أي انسحاب تريده "اسرائيل"

السفير / 22/10/1999


تجمع تحليلات المراقبين على ان الوضع القائم في جنوب لبنان والذي يفرض على "اسرائيل" الانسحاب من جهة ومحاولة التشبث ببعض الاراضي اللبنانية من جهة اخرى يدفعها الى تقليص مساحة الشريط الحدودي الى ادنى حد ممكن.

من المنطقي ان العوامل التي تأخذها "اسرائيل" بالحسبان في ظل عدم التوصل الى انسحاب باتفاق يتلخص في الاتي:

1- السعي الى ضمان عدم وجود قوات معادية لها قرب السياج الحدودي. وذلك لضمان عدم تعرض المستوطنات بشكل مباشر لهجمات.

2- العمل على ضمان دور لمن يتبقى في خدمتها من أفراد الميليشيا اللحدية الذين يقررون ان لا مناص امامهم سوى ربط مصيرهم "باسرائيل".

3- رغبة الجمهور "الاسرائيلي" في دعم بقاء قوات "اسرائيلية" داخل الاراضي اللبنانية.

4- توفير القدرة على المناورة للجيش "الاسرائيلي" بحيث يتمكن من ملاحقة خلايا المقاومة داخل الاراضي اللبنانية.

5- ابقاء مسألة الحدود مع لبنان مسألة مفتوحة لمفاوضات مستقبلية وعدم التركيز عليها راهنا، من خلال اشغال الجميع بالشريط الحدودي الجديد.

6- السعي لاسباب استراتيجية لابقاء الحدود اللبنانية منطقة مشاغلة عسكرية وفق ما يسمى بـ "التوتر المتدني"، خشية ان يؤدي اغلاق هذه المنطقة الى انفجار "عالي التوتر" في منطقة اخرى.

واذا اخذنا هذه العوامل بعين الاعتبار، فان الصيغة "الاسرائيلية" تتحدث عن توجهين في الوقت نفسه:

الاول: تعزيز الحدود "الاسرائيلية" عبر زيادة المواقع العسكرية فيها وتغيير طبيعة السياج الامني، من مجرد سياج انذاري الى سياج عرقلة واعاقة، ويتضمن ذلك، حسب التقارير "الاسرائيلية" حقول الغام على جانبي الحدود وزيادة مواقع الرصد، وتعميق البعد الاستخباري "الاسرائيلي" في لبنان زيادة الطلعات الجوية لسلاح الجو "الاسرائيلي" وطائرات الاستطلاع بدون طيار.

الثاني: سحب القوات "الاسرائيلية" من الاراضي اللبنانية بشكل عمومي وغامض، وتقليص الرقعة التي تسيطر عليه ميليشيا لحد، بحيث تتمكن هذه الميليشيا من السيطرة العسكرية عليها.

وبالنسبة للتوجه الثاني، فان الاحتمالين الاقرب الى الذهن هما: اولا، انهاء الوظيفة المدنية لميليشيا لحد، وبالتالي الانسحاب من جميع المناطق المأهولة، وابقاء سيطرة الميليشيا على التلال والمرتفعات القريبة من الحدود "الاسرائيلية" او تلك الصالحة من الوجهة العسكرية للسيطرة على المنطقة المحيطة.

وثانيا، تقليص الوظيفة المدنية لميليشيا لحد بحيث تتخفف من كثير من الشؤون الادارية واللوجستية، وتتفرغ فقط للسيطرة على بعض القرى والبلدات التي تعتقد ان بوسعها فرض السيطرة عليها، والهدف من ذلك هو الابقاء على فرصة للميليشيا لاستمرار القدرة على تجنيد عناصر جديدة. بمعنى اخر التخلص من القرى التي تعتبر معادية، والابقاء على القرى التي جرت تنمية مصالح لاهلها في "اسرائيل" وخصوصا لجهة العمل.

ويدفع الاحتمال الاول البعض الى الاعتقاد بان الشريط الحدودي الجديد سيكون مقلصا وتحكمه الاعتبارات الامنية فقط، ويرى المؤمنون بهذا الاحتمال ان الشريط الحدودي الجديد سيضم فقط التعديلات التي ادخلتها "اسرائيل" على الحدود مع لبنان. والتي تسميها قوات الطوارئ الدولية في الجنوب بـ"الحدود الفنية" اضافة الى تلال استراتيجية مطلة، بحيث لا يتجاوز عرض هذا الشريط كيلومترا واحدا، ويتيح مثل هذا الشريط الذي سيكون تحت رعاية الميليشيا العميلة ابعاد السياج الحدودي، وبالتالي المستوطنات، عن مجال الرؤية المباشرة وعن مدى الرشاشات الفردية، كما انه يفسح المجال للتصدي لكل محاولة تسلل وقبل وصولها الى السياج الحدودي ذاته.

اما الاحتمال الثاني فانه يشمل مساحة اوسع يرى البعض انها قد تمتد على المساحة التي كانت تحتلها "دويلة سعد حداد" في حين يرى آخرون انها ستكون اقل من ذلك بكثير، لان التغييرات التي طرأت على الوضع الديموغرافي والسياسي في المنطقة لا تتيح مجالا كبيرا لاقامة شريط بمساحة دويلة حداد.

ورغم ان كلا من هذين الاحتمالين ينطوي على نواقص ومزايا بالنسبة "لاسرائيل"، الا ان الرغبة في ابعاد الرأي العام، وخصوصا "الاسرائيلي"، عن الاهتمام بالموضوع اللبناني، تدفع الحكومة "الاسرائيلية" الى محاولة اختيار النهج الاقل انغماسا في الجوانب المدنية في جنوب لبنان. وقد تجد في حالة من الاحوال صيغة تمزج بين الاحتمالين، أي باقامة شريط ضيق له امتدادات محدودة في مناطق سكنية لبنانية.

أي انسحاب؟

فما الذي تريده "اسرائيل"؟ انسحاب، عدم انسحاب ام عدم انسحاب في شكل انسحاب؟

من الواضح ان الغايات التي تتطلع اليها "اسرائيل" هي التي ستحدد الصورة النهائية للخطوط التي ستقدم عليها. ولذلك لا بد من عرض المعطيات التالية:

- باراك لم يتعهد بالانسحاب من جنوب لبنان للرأي العام العالمي او للدبلوماسية الدولية، او حتى للامم المتحدة، بل تعهد بالانسحاب للجمهور "الاسرائيلي" وفي حمى المعركة الانتخابية، وصحيح ان الكثير من الوعود الانتخابية تذوب مع ظهور شمس النتائج، ولكن استحقاقات الانتخابات تتكرر في "اسرائيل" كحد اقصى مرة كل اربع سنوات. واقل من ذلك في ظل خلافات ائتلافية. ولذلك فان هدف التعهد هو الجمهور "الاسرائيلي"، الذي لا يهتم كثيرا بما يجري في لبنان، ولا حتى بالدور "الاسرائيلي" في لبنان، ويهتم فقط بان لا يعود ابناؤه قتلى او مصابين من لبنان.

- لا زال الجيش "الاسرائيلي" يرفض الانسحاب من جنوب لبنان دون اتفاق، ويرى في ذلك مغامرة لا يمكنه تحمل تبعاتها، ولذلك فانه يضع خططه وسيناريوهاته للانسحاب وفق اتفاق، وليس من طرف واحد، ومع ذلك فان الجيش "الاسرائيلي" يقوم في الشهور الاخيرة باختبار وسائل وتكتيكات جديدة ترمي الى التكيف مع تعهد رئيس الحكومة، ومن ابرز هذه التكتيكات، زيادة فعل سلاح الجو "الاسرائيلي" وتقليص وجود ونشاط القوات البرية، ويرمي من وراء ذلك الى تقليص الاصابات في صفوفه، عبر الاستناد فقط الى قذائف المدفعية وسلاح الجو.

- تشير التقديرات الاستخبارية "الاسرائيلية" الى ان الانسحاب من طرف واحد لن يوقف نشاطات المقاومة اللبنانية، وثمة خشية متزايدة لديهم من ان مثل هذا الانسحاب سيدفع خلايا المقاومة الى التربص بدوريات الجيش "الاسرائيلي" على السياج الحدودي، وربما ضرب المستوطنات التي لا يبعد بعضها عن السياج الحدودي سوى بضع مئات من الامتار، ومن الصعب ان تسمح "اسرائيل" لنفسها باحتمال هذه المخاطر، وترى ان فكرة شارون بالتهديد بضربات قاسية للبنى التحتية اللبنانية امر لا يردع المقاومين عن مواصلة عملياتهم.

- يصر رئيس الحكومة "الاسرائيلية" في جميع تصريحاته على انه على غير استعداد للمساومة او المقامرة في الموضوع الامني وسلامة المستوطنين. ومن المنطقي الافتراض انه يريد من الانسحاب الذي تعهد به من لبنان ان يسهم في ذلك وليس ان يناقضه.

- تشكل ميليشيا لحد عبئا واضحا على "اسرائيل" في كل ما يتعلق بمستقبل تحركاتها تجاه لبنان وفي الاساس فان هذه العبء يتجلى في البعدين الاخلاقي والمنفعي، اذ يصعب على "اسرائيل" التي تدرك ان الصراع معها في المنطقة لن يتوقف بانسحابها من لبنان ان تضع نفسها في هيئة من يتخلى عن حلفائه، ومن الناحية النفعية، لا تريد "اسرائيل" ان يشكل مثل هذا الخيار سابقة تحول دونها، او حتى تعفي أي تحالفات مستقبلية مع قوى اخرى.

- واخيرا تدرك "اسرائيل" ان ما يثيره البعض في "اسرائيل" من انصار الانسحاب من طرف واحد، حول ان مثل هذا الانسحاب يسحب البساط من تحت اقدام سوريا في لبنان ويصادر من يدها ورقة ضغط، ليس سوى سراب، خصوصا وان الانسحاب "الاسرائيلي" من لبنان، وحسب كل الدلائل لن يكون كاملا، على الاقل من وجهة النظر اللبنانية، الامر الذي، وبالجوهر، لن يلغي مبرر المقاومة، ولن يلغي الدور السوري في لبنان.

وازاء هذه المعطيات يمكن الافتراض ان المنطق الاستراتيجي "الاسرائيلي" يميل الى اخذ جميع هذه الجوانب بعين الاعتبار.

وفي ظل صعوبة التوصل الى اتفاق للانسحاب، وبعد ان تراجعت حكومة نتنياهو عن مبدأ المطالبة باتفاق سياسي ورفضت الحكومة اللبنانية فكرة الاتفاق الامني، وصعوبة تغيير دور قوات الطوارئ الدولية، وتعهد باراك بالانسحاب، يغدو المخرج المطلوب احد الالغاز الكبرى المتوقع ايجاد حل لها في الشهور القريبة.

فالانسحاب من طرف واحد لا يضمن امن المستوطنات "الاسرائيلية"، والحكومة "الاسرائيلية" تريد ضمان الامن.

والحكمة "الاسرائيلية" تريد الانسحاب، ولكن من دون التخلي عن ميليشيا لحد، كما انها تريد ابرام اتفاق جديد حول الحدود مع الحكومة اللبنانية يعيد ترسيم الحدود بشكل يضمن افضلية "لاسرائيل" مستقبلا عن الحدود السابقة.

وبعد ان سئمت الحكومة "الاسرائيلي" من الدور المدني لميليشيا لحد، تريد الغاء هذا الدور والابقاء على الميليشيا بشكل جديد.

وكل هذا يعيد الى الاذهان سابقة اجتياح الليطاني عندما اعلنت "اسرائيل" انسحابها واقامت في ظل الانسحاب "الشريط الحدودي".

واذا كان مثل هذا "الانسحاب الجديد" لا يرضي احدا خارج "اسرائيل" فانه على الاقل مرض للجمهور "الاسرائيلي"، وهذا ما يكفي باراك على الاقل في المرحلة القريبة.