بعد مئة عامة على مؤتمر بازل *

الفصل الاول:
القضية الفلسطينية والصهيونية والولايات المتحدة.
اليهود والولايات المتحدة : العروة الوثقى.
مستقبل الحلف الامريكي - الاسرائيلي.
مراحل القضية الفلسطينية.

الفصل الثاني :
القوة اعجز من ان تملي الهوية والصيغة القومية.
اتفاق اوسلو : مقدمات وآفاق.
الاستيطان الزاحف.
عودة الى كلينتون.
خاتمة.

 


 

القضية الفلسطينية والصهيونية والولايات المتحدة

صادفت هذا العام الذكرى المئوية لافتتاح المؤتمر الصهيوني الاول في كازينو بلدية بازل في سويسرا ، في التاسع والعشرين من أغسطس / آب عام 1897، بدعوة من الصحافي اليهودي الهنغاري ثيودر هرتسل واضع الحجر الاساسي للمنظمة الصهيونية التي انبثقت عنها "اسرائيل" بعد نصف قرن، وهي المنظمة التي ما زالت تمد الدولة اليهودية منذ لحظة ولادتها الى يومنا هذا، بكل أصناف المؤازرة والدعم.

وبأفتتاح المؤتمر الصهيوني الاول، وبتأسيس المنظمة الصهيونية، زرعت بذور ما سمي بالقضية الفلسطينية، والأدق ان يسمى بالصراع العربي الصهيوني، الذي انطوى على ما انطوى عليه من سعي دؤوب عنيد من قبل الصهيونية لقلب موازين القوى الراهنة في فلسطين وجوارها رأساً على عقب، ولإحداث ثورة جذرية في الاوضاع القائمة فيها على المستويات كافة وعلى حساب شعوبها، بحيث غدت "اسرائيل" اليوم، بعد مئة عام، وعبر سلسلة من التطورات المحلية والإقليمية والدولية، وما رافقها من ويلات وحروب، الدولة العظمى في موضع القلب من الوطن العربي بين محيطه وخليجه، وباتت الامة العربية امام خطر ادعى واعظم من كل ما سبق ان هددها منذ اندحار مجمل مصير المشرق العربي ومستقبله.

واستند الفكر الصهيوني في كل هذا (وحتى العلماني منه) الى مقدمة ( Premise) اساسية عجيبة: مفادها ان الصلة التاريخية القديمة بفلسطين وان انقطعت منذ آلاف السنين، تمنح اليهود المعاصرين اليوم، حيثما كانوا, أحقية في الحقوق السياسية المصيرية تعلو على حقوق سكان فلسطين وجوارها من غير اليهود منذ آلاف السنين. وتبرر اقتلاعهم والحلول محلهم باسم "إحقاق الحق"، عن طريق ما سمي "بعودة" اليهود من "شتاتهم" الى البلاد "الأصل".

واستمد الفكر الصهيوني الدعم المعنوي لهذه المقدمة من نظرة الاستعلاء على سائر الشعوب، المتأصلة، في رأي البعض، في النفس اليهودي انطلاقاً من القناعة المتوارثة لهم بأن الشعب اليهودي انما هو شعب الله المختار، كما استمده من استساغة الغرب لهذه المقدمة لاكثر من اعتبار ديني ودنيوي.

وهكذا رفض الفكر الصهيوني منذ المؤتمر الصهيوني الاول رفضاً قاطعاً اي ربط بين الفعل الصهيوني البادىء وبين ردة الفعل العربية التالية له، واعتبر منذ ان رأى النور ان حصانته المعنوية تجاه من ستقع وطأته عليهم امر مسلم به سلفاً, بل حق ازلي لليهود لا جدال فيه ولا نقاش .

وبعد، عندما نستعرض القرت السالف الذي مرت الصهيونية به منذ 1897، ونستشرف القرن المقبل من الصراع معها، خليقُ بنا ان نذكر ان الشعب اليهودي هو اليوم شعب امريكي من حيث العدد، والثروة المادية والبشرية، والنفوذ السياسي، وهو جزء عضوي من المجتمع الامريكي، ومن النخبة السياسية والاجتماعية والفكرية والاقتصادية فيه، وهو متعاطف تعاطفاً كلياً مع "اسرائيل"، ومؤيد لها تلقائياً مهما فعلت، وهو قادر تنظيماً ونفوذاً وموارد ان يؤثر في اية ادارة امريكية حالية او مقبلة تأثيراً حاسماً لمصلحة اسرائيل، كما فعل في الماضي، ولقد نجح نجاحاً لا حدود له في تدجين الكونغرس الذي اصبح اداة طيعة بين يديه، وان الصراع الصهيوني العربي اصبح جزءاً من اللعبة السياسية الامريكية الداخلية، لا علاقة لاعتباراتها بحقائق الميدان السياسي المشرقي، وان المال الذي يتدفق على "اسرائيل" من حكومة الولايات المتحدة اصبح اليوم أضعاف ما ترسله المؤسسات الصهيونية، وان لا رقابة او محاسبة على انفاق هذا المال، وان لا سياسة لواشنطن في صراعنا مع تل أبيب سوى سياسة تل أبيب، وان الممول لاحتلال جنوبي لبنان وللاستيطان في القدس والجولان والضفة والقطاع هو واشنطن، وهي المحافظة على تفوق "اسرائيل" العسكري النوعي والكمي, والمتغاضية عن برنامجها النووي، والمدافعة عنها في هيئة الأمم، والمعاقبة لكل من تصدى لها، والراعية لجعل "اسرائيل" القطب المهيمن على مشرقنا من خلال معاهدات ثنائية بينها وبين كل بلد عربي، على انفراد، وان الكلام عن امريكا كوسيط نزيه، هراء، والقول باهتمام امريكي جدي بتسوية عادلة، خرافة، وان الحكومة (وليس الشعب الامريكي الساذج الطيب المرفه المعني اولاً واخيراً بالبيسبول والفوتبول وكرة السلة)، منحازة انحيازاً شبه كلي بسبب ما اسلفنا، وان هذا الوضع باقٍ لن يتغير، واننا بالتالي في صراع ليس مع "اسرائيل" والصهيونية ولا مع هذه الادارة او تلك ولكن مع الحكومة الامريكية بالذات اليوم وغداً وبعد غد، واننا دخلنا بالفعل عهد الانتداب الاسرائيلي - الامريكي الثنائي على مشرقنا, وان ما هو آتٍ لن يكون اقل هولاً مما فات.

لم ألقِ الكلام عن الوضع اليهودي الامريكي على عواهنه تفريجاً عن مشاعر غضب او إحباط مخزونة في الصدر، ولكنها قناعة وصلت اليها بعد عقدين من الاقامة المتصلة في الولايات المتحدة قضيتهما في الدراسة والبحوث والنقاش والمراقبة والتأمل في لبّ العلاقة بين الصهيونية وامريكا.

وفحوى هذه القناعة ان ما يمكن تسميته "بالعنصر الامريكي" انما هو طرف رئيسي بل الطرف الرئيسي في ميزان القوى في صراعنا مع الصهيونية.

ولقد رافق هذا العنصر نمو الصهيونية منذ بداياتها، وازداد استفحالاً مع الزمن، الى ان وصل الى ذروة نفوذه، وسلطانه اليوم.

اليهود والولايات المتحدة: العروة الأوثق

ولا يخطرنّ ببال احد انني بالتركيز على فاعل خارجي انما احاول ايجاد الذرائع لتقصيرنا الذاتي، فمن تحصيل الحاصل وأبده البداهة ان مدى نجاح الصهيونية وحليفها الاكبر العنصر الامريكي مرآة صادقة لتقصير القيادات الفلسطينية وسائر القيادات العربية على مر العقود، وان نقطة البدء هي في لوم الذات ومحاسبة النفس حساباً عسيراً، بيد انه من العزم ايضاً ان نتفحص القوى التي تجابهنا لتبيان خصائص هويتها.

اما الذي اعنيه بعبارة: "العنصر الامريكي" فهو الثلاثي المؤلف: من السلطتين التنفيذية والتشريعية الامريكيتين مضافة اليهما المؤسسة اليهودية - الامريكية.

 ولقد اتخذ هذا الثلاثي كما اسلفنا  صفة بنيوية ثابتة راسخة على خارطة السياسة الامريكية في ما يتعلق بصنع القرار الخاص بالصراع العربي الصهيوني، وغدت المؤسسة اليهودية - الامريكية، بحكم الواقع، وكأنها سلطة دستورية ثالثة، لها من النفوذ في هذا الشأن ما للسلطتين الأخريين، بل هي غالباً اكثرهم نفوذاً: دفعاً وضبطاً توجيهياً وايحاء.

وتعود قوة المؤسسة اليهودية - الامريكية (التي لا يمثل اللوبي اليهودي الا جزءاً واحداً من اجزائها) الى اسباب عدة: منها ما هو مرتبط بخصائص الجالية اليهودية الامريكية نفسها، ومنها ما هو مرتبط باعتبارات دينية وتراثية واجتماعية امريكية عامة. اما الاسباب المرتبطة بخصائص الجالية اليهودية، اضافة الى ما ذكرت لتوي، فمنها: قوة العصبية اليهودية لاسرائيل والصهيونية وصلابتها، وحسن التنظيم الشعبي والتعبوي اليهودي وإحكامه على كامل رفعة القارة الامريكية، وسخاء الفرد اليهودي في العطاء لمؤسساته، قياساً بمستوى عطاء الفرد الامريكي العادي، وعلو مستوى التصويت اليهودي وانضباطه في انتخابات الكونغرس والرئاسة، قياساً بمستوى تصويت سائر الجاليات الامريكية، وتوزع الجالية اليهودية على ولايات معينة ذات اثر خاص في نتائج الانتخابات، وقوة الحضور اليهودي في وسائل الاعلام عامة, وممارسة القيادات اليهودية بحزم ومثابرة لسياسة الترغيب والترهيب تجاه السياسيين الامريكيين كافة في ما يخص "اسرائيل" والصراع العربي الصهيوني.

اما الاعتبارات الامريكية العامة المساعدة فمنها: تراث بروتستنتي راسخ في الضمير الامريكي معتمد، خلافاً للكاثوليكية، على العهد القديم اكثر منه على العهد الجديد، وجهل تام مطبق عن العرب والاسلام وعن تاريخ فلسطين منذ العهد القديم ، وعقدة ذنب عائدة الى نظرة خاصة الى اليهود بصدد شأن صلب السيد المسيح، والى اللاسامية الغربية التي افضت الى المحرقة، وكون المجتمع الامريكي مجتمعاً مهاجراً استيطانياً اقتلاعياً شبيهاً بالمجتمع الصهيوني في فلسطين، وصورة ذهنية مزمنة عن "اسرائيل" على انها دولة صغيرة ديمقراطية صديقة للغرب نوت الدولة العربية القضاء عليها ظلماً وبهتاناً، بمساعدة السوفيات، وهي اليوم مهددة بالفناء من قبل اسلام اصولي حل محل السوفيات عدواً للغرب.

فاذا اضفت الى هذه الاسباب والاعتبارات غياباً تاماً كاملاً ناجزاً لاي نشاط سياسي فعال للجالية العربية الامريكية المشتتة الشمل والارادة، وغياباً تاماً كاملاً رديفاً مماثلاً لجامعة الدول العربية ومنظمة التحرير والسفارات العربية الاحدى والعشرين، فلم يعد سؤالنا: كيف استطاعت المؤسسة اليهودية الامريكية ان تصل الى ما وصلت اليه من اسباب القوة والنفوذ، وانما: لم لا تصل اليه؟

وانعكست، داخل الثلاثي الذي ذكرت، على السلطة التشريعية، ذلك ان اعضاء الكونغرس ليسوا في موقع المسؤولية، وهم بالتالي اكثر عرضة للاعتبارات الانتخابية الصرفة, ثم ان وتيرة الانتخابات للكونغرس بحيث تنتحب شريحة من اعضائه مرة كل سنتين تفسح المجال للضغط عليه دونما انقطاع. وهكذا غداً الكونغرس ، كما اسلفنا، اداة طيعة في يمت بصلة الى "اسرائيل"، بين يدي المؤسسة اليهودية - الامريكية، لا يكتفي بالتجاوب مع رغبات هذه المؤسسة، بل هو يحاول استباقها تزلفاً واسترضاء.

فمثلاً: في مرحلة دقيقة من مراحل المفاوضات الاسرائيلية - السورية عام 1995، عندما دار البحثب حول انسحاب اسرائيلي كامل محتمل من الجولان، وبرزت فكرة مرابطة قوات دولية بعد جلاء "اسرائيل، ومن بينها وحدات امريكية، اسرع السناتور الجمهوري ثاد كوكران من ولاية ميسيسيبي باقتراح، تعديل في مشروع قانون قيد التداول في شأن آخر، يطالب فيه بان يقدم رؤساء الاركان الامريكيون تقريراً الى الكونغرس يبينون فيه الاخطار التي ستتعرض لها الوحدات الامريكية في حال انسحاب "اسرائيل". بيد انه تلقى اشارة من مصدر اسرائيلي تلفت نظره الى ان اقتراحه يلحق الضرر بالمفاوضات، فما كان منه الا ان سحب اقتراحه فوراً قائلاً: "حسبت ان ما فعلته هو لفائدة "اسرائيل".

ويصل الكونغرس الى مرتبة اعلى من الملكية اكثر من الملك، في مارس اذار 1989 ، عندما يناشد وزير الخارجية، حينذاك، جايمس بيكر، اسحاق شامير للتخلي عن اسرائيل الكبرى، فلا ينقضي شهر على مناشدته حتى يرسل خمسة وتسعون عضواً من اصل مئة عضو من اعضاء مجلس الشيوع رسالة الى وزير خارجيتهم بيكر يؤيدون فيها ما اسموه بالسياسة السلمية التي ينتهجها اسحاق شامير.

ويحلق الكونغرس حتى فوق هذه المرتبة من الملكية اكثر من الملك عندما يشن في مايو ايار 1995 قانوناً لنقل موقع السفارة الامريكية من تل ابيب الى القدس ، The Jerusalem Embassy Reloration Act / ونص القانون على ان البدء في بناء السفارة يجب الا يتأخر عن 31 ديسمبر / كانون الاول 1996، وان السفارة يجب ان تفتح رسمياً بالقدس في موعد لا يتاخر عن 13 مايو/ايار 1999.

ولضمان قيام وزارة الخارجية الامريكية بهذه الخطوات, ينص القانون على تجميد 50 % من ميزانية الوزارة للبناء والصيانة في جميع سفاراتها ومنشآتها في العالم ابتداء من السانة المالية 1997 مع إعطاء رئيس الولايات المتحدة حق تعليق مفعول هذا القانون لفترات ستة أشهر متعاقبة اذا ما رأى في ذلك مصلحة للولايات المتحدة.

وهكذا يستبق السناتور كوكران رغبات "اسرائيل" في ما يتعلق بالجولان في المثال الاول، وتأخذ اكثرية مجلس الشيوخ الساحقة جانب شامير ضد وزير خارجيتها في المثال الثاني، ويهدد الكونغرس في المثال الثالث وزارة خارجيته بالعقاب اذا هو لم ينفذ رغبات "اسرائيل" بالنسبة الى القدس .

فما رأيكم بالكونغرس ينبوعاً للعدل والانصاف وبأعضائه سدنة للقسطاس والميزان؟

مستقبل الحلف الامريكي - الاسرائيلي

هل يمكن لهذا الوضع ان يتردى؟ الجواب بالايجاب، ذلك ان السنين الاخيرة شهدت حلفاً حميماً يقوم بين انصار "اسرائيل" في الكونغرس وبين التيار الاصولي الديني اليميني الذي ينتمي اليه معظم اعضاء الكونغرس الجمهوريين الجدد.

ويقوم هذا الحلف على اعتبار الاسلام عدو الغرب الكوني واعتبار "اسرائيل" المدافع عن الغرب في الخندق الامامي في الشرق الاوسط، كما يقوم على اعتبار مقاومة الاحتلال, في كل من جنوبي لبنان وفلسطين، مظهراً ليس الا من مظاهر "عدوانية" الاسلام و" ارهابه". وليس من باب الصدفة ان تردد "اسرائيل" والولايات المتحدة بالتناوب ومن دون كلل او ملل الكلام عن نية ايران لحيازة القنبلة الذرية، ولا من باب الصدفة ان تمد واشنطن تل ابيب بقاصفات قادرة على الوصول الى اعماق الدول المجاورة في الشرق الاوسط.

وتتعرض السلطة التنفيذية الامريكية، داخل الثلاثي الذي تكلمنا عنه، للضغوط عينها التي يتعرض لها الكونغرس ، الا ان السلطة التنفيذية تردعها مسؤولية الحكم ويضبطها توافر المعلومات الدقيقة من اجهزتها المتخصصة ونصائح سائر عواصم العالم، بيد ان الكونغرس اخذ منذ حرب فيتنام في توسيع نطاق دوره في صنع السياسة الخارجية عموماً على حساب السلطة، وهذه الاخيرة تواجه في ما يتعلق بإسرائيل ليس فقط اثقالاً من التشريعات الصادرة عن الكونغرس، والمنحازة كلياً الى "اسرائيل"، ولكنها تواجه ايضاً كونغرساً عازماً على استلام المبادرة منها، كما رأينا، وعلى صنع القرار بنفسه انطلاقاً من اعتبارات محلية انتخابية ضيقة لا علاقة لها بحقائق الميدان في المشرق العربي.

مراحل القضية الفلسطينية

تطورت القضية الفلسطينية والصراع العربي الصهيوني المشتق عنها بموازاة نمو الحركة الصهيونية وتطورها، ومع ان التأثير الامريكي على الصعيدين الرسمي وغير الرسمي رافق الحركة منذ بداياتها، الا انه لم يتخذ شكلاً ظاهرياً مهيمناً الا في عهد الرئيس ترومان بعيد الحرب العالمية الثانية.

ولقد مرت الحركة كما اراها في اربع مراحل رئيسية، سأتطرق الى كل منها باختصار، مشيراً الى الدور الامريكي في كل مرحلة.

1 - المرحلة الاولى: من بداية الهجرة الصهيونية في اوائل الثمانينيات من القرن الماضي لغاية 1917 حين صدور وعد بلفور.

كانت هذه مرحلة نضوج العديد من عناصر النجاح اللازمة للحركة الصهيونية: فقد تبلورت خلالها فكرة الدولة اليهودية، ووضع برنامج بازل الذي حدد وسائل تحقيق فكرة الدولة، وانشئت المؤسسات المركزية القيادية واهمها المؤتمر الصهيوني والصندوق القومي JNF ، واختيرت المستعمرة الجماعية (الكيبوتس) اداة مثالية للاستيطان، ودشنت دبلوماسية الحركة الدولية على اعلى المستويات، وتأسست نواة قوة عسكرية شبه نظامية، كما تألفت نواة حركة عمالية حزبية، وتم وضع القواعد التنظيمية والدعائية لتعبئة الجماهير اليهودية على نطاق عالمي.

وكانت هذه الانجازات في معظمها من عمل صهيونيين اوروبيين، وليس امريكيين، انما لعب التأثير الامريكي عند نهاية هذه المرحلة دوراً بالغ الاهمية في اصدار وعد بلفور، ذلك ان تأييد الرئيس ولسن لهذا الوعد حسم الخلاف الحاد داخل الوزارة البريطانية بين مؤيديه ومناهضيه المتساوين قوة ونفوذاً، فرجع كفة الداعين له.

ولم يكن تدخل ولسن في هذا الشأن تلقائياً، بل كان نتيجة استغاثات عدة من الزعيم الصهيوني المقيم في بريطانيا حاييم وايزمان ارسلها عبر زميله قاضي المحكمة العليا اليهودي وكبير الزعماء الصهيونيين الامريكيين صديق ولسن ومستشاره المقرب: لويس برانديس .

2 - المرحلة الثانية: من اصدار وعد بلفور عام 1917 الى نهاية الانتداب البريطاني عام 1948.

تعززت خلال هذه المرحلة عناصر النجاح اللازمة للحركة الصهيونية باتجاه الكفاية من طريق دعم اكبر دولة استعمارية حينذاك لها: بريطانيا العظمى، فكان ارساء البنية التحتية للدولة اليهودية المقبلة بحماية الحراب البريطانية.

واذا كانت بريطانيا هي التي استحصلت على الشرعية الدولية للصهيونية من خلال الانتداب، وانشأت نظام الحكم الذي سمح بالهجرة الجماعية اليهودية وبالاستيطان المكثف، ومنحت اهم امتيازات البلد الاقتصادية الى الوطن القومي اليهودي، وقمعت بجبروتها العسكري المقاومة الفلسطينية، فان التبرعات المعفاة من الضرائب والتي مصدرها يهود امريكا خلال الاعوام 1917 - 1948 والبالغة ما لا يقل عن 500 مليون دولار (وهو مبلغ ضخم جداً بمقاييس ذلك الزمن): ان هذه الاموال الامريكية هي التي مكنت الصهيونية من ترجمة التسهيلات والخدمات البريطانية الى وقائع على تراب فلسطين.

واذ نمت ثقة الوطن القومي اليهودي بنفسه عند نهاية هذه المرحلة، وغدا حريصاً على الاستغناء عن حماية بريطانيا، فان اتجاهه كان نحو الولايات المتحدة ورئيسها ترومان، ونحو الجالية اليهودية فيها للاستعانة بهم على اجتياز اخر شوط نحو تأسيس الدولة عن طريق حرب 1948 .

وهكذا انبرى ترومان للضغط ضغطاً متواصلاً على بريطانيا، مخالفاً بذلك نصائح البنتاغون والخارجية الامريكية، حتى ارغمها على احالة القضية على هيئة الامم المتحدة، واستبق ترومان قرارات هيئة الأمم المتحدة بتأييد مشروع لتقسيم فلسطين تقدمت به القيادة الصهيونية، وفرض على الجمعية العمومية لهيئة الأمم التي كانت تتردد بصدد التقسيم، فرض عليها التقسيم فرضاً وقسراً، وأعلم القيادة الصهيونية عن نيته الاعتراف بالدولة اليهودية قبل اعلان القيادة نفسها للدولة، واعترف بالفعل بالدولة خلال احدى عشرة دقيقة من اعلانها من دون ان يحدد حدود الدولة التي اعترف بها. وهكذا بارك ترومان بذلك احتلال القوات الصهيونية للاراضي الفلسطينية التي استولت عليها بالقوة الى ذلك الحين، وشجعها على احتلال المزيد من الاراضي خارج حدود الدولة اليهودية بموجب قرار التقسيم.

ولقد قيل بصدد كل هذا ان الدافع لترومان انما كان تعاطفه مع اليهود بسبب ما اصابهم على يد المانيا النازية، لكن المسألة فيها نظر: ذلك ان ترومان لم يكن رئيساً منتخباً حيث تولى الرئاسة اثر وفاة سلفه روزفلت، بينما كان عام 1948 عام انتخابات رئاسية. ولو كان لشعوره الانساني ذلك الاثر على افعاله لحاول ترومان التخفيف من آلام يهود اوروبا بالسماح لهم او لبعض منهم على الاقل بالهجرة الى الولايات المتحدة ذاتها، وهو ما لم يحدث على الاطلاق.

3 - المرحلة الثالثة: من عام 1948 - لغاية 1967: هذه مرحلة الهضم وتثبيت الذات والتوسع التجريبي في سيناء (1956): ففي هذه المرحلة تم هضم "اسرائيل" لمكاسب حرب 1948 التي بلغت 77 % من البلاد.

وشملت هذه المكاسب الاراضي والممتلكات والاملاك الخاصة بـ 725,000 لاجىء فلسطيني اخرجوا من 12 بلدة و416 قرية، درست "اسرائيل" 400 قرية منها درساً وسوّت معالمها مع سطح الارض . وكان هذا جواب "اسرائيل" الميداني على قرار هيئة الأمم القاضي بمنح اللاجئين الخيار بين العودة او التعويض .

وبلغت المعونة الامريكية الرسمية "لاسرائيل" طوال هذه المرحلة نحو 64 مليون دولار سنويا، بينما بلغت التبرعات المعفاة من الضرائب من الجالية اليهودية الامريكية نحو 300 مليون دولار سنوياً، وباعت "اسرائيل" في الولايات المتحدة خلال هذه المرحلة سندات على خزينتها بقيمة مليون دولار، كما ساهمت الولايات المتحدة مساهمة فعالة في استلام "اسرائيل" لتعويضات من المانيا الغربية بقيمة 822 مليون دولار.

ولولا هذه الاموال المتدفقة عليها لما تمكنت "اسرائيل" خلال هذه المرحلة من إدخال مليون وثلاثمئة الف مهاجر يهودي وإسكانهم في المدن وعلى الاراضي التي اغتصبتها من الفلسطينيين.

لم تقم الولايات المتحدة مقابل ما قدمته لإسرائيل طوال هذه الفترة والفترة السابقة باي مسعى جدي لايجاد تسوية سلمية للقضية ككل، او لتنفيذ قرار هيئة الأمم الخاص، بالخيار بين العودة او التعويض على رغم تأييدها اللفظي لهذا القرار سنة تلو السنة.

وتصدى الرئيس ايزنهاور لمحاولة "اسرائيل" تحويل نهر الاردن في اوائل الخمسينيات، كما ارغمها على العودة الى الوضع الذي كان قائماً قبل الحرب sqab إثر اشتراكها في العدوان الثلاثي على مصر، بيد ان الرئيس كينيدي كان اول رئيس امريكي سمح بإعطاء "اسرائيل" سلاحاً متقدماً هو صاروخ Hawk .

اما جونسون فبفضل علاقته الحميمة بالمؤسسة اليهودية-الامريكية فقد منح "اسرائيل" ما منعه عنها ايزنهاور، ذلك ان جونسون تغاضى عن تحويل نهر الاردن عام 1964 ثم اتخذ موقفاً اثر حرب 1967 على نقيض موقف ايزنهاور من حرب 1956 .

ونتجت عن موقف جونسون عام 1967 تلك الصياغة الفضفاضة للقرار 242 الذي ترك الامور رهينة لميزان القوى العسكري الراجح كل الرجحان، بمساعدة امريكا، لصالح "اسرائيل"، ذلك ان القرار لم يحدد اية فترة زمنية لانسحاب "اسرائيل" من الاراضي المحتلة ولا لتسوية ما بعد الحرب، فكان بمثابة ضوء اخضر مشع لإسرائيل باستيطان ما احتلته، وادخل المنطقة بأسرها في طور ذي خطورة من نوعية لا سابقة لها ما زلنا نتخبط فيه الى يومنا هذا من دون ان نعرف كيف الخروج منه.

4 - المرحلة الرابعة: من 1967 الى يومنا الحاضر.

هذه مرحلة بلغت الصهيونية فيها ذروة الزهو والاعتداد بالنفس، وهي مرحلة التوسع والاستيطان على كامل التراب الفلسطيني، والتوسع والضم الاستيطاني خارج حدود فلسطين، وهي مرحلة الانسحاب التكتيكي من سيناء لتوطيد الاقدام في سائر الاراضي المحتلة. كما هي مرحلة السعي الى الهيمنة المشرقية استناداً الى احتكار السلاح النووي والضمان الامريكي للتفوق العسكري النوعي على اي تحالف عربي محتمل.

صحيح ان ادارات امريكية متعاقبة خلال هذه المرحلة شجبت بقوة وتكرار ضم القدس الشرقية والاستيطان في سائر الاراضي المحتلة في فلسطين وخارجها، على انهما يخالفان القانون الدولي واتفاقات جنيف، بيد ان سياسة امريكا في هذا المجال بقيت سياسة لفظية من دون ان تتخذ اي شكل فعلي او تنفيذي.

ولم تتحرك امريكا إثر حرب 1967 الا في اعقاب حرب الاستنزاف على ضفاف قناة السويس 1967 - 1969 عندما طرح وزير الخارجية وليام روجرز الحسن النية مبادرته، وفحواها وجوب اعتماد امريكا لسياسة متوازنة بين الطرفين وإحجام "اسرائيل" عن المثابرة في التوسع، وان على اية تسوية الا تعكس ثقل الانتصار العسكري الاسرائيلي. بيد ان هذه المبادرة بقيت خطوة يتيمة من دون اي متابعة جدية.

ولم يسترعِ الحال في المشرق اهتمام الثنائي نيكسون - كيسنجر الا بعد شن حرب رمضان، بيد ان الجسر الجوي الامريكي الى ميدان المعركة مباشرة هو الذي مكن "اسرائيل" من الصمود ومن استرداد المبادرة القتالية على الجبهتين.

وكان اخطر نتائج التدخل الامريكي في حرب رمضان تحييد ذروة الجهد العربي العسكري الاقتصادي المشترك القائم على التحالف بين الرياض ودمشق والقاهرة، وبالتالي إسقاط الخيار العسكري من الاجندة العربية مستقبلاً.

مع ذلك لم يتضمن مخطط كيسنجر اي حل شامل للصراع العربي - الصهيوني، وهو مخطط يمكن اختزاله في قواعد ثلاث: اخراج مصر من الحلبة، عزل سوريا ودفن منظمة التحرير.

ولم يكن كيسنجر ليأبه للاستيطان الاسرائيلي خارج سيناء. وإنصافاً له، لا بد من الإقرار بان السادات كان على تناغم تام معه، على الاقل، في ما يختص بالقسم المصري من مخططه.

واذ كان ما سمي بالاتفاق المرحلي الثنائي بين مصر و"اسرائيل" Luterim Agreement لعام 1975 حجز الزاوية في مخطط كيسنجر، فان جزءاً لا يتجزأ من الاتفاق المرحلي كان الشروط التعجيزية التي فرضها كيسنجر على منظمة التحرير، وهي شروط جعلها ملحقة بالاتفاق المرحلي. اما الشروط فكانت ان على منظمة التحرير ان تقوم من طرف واحد وبدون مقابل بالاعتراف بحق "اسرائيل" بالوجود وبالقرار 242 (الذي لا يرد فيه اي ذكر لفلسطين او الفلسطينيين اصلاً) قبل ان تقبل امريكا (وليس "اسرائيل") بالبدء بالتكلم مع منظمة التحرير.

وهكذا تمكن كيسنجر بذلك من تجميد العلاقة بين واشنطن ومنظمة التحرير طوال عقد ونصف عقد لغاية اواخر عام 1988 .

وكان جيمي كارتر ورعاً طيب القلب، وهو اول رئيس امريكي يقر بان الفلسطينيين شعب كغيره من الشعوب جدير بان يكون له وطن Homeland .

وعارض كارتر ووزير خارجيته ومستشاره للأمن القومي الاستيطان بشدة، واعتروه غير شرعي ومخالفاً لاتفاقات جنيف، غير ان كارتر استنفد رصيده السياسي في اتفاق كمب دافيد الذي كان النتيجة الحتمية لاتفاق سيناء المرحلي.

والمفارقة ان اتفاق كمب دافيد ادى الى عكس ما كان كارتر ومستشاره يبتغونه، ذلك ان إخراج مصر من الحلبة وتحييدها عسكرياً، عززا كفة "اسرائيل" تعزيزاً بحجم سقوط مصر من كفتنا، وأحكما قبضة مناحيم بيغن على سائر المناطق المحتلة كل ذلك الإحكام.

اما اخطر ذيول كمب دافيد في الساحة العربية فكان ان كسب منطقة القطر ازاء منطقة القوم جولة مفصلية تلت مكاسب الستينيات، فترسخت منذئذٍ شرعية الانفراد الكياني في التعامل مع "اسرائيل" والصهيونية.

ولم يمضِ ريغان اكثر من اسبوع في البيت الابيض حتى اعلن بالتنسيق الوثيق مع المؤسسة اليهودية - الامريكية في اول مؤتمر صحافي له ان استيطان الاراضي المحتلة من قبل "اسرائيل" ليس غير شرعي Not Illegal.

وهكذا، وبكل بساطة واقتضاب، نقض ريغان سياسات كل اسلافه منذ 1967، ونسفها نسفاً واصدر علانية فتوى لا تزال "اسرائيل" تعمل بهديها الى يومنا هذا.

واردف اليكساندر هيغ وزير خارجية ريغان ذلك بلقاءات مع شارون في اكتوبر / تشرين الاول 1981 وفي فبراير / شباط ومايو / ايار 1982 تم فيها التداول في مشروع شارون لاعادة رسم خارطة لبنان السياسية، وهو مشروع معتق طالما راود بن غوريون في اوائل الخمسينيات.

وصال بيغين وجال في هذه الاجواء، فضرب المفاعل العراقي في يونيو / حزيران 1981 من دون ان يرفع صدام حاجبه لانهماكه في محاربة "اعداء" العرب: "الفرس". واعلن بيغن عقب ضرب المفاعل ان "اسرائيل" "لن تسمح لاي بلد عربي او غير عربي (يعني ايران وباكستان) بتطوير اسلحة نووية، وشن غارته على الفاكهاني في يوليو / تموز ذهب ضحيتها مئات الشهداء من لبنانيين وفلسطينيين، وضم الجولان في ديسمبر / كانون الاول 1981 (وهو ثاني ارض عربية تضم الى "اسرائيل" رسمياً، منذ 1967 بعد القدس الشرقية, واول ارض عربية، خارج حدود، فلسطين الانتدابية، ضمتها "اسرائيل"). وكاد بيغن ينجح في معركة الاواكس في فرض الـ"فيتو" الاسرائيلي على صفقات السلاح بين واشنطن والسعودية, ذلك انه حصل على 301 صوت ضد الصفقة مقابل 111 صوتاً في مجلس النواب الامريكي، وفشل في مجلس الشيوخ بأربعة اصوات فقط (52 مقابل 48) على رغم ان جميع رؤساء الجمهورية السابقين الاحياء: كارتر وفورد ونيكسون اعلنوا تأييدهم للصفقة عشية التصويت عليها.

وظل ريغان يراقب بيروت تحترق وتقصف من البر والبحر والجو بأحدث اسلحة الترسانة الامريكية وافتكها لغاية 14 أغسطس / آب عندما تفوه بملاحظة مآلها ان افعال "اسرائيل" غدت غير متناسبة     DISPROPORTIONATE عدما استشهد الآلاف من اللبنانيين والفلسطينيين.

ونجح بيغن في اخرج م. ت. ف من لبنان وكاد ينجح في فرض معاهدة غير متكافئة عليه بفضل الدعم العنيد الذي تلقاه من جورج شولتس لولا بطولة المقاومة اللبنانية وصمود القوات السورية وظهور معارضة شعبية اسرائيلية في أعقاب مذبحة صبرا وشاتيلا.

وتصدى جورج بوش لشامير في امر الاستيطان مستغلاً طلب شامير اليه بضمان قرض بعشرة بلايين دولار لإسكان المهاجرين من الاتحاد السوفياتي. وربط بوش منح القرض بإيقاف الاستيطان، وهو أصلب موقف وقفه رئيس امريكي بشأنه منذ 1967، وكانت المجابهة العلنية, وهبطت الوفود اليهودية على الكونغرس، فلجأ بوش الى الرأي العام، وتراجعت المؤسسة اليهودية - الامريكية، ولو الى حين، وصمد بوش، ولو الى حين، وكان هذا التأزم بين واشنطن وتل أبيب من اسباب فشل الليكود في انتخابات 1992، ونجاح رابين، لكن بوش ما لبث تحت وطأة مقتضيات الانتخابات الرئاسية لعام 1992 ان سمح بالقرض الى رابين من دون ان يحصل منه على التزام بوقف الاستيطان.

وبيتُ القصيد هنا، هو ان حتى بوش نفسه رضخ، فكيف بنا اذا كان الرئيس من طينة كلينتون، عدا عن غور وغيبهارت وكوايل.


 بعد مئة عام على مؤتمر بازل * (2)

القوة أعجز من ان تملي الهوية والصيغة القومية

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي غدت أمريكا سيدة العالم والآمرة الناهية من دون منازع في الشرق الأوسط في أعقاب "عاصفة الصحراء"، وبلغت شعبية بوش الذروة بعد إخراجه صدام من الكويت، ومع ذلك فقد كانت شروط مؤتمر مدريد الأساسية هي شروط شامير من حيث : إبعاد هيئة الأمم، وتهميش دور الراعيين، واعتماد التفاوض الثنائي المباشر، وإقصاء م.ت.ف، وعدم تمثيل الفلسطينيين تمثيلاً مستقلاً، وتزامن التفاوض على الجبهات المختلفة، وتحويل قضية اللاجئين الى اللجنة متعددة الأطراف تمييعاً لمسؤولية "اسرائيل".

ان اكثر ما يلفت النظر عند مراجعة ما أسلفنا هو هذا التأرجح في موقف رئيس السلطة التنفيذية الأمريكية المسؤول الأول عن السياسة الخارجية من موضوع بخطورة الاستيطان في الصراع العربي - الصهيوني، وهذا ان دل على شيء، فانما يدل على خلل بنيوي في صنع القرار الأمريكي بالنسبة الى هذا الصراع: من حيث فقدان الاستمرارية، وهزالة الذاكرة المؤسسية، وقدرة العلاقة الثلاثية المتداخلة بين السلطة التنفيذية والكونغرس والمؤسسة اليهودية الأمريكية، التي أشرنا اليها في مطلع حديثنا، على التأثير على القرار.

والمفارقة هي ان مراجعة سياسة الرؤساء الأمريكيين تشير ايضاً الى احتمال واعد لكسر طوق العلاقة الثلاثية، يكمن في هذا خاصية او خصائص هذا الرئيس او ذاك الفردية، في الوقت الذي تشير فيه الى محدودية هذا الاحتمال، كما شاهدنا بالنسبة الى كارتر وبوش .

وبعد فمهما كان اتجاه الرقّاص الرئاسي في موضوع الاستيطان، تأييداً، او مناهضة، فثمة ظاهرة ثابتة، ملازمة لهذه المرحلة منذ العام 1967 وهي: استمرار تدفق الدعم الأمريكي المالي الرسمي والخاص على "اسرائيل" من دون انقطاع بل بازدياد صارخ.

فبينما كان معدل المعونة الأمريكية الرسمية السنوي لإسرائيل خلال المرحلة الثالثة 1948 - 1967، 64 مليون دولار، ومجمل المعونات الرسمية للمرحلة بكاملها بليون ومئتين وعشرين مليون دولار، أخذت المعونات هذه ترتفع الى مئات الملايين سنوياً ثم الى البلايين من الدولارات سنوياً بحيث اصبح مجمل المعونات الرسمية الأمريكية الى "اسرائيل" منذ 1967 والى يومنا هذا 82 بليون دولار بما في ذلك قرض الإسكان بعشرة بلايين دولار، وغدت "اسرائيل" البلد الذي يستلم اكبر معونة أمريكية رسمية سنوية منذ 1976، والبلد الذي استلم اكبر معونة أمريكية رسمية تراكمية منذ الحرب العالمية الثانية.

وتذكر مصادر الكونغرس ان "اسرائيل" تستلم اليوم، إضافة الى ذلك، ثلاثة بلايين دولار سنوياً: بليون تبرعات معفاة من الضرائب من يهود أمريكا، وبليون من مبيع سنداتها في الولايات المتحدة، وبليون في شكل قروض تجارية قصيرة او طويلة الأمد.

وتستلم سائر الدول المعونة الأمريكية الرسمية على أربع دفعات فصلية سنوياً، وتستلم "اسرائيل" معونتها السنوية دفعة واحدة في مطلع السنة المالية بحيث تضطر واشنطن الى دفع الفائدة على الأموال التي تستقرضها حتى تحول المعونة دفعة واحدة الى "اسرائيل".

وتتعامل سائر الدول بواسطة وزارة الدفاع الأمريكية من اجل مشترياتها العسكرية من شركات أمريكية، التي تمولها المعونة الأمريكية، وتتعامل "اسرائيل" مباشرة مع الشركات الأمريكية في الولايات المتحدة لهذه المشتريات من دون وساطة وزارة الدفاع او رقابتها.

وترتبط المعونة الأمريكية لسائر الدول بنظام محاسبة لكل مشروع على حدة، SPECIFIC RPOJECT ACCOUNTING       وتدفع المعونة الأمريكية لإسرائيل في شكل دعم مباشر لميزانية حكومة "اسرائيل" من حكومة الولايات المتحدة ، COVERNMENT TO GOVERNMENT BUOGETARY SUPPORT ، ويقول تقرير قسم الأبحاث في الكونغرس الصادر هذا العام تعليقاً على ذلك: "ان المال قابل للتسرب TUNGIBLE       ولا سبيل لمعرفة كيفية إنفاق "اسرائيل" للمعونات التي تتلقاها من الولايات المتحدة".

فهل نحن بعد هذا الكلام بحاجة الى فلكيين

(صيروا الابرج العليا مرتبة ما كان منقلباً او غير منقلب)،

حتى نتبين من يمول احتلال جنوب لبنان واستيطان الجولان والضفة والقدس الشرقية والقطاع؟

اتفاق أوسلو : مقدمات وآفاق

يميل البعض الى استسهال التهجم على اتفاق أوسلو والى التوكيد على انعدام الفرق بين الليكود وحزب العمال، فالبنسبة الى المقارنة بين العمال والليكود، فان القول بان حزب العمال كان حزب الاعتدال تاريخياً قول لا يستند الى اي أساس من الصحة. فالعمال كانوا في موضع القيادة في الحركة الصهيونية منذ أوائل الثلاثينات ولغاية 1977 ، عندما تولى الليكود الحكم للمرة الأولى في تاريخ الصهيونية، وكل ما أصابنا خلال هذه السنوات الطوال انما جاء على يد حزب العمال، وزعيم العمال بن غوريون كان المهندس الأكبر لحرب 1948 ، ولطرد مئات الآلاف من الفلسطينيين من ديارهم، ولتدمير المئات من قراهم، وهو العقل المدبر وراء الحملات الوحشية عبر خطوط الهدنة شمالاً وشرقاً وجنوباً طوال الخمسينات والستينات باسم الانتقام، وبن غوريون هو الذي حلم في أوائل الخمسينات بإعادة تركيب لبنان حول قيادة ضابط طائفي وضيع، وهو الذي قاد "اسرائيل" في العدوان الثلاثي على مصر، واعلن ان سيناء ليست جزءاً من مصر، وان جزيرة رأس محمد السعودية عند مدخل خليج العقبة، انما اسمها الحقيقي هو: مغراتس شلومو لكونها كانت جزءاً من إمبراطورية سليمان الحكيم في سحيق الزمن، والعمال هم الذين شنوا حرب 1976 وضموا القدس الشرقية وانشأوا اول مستعمرة داخل مدينة خليل الرحمن عام 1968 ورابين هو محطم أصابع الآلاف من الصبية العمالقة وازنادهم، وسجان عشرات الآلاف من آبائهم واعمامهم وشيمون بيريز الشرق الاوسطي انما هو المسؤول اولاً وآخراً عن مجزرة قانا.

نحن نعرف كل هذا ولكننا نعرف ايضاً ان رابين هو القائل ان لا حل عسكرياً للقضية الفلسطينية، وانه لا يجوز لا للإسرائيليين ولا للفلسطينيين ان يظلوا رهينة للمستوطنين اليهود في الاراضي المحتلة، كما نعرف ان رابين وخلفه بيريز التزما في المحادثات الثنائية مع سوريا في واشنطن بالانسحاب الكامل من الجولان.

هل تحول حزب العمال الى حمائم بين عشية وضحاها؟ لا نظن. بل اغلب الظن انه ادرك بعد هزيمته الانتخابية عام 1977 انه لا يستطيع ان يجاري خصمه الليكود مزايدة ومغالاة وان مصلحته الحزبية اي طريق عودته الى الحكم او البقاء فيه انما يمر عبر التسوية السلمية.

اما أوسلو فلست من المدافعين عن الاتفاق، وهو الطافح بالفجوات والنواقص ، ولا عن قيادة فلسطينية اخطاؤها التاريخية لا تحصى: من سعي حثيث الى توريط الجيوش النظامية العربية في اواسط الستينات، الى نظرية هانوي عربية، الى تورط الى ما فوق الأذنين في ما لا يعنيها، لا من قريب او بعيد، في السياسة الداخلية اللبنانية، خلال ادق مراحل القضية الفلسطينية واخطرها، الى تجاف تجاه دمشق: رفيقة السلاح الكبرى في الخندق الامامي تجاه العدو، الى تناس للبعد العربي الاصيل اللازم الضامن للقضية الفلسطينية، الى انسياق احمق اهوج الى جانب صدام عند اجتياحه الكويت.

ومع ذلك فلست من المستسهلين الطلب بإلغاء اتفاق أوسلو ومحاربته، وميزان القوى هو على ما وصل اليه، والاتفاق في نهاية المطاف ان هو الا الناتج الطبيعي على الصعيد الفلسطيني لمؤتمر مدريد وشروطه.

ولا يغربن عن البال ان مؤتمر مدريد انما جاء في أعقاب اجتياح صدام للكويت، وان اجتياح صدام للكويت انما جاء في أعقاب حرب ضروس ماحقة شنها صدام ضد نظام قضى لتوه على اكبر حليف لإسرائيل بعد الولايات المتحدة: شاه ايران وهو نظام ابدى تعاطفاً خاصاً مع القضية الفلسطينية، فهدت في محاربته عشرات البلايين من الدولارات، وزهقت مئات الآلاف من الارواح العربية والمسلمة، في وقت تولى الحكم فيه في تل ابيب زعيم غلاة الصهيونية واشدهم بأساً وبطشاً.

وهكذا جاء اجتياح الكويت ليردف زلزالاً كارثياً رابعاً بالزلازل الكوارث الثلاثة المشرقية التي سبقته خلال هذا القرن: زلزال 1967 وزلزال 1948 وزلزال انهيار الدولة العثمانية عام 1918 وليضيف ذيوله السلبية وما اكثرها الى ذيول اسلافه، وما مؤتمر مدريد الا قطاف كل هذا وحصيلته، ومرآة صادقة لمجمل ما وصل اليه ميزان القوى عبر المراحل الكبرى التي اسلفنا، ليس بين الفلسطينيين والدول العربية وحلفائها من غير العرب من ناحية وبين "اسرائيل" والصهيونية العالمية والولايات المتحدة من الناحية الاخرى.

ولا يضير في ها الصدد ان نذكر ان القضية الفلسطينية فلسطينية من حيث ان الصهيونية بدأت اغتصابها للأرض العربية بالارض العربية الفلسطينية وان الشعب العربي الفلسطيني اول شعب عربي شردته الصهيونية، وان المدن العربية الفلسطينية هي اول قرى عربية ازالتها من الوجود وعن الخرائط.

لكن القضية الفلسطينية ليست فلسطينية فقط من حيث ان "اسرائيل" فصلت ما بين مشرق الوطن العربي ومغربه.

وهي ليست فلسطينية فقط من حيث ان الفضاء العربي غدا مسرحاً لاستعراض الطيران الاسرائيلي والمياه العربية الإقليمية اضحت مراس لغواصات "اسرائيل" . وهي ليست فلسطينية فقط من حيث إمعان الصهيونية في التجريح لسمعة العروبة والاسلام في العالم في إيقاعها الدؤوب بينهما وبين العواصم الغربية الكبرى.

وهي ليست فلسطينية فحسب وبيت المقدس هو اولى القبلتين، وثالث الحرمين، وموقع إسراء رسول الله ومعراجه، وهي ليست فلسطينية فحسب وقد بشر الله تعالى مريم بعيسى في بيت المقدس ، وفضل مريم على نساء العالمين في بيت المقدس، وحملت النخلة لمريم رطباً جنياً في بيت المقدس .

الاستيطان الزاحف

وماذا عن كلينتون؟ الواقع ان العديد من افعاله منذ توليه الحكم يثير عميق القلق والتخوف: من تعيينات لموالين لإسرائيل من متخرجي اللوبي اليهودي في مراكز حساسة على نطاق لم تشهده الساحة السياسية الأمريكية من قبل، الى تبنيه لنظرة "اسرائيل" لما تسميه بالارهاب، الى اندفاع لتأييد معاهدة غير متكافئة بين الاردن و"اسرائيل"، الى مدلول تصويته في هيئة الأمم بصدد الاستيطان في الاراضي المحتلة، الى سياسته بشان الحسومات من قرض الإسكان مقابل ما تنفقه "اسرائيل" على الاستيطان.

ولو نظرنا مثلاً الى سجل تصويته في هيئة الأمم لتبين ان الولايات المتحدة القت بصوتها في قضايا الصراع العربي- الصهيوني ثماني مرات منذ تولي كلينتون الرئاسة: سبع منها منذ تولي نتنياهو الحكم، فما هي الاشارات التي ارسلها كلينتون الى نتنياهو والرأي العام الاسرائيلي واليهودي عبر التصويت الأمريكي في هيئة الأمم؟

مارست الولايات المتحدة حق النقض في مجلس الأمن في ثلاث مناسبات من اصل المناسبات الثماني، وجميع مشاريع القرارات الثلاثة التي مارست واشنطن النقض ضدها كانت تنتقد سياسة "اسرائيل" الاستيطانية بالقدس وسائر الاراضي المحتلة.

وفي أربع مناسبات اخرى صوتت الولايات المتحدة كذلك في الجمعية العمومية للأمم المتحدة ضد قرارات تنتقد ايضاً سياسة "اسرائيل" الاستيطانية بالقدس وسائر الاراضي المحتلة.

وكان تصويت الولايات المتحدة في هذه المناسبات الاربع ضد اكثرية تتراوح بين 131 - 134 صوتاً بما في ذلك الدول الخمس عشرة للإتحاد الاوروبي، والدولة الوحيدة التي صوتت الى جانب الولايات المتحدة: إضافة الى "اسرائيل"، كانت: ميكرونيسيا، وللمعلومية: يبلغ تعداد دولة ميكرونيسيا 125.000 .

اما في المناسبة الثامنة فقد اكتفت الولايات المتحدة بالاستنكاف في الجمعية العمومية، علماً بان الامر كان يتعلق بقضية بالغة الحساسية، بالنسبة الى مسلمي العالم، وهي قضية النفق بمحاذاة الحرم الشريف.

وفي نفس الوقت اتبعت ادارة كلينتون بالنسبة الى الحسومات من قرض الإسكان البالغ عشرة بلايين دولار سياسة خفض هذه الحسومات بدلاً من زيادتها لتتماشى مع تصعيد وتيرة الاستيطان من قبل نتنياهو، ومعلوم انه تقرر ان يدفع القرض على خمس سنوات بمقدار بليوني دولار سنوياً على ان تحسم واشنطن من القسط السنوي مبلغاً يوازي ما تقدر انه انفق في الاستيطان في الاراضي المحتلة.

وهكذا بينما حسم مبلغ 437 مليون دولار عام 1994 اثناء حكم العمال من قسط البليوني دولار لذلك العام، لم يتعد ما حسمه كلينتون من قسطي 1996 و 1997 ، بعد تولي نتنياهو الحكم، 60 مليون دولار لكل سنة، علماً بان نتنياهو يجاهر بتصعيد الاستيطان على رؤوس الاشهاد، وان وزير بنيته التحتية شارون يلقي بكامل وزنه ليل نهار في شق الطرق الالتفافية إمعاناً في تمزيق اوصال الضفة الغربية وتجذيراً للوجود الاسرائيلي فيها.

فما هي الرسالة يا ترى التي يقصد كلينتون ايصالها الى الرأي العام الاسرائيلي عبر هذا النمط من التصويت والحسومات، وهل يلام نتنياهو او اي زعيم اسرائيلي غيره اذا ما هو اعتبر هذه المواقف الأمريكية تحفيزاً له على المثابرة بالاستيطان بل وعلى تصعيده؟

ومن بواعث المزيد من القلق والتخوف بالنسبة الى ادارة كلينتون هذا التظاهر الأمريكي الذي بلغ الذروة في عهده بان أمريكا انما هي في موقع طرف ثالث بعيد عن طرفي النزاع على حد السواء، جل همه تقديم العون، في حال استعداد الطرفين لتقبل ذلك، لمساعدتهما في التوصل الى تسوية سلمية، من دون ان يكون لامريكا في ذلك اي غرض او دافع اخر، وان ارتباط الولايات المتحدة بالنزاع ان هو الا ارتباط عرضي متقطع لا يتحقق الا كلما يزور ممثلوها المنطقة او يقابلون اطراف النزاع ليعود بعده الى سابق انفكاكه، وان "اسرائيل" فاعل دولي مستقبل كل الاستقلال عن واشنطن لا علاقة لحجم المعونات الأمريكية لها ولا لنوعيتها واشكالها وامتدادها وديمومتها بالموقف الأمريكي منها، لا ولا بطاقات "اسرائيل" التفاوضية تجاه العرب، وان اتفاق أوسلو انما وقع عليه الطرف الفلسطيني قانعاً راضياً مرضياً بحيث غدا بمثابة براءة ذمة لواشنطن من سالف وعودها وعهودها والتزاماتها جميعاً.

ويلاحظ عندما تبدو الوزير اولبرايت وكأنها تؤنب الطرف الاسرائيلي انها تتوقى استعمال عبارة فولكلورية مستقاة من الـ BASEBALL او الـ BASKETBALL ، "   TIMEOUT" اي "فترة استراحة في اللعبة حتى لا تخدش مشاعر السيد نتنياهو او الجالية اليهودية الأمريكية وهي بذلك توحي عن قصد او غير قصد بانها لا تسعى الى مجابهة جادة مع تل ابيب.

وعندما تصف اولبرايت الاستيطان بانه "مثير" PROVOCATIVE       فالظاهر تأنيب لكن الباطن تراجع عن موقف امريكي مبدئي سالف.

اجل الاستيطان مثير، لكن صفة الاستيطان الابرز (واولبرايت تعلم ذلك) هي صفته غير الشرعية وهي صفة اجمع عليها اسلاف كلينتون ما عدا ريغان واجمع عليها المجتمع الدولي بأسره ما عدا ميكرونيسيا. فاذا كانت اولبرايت تتعامل بهذا الاسلوب الخجول الخفير بصدد الاستيطان فما عسى ان يكون اسلوبها عندما يحين وقت القدس؟

ثم انه بات جلياً ان واشنطن ماضية قدماً في انتهاج سياستين رئيسيتين بالنسبة الى المشرق العربي: سياسة متوسطية تقوم على معاهدات ثنائية بين تل ابيب والعواصم العربية المتاخمة العدوة، يردفها محور تل ابيب - انقرة المتنامي المضمون، وسياسة خليجية تقوم على الاحتواء المزدوج بحيث يشكل المؤتمر الاقتصادي السنوي الرابط بين السياستين.

وتشكل المعاهدة المصرية - الاسرائيلية اقل الصيغ المفضلة لإسرائيل شمولاً، بينما تشكل المعاهدة الاردنية - الاسرائيلية اكثرها شمولاً الى الان، وكلا المعاهدتين يذكران بمعاهدات اواخر عهد الانتداب واوائل ايام الاستقلال المشروط في الثلاثينات والاربعينات، مع الفارق ان تلك المعاهدات كانت مقيدة بازمنة معينة، خلافاً للمعاهدات التي تبتغيها "اسرائيل" وواشنطن اليوم.

ولعل اخطر ما في هذه المعاهدات انها تجعل من "اسرائيل" القطب لعجلة وطننا تمتد منه عبرها قضبان هذه العجلة بهذا الاتجاه او ذاك بحيث تغدو "اسرائيل" هي وحدها القاسم المشترك بين الاقطار العربية جميعاً.

اما المؤتمر الاقتصادي السنوي فالمتأمل فيه لا يلبث ان يتبين نسباً روحياً يعيده الى فصيلة مشاريع واحلاف عهدها مشرقنا في الخمسينات، مهما اختلفت التسميات وزهت حلته بأوصاف عصرية جذابة.

عودة الى كلينتون

فلنعد برهة الى كلينتون: هل نحن على اعتاب مجابهة بينه وبين نتنياهو شبيهة بما جرى بين بوش وشامير؟

قد نكون وقد لا نكون. انما هذا الامكان هو الاحتمال الواعد الوحيد اليتيم على الساحة الأمريكية في المدى القريب والمتوسط، ذلك انه مضيعة للوقت، كما رأينا، توقع اي تطور ايجابي من قبل الكونغرس او المؤسسة اليهودية الأمريكية ككل، مما يبقي في الساحة ما اسميناه بخاصية او خصائث الرئيس ، بيد انه حتى هذه الخاصية لها حدودها السياسية كما شاهدنا في حالتي كارتر وبوش .

ومما يجدر ذكره ان مرشد نتنياهو موشي ارينز، وزير الخارجية السابق ايام شامير، هو القائل بان: "ليس لإسرائيل ان تكترث برئيس الجمهورية ما دام الكونغرس يؤيدها بقوة".

ويروي جايمس بيكر، وزير الخارجية الأمريكي في عهد بوش، في مذكراته بهذا الصدد  ان شامير كان يسعى سعياً لمجابهة مع بوش بشأن الاستيطان اعتماداً على تأييد الكونغرس له ضد رئيس الجمهورية.

فهل يسير نتنياهو على هذا الدرب علماً بانه حظي بترحاب من الكونغرس يفوق ما لقيه شامير، اذ هبّ اعضاؤه وقوفاً يقاطعون خطابه تصفيقاً وطرباً اكثر من عشر مرات. ولم تكن دماء رابين قد جفت بعد.

خاتمة:

 لا خلاف على رداءة الزمن الذي يمر فيه وطننا، ولا على ان منطقة القطر قد طغى على منطقة القوم، بيد ان نعي منطق القوم سابق لاوانه، فهو لا يزال حياً يرزق، ولو فشل في تقمص اطر دستورية او بنيوية فعالة، ولا طاقة لاي عاصمة عربية لتجاهله طويلاً.

واذا كان "لا بد لليل ان ينجلي

ولا بد للقيد ان ينكسر" فلا سبيل الى ذلك سوى اعتماد النفس، فالقوة قادرة على إملاء الحدود والشروط، ولكنها اعجز من ان تملي الهوية والصبغة القومية، فكلاهما راسخان في اعماق مرساة تراثية ولسان عربي لا يقتلعان.

وامريكا ليست القوة الوحيدة في العالم، والفاخوري الأمريكي لا قدرة له على ان يجبل العالم بأسره في قوالبه، والخلل في سياسات الولايات المتحدة في مشرقنا واضح جلي وضوح النزيف في هيبتها  وصدقيتها الناتج عن هذا الخلل، وللولايات المتحدة مصالحها الطويلة الأمد في بقاعنا ومنطقة السيادات السياسية منطقة حديدي يقول باستحالة تطابق مصالح بلدين كأمريكا و"اسرائيل" تطابقاً سرمدياً. ومن ذا الذي يقول ان الرياح لا تجري الا بما تشتهيه سفن تل ابيب وواشنطن؟.


* محاضرة القيت في معرض الكتاب العربي الدولي (بيروت 15/12/1997)