"اسرائيل" تحاول العودة مجددا الى التصعيد المنظم والمبرمج في الجنوب

انخفاض منسوب عمليات المقاومة مرده الى صعوبة العثور على هدف "اسرائيلي"

 حسين عبد الله

نداء الوطن - الثلاثاء ، 27/7/1999


  عودة سلاح الطيران الحربي "الاسرائيلي" لانتهاج سياسة الاغارة اليومية ضد العديد من المناطق القريبة من الشريط المحتل، تعيد صورة الاوضاع العسكرية التي كانت سائدة في الجنوب قبل عدوان 24 حزيران على جسور ومرافق حيوية مدنية حيث كانت الاوضاع حينذاك موسومة بتصعيد منظم ومبرمج يراد منه تكريس حالة من التوتر المستمر توجتها "اسرائيل" بضرب بنى تحتية لبنانية في محاولة لفرض هدنة تجبر المقاومة على وقف عملياتها العسكرية او تعمل على تخفيفها قدر الامكان لتجنب الاحتكاك مع الجيش "الاسرائيلي" لتفادي أي رد فعل "اسرائيلي" كالذي حصل.

هذا هو الهدف الاساسي الذي رمت اليه "اسرائيل" من عدوانها على البنى التحتية اللبنانية ، والذي ارادته "تأديبيا" يلعب دور العامل الضاغط على المقاومة واللاجم لعملياتها، الا ان المتتبع لمسيرة المقاومة ونشاطها العسكري يرى ان حركتها الضاغطة على قوات الاحتلال لا تخرج من نطاق دائرة الحدود الشرعية التي تجعل المقاومة ملتزمة بالضوابط التي تجيزها الانظمة والقوانين التي تتحدث عن اية مقاومة للاحتلال، بحيث انها لم تحصر مطاردة جيش العدو وعملائه في أي منطقة من "الشريط المحتل" ، وبالتالي يصبح أي خرق لتفاهم نيسان من قبلها اذا حدث رد فعل على الاعتداءات "الاسرائيلية" التي تطال المدنيين اللبنانيين مفوّتةً بذلك فرصة على العدو من تركيب اسس معادلة جديدة يسعى اليها دائما تقضي باطلاق يده  كلما شعر ان قواته في خطر.

الهدنة لم تكن سوى مجرد تمنيات بعيدة المنال، واكتشف العدو ان عدوان 24 حزيران لم ينتج أي واقع ميداني مغاير لذي كان سابقا، كما ان فضح الكلام "الاسرائيلي"  على اشارات مشجعة على المسارين السوري - "الاسرائيلي" واللبناني - "الاسرائيلي" وضرورة ابداء حسن نوايا من قبل المقاومة بتجميد عملياتها لفترة معينة لا يعفي المقاومة مطلقا التي استمرت في ادائها العسكري الذي لا يخضع الى أي نموذج محدد، فاحيانا يرتفع منسوب العلميات بشكل كبير واحيانا اخرى ينخفض الى درجة متدنية ومرد ذلك الى الظروف الميدانية التي تساهم في رفعه وانخفاضه.

 

صعوبة العثور على هدف

ويقول مصدر مطلع ان التراجع الملحوظ في الفترة الاخيرة في عمليات المقاومة بعود الى صعوبة عثور رجالها على هدف "اسرائيلي" ، بعدما قامت قوات الاحتلال بعملية اعادة انتشار ميدانية ارتكزت على تخفيف عديد الجيش "الاسرائيلي" في الشريط بشكل كبير حتى ان التقديرات اشارت الى لان عدد الجنود "الاسرائيليين" المتواجدين في الشريط الحدودي المحتل لا يزيد حاليا على الـ750 جنديا وضابطا معظمهم يعود الى "إسرائيل" بعد انتهاء مهمته العسكرية اليومية في المنطقة المحتلة، في حين ان الباقين ينتشرون في 8 مواقع فقط. ويؤكد المصدر ان حركة الدوريات "الاسرائيلية"     قد تقلصت وتراجعت بحيث انها باتت محسوبة بدقة. وهذا يعني ان التنقلات العسكرية اصبحت نادرة وبالتالي تصعب رؤية الجنود "الاسرائيليين"، الذين اضافوا الى هذه الاحتياطات الدقيقة اسلوب التنقل في سيارات مدنية.

وفي مقابل هذا التخفي "الاسرائيلي" الذي يبرز جليا في المنطقة المحتلة زادت غزارة النيران "الاسرائيلية" البرية والجوية والتي تنبع من اعتقاد العدو ان المبادرة اصبحت في يده بعد تخفيف الخسائر البشرية في صفوفه. ولكن جاءت العملية النوعية الاخيرة التي استهدفت قافلة عسكرية "اسرائيلية" على الحدود اللبنانية - "الاسرائيلية" لتؤكد عقم المراهنات على ايقاف المقاومة لعملياتها وكذلك كرسالة واضحة على ان رجال المقاومة يستطيعون الوصول في أي لحظة الى عمق الشريط المحتل، في اشارة الى حرية تحركهم في المنطقة المحتلة واستهداف الجنود "الاسرائيليين" حتى ولو كانوا على الحدود "الاسرائيلية" - اللبنانية، وهذه ليست المرة الاولى التي تصل فيها المقاومة الى هذا العمق الجغرافي في "الشريط المحتل" ، فقبلها استهدفت موكبا قياديا اسرائيليا في العديسة وهاجمت ايضا قوة "اسرائيلية" على مقربة من اهم واضخم محطة تنصت الكترونية في مركبا، وكان هدفها الرئيسي قتل افراد القوة وليس تدمير محطة التنصت.

 

مضاعفة الضغوطات

ويعتقد المصدر المذكور ان فشل "الاسرائيليين"  في فرض هدنة احادية الجانب سيؤدي الى مضاعفة ضغوطاتهم العسكرية على لبنان والمقاومة عبر اعطاء محال اوسع نسبيا للطيران الحربي والمدفعية في الإغارة والقصف على اهداف متعددة برغم ان التصعيد المرتقب لن يتخطى الحدود المعروفة الذي قد يضع الجنوب على حافة تفجير واسع وخطير كالذي حدث في 24 حزيران المنصرم، وذلك لان "الاسرائيليين" يحرصون كثيرا على تفادي سقوط "الكاتيوشا" مجددا في المستعمرات "الاسرائيلية" حتى لا يثير هذا السقوط ردود فعل سلبية ضد القيادتين السياسية والعسكرية كالتي حدثت بعد "ليلة الكاتيوشا" كما اسمتها الصحف "الاسرائيلية" في حزيران الماضي. وبرأي المصدر المطلع ان الخطة الجديدة التي تحاول "اسرائيل" تطبيقها في الجنوب تقول بالضرب عن بعد مع عمليات عنف محدودة ولتفادي المواجهات المباشرة قدر الامكان، وهو اسلوب لا يمكن تطبيقه الا باستخدام سلاح الطيران الحربي وتوجيه الصواريخ الى اهداف مفترضة للمقاومة وحرفها قليلا نحو المدنيين اذا كانت هناك مصلحة للجيش "الاسرائيلي" في خدمة مآرب سياسية معينة.