خمسون النكبة:

 بعد كل ما حدث ما هو الخطر الاكبر على الفلسطينيين؟

د. هشام شرابي*

السفير 14/5/1998


في الذكرى الخمسين لخروج الفلسطينيين من بلادهم، وسيطرة المستوطنين الصهاينة على الاراضي الفلسطينية القى الدكتور هشام شرابي * محاضرة في جامعة جورج تاون في الولايات المتحدة الاميركية تناول فيها إستراتيجية النفي والابعاد للفلسطينيين والمسؤولية عن ذلك كما يراها الصهاينة.

مع نهاية الحرب العالمية الثانية منذ قرابة نصف قرن تحررت جميع الشعوب المستعمرة بما في ذلك شعب جنوب افريقيا. وها نحن اليوم وعلى عتبة القرن الحادي والعشرين يبقى الفلسطينيون مستعمرين وضحايا سياسية عنصرية وتطهير عرقي (…)

وخلال معظم الخمسين سنة الماضية كان الخطاب الغربي للنزاع العربي "الاسرائيلي" يعكس في معظمه وجه النظر التاريخية التي تبنتها السياسة الرسمية للصهيونية، فيما اهملت بصورة منتظمة الدعاوى الفلسطينية والعربية. ومؤخرا فقط قام جيل جديد من المثقفين "الاسرائيليين" يشكك في الرواية الصهيونية لما حدث فعلا، فاكدوا على شرعية ما نادى به الفلسطينيون. فرأى الان باب احد المؤرخين الجدد في جامعة حيفا ان هناك وجهتي صدق يصر عليهما المؤرخون الجدد: مسؤولية "اسرائيل" والحركة الصهيونية المباشرة عن احداث نكبة فلسطين ودور الدول الكبرى، بما فيها الاتحاد السوفياتي في الاربعينيات والخمسينيات، في عرقلة مسيرة الفلسطينيين من تحقيق طموحاتهم الوطنية.

في خريف 1993 ، وخلال عودتي الاولى الى فلسطين منذ 1947 ، اخبرني اموس اوز / الروائي "الاسرائيلي" المعروف وزعيم حركة السلام الان. وكنت قد تعرفت اليه فتصادقنا، حين وقفنا سويا امام منزلي السابق في يافا (يسكن فيه الان استاذ جامعي "اسرائيلي" مع زوجته وابنهما): "لو لم يحارب الفلسطينيون لكانوا الان يسكنون في منازلهم". وفي حين يجد المتحررون امثال اوز ومن هم في مكانته انه من الصعب التغلب على فكرة نكران اليهود لما حدث فعلا في فلسطين، فكيف يمكن إذن تحقيق مصالحة حقيقية بين هذين الشعبين؟

لكن المسألة اعقد من ذلك، فحتى لو كان هناك استعداد لقبول الحقائق، كما فعل المؤرخون "الاسرائيليون" الجدد، فهل يكون هناك ايضا استعداد لتحمل المسؤولية الناجمة عما تمسه تلك الحقائق؟ في هذا الصدد يقول الناقد الراديكالي مايكل وارشاوكي ان المؤرخين "الاسرائيليين" الجدد يقبلون ولكن ليس بالذنب، ولربما هذه هو الفارق ما بين الصهيونية ومعاداتها.

ومنذ البدء كان الفلسطينيون العنصر الاكثر كبتا في الوعي الصهيوني، فحين اشار احاد هاعام، قديما الى ان هناك فلسطينيين في ارض فلسطين كانت ردة الفعل الصهيونية بضرورة اهمال المسألة تماما. وفي وقت لاحق اظهر إسرائيل شاحاك ان التركيز انصب على ايجاد سبل للتخلص من الفلسطينيين. ولم تطرح مسألة التعايش مع الفلسطينيين الا كخيار "اسرائيلي" وليس كمسالة جدية. ونحن نعرف ان فكرة الطرد الجماعي مجذرة في فكرة هرتزل منذ منقلب القرن، اذ قال "سندفع بهم (الفلسطينيين) عبر الحدود". وحين تدرجت فكرة الطرد الى سياسة فعلية، تم القبول بمبدأ التقسيم على انه خطوة  اولى ضرورية في تنفيذ تلك السياسة. وبالنسبة للحركة الصهيونية، و"لاسرائيل" في ما بعد، فان مسألة شعب اخر في فلسطين لم تكن ابدا مسألة اخلاقية. اعتقدوا، وفي رأيي انهم لا زالوا يعتقدون، انها مسألة سكانية تتطلب حلا عسكريا وسياسيا.

وحسم بعض دعاة الصهيونية المسألة بالرجوع الى نسخ ذهني للوجود الفلسطيني وذلك بنكرانهم، كما صرحت مرة غولدا مئير، رئيسة الوزراء "الاسرائيلية" في فترة ما، "ليس هناك ما اسمه شعب فلسطيني، او حين مضى الكاتب جين بيترز الى حد انه اصدر كتابا ضخما قال فيه ان الفلسطينيين نزحوا عن بلدان مجاورة. وفي ضوء ذلك، فان كلمة فلسطيني لم يتلفظ بها "الإسرائيليون" الا منذ وقت قريب. فالفلسطينيون داخل "اسرائيل" رغم كونهم مواطنين في الدولة، كانوا مجرد اقليات ذات صفة دينية او عرقية، مثل الاقلية المحمدية، او الاقلية النصرانية، او الاقلية الدرزية، او الاقلية البدوية واحيانا كانت كلمة "عربي " دلالة على هذه "الاقلية" التي تمتاز بغرابة وجهها، وتشكل قسما من 300 مليون عربي غريبي الوجوه في العالم العربي المجاور، وهؤلاء صدف انهم ليسوا يهودا.

ان احد اهم استنتاجات المؤرخين الجدد يقول الى ان نزوح الفلسطينيين عن ديارهم عام 1948 كان نتيجة مخطط صهيوني محكم وليس الفزع الذي انتابهم كما تبنت ذلك الرواية "الاسرائيلية" الرسمية .. وتشير الوثائق التي تم اعلانها مؤخرا الى ان القوات اليهودية الصهيونية كانت تقوم بعمليات طرد دائمة لسكان القرى والمدن التي احتلتها، بل كانت دمرتها خوفا من عودة اللاجئين اليها.

ومن الضروري الاشارة الى ان المخطط الصهيوني كان يرمي دائما الى ايجاد ارض "اسرائيل" خالية من الوجود العربي. وعليه فان فكرة التقسيم على انها حل نهائي يرتكز الى مشاركة الارض مع الفلسطينيين لم تؤخذ ابدا على محمل الجد. وكما يذكرنا تشومسكي فان بن غوريون وافق في 1938 على قرار لجنة بيل بتقسيم فلسطين لانه رأى فيه مشروعا يفضي في نهاية المطاف الى تأسيس دولة:" ما ان نصبح قوة نتيجة لولادة الدولة حتى نلغي التقسيم ونتوسع لنحظى بفلسطين بأسرها".

وبعد عشر سنوات حين تم تأسيس الدولة على حوالي 78 % من ارض فلسطين اعترض مناحيم بيغن واعلن ان هذا التقسيم للوطن القومي غير شرعي، وقال "على ارض "اسرائيل" ان تستعاد الى اهل "اسرائيل" ، والى الابد".

وفي عام 1974 عقب حرب يوم الغفران ايد رابين فكرة الفصل ليس فقط لعزل الفلسطينيين كما قال ولكن ايضا لخلق "الظروف التي تجذب النزوح الطبيعي والطوعي لسكان قطاع غزة والضفة الغربية".


*- مفكر فلسطيني من بلدة يافا طردهم المستوطنون الصهاينة عام 1947.

 - استاذ جامعي في الولايات المتحدة الاميركية.