اهمية المياه في النزاع على هضبة الجولان(1)
مقدمة:
تعتبر هضبة الجولان من اهم المناطق العربية التي تسيطر عليها القوات "الاسرائيلية" ليس فقط بسبب موقعها العسكري الاستراتيجي فحسب، بل ايضا بسبب اهمية هذه المرتفعات للسيطرة على مصادر المياه الاساسية في لبنان وفلسطين وسورية والاردن. وبنظرة سريعة الى الخريطة، يبدو بوضوح كيف ان هذه الهضبة تسيطر على مصادر مائية هامة في المنطقة. بالاضافة الى ما تملكه من ثورة مائية، جعلت لموقعها اهمية خاصة في تاريخ الصراع العربي ـ الصهيوني. وقد قيل ان سورية، وبعد سيطرتها مجددا على مرتفعات الجولان المحتلة، تستطيع نشر الجفاف في الاراضي الفلسطينية المحتلة، وحول اهمية هضبة الجولان في المشروع الصهيوني قال حاييم وايزمن في الرسالة التي وجهها الى لويد جورج رئيس وزراء بريطانيا بتاريخ 29/12/1919، باسم المنظمة الصهيونية العالمية "ان الصهيونيين لن يقبلوا تحت اية ظروف خطة سايكس ـ بيكو، حتى كأساس للتفاوض لان هذا الخط لا يقسم فلسطين التاريخية وحسب، بل يفعل اكثر من ذلك، انه يحرم الوطن القومي بعض اجود حقول الاستيطان في الجولان وحوران التي يعتمد عليها الى حد كبير نجاح المشروع بأسره"(2).
ومنذ احتلال الهضبة عام 1967، اخذت الحكومة "الاسرائيلية" تنفيذ مشاريعها الاستيطانية والزراعية والمائية المختلفة داخل الهضبة وفي محيطها، وكلفت الحكومة بعض المؤسسات المهتمة بشؤون المياه اجراء مسح شامل للثروة المائية فيها ووضع دراسات وافية وشاملة للاستفادة منها. ومن هنا كانت القيادة "الاسرائيلية" تقدم الاغراءات المالية، وغيرها من الاساليب لتشجيع المهاجرين اليهود للسكن والاستيطان في الهضبة. كذلك فان اهمية موقع الهضبة المائية والاستراتيجية كان الهدف الذي اصدرت من اجله الحكومة قرارها المعروف بضم الهضبة نهائيا لكيانها.
الثروة المائية في الجولان
على الرغم من ان بعض المصادر تنفي وجود ثروة مائية هامة في هضبة الجولان، الا ان مصادر حكومية وغير حكومية، سورية واسرائيلية، تؤكد وجود هذه الثروة. وتؤكد شركة المياه "الاسرائيلية" "مكوروث" ان "اسرائيل" تحصل حاليا على ثلث استهلاكها من مياه الشرب والري والاستعمالات المختلفة الاخرى من مياه الجولان وجبل الشيخ. وقدرت كمية المياه الموجودة في الجولان بحوالي 20 مليون متر مكعب، اما الحكومة السورية فقدرت ذلك بحوالي 12.5 مليون متر مكعب(3). وتبلغ كمية المياه التي تختزنها هضبة الجولان سنويا حوالي 1.2 مليار متر مكعب. وهي على الشكل التالي:
ـ الامطار: تمتاز هضبة الجولان بغزارة امطارها خاصة في فصل الشتاء، وتتزايد هذه الامطار مع تزايد ارتفاع الهضبة باتجاه الشرق والشمال، بسبب تضاريسها وامتدادها المعترض للرياح الغربية الممطرة بغزارة.
ـ المنطقة: القنيطرة، كمية الامطار: 800ـ1000مم، الارتفاع: 941م(4).
ـ المنطقة: الخشنية، كمية الامطار: 600ـ800 مم، الارتفاع: 760م.
ـ المنطقة: فيق، كمية الامطار: 330- 450مم، الارتفاع 330م.
ـ الينابيع: بسبب غزارة الامطار في الجولان والتركيب الجيولوجي لتربتها، فان ذلك يساعد على تخزين المياه في جوف الارض، ولهذا فان هضبة الجولان غنية بالمياه الجوفية والينابيع والآبار التي تتجه لتشكل روافد اساسية لنهر الاردن وبحيرة طبريا وبحيرة مسعدة.
اهم الينابيع في هضبة الجولان فهي(5):
بيت جن ـ 1900 ل.تا الريح الحمة ـ 220 ل.تا
اللوزاتي ـ 1400 ل.تا الحمة الباردة ـ 300 ل.تا
الغور ـ 53 ل.تا الدب ـ 90 ل.تا
الصعار ـ 120 ل.تا النخيلة ـ 260 ل.تا
الصيادة ـ 250 ل.تا الدردارة ـ 60 ل.تا
البرجيات ـ 150 ل.تا الفاجرة ـ 50 ل.تا
جليبينة الكبيرة ـ 100 ل.تا البالوع ـ 100 ل.تا
بلسم الحمة ـ 190 ل.تا
وقد بلغ المنتوج الاجمالي لابار المياه في هضبة الجولان حوالي 12.5 مليون متر مكعب، توزع على ثلاث شبكات في المنطقة الشمالية والمنطقة الوسطى الجنوبية.
الانهار: يعتبر نهرا اليرموك وبانياس ووادي الرقاد مصادر مائية هامة لهضبة الجولان ومحيطها لما تحمله من كمية المياه تروي هذه المناطق وتغذي نهر الاردن بكمية كبيرة من المياه.
ـ نهر اليرموك:
يحتل نهر اليرموك اهمية بارزة في هضبة الجولان والمناطق الاخرى، وقد زاد من اهمية هذا النهر غزارة مياهه التي تبلغ 7 متر مكعب/ثا، بعد ان يرفده عدد من المجاري والسيول الصغيرة من الاردن وسورية. ويزيد تصريف نهر اليرموك خلال فصل الشتاء عن 100م/ثا أي ما يقارب 500 مليون متر مكعب سنويا(6). حيث يصب جنوب بحيرة طبريا، فيرفد نهر الاردن بنحو 480 مليون متر مكعب سنويا، ويشكل 38 بالمئة من مياه النهر. الا ان هذه الكمية بدأت تضاءل بسبب المشاريع المائية التي تقام على النهر والاتفاقات المعقودة بين الاردن وسورية لتوزيع مياهه قبل ان يصب في نهر الاردن.
ـ نهر بانياس:
وهو ينبع من هضبة الجولان عند منحدراتها الشمالية الغربية، ويسير بطول 1 كلم فقط، وتبلغ غزارته نحو 2.7 متر مكعب/ ثا (7) ثم يصب في نهر الاردن ويشكل رافدا من روافده القادمة من الجولان السورية ويغذيه بحوالي 157 مليون متر مكعب من المياه.
ـ وادي الرقاد:
وهو وادي سيلي منخفض قليل العمق بين خان ارنبة والعفانية وجباتا والخشب ومسعدة وبقعاتا في الجولان. تزداد غزارة مياهه في فصل الشتاء، حيث يصرف مياه الامطار والثلوج الذائبة من جبل حرمون باتجاه الجنوب.
والى جانب الانهار والاودية، يوجد في هضبة الجولان عدد من الانهار الصغيرة والسيول التي تجف في فصل الصيف، وتشكل روافد لانهار اليرموك وبانياس ووايد الرقاد. واهم هذه السيول الصغيرة هي البحيراني، الجناني، الاعوج واهمية هضبة الجولان لا تكمن في ما تملكه من مصادر مائية وحسب، بل لارتفاع هذه الهضبة عن سطح البحر، وموقعها بين سورية ولبنان وفلسطين والاردن، ما يجعل لها اهمية خاصة في السيطرة والاشراف على الاراضي الممتدة لمسافات واسعة في هذه المناطق والسيطرة والاشراف ايضا على مصادرها المائية ومنابع الانهار ومجاريها. لهذا، والى جانب موقعها الاستراتيجي، فقد كانت الهضبة السورية هذه محط اطماع الحركة الصهيونية منذ ولدت هذه الحركة، وقد عرض بعض قادتها على السلطات العثمانية اواخر القرن التاسع عشر ان تسمح لهم باستثمار واستئجار مرتفعات الجولان لمدة خمسين عاما. وتقول مصادر مهتمة في شؤون المياه في المنطقة العربية، ان موقع الجولان وسيطرته على مصادر المياه الاساسية في المنطقة، كان السبب الرئيسي للاجتياح "الاسرائيلي" لمرتفعات الجولان في حزيران (يونيو) عام 1967 والتمسك بها وضمها فيما بعد. وهذا ما برز واضحا من خلال تعطيل "اسرائيل" للمشروعات العربية للاستفادة من مياه نهري اليرموك والاردن، ومن خلال طرح مشاريع "اسرائيلية" كثيرة لتحويل مجرى نهر الاردن الى الاراضي المحتلة.
وبالاضافة الى ما تسيطر عليه مرتفعات الجولان ولمسافات بعيدة من مصادر مائية مختلفة مثل مجرى نهر الليطاني وبردى، فان الهضبة تسيطر بشكل مباشر على مصادر مائية هامة.
ـ نهر الاردن:
ويعتبره البعض نهرا جولانيا، خاصة ان روافده الحاصباني والوزاني وبانياس واللدان، كلها تنبع من جبل حرمون وسفوح هضبة الجولان وتسير محاذيه للجهة الغربية للهضبة وتلتقي هذه الروافد مع نهر اليرموك، حيث يبدأ نهر الاردن بغزارة مياهه التي اصبحت مصدرا لا بد منه لكافة المشاريع المائية للاردن وفلسطين.
وفي تقرير للامم المتحدة حول مياه نهر الاردن وغزارتها واهميتها جاء ان نهر الحاصباني اللبناني يغذي نهر الاردن بحوالي 157 مليون متر مكعب سنويا من المياه. اما نهر اللدان فيغذيه بحوالي 158 مليون متر مكعب سنويا، ومجموع ما يصل نهر الاردن من جميع روافده فيبلغ 572 مليون متر مكعب، ويضاف الى ذلك مياه بحيرة طبريا. ويضيف التقرير ان 1250 مليون متر مكعب من مياه نهر الاردن تصب في البحر الميت سنويا (8) .
وبذلك فقد كان لنهر الاردن مكانة خاصة ضمن المخططات المائية "الاسرائيلية" منذ انشئ الكيان "الاسرائيلي" فوق ارض فلسطين، وقد ذهبت القيادة "الاسرائيلية" بعيدا في تكليف الخبراء والمختصين لوضع دراسات دقيقة للاستفادة من مياه نهر الاردن الى ابعد الحدود. وقد وضعت الكثير من الدراسات التي تسعى القيادة "الاسرائيلية" من ورائها الى توزيع مياه نهر الاردن والحصول على الكمية الكبيرة من هذه المياه، وبالتالي فان السيطرة على منابع هذه النهر ومجراه من بحيرة طبريا وحتى البحر الميت كان من بين الاهداف الاساسية التي سعت القيادة "الاسرائيلية" لتحقيقها خلال كل الحروب مع العرب.
ـ بحيرة طبريا:
وهي محطة مائية كبيرة وهامة من محطات نهر الاردن، تبلغ مساحتها حوالي 165 كيلومتر مربع، اكبر طول لها فهو 23 كلم، اما تدرج انخفاض مستوى سطح مياهها فتراوح ما بين 209م و 214م دون مستوى سطح البحر المتوسط وذلك تبعا لكميات الامطار، ويقع اعمق جزء من البحيرة عند وسطها على مستوى 254م دون مستوى سطح البحر(9). وتتراوح كمية الامطار التي تسقط سنويا على البحيرة ومحيطها ما بين 350 و 500مم حيث يساعد ذلك على تزويد البحيرة بمياه يقدر معدلها السنوي بنحو 65 مليون متر مكعب، هذا بالاضافة الى ان نهر الاردن يزود البحيرة بحوالي 560 مليون متر مكعب الى جانب الروافد الاخرى التي تقدر بحوالي 135 مليون متر مكعب من الماء (10). واهم هذه الروافد الاودية التي تنحدر من هضبة الجولان عبر سهل البطيخة وبذلك تكون كمية المياه السنوية التي تصب في بحيرة طبريا حوالي 760 مليون متر مكعب.
ورغم ان مياه بحيرة طبريا تميل الى الملوحة، الا انها تستخدم بشكل واسع في مشاريع كثيرة في مناطق مختلفة من فلسطين المحتلة وحتى صحراء النقب جنوب فلسطين المحتلة. وبذلك فان لبحيرة طبريا اهمية كبيرة، وهي مصدر مائي هام بالنسبة للاراضي المحتلة، حيث تعتبر خزانا طبيعيا للمياه. وكانت بحيرة طبريا قد وضعت ضمن حدود فلسطين التي عينت عام 1922 بين فرنسا وبريطانيا (11) . وذلك ارضاء للحركة الصهيونية بعد الضغوطات التي مارستها قيادة هذه الحركة على الدولتين لوضع هذا المصدر المائي ضمن حدود فلسطين.
ـ بحيرة مسعدة:
تقع البحيرة في محافظة القنيطرة وهي عبارة عن فوهة بركان، لذلك فهي تعتبر من البحيرات البركانية ومياهها غير صالحة للشرب، يبلغ طولها 850 مترا، واتساعها 350 مترا وتغطي مساحة خمسة هكتارات من الارض (12) . اما المياه التي تصب في البحيرة فهي مياه الينابيع الصغيرة المنتشرة في محيطها ومياه الامطار والثلوج.
بالتالي، ونظرا لهذه الاهمية التي تحتلها هضبة الجولان على اكثر من صعيد، فهل يمكن ان تنسحب القوات "الاسرائيلية" من الجولان، في ظل الظروف والاوضاع الراهنة، وفي ظل موازين القوى القائم اليوم بين العرب واسرائيل؟
ان تاريخ الاطماع الصهيونية في هضبة الجولان واضح من خلال ما ذكرته الوثائق الصهيونية منذ نشأتها وحتى اليوم، كذلك فان حزب العمل "الاسرائيلي" الذي يتزعم السلطة في الكيان الصهيوني، كانت له مواقف متشددة تجاه اعادة هضبة الجولان للسيادة السورية، وقد زاد من اهمية الجولان في السنوات الاخيرة حاجة "اسرائيل" للمياه مع تزايد مشاريعها الصناعية والزراعية اثر تدفق المهاجرين اليهود للاستيطان في الاراضي العربية المحتلة، واذا ما كان انسحاب القوات "الاسرائيلية" امرا متوقعا لدى بعض المحللين، الا ان هذا الانسحاب اذا ما تم سيكون انسحابا جزئيا ومشروطا، ولا مجال في ظل موازين القوى والظروف القائمة، كما ذكرنا، عودة هذه الهضبة كاملة للسيادة العسكرية والاقتصادية والسياسية السورية، ذلك ان سلطات الاحتلال "الاسرائيلي"، القوية المدعومة من قبل الولايات المتحدة الاميركية، لن تسمح بنشر قوات عربية وسورية في هذه الهضبة، مما يهدد (ان لم يكن اليوم فغدا) امن الكيان "الاسرائيلي"، ومصادر المياه الاساسية له.
لذلك، فان تمسك "اسرائيل" بهضبة الجولان او على الاقل عدم اعادتها للسيادة العربية من اجل ضمان سيطرتها على المصادر المائية امر ذو اهمية كبيرة للحكومة "الاسرائيلية" بمختلف اتجاهاتها.
المراجع:
ـ ابراهيم نصار ـ الارض العدد 12 ك1 1992.
ـ صفوح خير ـ اقليم الجولان ـ وزارة الثقافة ـ دمشق 1976.
ـ حرب المياه من الفرات الى النيل ـ د. نبيل السمان.
ـ الارقم الزعبي ـ الغزو الصهيوني للمياه العربية ـ دار النقاش ـ بيروت 1992.
ـ يورام غرود ـ مياه متنازع عليها ـ النزاع حول مياه نهر الاردن 1966 ـ ترجمة العقيد عبدالجبار الاسعد 1988.
ـ الموسوعة الفلسطينية ـ المجلد الاول.
ـ مجلة الاسبوع العربي البيروتية 30/5/1988.
ـ حرب المياه ـ احمد الموعد.
ـ المطامع "الاسرائيلية" في مياه فلسطين والدول العربية المجاورة ـ دار الجليل ـ بشير شريف البرغوثي ـ عمان.
ـ حرب المياه ـ اليشع كالي ـ المياه والسلام ـ مؤسسة الدراسات الفلسطينية ـ بيروت 1991.
الهوامش:
1 ـ صحيفة الحياة 6/7/1993.
2 ـ اباظة، عصام، شيشكلي، هشام ـ الجولان ـ دمشق 1975.
3 ـ حزب البعث العربي الاشتراكي القيادة القطرية السورية ـ استراتيجية الصهيونية واسرائيل اتجاه المنطقة العربية.
4 ـ اباظة، عصام ـ شيشكلي، هشام، مصدر سابق ص 157.
5 ـ المجموعة الاحصائية السورية، 1973 الفصل الاول.
6 ـ اباظة، عصام ـ شيشكلي، هشام، مصدر سابق.
7 ـ المصدر السابق.
8 ـ نصار، ابراهيم ـ هضبة الجولان ـ الارض العدد 12 ـ ك1 1992.
9 ـ الموسوعة الفلسطينية ج3 ـ ص 102.
10 ـ المصدر السابق.
11 ـ المصدر السابق.
12 ـ نصار، ابراهيم ـ مصدر سابق.