت يؤكد على أن هذا البلد تجاوز محنته واسترد صحته واستعاد عافيته، وعاد ليثبت أصالته ويؤكد عروبته التي حاول الأعداء اخراجه منها مستغلاً الغزو العراقي في اغسطس 1990، وقد بذلت اسرائيل من الجهود للتقرب من الكويت على أمل جذبها الى دائرتها وابعادها عن محيطها العربي كي تتوقف عن دعمها للقضية الفلسطينية التي كان الكويتيون يولونها بالغ اهتمامهم ويقدمون لها كل دعم وتأييد ومساندة·

توقيت المؤتمر:

إن عقد هذا المؤتمر في زمن تعاني فيه أمتنا العربية من تردٍ وانحطاط وتدهور وانقسام وتتصدى للتحديات الكثيرة التي تواجه الوطن العربي، يدل دلالة واضحة على أن هذه الأمة لم تمت كما يريد لها أعداؤها، وأنه لايزال فيها الكثير من الافراد والجماعات التي ترفع مشاعل الأمل لتنير هذا الليل المظلم، وتتحمل هموم الأمة دون كلل أو ملل، غير آبهة بالمخاطر التي تتهددها وغير حافلة بالعقبات التي توضع في طريق مسيرتها·

ان هذه الفئة المجاهدة والمؤمنة برسالتها والمتشبثة بعروبتها، والمتمسكة بدينها، والواثقة بأصالة أمتها ينطبق عليها قول الرسول صلى الله عليه وسلم: لاتزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة· وفي أمثال هؤلاء قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر·

وربما كان من أهمية هذا المؤتمر أنه عقد في وقت حرج وحساس حيث تتسارع فيه وتائر وايقاعات التطبيع بين اسرائيل واقطار عربية، ويتم معها تبادل الوفود الرسمية والشعبية وتنشط الزيارات الودية، وحيث تقوم وسائل الاعلام العربية بما فيها بعض المحطات الفضائية بتطبيع اعلامي مع الصهاينة، وحيث تسمع بين الحين والآخر أصوات ناشزة تدعو للتطبيع غير حافلة بمشاعر الأمة، وحيث ينشط كتاب مغمورون بالدعوة في كتبهم ومقالاتهم الى مراجعة تاريخ الصراع العربي - الاسرائيلي، واعادة كتابته، وذلك استجابة لدعوات اساتذتهم الصهاينة الذين اطلقوا على انفسهم مصطلح المؤرخون الجدد، وهدفهم من هذه الدعوة واعادة الكتابة محو الذاكرة العربية من الأعمال الاجرامية التي ارتكبها اليهود الصهاينة في فلسطين والبلاد العربية وابدالها بذاكرة جديدة تمجد الصهاينة، وتصور مخططاتهم العدوانية بأنها مشروع حضاري حديث، وترحب بهم وتبارك احتلالهم لأرضنا، وتؤيد سيطرتهم على موارد وثروات الأمة العربية·

التطبيع لايكتمل الا بتطبيع ثقافي:

لقد حقق الصهاينة نجاحاً في التطبيع السياسي مع عدد من البلاد العربية، وتم تبادل السفراء بين اسرائيل وكل من مصر والأردن وموريتانيا، ولازالت المساعي تبذل لفتح المزيد من السفارات بعد أن تتوصل سورية ولبنان واسرائيل الى اتفاقيات سلام· وفي الوقت نفسه افتتحت الكثير من المكاتب الاسرائيلية في عدد من الاقطار الخليجية والمغربية· وفي الميدان الاقتصادي فقد قطع التطبيع مع اسرائيل شوطاً بعيداً، فالسلع الاسرائيلية اليوم تغزو جميع الأسواق العربية، وعلى المكشوف، وأصبحت المقاطعة العربية في خبر كان، ومن مخلفات الماضي التي عفا عليها الزمن· وزيادة على ذلك اقيمت مشاريع عربية - اسرائيلية مشتركة مما يدل على أن التطبيع الاقتصادي بلغ مداه·

لم يبق من العقبات التطبيعية أمام اسرائيل إلا التطبيع الثقافي والذي يمثل التعاون أو التطبيع الاعلامي جسره الموصل ورأس حربته· ولذلك نعتبر التطبيع الاعلامي في غاية الأهمية والخطورة لأن الاعلام لازال الموجه الأساسي والرئيسي للفكر والثقافة في عالمنا العربي·

ان التطبيع الثقافي لازال مستعصياً على اسرائيل رغم محاولاتها الدائبة والمستمرة، ورغم مثابرة ملحقيها الثقافيين في سفارتيها بالقاهرة وعمان في اقامة تعاون بين الجامعات والمعاهد في البلدين بمسميات مختلفة وتحت غطاء علمي، ومنها الطلب من رؤساء الجامعات والعمداء ورؤساء الاقسام العلمية في الجامعات والمعاهد دعوة نظرائهم الاسرائيليين، وقبول دعواتهم لزيارة الجامعات والمعاهد والمؤسسات العلمية في اسرائيل· وقد واجهت ذلك حينما أوكلت إليّ رئاسة جامعة العلوم التطبيقية في عمان·

إنه لممّا يبعث الأمل والرجاء في أمتنا العربية أن كثيراً من المؤسسات الثقافية والجمعيات العلمية والتخصصية والنقابات المهنية التي تشمل الكتاب والأدباء والصحافيين والحقوقيين والمهندسين والفنانين في البلاد العربية لاتزال ترفض التطبيع وتقاومه بكل أشكاله وألوانه، ومنها من يعاقب كل عضو يخالف ذلك·

ولا شك في أن اسرائيل تدرك أهمية التطبيع الثقافي مع العرب وما يحققه لها من مكاسب، وما تعلقه عليه من آمال وتطلعات، فبدون تطبيع ثقافي يصبح التطبيع الشامل ناقصاً وغير مكتمل· والتطبيع الثقافي هو تتويج لعملية التطبيع الكامل، ويؤدي الى فتح المزيد من الثغرات في جدار الرفض العربي لكل تعايش مع المعتدين الصهاينة، وانهيار ما تبقى من حاجز نفسي يحول دون قيام علاقات طبيعية كاملة ومستقرة ثابتة· وهذا ما يبدو لنا صعباً مادمنا نومن بأن الصهاينة يحتلون أرضنا وشردوا شعبنا ويحرمون أهلنا من حق العودة الذي تقره جميع القوانين والشرائع ونصت عليه قرارات الأمم المتحدة بدءاً بالقرار رقم 194 لعام 1943، وماداموا يرفضون إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة كاملة على أرضها وشعبها وتكون القدس عاصمتها·

إن رفض العرب للتطبيع الثقافي يحمل الكثير من الدلالات التي من أهمها نـفي الوجود الاسرائيلي في المنطقة العربية مما يؤدي الى تحويل معاهدات السلام المبرمة مع اطراف عربية والتي ستبرم في المستقبل مع آخرين الى اتفاقيات سلام مفرغة من محتواها أو هدنة طويلة الأمد، لاتنهي الصراع العربي - الاسرائيلي، وإنما توقفه الى حين وترحله الى المستقبل لتقول الاجيال القادمة كلمتها، وتحدد موقفها، وتؤدي دورها·

متطلبات التطبيع الثقافي ومستلزماته:

من المعروف بأن لليهود تفسيراتهم وتأملاتهم الخاصة للنصوص والمفاهيم بما يخدم أهدافهم، ولذلك فإن للتطبيع الثقافي عندهم تقارير وتأويلات تترتب عليها طلبات ومتطلبات قد تكون خافية على الكثيرين منا وحتى على الداعين له والمشجعين عليه· فإذا كان التطبيع السياسي يتطلب افتتاح السفارات وتبادل السفراء· واذا كان التطبيع الاقتصادي يستلزم شطب القوانين التي كانت تمنع دخول السلع والبضائع الاسرائيلية، وتحول دون تحرك قوة العمل ورؤوس الأموال واقامة المشاريع الاقتصادية المشتركة بين العرب والاسرائيليين، فإنه وبموجب التطبيع الثقافي يصبح من حق اسرائيل مطالبة العرب بإعادة النظر في التاريخ العربي والاسلامي وجميع الأعمال الأدبية والثقافية والفنية والشؤون الدينية التربوية والتعليمية، وحذف جميع الروايات والاحداث والنصوص التي لاتعجب الاسرائيليين· اي انه يتوجب على العرب ان يشطبوا من تاريخهم القديم والوسيط والحديث، وان يلغوا من آدابهم وفنونهم كل ما لاترضى عنه اسرائيل ونعتقد بانه يسيء لليهود·

وانه على العرب أيضاً تغيير رواياتهم للتاريخ المتعلقة بالصراع العربي - الاسرائيلي فيحذفون كلمات يعتقدون بأنها تُهيّج النفوس مثل الغزو الصهيوني لفلسطين ويستبدلونها بعبارات يقبلها الاسرائيليون مثل عودة بني اسرائيل الى أرض الميعاد التي وعدهم الرب بها، وحتى يعيدوا- وكما يزعمون- بعث أمجادهم الغابرة، ويحيوا مملكتهم الداثرة · وأن على العرب أن لا يذكروا في كتبهم ونشراتهم ومطبوعاتهم المجازر والأعمال الإرهابية التي ارتكبها الصهاينة في فلسطين والبلاد العربية بحجة أن ذكرها ينكأ الجروح ويعبىء القلوب ويهيج النفوس ويعكر الأجواء ويهدد السلام·

وحتى يؤكد العرب الولاء لليهود- كما فعل الأوروبيون والاميركيون من قبلهم- وحتى لايتهموا باللاسامية- على الرغم من أن العرب ساميين- فإن عليهم تضمين كتبهم ومناهجهم الدراسية الادعاءات الصهيونية، مثل الادعاء بأن اليهود تعرضوا على مر العصور للاضطهاد والمذابح (الهولوكوست) والمحارق والتي كان آخرها وأبشعها مذابح ومحارق المانيا النازية بزعامة هتلر إبان الحرب العالمية الثانية، والتي يزعمون بأنه راح ضحيتها نحو ستة ملايين يهودي· والويل كل الويل لمن يشكك ويطعن في صحتها أو حتى يقلل من عدد الضحايا، ومصيره سيكون كمصير كل من المفكر الفرنسي روجيه جارودي والمؤرخ البريطاني ايرفنج واللذين وجهت لهما تهمة اللاسامية وقدّما للمحاكمة وصودرت كتبهما·

وعلى العرب أن يعيدوا النظر أيضاً في آدابهم فيحذفوا الأشعار والنصوص والروايات التي لا يرضى عنها اليهود · وحتى يصبح التطبيع الثقافي مؤكداً وحقيقياً وصادقاً فإن على العرب أن يحذفوا من كتبهم المدرسية جميع الآيات القرآنية والاحاديث النبوية الشريفة التي تهجو اليهود وتذمهم وتتوعدهم وتتهمهم بالكفر وعصيان الله وانبيائه ورسله لأن بقاءها من وجهة نظرهم يسمم عقول الناشئة ، ويولد الكره والبغض لليهود ويحول دون التعايش بينهم وبين العرب·

وقد يظن البعض بأننا نبالغ فيما نقول وأننا نكتب دون سند أو اثبات ولهؤلاء نقول سائلين: ألم يطلب اليهود هذا من المسيحيين في الغرب؟ و··· ألم ينجحوا بالفعل في الزام المسيحيين الغربيين بحذف جميع الأدعية التي تلعن اليهود في صلواتهم؟ و··· ألم يجبروا الفاتيكان على تبرئة اليهود من دم المسيح على الرغم من أن رئيس حاخامات اليهود آنذاك قيافا حينما تردد الحاكم الروماني بيلاطس في صلب المسيح بناء على طلب اليهود - كما تقول المصادر المسيحية بما فيها الأناجيل- قال (قيافا) دمه علينا وعلى أولادنا · فما كان من بيلاطس الا أن قام بغسل يديه بالماء قائلاً بأنه بريء من هذا - يعني دم المسيح· ثم ألم ينجح اليهود في ايجاد مسيحيين في الغرب يؤمنون بالافكار الصهيونية ويعملون من أجل تحقيقها ، وكان منهم ارثر بلفور صاحب الوعد المشؤوم في عام 1917 ورئيس الوزراء آنذاك لويد جورج و ونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا في الحرب العالمية الثانية؟ وقد اطلق على هؤلاء المسيحيين الغربيين مصطلح: المسيحيون المتصهينون · ألم ينجح الصهاينة في تكوين ما يسمى بجماعة شهود يهوه ؟ ويهوه كما يعلم الجميع هو إله اليهود· وشهود يهوه منتشرون اليوم في العالم ويدعون بحماس بالغ للأفكار والطروحات الصهيونية· والاسرائيليون يأملون في ايجاد عرب ومسلمين متصهينين ؟ ألم يدخلوا في الاسلام الكثير من الروايات التي تعرف بالاسرائيليات، واستطاعوا بها تشويه الاسلام والتاريخ الاسلامي؟

ليس بمستغرب ان يطلب الاسرائيليون من العرب بموجب فهمهم هم للتطبيع الثقافي أن يحذو حذو البابا حنا بولس الثاني فيعتذرون لليهود ويطلبون منهم الصفح والغفران على ما فعله المسلمون بيهود المدينة من قبائل بني قينقاع وبني قريظة وبني النضير وبني حنين والذين أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن الجزيرة العربية لأعمالهم العدوانية ونكثهم للعهود وخيانتهم للمسلمين وانحيازهم للمشركين· وقد يقبل هذا الاعتذار اذا كان مقدمة لتعويضات ينبغي على العرب دفعها لاسرائيل لقاء الاضرار التي لحقت بيهود المدينة بسـبب هذا الاجلاء··· ألم يطـالبوا الأوروبيين بتعويضات عن أضرار قالوا بأنها اصابت اليهود في اثناء الحرب العالمية الثانية ؟· وقد يقول قائل بأن ذلك مستحيل، لأنه وحتى لو صحت مزاعم كهذه ، فإنه تكون قد سقطت بتقادم الزمن ، فقد مضى على إجلائهم من المدينة نحو 1400 عام · ونحن نقول بأن اليهود يقولون بأن الحقوق لا تسقط بالتقادم، وهم يجدون في الغرب والشرق من يدعمهم ويؤيدهم، والدليل على ذلك دعم القوى الغربية وبخاصة بريطانيا للمزاعم الصهيونية بعودة اليهود الى وطنهم فلسطين ، واعادة بناء دولتهم التي لم تدم الا بضعة عقود وزالت منذ ثلاثة الاف سنة · ألم ينجحوا في اختلاق تاريخ قديم لهم محوا بموجبه تاريخ الوجود العربي القديم في فلسطين والسابق للوجود اليهودي وسوقوه بنجاح في كل مكان وحتى علينا وعلى كتابنا ومؤرخينا الذين نقلوا حرفياً عن المؤرخين الغربيين التوراتيين · ومن يشك في قولي هذا فهناك الكثير من المراجع العلمية التي تؤكد ما أقول ولعل من أهمها كتاب صدر في نيويورك عام 1996 وعنوانه اختلاق اسرائيل القديمة : اسكات التاريخ الفلسطيني· وهو من تأليف الدكتور كيث وايتلام وصدرت ترجمته في سلسلة عالم المعرفة، العدد رقم 249 في شهر سبتمبر 1999م·

التطبيع الاعلامي مقدمة لتطبيع ثقافي:

وربما كان مما يؤلمنا وجود نفر منا ينادي بالتطبيع الثقافي مع اسرائيل، ويطالب بإعادة كتابة التاريخ لينسجم مع الطروحات الاسرائيلية، وقيام محطات فضائية عربية باستضافة صهاينة في بعض برامجها ونشراتها الاخبارية· وقد سبق وحذرنا من هذا في مقال سابق لأننا نعتبره بداية لتطبيع اعلامي يؤدي الى تطبيع ثقافي، فالمثل الشعبي عندما يقول بأن أول الرقص حجلان· واذا كان هناك من يقول بأننا يجب أن نتعرف على طروحاتهم وان لا ندس رؤوسنا في الرمال كما تفعل النعام فنرد عليهم قائلين بأن آراءهم معروفة لنا جيداً ويكفيهم انهم يسيطرون على جميع وسائل الاعلام العالمية فلماذا نمكنهم من وسائل اعلامنا، ونعطيهم المجال ليتحدثوا ويطرحوا افكارهم المعادية لنا في عقر دارنا· ونأمل ان لا تكون هناك قوى أجنبية توجه سياسة هذه المحطات أو تشترك في توجيهها·