أوهن من بيت العنكبوت:
الهلع والخوف يدفعان الصهاينة نحو الهجرة المضادة

 

جهاد حيدر


يختلف مفهوم الهجرة في الفكر اليهودي ـ الصهيوني عن المفهوم الاعتيادي للكلمة، فالهجرة في المشروع الصهيوني، المتمثل أساسا في إقامة الدولة اليهودية على ارض فلسطين، هي حركة سياسية أيديولوجية تخدم هذا المشروع، وهي عماد حيويته واستمراره وقوته. ومن هنا استخدمت الحركة الصهيونية كل الوسائل المتاحة لها في سبيل تعزيز الهجرة وتناميها لاستقدام اليهود من كل أرجاء العالم، بدءاً من التعبير اللغوي وما يعكسه من أبعاد ودلالات، مرورا بالمفهوم الديني والتاريخي وصولا إلى البعد السياسي والأمني خاصة بعد قيام الدولة.

غني عن الذكر أن حركة الهجرة والاستيطان اليهودي قبل تأسيس الكيان “الاسرائيلي” وبعده تُرادف وجود الدولة وديمومتها، وما تراجع وتيرتها أو انتفاؤها أو تحوّلها إلى هجرة مضادة إلا تأشير ودلالة على بدء العد العكسي لزوال هذا الكيان، خاصة أن العامل الديموغرافي هو هاجس حقيقي للحكومة الصهيونية، إذ ان نسبة العرب فيه هي 18.7 بالمئة.

بدأت الهجرة اليهودية المُنظَّمة إلى فلسطين في نهاية القرن التاسع عشر، إذ تحوَّلت إلى حركة منظمة هادفة، لها مؤسساتها ومصادر تمويلها بداية مع حركة "أحباء صهيون"، ومن ثم انتقلت لاحقا إلى تمويل وإشراف وتنظيم من قبل الحركة الصهيونية ولا تزال. وقد امن ستقدام المستوطنين اليهود إلى فلسطين العنصر البشري الذي مكّن من إعلان الدولة الصهيونية واستمرار تدفق المستوطنين إليها، وبعد قيام الدولة ساعد على تثبيت وجودها وتقويتها، إذ ان العلاقة ما بين تعداد اليهود في فلسطين وقدرة الكيان “الاسرائيلي” على التوسّع هي علاقة عضوية، وهذا المفهوم هو أحد الأسس التي اعتمد عليها حزب "مباي" بزعامة بن غوريون للقبول بإعلان دولة “اسرائيل” على المساحة التي تم الإعلان عنها عام 1948، وبالتالي رفض دعوة حزب "حيروت" بزعامة مناحيم بيغن وغيره للسيطرة على ارض فلسطين الكاملة، باعتبار أن العامل الديموغرافي لا يسمح بإقامة الكيان “الاسرائيلي” على أكثر من هذه المساحة مع المحافظة على الأغلبية اليهودية فيه.

تكثيف الهجرة إلى “اسرائيل” هو مطلب ثابت تتبناه جميع الأحزاب الصهيونية في برامجها السياسية والانتخابية، بل هو من أول الأهداف الرئيسية للاستراتيجية التي تسعى إليها في حركتها السياسية والأمنية. ومنذ بدء الاستيطان الصهيوني في فلسطين دأبت الحركة الصهيونية على استغلال الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية لليهود المنتشرين في سائر بقاع الأرض واستقدامهم إلى فلسطين، ما أمَّن لها أغلبية ملموسة وصلت إلى 81.2 بالمئة من ساكني الدولة بحسب آخر إحصاء صدر في الأسبوع الماضي عن "المكتب الوطني للإحصاء"، وهو ما يقارب 5.243.000 يهودي من أصل 6.458.000 هم كامل تعداد السكان. علما أن نسبة اليهود “الاسرائيليين” من يهود العالم والبالغ تعدادهم 13.250.000 هي 38 %، إذ تحتل الولايات المتحدة الأميركية المرتبة الأولى في سلم الدول التي تضم أكبر عدد ونسبة من اليهود تليها “اسرائيل” ففرنسا ثم كندا.

وكان أغلب عمليات هجرة اليهود قد تم نتيجة لاستغلال الحركة الصهيونية لأحداث أمنية أو تطورات اقتصادية في البلدان التي كان اليهود يقطنون فيها، كالهجرات الأولى من روسيا بسبب الأحداث الدموية التي وقعت فيها في بدايات القرن الماضي، أو لوصول النازية إلى الحكم في ألمانيا والحرب العالمية الثانية، إضافة إلى هجرات أخرى كالهجرة الكبرى من دول الاتحاد السوفياتي التي تتميز في غلبة الطابع النفعي عليها (أي ليست أيديولوجية صهيونية).

وواصلت الحركة الصهيونية استغلال الأوضاع الأمنية لليهود في كثير من الدول وخاصة الاشتراكية منها، لغاية التسعينيات، إذ كانت الدعاية الصهيونية تركِّز على الأمن الشخصي لليهودي المهاجر ممن يرى نفسه مستهدفا لإثنيته في دولته الأم، إلاَّ أن هذا المنحى أخذ بالتراجع مع تفكّك الاتحاد السوفياتي، ما دفع الحركة الصهيونية للتركيز على تحسين ظروف المهاجرين الاقتصادية وسَنّ عدد كبير من القوانين وإقامة مشاريع واسعة لتحسين فرص حياة المهاجرين في الكيان “الاسرائيلي”، ما مكَّنها من استقدام أكثر من مليون مستوطن من دول الاتحاد السوفياتي السابق.

ومع تدني عدد اليهود من دول رابطة الكومنولث وتحسن الوضع الاقتصادي والسياسي هناك، واختيار الأغلبية منهم الهجرة إلى الدول الغربية أو “اسرائيل” ، أصبحت الهجرة اليهودية في وضع دقيق، إذ أصبح من اللازم ـ أكثر من ذي قبل ـ على الحركة الصهيونية إيجاد مناخ من الاستقرار الأمني والرفاه الاقتصادي وفرص العمل للمخاطَبين بالهجرة، فأغلب هؤلاء اصبحوا الآن موجودين في دول تنعم بمثل هذه المزايا. ومما يزيد من الإشكالية، انه لم يعد هناك دول شمولية (كالشيوعية السابقة) يُراهَن على حصول تطورات فيها تدفع اليهود إلى الهجرة. وتُركِّز الوكالة اليهودية حاليا على بلاد كالأرجنتين (521 ألف يهودي) وجنوب افريقيا (حوالي 80 ألف يهودي) في محاولة لاستغلال الوضع الاقتصادي المتدهور في الأرجنتين ووصول السود إلى الحكم في جنوب افريقيا.

ومن هنا يتبين مدى أهمية وأولوية التسوية في المنطقة بالنسبة لـ “اسرائيل” ، إذ انها خير سبيل لتحقيق استقرار أمني ـ سياسي وازدهار اقتصادي. فلا سبيل لمعاودة الوتيرة المعتادة للهجرة وتشجيع اليهود في القدوم اليها إلا في حال توافر مناخ الاستقرار والرفاه، وهو أمر يتحقق مع متابعة التسوية على قاعدة توفير الأمن للكيان.

أمام هذه المعطيات التي تم ذكرها، وفي تركيبة المجتمع الصهيوني النفسية والفكرية والسياسية، أتت انتفاضة ومقاومة الشعب الفلسطيني لتحوِّل حياة الصهاينة إلى جحيم، ولتسلب منهم الأمن الشخصي والازدهار الاقتصادي والأماني في تحقّق التسوية وترسيخ الدولة في المنطقة، مما رسّخ في الوجدان اليهودي (داخل “اسرائيل” وخارجها) الشعور بالخطر الحقيقي على الأمن الشخصي، وعلى وجود الدولة نفسها وبالتالي على الهجرة إلى فلسطين، بل انه دفع كثيرا من اليهود المقيمين فيها للسعي نحو الهجرة إلى دول أخرى، كالولايات المتحدة الأميركية وبعض دول أوروبا الغربية.. ومما يعزِّز من هذا الاتجاه وخطورته على المشروع الصهيوني، هو أن ارتباط اليهود في الأساس بأرض “اسرائيل” هو ارتباط هش مصطنع لم تستطع الحركة الصهيونية تجاوزه بالرغم من تجربة 53 عاما من "بوتقة الصهر".

وتُوضح الدراسات والإحصائيات الصادرة بشكل دوري في الكيان “الاسرائيلي” تجلي هذه الحقيقة لدى اليهود، حيث أوردت صحيفة "هآرتس"في ملحقها (4/5/2001) في تقرير بعنوان: "شكرا نحن باقون في روسيا" معطيات وزارة الداخلية “الاسرائيلية” حول هجرة المستوطنين إلى فلسطين، إذ سُجِّل انخفاض واضح في الأشهر الأخيرة من العام الحالي في العدد الإجمالي للمهاجرين الذي يُشكِّل المهاجرون من دول الاتحاد السوفياتي السابق نسبة 85 % منه. ويورد التقرير انه في شهر أيلول/سبتمبر من العام الماضي (الشهر الذي انطلقت فيه الانتفاضة) شهد انخفاضا بنسبة 22% مقارنة مع أيلول/سبتمبر من عام 1999. أما في شهر تشرين الثاني/نوفمبر فقد سجل انخفاضا بنسبة 34% مقارنة مع ذات الشهر من العام 1999، بينما في كانون الأول/ديسمبر من نفس السنة انخفض عدد المهاجرين إلى 39%، وتواصل النسبة في الانخفاض بشكل مطّرد.

وبالرغم من أن الحديث عن النية في الهجرة المضادة يعتبر في “اسرائيل” نوعا من الضعف والتخاذل ويتحاشى اليهود عادة حتى من التطرق إليه، إلا أن الأوضاع الأمنية والخوف على الذات دفعا 28 % من الفئة العمرية ما بين 25 - 43 ممن شملهم استطلاع معهد "موتغيم" لمصلحة ملحق "هآرتس" بتاريخ 6/9/2001، للتجرؤ والإعراب عن تفكيرهم الجدي بالهجرة المضادة خارج “اسرائيل”. ويشير الاستطلاع أيضا إلى أن الأغلبية من بين “الاسرائيليين” لا ينظرون نظرة سلبية تجاه من يغادرون الدولة في هجرة معاكسة، وهذا يشير إلى العلاقة العضوية ما بين الاستقرار الأمني والسياسي في فلسطين ونسبة الهجرة المضادة منها، حيث كلما ازداد التدهور الأمني كان الإقبال على طلبات الهجرة (المضادة) اكبر والعكس بالعكس (هآرتس 6/9/2001). وهو ما دفع رئيس الوكالة اليهودية سالاير ميريدور إلى القول بأنه إذا ما استمرت معدلات الهجرة في وتيرتها الحالية المنخفضة فسيكون العام الحالي هو الأقل من حيث عدد المهاجرين منذ 11 عاما، مشددا على أن "مستقبلنا كدولة خاصة باليهود يتوقف على استمرار الهجرة اليهودية".

وتعتبر الشريحة “الاسرائيلية” الأكثر ملامسة لمفهوم الهجرة المضادة هي الشريحة المهاجرة حديثا في العقد الماضي، واغلبها من دول الاتحاد السوفياتي السابق، إذ لا يحتاج المهاجر من هؤلاء سوى إلى إجراءات بسيطة لمغادرة “اسرائيل” ، خاصة ان ارتباطه بالدولة هو ارتباط نفعي بشكل أساسي، وحين انتفاء النفعية أو التعرض للخطر على الذات، فإن أولوياته تتحول نحو الهروب إلى أمكنة أكثر أمنا واستقرارا.

من هنا تبرز أهمية الانتفاضة والمقاومة المسلحة الفلسطينية وأهمية استمراريتها ودورها في إزالة الكيان “الاسرائيلي”. والسؤال هو عن صورة المجتمع الصهيوني في حال تفاعل المقاومة في فلسطين وتطورها نحو الشمولية في المواجهة لتتحول كل فلسطين إلى جبهة ملتهبة، فإذا ما كانت “اسرائيل” تملك القدرات العسكرية الهائلة إلا أنها تبقى "أوهن من بيت العنكبوت".

صندوق:

سالاير ميريدور:إذا استمرت معدلات الهجرة على وتيرتها الحالية المنخفضة فسيكون العام الحالي هو الأقل من حيث عدد المهاجرين منذ 11 عاماً