الشرعية الدولية والتآمر على القرى والاراضي في الجنوب


مقدمة:

لا نرى أي موجب، وفي المطلق، تقديم أي دالات اقناعية او اثباتات تأكيدية، لاظهار انحياز مجلس الامن، بالمعنى العميق والدائم، إلى جانب "اسرائيل". وهو ما يتبدى في هذه الآونة، وبشكل جلي، في البيان الرئاسي لهذا المجلس الذي صدر بتاريخ 18/6/2000 والذي اقل ما يمكن ان يقال فيه انه "بيان تزويري" للحقيقة المجسدة ماديا والظاهرة للعيان على ارض الواقع.

 

لقد حمل هذا البيان، وقبله قرار "لارسن" ومن ثم ما اتفق على تسميته بـ "صيغة انان" ما يناقض تقارير الخبراء التابعين لهم، الذين اقروا بوجود الخروقات "الاسرائيلية" داخل الاراضي اللبنانية، ومن ضمن الخط الازرق الذي رسمه "لارسن" والذي اراد من خلاله التأسيس لاسدال الستار على الحدود اللبنانية الفلسطينية المعترف بها دوليا، ولو بالمنظار الجزئي، وما يمكن لنا ان نسجله في هذا السياق هو التالي:

اولا: ان اثارة موضوع مزارع شبعا بالطريقة التي حصلت، ومن ثم قبول مناقشة هذا الموضوع بصورة مجتزأة عن باقي الحدود اللبنانية، فسح بالمجال امام الموفد الدولي تيري رود لارسن والامين العام للامم المتحدة كوفي انان، وبالتالي الولايات المتحدة الاميركية واسرائيل لطرح هذا الموضوع في مجلس الامن بمنأى عن باقي الحدود اللبنانية ـ في وقت ظهر فيه واضحا النقص في اعداد وتوظيب ملف هذه المزارع بطريقة متماسكة وشاملة لابرازه ساعة يقتضي الامر القيام بذلك ـ علما ان ثمة اتفاقات اميركيا ـ اسرائيليا، افضت عنه صحيفة هآرتس "الاسرائيلية" في 25 شباط 1997 اثر نشرها كلاما لرئيس وزراء "اسرائيل" السابق بنيامين نتنياهو في جلسة اللجنة الخارجية والامن التابعة للكنيست، اعلن فيه عن اتفاقه مع الرئيس الاميركي بيل كلينتون خلال زيارته لواشنطن في الشهر المذكور سابقا على "اهمية استمرار سيطرة "اسرائيل" على مرتفعات جبل الشيخ".

ومع ذلك لم يصر إلى اعداد ملف موثق ومتكامل لهذه المزارع.

بالتأسيس على ما افاد به نتنياهو امام لجنة الخارجية والامن في الكنيست نستخلص ان كلام الامين العام للامم المتحدة بتاريخ 22/5/2000 ولاحقا قرار مجلس الامن على ان مزارع شبعا تقع خارج مضامين القرار رقم 425 يقعان خارج دائرة السيناريو المرسوم سابقا، وبالتالي انهما لم يشكلا في الحقيقة أي مفاجأة، ويمكن القول انهما لم يخرجا عن المألوف، واعني التآمر على الاراضي اللبنانية.

من هذا المنظور، يمكن القول ان الامم المتحدة، كونها الان مؤسسة تدور في فلك القرار الاميركي، نجحت في تجزئة ملف الحدود اللبنانية إلى ملفين. الاول خاص في مزارع شبعا والثاني خاص في باقي الحدود كما انها نجحت في خلق صيغ حدودية جديدة لكل منطقة كالخط العملي في المنطقة الاولى والخط الازرق والخط الارجواني في المنطقة الثانية، وقد توج هذا النجاح بعرض الملفين على مجلس الامن بشكل منفصل الواحد عن الاخر حيث صدر بشأنهما ايضا قراران منفصلان. وهناك محاولات ضغط شديدة، على لبنان لقبول هذه الصيغ، لكن ما هو جدير بالذكر هو التصدي الرائد لفخامة رئيس الجمهورية لكل هذه المحاولات. وقد سبق لنا واشرنا في عدة مقالات إلى اهمية اعداد ملف كامل ومتماسك من حيث الرؤى والشمولية، للحدود اللبنانية مع فلسطين وعدم القبول اطلاقا على مستوى البحث او التصريح بما يمس وحدة هذا الملف وطغيان جزء على جزء اخر في نطاق فواصل زمنية ومكانية.

ثانيا: نشير هنا إلى ما كتبه المراسل العسكري لصحيفة هآرتس "الاسرائيلية" عاموس هارئيل تحت عنوان "الجيش "الاسرائيلي" يبحث عن الحدود مع لبنان" بان "المعلومات حول هذه الحدود جمعت في اربعة مجلدات ضخمة في هيئة الاركان العامة للجيش "الاسرائيلي"، وكانت خلاصة هذه المجلدات مفاجئة جدا: اذ انه ليس هناك البتة أي اتفاق بين الطرفين على اكثر من 60% من الحدود الدولية" بمعنى ان "اسرائيل" لا تعترف بنسبة 40% من حدودها مع لبنان، وهي تمثل ما أعترف به خبراء الامم المتحدة عندما تحدثوا في بداية عمله عن وجود خرق لـ (17) علامة من اصل الـ (38) علامة التي تفصل بين الاراضي اللبنانية والفلسطينية، على اساس الحدود المعترف بها دوليا.

وعلى هذا الاساس نجد ان كل ما صدر عن المبعوث تيري رود لارسن والامين العام كوفي انان واخيرا عن مجلس الامن يقع في دائرة ايجاد الغطاء الدول لاستمرار الاحتلال "الاسرائيلي" لاوسع مساحات من الاراضي اللبنانية وذلك بما يتناسب مع نسبة الـ 40% التي تريدها "اسرائيل".

وهنا نجد، انه انسجاما مع الارادة "الاسرائيلية" قام لارسن بابتداع خطوط جديدة اطلق عليها في مزارع شبعا "الخطوط العملية" وفي المناطق الاخرى "الخط الازرق" وهي خطوط تناقض في طبيعتها وشكلها حق لبنان المشروع في حدوده الدولية.

وما يدعو للتعجب والدهشة هو الحديث عن خروقات "اسرائيلية"، لان الحديث عن الخروقات شيء والاستمرار في الاحتلال شيء آخر، ان "اسرائيل" على ارض الواقع ما زالت تحتل مساحات واسعة جدا من الاراضي اللبنانية، ومن المؤكد انها تزيد عن 125 الف دونم، وهذا يعني انها لم تنفذ القرار رقم 425، واقامت به من انسحاب انما جرى على اساس التراجع إلى خطوط عسكرية او امنية جديدة تعتبرها حيوية بالنسبة لمصالحها. وهذا يعني ان القضية ليست قضية خروقات انما هي تمدد وتوسع في رقعة الاراضي المحتلة.

ما يمكن ان نخلص اليه ، إلى ان ثلاث مؤامرات نفذتها "اسرائيل" وبغطاء الشرعية الدولية بحق الأراضي اللبنانية.

المؤامرة الاولى، كانت في عام 1923 عند ترسيم الحدود بين فلسطين ولبنان. والتي بموجبها جرى اقتطاع 23 قرية لبنانية اضافة إلى عشرات آلاف الدونمات وضمها إلى فلسطين، التي ستصبح لاحقا "اسرائيل". في عام 1934 وافقت عصبة الامم على هذا الترسيم من دون القيام باي خطوة من شأنها اعادة هذه القرى والاراضي إلى لبنان، مشكلة بذلك غطاء دوليا لهذا العمل العدواني ضد الاراضي اللبنانية.

المؤامرة الثانية، جرت عام 1949 في ظل التوقيع على اتفاقية الهدنة في رودوس بين لبنان واسرائيل. من خلال عدم اتخاذ الامم المتحدة لاي اجراء من شانه الزام "اسرائيل" بالانسحاب من القرى والاراضي اللبنانية التي احتلتها بعد عام 1923، وهي ثماني قرى، مما جعل عدد القرى المحتلة من قبل "اسرائيل" بين عامي 1923 و 1949 يرتفع إلى 31 قرية ولتضيف ايضا آلاف الدونمات التي احتلتها بين هذين العامين إلى المساحات التي ضمت سابقا إلى فلسطين. من دون ان تبادر الامم المتحدة إلى اتخاذ أي اجراء بالرغم من الاعتراضات المتشددة التي قام بها لبنان، لالزام "اسرائيل" بالانسحاب إلى ما وراء الحدود الدولية المرسمة عام 1923. وبهذا تكون الامم المتحدة قد قدمت مرة ثانية غطاء شرعيا لاحتلال "اسرائيل" المزيد من الاراضي والقرى اللبنانية.

المؤامرة الثالثة، تنفذ في ظل البيانين الصادرين عن مجلس الامن المتعلقين بمزارع شبعا وباقي الحدود اللبنانية مع فلسطين في 20/5/2000 و 19/6/2000 واللذين سمحا لاسرائيل بعدم الانسحاب بشكل كامل من الاراضي اللبنانية الى ما وراء الحدود الدولية تنفيذا للقرار رقم 425. وهو غطاء جديد تقدمه الامم المتحدة إلى "اسرائيل" في سياق احتلالها المستمر للقرى والاراضي اللبنانية.

نهاية، ان متضمنات البيانين الصادرين عن الامم المتحدة، يشكلان نموذجا من النماذج المتعددة التي تؤكد على انحيازها السافر إلى جانب "اسرائيل"، وتتعمق هذه الرؤية اذا ما جرت المقارنة بين الاجراءات التي اتخذتها الامم المتحدة بحق العراق وغيره من الدول الاخرى لاجبارها على تنفيذ قراراتها، وبين طريقة تعاملها مع "اسرائيل" فبدلا من اجبارها على تنفيذ القرار رقم 425 دون قيد او شرط، نجد انها قامت وعبر موفدها بوضع ترسيمات وهمية تسمح لاسرائيل بالبقاء في مساحات واسعة من الاراضي اللبنانية، كخطوة ضغط على لبنان لحمله على فصل مساره عن المسار السوري والدخول في عملية تفاوض مع "اسرائيل".