امن "اسرائيل" ومبررات العدوان
قراءة في السلوك السياسي لايهود باراك

مصطفى الولي
كاتب فلسطيني مقيم في دمشق


مقدمة:

بعد سنة ونصف من حكم ايهود باراك، بات من الضروري تقويم سياسته الخارجية وخصوصا على مستوى التسوية.

واذا جاء باراك على قاعدة من الشعارات التي روجت لاطروحته السلمية، فان السنة ونصف السنة من ترؤوسه للحكومة "الاسرائيلية" اكدت ان باراك لم يخرج عن معادلة اسلافه، القائمة على ابقاء "اسرائيل" "الدولة الثكنة".

و"الدولة الثكنة" هي نظرية سياسية ملخصها الركون لعسكرة المجتمع والارتباط بحبال العداء مع دول الجوار، وهو الامر الذي ينطبق تماما على "اسرائيل"، التي قامت بالقوة العسكرية، وتستمر بالقوة العسكرية.

في هذا الموضوع، اعادة تسليط الضوء على طريقة حكم باراك، وبالتالي التأكيد مرة اخرى. ان دولة مثل "اسرائيل"، هي دولة حربية اولا واخيرا. وما ادعاءات السلام التي تروجها في خطابها الاعلامي، سوى تعبيرات كلامية الهدف منها خلق رأي عام دولي مؤيد لافعالها العدوانية، وممارستها العسكرية، وكل ذلك تحت عنوان "امن "اسرائيل"". اذ تحت هذا العنوان، تبرر "اسرائيل" سلوكياتها العدوانية المصوبة نحو العالم العربي.

 

اتسم المشهد السياسي "الاسرائيلي" في التسعينات باحتدام الصراع الداخلي، عبر عنه بوضوح اضطراب اراء المؤسسة السياسية. فخلال هذه الفترة الزمنية القصيرة تعاقب على منصب رئاسة الحكومة خمسة زعماء (شامير، رابين، بيريز، نتانياهو، باراك) ثلاثة منهم لم يكملوا المدة الزمنية التي يحددها القانون (اغتيل رابين، لم يكمل بيريز مشواره بعد الفترة الانتقالية، انهار تحالف نتانياهو اليميني) وفي ذات الفترة برزت إلى السطح ظاهرتان: تكاثر عدد الكتل والقوائم المتنافسة، وتقهقر دور الحزبين الكبيرين (العمل، الليكود). اضافة إلى تطبيق قانون الانتخاب المباشر والمستقل لرئيس الوزراء (دورة انتخابات 1996 المبكرة) ولعل هذا المشهد المضطرب والمتوتر، بما يلوح به من استقطابات حارة، هو الخلفية التي حفزت ايهود باراك على تشكيل تحالفه الانتخابي (ايار 1999) تحت عنوان "اسرائيل" واحدة، دون ان يخفي رغبته في اعادة ترتيب البنى الحزبية، حين المح في مقابلة له ابان انتخابات حز ب العمل 1997، إلى انه يسعى إلى استعادة تمثيل المعسكر القومي، غامزا من قناة العتب على رابين وبيريز، بتمكين الليكود احلال هذا المربض.

ان المفارقة الظاهرة للعيان في وضع "اسرائيل"، هي في تلازم حدة الصراعات الداخلية وتصاعدها مع مناخات دولية، واقليمية كان يفترض بها ان تنعكس ايجابيا على آلية الحياة السياسية في بنية الدولة والمجتمع "الاسرائيليين". فعلى الصعيد الدولي كان انهيار المنظمة الاشتراكية وتفكك الاتحاد السوفياتي، انتصارا للمركز الامريكي الذي يمثل الحاضن الاول للدولة العبرية. على الصعيد الاقليمي تدهور الآراء في الصراع العربي مع "اسرائيل"، وما لبث ان وصل إلى الحضيض اثر حرب الخليج الثانية. ويفترض هنا تراجع وانحسار عوامل الخطر والتهديد التي دأبت "اسرائيل" في دعايتها ودبلوماسيتها على ابرازها، تبريرا وتسويفا لما يسمى "حساسية الامن القومي لدولة "اسرائيل"".

رغم ذلك، لم تهدأ او تتراجع استخدامات مقولة (مقولات) امن "اسرائيل" في الخطاب السياسي العام واليومي. حتى في الصراع الانتخابي الاخير بين نتانياهو ـ باراك، جرى تراشق واسع وشديد للتهم بتعريض امن "اسرائيل" للخطر، واقتصر باراك في رده باستخدام عبارة: لن يعلمني نتانياهو ما هو امن "اسرائيل". قبل ذلك بعدة سنوات، استخدم قاتل رابين تهمة الخيانة القومية للاجهاز على ضحيته.

السؤال الذي يلح بعد قدوم باراك إلى رئاسة الوزراء، وشكل هاجسا يوميا في الوسط "الاسرائيلي" هو: هل سيتمكن ايهود باراك من تجاوز المشكلات المعقدة التي عجز اسلافه عن توفير شروط حلها؟ وما هي الخيارات الاستراتيجية التي سيعمل بها باراك في تلبية هاجس امن دولة "اسرائيل"؟

في المراحل السابقة، حين كانت الحرب الباردة على اشدها، مترافقة مع احتدام في الصراع العربي ـ "الاسرائيلي"، اوجدت "اسرائيل" لنفسها موقعا في قلب الاستراتيجية الكونية للولايات المتحدة، وذلك من خلال قيامها بدور الموقع المميز اعتمادا على آلتها العسكرية. وربطت بشكل ناجح بين وظيفة العدوان خدمة لاستراتيجية امريكا في اخضاع المنطقة، وبين تطور حلقات مشروعها الخاص "دولة ليهود العالم على ارض الميعاد" واستخدمت في سبيل ذلك ذريعة الخطر العربي على وجودها، ونجحت إلى حد بعيد في اخفاء العوامل الجوهرية لاستراتيجية الهجوم والعدوان.

الامر الذي لا يرقى اليه الشك، ان النجاحات العسكرية التي حققتها "اسرائيل"، وفرت لها تعاظما في مكانتها لدى صناع القرار في واشنطن. وجسدت بذلك مقولة: ان ليس للغرب في الشرق افضل من الغرب نفسه كما هي "اسرائيل". وبذخت عليها امريكا كما لم تفعل مع اية دولة من قبل، وتكشف هذا في انتاج مقولة امريكية هي: ان امن "اسرائيل" هو جزء من الامن القومي الامريكي. وحقيقةً ان "اسرائيل" لم تكن تلعب دورا استراتيجيا للمصالح الامريكية في منطقة الشرق الاوسط فحسب، انما في عمليات تسلح وتدريب وتجسس في امريكا اللاتينية وآسيا وافريقيا للقوى والدول التي تهم الولايات المتحدة في اطار الصراعات العالمية.

لكن الشك الكبير الذي برز مبكرا لدى النخبة "الاسرائيلية"، وفي مركز صنع القرار في المؤسسة "الاسرائيلية"، فلقد دار حول استكمال مشروع الصهيونية (الدولة القومية) وظهرت علامات القلق في تداول الافكار والتصريحات والتصريحات المضادة. فبموازاة تطور الدولة كحالة عسكرية او ما يطلق عليه القليل من الباحثين المتخصصين "الدولة الثكنة" كان خط سير "الدولة القومية" بطيئا، مربكا، لا يعد بتحقيق الآمال المرسخة في الحلم والوعي الصهيونيين. فبالرغم من التوسع في رقعة الارض التي تقوم عليها الدولة وتحتلها، خاصة بعد حرب حزيران 1967، لم يكن التوسع في التعداد البشري موازيا لشغل المساحة المسيطر عليها بالاداة المسلحة. ولولا تدفق المهاجرين الروس في اواخر الثمانينات ومطلع التسعينات، وعشرات آلاف من يهود الفلاشا، لأمكن القول انه لم يعد هناك قطاعات يهودية راغبة في القدوم إلى "اسرائيل"، وتجدر الاشارة إلى شذوذ المعاني التي تركتها هجرة اليهود الروس والفلاشا، عبر عنها في عدم ارتياح داخل المجتمع "الاسرائيلي". فهي باختصار بعيدة عن الرمزية المعهودة لمبدأ "عودة يهود العالم إلى ارض الوطن القومي".

تعبيرا عن القلق حول مصير "الدولة القومية" اخذت ظواهر عدة طريقها إلى المداولات الفكرية والعملية للتخفيف من اختلال التوازن. منها مثلا مشروع آلون اثر حرب حزيران، والذي يقضي بـ : اكبر مساحة من الارض (الضفة والقطاع) واقل عدد من السكان عليهما. وهو ما يمكن مقاربته بفكرة تقول : اذا لم يكن التهويد للارض ممكنا بحضور اليهود، فليكن بتغييب العرب عنها. وكذلك في السبعينات طرح ما يسمى بمشروع كينبغ الذي يقترح سبلا عنصرية سافرة للتعامل مع القطاع الغربي في الجليل وبقية المناطق العربية داخل رقعة الدولة 1948، وبهدف الحد من نموهم الديمغرافي. وفي مطلع الثمانينات تسائل الجنرال (يسرائيل تل) : هل نحن الشعب اليهودي، سنعيل انفسنا ام سيبقى الآخرون يعيلوننا؟ فالسياسات الاجتماعية للمجتمع الصهيوني وعلاقاته الدولية وانفاقه الامني اصبحت كلها تقريبا خارج نطاق القرار "الاسرائيلي" المستقل، واشار إلى خطورة حلول قوة العمل العربية، بعد حرب حزيران محل قوة العمل اليهودية، في البناء والزراعة، في الصناعة الخدمات. طيلة المراحل السابقة، قبل التسعينات، كانت النخبة "الاسرائيلية" في مراكز صنع القرار، تتجاوز آثار الخلل في الشق المتعلق بـ "الدولة القومية" أي الشق اليهودي من المشروع، بالاعتماد على تطور وظيفة الشق الاخر وهو نجاعة الاداء لدور الدولة الثكنة، وما يوفره لها من ضبط للتوازن في اوجه النشاط في البنية الداخلية، اقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا.

مع التطورات الجذرية عالميا واقليميا، خاصة في محطة حرب الخليج الثانية، وتحت تأثير استبعاد "اسرائيل" من الانخراط فيها، لا نزولا عند قرار الادارة الامريكية. ثم الدعوة الاميركية (ادارة بوش) إلى عقد مؤتمر مدريد لتسوية الصراع العربي ـ "الاسرائيلي"، استشعرت نخبة الزعامة "الاسرائيلية"، وبتقديرات مختلفة، ان هناك مرحلة جديدة وحاسمة في تاريخ "اسرائيل"، دورا، ووظائف، وآفاق مستقبلية. ولقد واجه اسحق شامير الرغبة الامريكية لعقد مؤتمر مدريد، بتحد مكشوف ما لبث ان كلفه خسارة رئاسة الحكومة لمصلحة اسحق رابين.

لعل ما يفسر الاضطراب في المشهد "الاسرائيلي" الداخلي، في هذه المرحلة (بعد التطورات الدولية والاقليمية في التسعينات) هو تكامل الازمة من الجانبين : اولا ذلك القلق القديم والمتواصل على مشروع "الدولة القومية واستكمالها" والقلق الذي جاء به التحولات الجذرية على المستوى العالمي والاقليمي. وما يكشف عنه من احتمالات تتعلق باهتزاز موقع "اسرائيل" في المركز الامريكي. ولقد ورد في مداولات الباحثين الاستراتجيين في "اسرائيل" والغرب ما يرمز إلى هذا القلق ويلخصه، في صيغة سؤال لم تكتمل الاجابة عليه بعد، وهو: هل لا تزال "اسرائيل" ذخرا للاستراتيجية الامريكية ام انها اخذت تتحول إلى عبء عليها؟

فكريا وتخطيطا، وسط هذا المناخ، برزت اقتراحات من اعلى المراكز. في المؤسسة "الاسرائيلية". اهمها، مشروعان متناقضان جذريا وفق ما تتسم به بنية المؤسسة السياسية وما هو مترسخ في وعي الجمهور "الاسرائيلي". واخذت كافة الطروحات الجزئية والتفصيلية تجري باتصال مع واحد من المشروعين بوجه المشروع الاخر.

 المشروع الا ول، الذي عرف بـ : الشرق الاوسط الجديد، المقدم من شمعون بيريز. والمشروع الثاني، مكان تحت الشمس (مكان بين الامم) الذي قدمه بنيامين نتانياهو. القاسم المشترك الوحيد بين هذين المشروعين، كما بين كافة الآراء الاخرى المتداولة، هو الاقرار بالمتغيرات النوعية، وبضرورة العمل على ايجاد موقع لدولة "اسرائيل" فيها، يحقق المصالح العليا للدولة ويمكنها من مواكبة استحقاقات الترتيبات الجديدة، واخذ موقع هام فيها.

المنطلق الاساسي لشمعون بيريز، استدراك احتمال بطالة او عطالة الوظيفة العسكرية للدولة (الثكنة) او على الاقل تدهور بعض رصيدها في المعادلات الجديدة للاستراتيجية الامريكية، ولمصالح الدول الاوروبية. واعتماد استراتيجية جديدة توفر لـ"اسرائيل" موقعا مناسبا من خلال الاقتصاد والتكنولوجيا والمال، يعيد فرض مكانتها امريكيا واوروبيا، كضرورة وبموقع متميز عن سائر الدول الاقليمية. إلى جانب استعداد لتسوية الصراع مع المحيط العربي، وباقرار تنازلات عن مفاهيم متأصلة في "اسرائيل" حول الامن. وصاغ معادلته في هذا الموضوع بـ : السلام يحقق الامن.

على النقيض تماما كان تصور نتانياهو. فهو غلب مشروع "اسرائيل" كبرى بشريا وجغرافيا، مع مغالاة في استخدام مفهوم الردع والقوة. وبتعرض للموقف الامريكي توجه بدعوات إلى السعي للاستقلال الاقتصادي، وبتحذير من الرضوخ لما اسماه ضغط الخارجية الامريكية، والاحتكارات النفطية في الولايات المتحدة، التي وصفها بالاستعداد لمحاباة العرب والتخلي عن دعم امن "اسرائيل". ولخص موقفه من السلام بـ: الامن طريق السلام، والقدرة على الردع تتطلب التمسك بالارض. واتهم خصمه بيريز بانه من دعاة "ما بعد الصهيونية" أي وقف العمل باستكمال المشروع الصهيوني "دولة لكل يهود العالم".

في غضون ذلك، ووسط سجالات عنيفة داخل "اسرائيل"، كان الاداء السياسي لحكومة رابين حذرا، يتجنب المساس بالخطوط الحمر لنسيج الوعي والثقافة الصهيونيين، لكنه اتهم بالخيانة وتهديد الامن القومي لانه قبل التفاوض مع منظمة التحرير، ووقع معها اتفاق اوسلو، وكان ذلك كافيا لاصدار حكم الاعدام عليه من اليمين، والذي نفذ برصاصات اودت بحياته.

والسؤال الذي طرح في عهد باراك: إلى اين سيتجه الرجل في هذه العاصفة الهوجاء؟

لقد تمتع رئيس الوزراء المنتخب (ايار 1999) بمؤهلات كثيرة، في مقدمتها انه رجل العمليات النوعية الخاصة، بما لذلك من رمزية في سيكيولوجيا مجتمع يقتات توازنه النفسي من : خطر دائم وقدرة على التحدي. وهو جنرال متفوق بامتياز داخل العمود الفقري للدولة (الجيش). وانخرط في العمل السياسي المباشر في الزمن المتوتر والمضطرب داخل "اسرائيل"، وبرع في قراءة اللوحة المعقدة للبنى البرلمانية والحزبية، تدل عليها تكتيكاته في التحالفات الانتخابية التي جاءت به إلى الموقع الاول، كما وتدعمها تجربته الناجحة في تشكيل حكومته،ذات القاعدة البرلمانية العريضة.

الا ان الميزة الاساسية التي يتمتع بها، انسجامه الاستراتيجي مع امريكا وهو كان قد دخل معركة الانتخابات إلى الحكومة اعتمادا على رصيده في المؤسسة الامريكية عموما، وادارة كلينتون بالذات، ولا يجانب الصواب وصفه من بعض الخبراء بانه "مستر امريكا".

ويسجل له ايضا، استشراقه المبكر للمتغيرات الكونية والاقليمية. فهو من موقعه في رئاسة الاركان، وفي محاضرة له في النادي التجاري ـ الصناعي في تل ابيب 3/12/1994 قال: على ابواب سنة 1994، نجد انفسنا في خضم فترة عاصفة وتاريخية (شبهها بـ 1967 ، 1948) والى حد بعيد، سيتحدد طابع "اسرائيل" لجيل مقبل.

لم يقدم باراك مشروعا فكريا في كتاب على طريقة سلفيه، بيريز ونتانياهو. ويبدو ان توصيفه بتلميذ اسحق رابين قد تجاوزه الزمن، وبعض استحقاقات الماضي على صعيد بنية حزب العمل وداخل المؤسسة العسكرية، طويت حين اصبح في موقع رئاسة الحكومة. والاكيد انه يختلف عن معلمه اسحق رابين، بدءا من نقده لبعض بنود اتفاق اوسلو التي وقعها رابين مع ياسر عرفات.

الخطوة الاولى التي حرص باراك على القيام بها، بعد نجاحه في تشكيل حكومته، اعادة ترسيخ العلاقة مع واشنطن، بعد ملابساتها في عهد نتانياهو، والعمل على الارتقاء بها. وانجز بيسر شراكة جديدة مع الولايات المتحدة في زيارته الاولى بعد تسلمه السلطة، وجرى الحديث عن تشكيل قيادة عليا للبلدين يمثلها الرئيسان. وكان ما حصل عليه باراك مؤشرا إلى حقيقتين: ثقة الادارة الامريكية بشخصه، والاهم مستقبل الدور "الاسرائيلي"، استنادا إلى عطاءات الادارة له على صعيد التسلح (طائرات هي الاولى من نوعها في العالم، صواريخ وبرامج تطوير، الغواصات الاستراتيجية). اما على صعيد التسوية مع الدول العربية، فهو لم يلزم نفسه مبادىء محددة، اكتفى فقط بشعار "السلام الآمن". وبث تصريحات كثيرة عن رغبته في تحقيق السلام.

وبصفته جنرالا بامتياز، قدم باراك مشروعه الذي ينوي به تغيير بنية الجيش "الاسرائيلي" ليصبح رشيقا وخفيف الحركة ومستوعبا للتكنولوجيا الحديثة وآخر منتجاتها.

لم يردد كثيرا او قليلا افكار الشرق اوسط الجديد، الا انه حرص على التطبيع مع الدول العربية مع وقبل التوصل إلى اتفاقات على المسارات الباقية دون انجاز. مع ضرورة الاشارة إلى رغبته في حل الصراعات مع الدول المحيطة، وهو يسميها (القشرة) لكن من منظور يختلف عن مشروع بيريز، حيث ربط الثاني بين السلام مع دول الطوق واندماج "اسرائيل" في عملية اقتصادية شرق اوسطية شاملة. اما باراك فهو نظر إلى ضرورة الحل مع "القشرة" من اجل ازالة المعيقات امام وظائف الجيش "الاسرائيلي" في مناطق بعيدة عن القشرة.

في موضوع الصهيونية، "حلم استكمال المشروع ليشمل كل يهود العالم او اكثريتهم بالادنى" ابقى باراك موقفه مرنا، لم يكثر الحديث عن استكمال العمل بفكرة "اسرائيل" الكبرى، لكنه حث وشجع استكمال الاستيطان. والى جانب حديثه المتواصل عن السلام والاستعداد لانسحابات من اراض عربية، رفض مبدأ الانسحاب الشامل، ووعد بالحفاظ على اكثر المستوطنات واهمها في الجولان وفي الضفة الغربية. وهو الامر الذي يجمد المسار السوري والى الانتفاضة الفلسطينية الحالية.

قضايا ومشكلات كثيرة واجهت حكومة باراك وهو حاول تجنب ما تسمح به الظروف، والثوابت التي بدت جلية في سياسته من المسائل الاستراتيجية يمكن تلخيصها بـ :

1ـ علاقة مميزة جدا مع واشنطن ومتعاظمة باضطراد.

2ـ عجز عن التسوية مع العرب لتمكنه من التفرغ لمهمات استراتيجية عسكرية في مناطق بعيدة عن محيط الصراع في (الطوق) القشرة.

3ـ اعادة تأهيل الجيش "الاسرائيلي" بمنظورات وظيفية جديدة في اطار الاستراتيجية الامريكية العامة، وهو الامر الذي فشل به.

واذا فشل باراك في ابرام تسويات مع العرب، ولم يستطع القيام بصياغة استراتيجيته الجديدة للجيش "الاسرائيلي"، فان مشهد الاضطراب "الاسرائيلي" بقي على حاله، واستمرت الدولة الثكنة متقوقعة داخل الفيتو الذي اسمه "اسرائيل".