الدعم الأميركي للقدرة النووية الاسرائيلية واستسخافه بالمعاهدات الدولية

خالد الحروب

كاتب وباحث عربي - كامبردج

الاتحاد الاماراتية 22/4/2000


تُعقد في نيويورك اجتماعات الأمم المتحدة التي تشارك فيها غالبية دول العالم لإجراء المراجعة الدولية على آليات الانتظام والالتزام بمعاهدة حظر الاسلحة النووية · وكانت آخر دورة لهذا الغرض قد انعقدت سنة 1995 واتفق فيها على مجموعة من القرارات ألزمت بمجملها الدول النووية الكبرى وخاصة الولايات المتحدة بالعمل الجاد والمبرمج على دفع بقية دول العالم غير الموقّعة على المعاهدة للانخراط فيها وبالتالي الخضوع لبرامج التفتيش والمراقبة الأممية التي تشرف عليها وكالة الطاقة الذريـة · ونتذكر جميعاً أن النقاش العربي قد احتد في تلك المناسبة وقادته مصر آنذاك وكانت بوصلته مطالبة المجتمع الدولي بإخضاع اسرائيل وضمها للدول الموقعة على المعاهدة، بل والتهديد بأن مصر لن توقع على المعاهدة ما لم تفعل اسرائيل ذلك· ولم تقبل مصر بتغيير موقفها ذاك الا عبر التعهد الأممي والاميركي بالعمل خلال السنوات الخمس التي ستفصل بين دورة 1995 والدورة الحالية باتجاه ضم اسرائيل وكذا الدول المعدودة القليلة غير المنخرطة في المعاهدة وهي باكستان والهند وكوبا·

والسؤال الذي يبرز الآن هو من شقين: الأول معني بتقييم الجهد الاميركي وجديته، ان وجد، خلال السنوات الخمس الى صيغة من اجل اقناع اسرائيل للانضواء تحت مظلة الاتفاقية الدولية· وبالتالي السير نحو حظر انتشار اسلحة الدمار الشامل في المنطقة· والثاني معني بقراءة الموقف العربي المتوقع أو المفترض إزاء العناد والتمرد الاسرائيلي، المدعوم بموقف اميركي بالغ الفجاجة في هذا الميدان ·

حول الشق الأول يشير مجمل الاحداث والسياسات وتفاصيل العلاقات الاميركية - الاسرائيلية على الصعيد العسكري الاستراتيجي الى كل ما يخالف ويناقض اي توجه اميركي، بافتراض وجوده، نحو اجبار اسرائيل او بالاحرى اقناعها بالالتزام بمعاهدة حظر السلاح النووي · والمنحنى الذي ضبط ولا زال يضبط نوع وتصاعد العلاقة الثنائية يؤكد محوراً استراتيجياً صارماً يقوم على الدعم الاميركي الذي لا شبهة فيه والمتوارث عبر القيادات الديموقراطية والجمهورية في واشنطن والملتزم به أمام القيادات الليكودية والسعي اليه في تل ابيب والقاضي بالالتزام بدعم البرنامج النووي الاسرائيلي· واذا تذكرنا ان هذا الالتزام قديم وليس فيه جديد اذ يعود الى سنة 1969 حين تعهدت الادارة الاميركية آنذاك بتأييد ودعم هذا البرنامج لقاء التزام اسرائيل ان لا تعلن عن نفسها دولة نووية بشكل صريح · منذ ذلك التاريخ والادارات الاميركية تعيد التأكيد على ذلك الالتزام وتطوره بما يعني تزويد اسرائيل مباشرة أو غير مباشرة بكل ما من شأنه تقوية ذلك البرنامج وضمان تفوق استراتيجي وميزان قوي بالغ الميلان لصالح اسرائيل· وكان آخر الالتزامات الاميركية في هذا الصدد قد صدر من دون ضجة على شكل تفاهم استراتيجي في اليوم التالي للتوقيع على اتفاق واي بلانتيشن في اكتوبر 1998 خلال عهد نتانياهو · ويطلب ايهود باراك ومنذ تسلمه الحكم في اسرائيل بتجديد هذا التفاهم عن طريق رسالة موجهة له مباشرة ، كزعيم عمالي، تؤكد على التزام واشنطن بدعم القدرة الاستراتيجية الاسرائيلية وهي الاسم الرمزي المتفق عليه للبرنامج النووي الاسرائيلي·

وخلال العقود الماضية التي شهدت محطات بارزة واتفاقات استراتيجية متعددة بين الطرفين تضمن بقاء السلاح النووي الاسرائيلي وتصد عنه الانتقاد وتقلل من الاهتمام الاعلامي به، كانت معاهدة حظر الاسحة النووية العالمية تتقدم على اكثر من صعيد وتنضم اليها عشرات الدول بما فيها الدول العربية، وكانت واشنطن ترفع لواء وشعار الدولة المحبة للسلام في العالم وتحث الدول على الانخراط في هذه المعاهدة والبقاء بعيداً عن السلاح النووي·

نعود الآن الى تناول الشق الثاني من السؤال المذكور اعلاه وهو بشأن الموقف العربي المتوقع أو المفترض·

 من المتوقع ان نسمع انتقادات عربية شديدة بطبيعة الحال تجاه الاستثناء الاسرائيلي والتغطية الاميركية له · هذا رغم ان هناك تخوّفا حقيقيا من أن واشنطن قد تتمكن من اختراق الموقف العربي وتمنع صدور اي موقف موحد شديد اللهجة عن طريق الضغط الانفرادي والثنائي على بعض الدول · خاصة وأن الادارة الاميركية قد أعطت وعداً صريحاً في الايام الاخيرة الماضية الى تل أبيب بأنها ستبذل كل جهدها حتى لا تتحول اجتماعات نيويورك الى مناسبة لانتقاد اسرائيل وتسليط الضوء على برنامجها النووي · لكن يبقى الموقف العربي وتشكيله منوطا في آخر الأمر بالموقف المصري، والذي قد يأخذ واحداً من اتجاهين : الأول عدم الموافقة على التجديد المطلق والتوقيع على المعاهدة ما لم يتم تطبيق ذلك على اسرائيل وتنفيذ بنود اتفاق المراقبة في دورة 5991· والثاني إثارة حملة إعلامية ضد التمرد الاسرائيلي والتغطية الاميركية له ، لكن العودة في نهاية الأمر الى تجديد التوقيع على المعاهدة وعدم الانسحاب منها · والقراءة العامة لعناصر السياسة الخارجية المصرية تشير الى اننا اقرب الى الموقف الثاني خاصة وان مصر الآن تجدول سياستها الخارجية بناءً على بوصلة جيو-اقتصادية تنافس البوصلة الجيو-سياسية التقليدية  وهذا معناه الاهتمام بايجاد مناخ استقرار عام في مصر يجذب الاستثمارات الخارجية ويشجع التجارة الدولية ويضاعف من الصادرات· وعلى ذلك فإن اي انسحاب من المعاهدة أو التزام خط متشدد قد يثير مناخات لاتخدم البوصلة الجيو-اقتصادية· علينا ان ننتظر ونر!!