الثلاثاء 23-3-1999

 

مقدمة

تتصاعد النقمة الشعبية ضد الاحتلال "الاسرائيلي" في كل انحاء الشريط الحدودي، كما في منطقة حاصبيا، ويتّحد اللبنانيون في مواجهة العدو الغاصب دون توفير أي جهد عسكري او مدني في مواجهته. فالعدو لا يحترم المواثيق ولا الشرائع، وهو ينتهكها عبر اعتداءاته اليومية ضد المدنيين، مسجلاً يوماً بعد يوم خرقاً لتفاهم نيسان عبر زرعه العبوات، واستهدافه المدنيين وحصاره للبلدات والقرى… وقد سجّل تحرك لافت من جانب مشايخ المنطقة وابنائها في مواجهة اجراءات الاحتلال.

 

حصار حاصبيا وتحرك مشايخها يفاقم من مأزق الاحتلال (1)

بعد الضربات الموجعة التي وجهتها المقاومة الاسلامية للاحتلال "الاسرائيلي" نشط الاحتلال لملاحقة خلايا المقاومة في المناطق المحتلة حيث لجأ الى حصار القرى والبلدات واعتقال العديد من المواطنين ومن عملائه اللحديين، بسبب شكوك الاحتلال المتزايدة حول اختراقات المقاومة لاجهزته الامنية والعسكرية.

وعليه، فقد استمر حصار بلدات حاصبيا وعين قنيا وابل السقي، امس، لليوم الرابع على التوالي، حيث منعت قوات الاحتلال الاهالي من الخروج الى المناطق المحررة وسط اجراءات امنية طالت العديد من المواطنين الذين سيقوا الى مراكز الامن للتحقيق معهم بتهمة التخابر مع "جهات معادية".

وقد اثارت هذه الممارسات ردود فعل لدى المواطنين ولدى المرجعيات الروحية حيث عقد مشايخ البياضة اجتماعاً امس، تباحثوا فيه بالاجراءات "الاسرائيلية" الاخيرة التي كانت محور استنكارهم، ودعوا الى رفض التعامل مع الاحتلال وبخاصة في المجال الاقتصادي.

وفي هذا الاطار افيد من القطاع ان جيش الاحتلال "الاسرائيلي" استمر لليوم الرابع على التوالي في حصاره لقرى حاصبيا - عين قنيا - ابل السقي، كما استمرت الاعمال التعسفية ضد السكان لتطال حوالى 50 مواطناً اخضعوا لاستجوابات وتهديدات.

وقد اعاد جيش الاحتلال "الاسرائيلي" عند التاسعة من صباح امس فتح بوابة العبور في زمريا بعد اقفال استمر منذ ظهر الجمعة الماضي وقد تجمع ابتداء من السادسة من صباح امس حوالى 60 سيارة مدنية وحوالى 300 مواطن من القرى المحاصرة خلف البوابة في محاولة للعبور اسوة بباقي سكان المنطقة لكن عناصر ميليشيا لحد المخولة حراسة البوابة ابلغوهم بان قرار منعهم من اجتياز كل بوابات العبور ما زال ساري المفعول، وهو قرار صادر عن قيادة وحدة الارتباط وقيادة المنطقة الشمالية وذلك حتى شعار آخر، ولم تعطِ عناصر لحد أي تفسير لهذا القرار، واكتفت بالقول "اننا ننفذ اوامر "اسرائيلية"".

هذا وبدأت القرى المذكورة تعاني من مشكلة تموينية حيث اختفت من الاسواق الخضار والفاكهة كذلك برزت مشكلة عدم تمكن الدوائر الرسمية من متابعة المعاملات في الدوائر الرسمية خارج الشريط المحتل.

كما لم يتمكن عشرات الطلاب من التوجه الى جامعاتهم والى دور المعلمين. هذا واستمرت عناصر المخابرات "الاسرائيلية" في اجراءاتها التعسفية ضد سكان القرى المحاصرة واستدعي صباح امس الى مركز الامن في ثكنة مرجعيون ثمانية شبان عرف منهم سامي نمور من بلدة حاصبيا الذي نقل الى سجن الخيام.

الى ذلك سجل تحرك لافت لمشايخ خلوات البياضة، في حاصبيا الذين ادانوا بشدة الممارسات "الاسرائيلية" الهادفة الى تطويع الناس عبر الاعتقالات المستمرة للمواطنين وبعضهم من رجال الدين والنسوة وتضييق الحصار من خلال عدم السماح للمواطنين بالخروج الى المناطق المحررة وكل ذلك يهدف الى ربط ابناء المنطقة امنياً واقتصادياً بعجلة الاحتلال.

وحسب الانباء الواردة من منطقة حاصبيا فان مشايخ خلوات البياضة وما يمثل موقعهم الديني والمعنوي من تأثير اضحوا في مواجهة علنية مع سلطات الاحتلال بعد صدور تعميمات للمواطنين عبر قنوات دينية في المجالس والخلوات الدرزية بالعمل على مقاطعة البضائع "الاسرائيلية" ورفض التعامل بكل وجوهه، والتمسك بالشرعية اللبنانية ومؤسساتها وعلى رأسها العماد اميل لحود.

وتشير المصادر عينها الى ان حملات الاعتقال العشوائية داخل حاصبيا والقرى المحيطة بها ليست سوى محاولة "اسرائيلية" للتهويل على الناس خشية تحول حركة رجال الدين الدروز الى حالة شعبية عامة مناهضة للاحتلال مع ما يترتب على ذلك من ارباكات سيواجهها جيش الاحتلال في هذه المنطقة.

وقد استنكر المشايخ خلال اجتماع عقدوه في البياضة التصرفات "الاسرائيلية"، وطالبوا الجهات المعنية محلياً وخارجياً بالعمل من اجل فك الحصار عن البلدات المحاصرة، ووقف الممارسات الارهابية والافراج عن المعتقلين المدنيين.

 

النائب الداوود يجدد عهد المقاومة (2)

الى ذلك اشاد النائب فيصل الداوود بالوقفة الجريئة والشجاعة لمشايخ خلوات البياضة والتي "تعبر حقيقة عن ان الدروز هم سيف العروبة والاسلام وكانوا وما زالوا الطليعة الوطنية والقومية عبر التاريخ" داعياً الى انتفاضة شعبية داخل حاصبيا في وجه المحتل وعملائه تتعانق مع ثورة اهلنا في الجولان لتحرير الارض من الغاصب "الاسرائيلي"، مشيراً الى ان "حفنة من العملاء الساقطين في اتون الخزي والعار لن تلوث مسيرة طائفة مشهود لها بنصاعة انتمائها".

 

تقييم صحفي لاعتقالات الاحتلال في حاصبيا (3)

وفي موضوع الاحتلال في المنطقة المحتلة، وحاصبيا خصوصاً كتب الصحافي حلمي موسى مقالاً يعتبر فيه ان الاعتقالات وحصار المنطقة تعبير عن سقوط اسطورة الاجهزة "الاسرائيلية". والمقال هو التالي:

تضاربت المواقف "الاسرائيلية" بشان الاخبار التي تحدثت عن العثور على "جواسيس في قيادة ميليشيا العملاء" حسب صحيفة "يديعوت احرونوت" "الاسرائيلية" وعدم وجود اعتقالات في قيادة هذه الميليشيات حسب وزير الدفاع "الاسرائيلي"، موشيه ارينز.

ومن الواضح انه فيما تبدي الاجهزة الاستخبارية موقفاً اكثر انفتاحاً تجاه هذه الاخبار وتقدم معطيات تفصيلية عنها، تلجأ الاجهزة السياسية "الاسرائيلية" الى انكار هذه الحقيقة للمحافظة على المعنويات العامة من جهة، والحيلولة دون استغلال ذلك لاعلان مطالبة بالتخلي عن ميليشيا لحد.

وحسب "يديعوت احرونوت"، فان اجهزة المخابرات "الاسرائيلية" قامت في الايام الاخيرة بحملة اعتقالات في قرى القطاع الشرقي من الحزام الامنية، وانها "وفق مصادر امنية "اسرائيلية"" اعتقلت ثلاثة من جهاز استخبارات ميليشيا العملاء بينهم مسؤول امني رفيع المستوى".

ونقلت وكالات الانباء عن مصادر في ميليشيا لحد ان الشبهات تدور حول قيام هؤلاء المعتقلين بتقديم معلومات استخبارية لحزب الله، وان "عادل يونس، من كبار ضباط الميليشيات، المسؤول عن العلاقات مع المخابرات "الاسرائيلية"، هو احد هؤلاء المعتقلين".

واشارت "يديعوت احرونوت" الى ان "اسرائيل" اعتقلت مؤخراً حوالي 40 مواطناً لبنانياً من الطائفة الدرزية في قرى حاصبيا، ابل السقي وعين قنيا، وانه تم الافراج عن معظمهم. وذكرت مصادر امنية "اسرائيلية" انه منذ يوم الجمعة الماضي منع المواطنون الدروز من مغادرة "الحزام الامني".

واكدت مصادر "اسرائيلية" انه في الاسابيع الاخيرة، منذ مقتل الجنرال ايرز غيرشتاين جرت عملية تحقيق واسعة في قرى القطاع الشرقي من الحزام الامني، وخصوصاً في حاصبيا وشبعا، وقالت المصادر "الاسرائيلية" انه تواجد في اللقاء الذي جرى بين غيرشتاين وارامل قتلى ميليشيا لحد في شبعا، مجموعة من افراد هذه الميليشيا، وانهم غادروا المكان قبل مغادرة القائد "الاسرائيلي". ويتركز التحقيق على وجود تعاون بين هؤلاء الافراد، وبعضهم من جهاز الامن، مع حزب الله تضمن نقل معلومات دقيقة بشأن تحركات قافلة غيرشتاين.

واعترف العميل انطوان لحد لصحيفة "يديعوت احرونوت" بانه لا يعرف شيئاً عن قواته، التي تقيم كل كتيبة منها صلة خاصة ومستقلة بالجيش "الاسرائيلي"، وقال: "انا اعرف انه منذ مقتل العميد غيرشتاين وقعت نشاطات اخرى في حاصبيا واماكن مختلفة من جنوب لبنان. ومن المحتمل ان يكون هذا مرتبطاً بالاعتقالات التي جرت. وقد سمعت ان ثلاثة ضباط من جهاز المخابرات قد اعتقلوا، وانا لا اعرف ما هي التهم الموجهة اليهم، هناك اعتقالات، هناك شبهات، والموضوع قيد الدراسة، وانا لا اريد في هذه اللحظات التعقيب على ذلك".

وعموماً اكدت المصادر الامنية "الاسرائيلية" وقوع عمليات الاعتقال، الامر الذي يخالف ادعاءات الجهات السياسية "الاسرائيلية" التي ركزت على ان حملة الاعتقالات لا ترتبط البتة بمقتل غيرشتاين، وادعت الجهات السياسية ايضاً ان "الانباء حول هذه القضية مصدرها وسائل الاعلام اللبنانية، وانها غير صحيحة ويجب النظر اليها كجزء من حملة دعائية وحرب نفسية تجري ضد الميليشيات العميلة والحزام الامني".

وامام هذه الانباء الجازمة بشأن الاعتقالات يأتي الانكار الرسمي بشكل متردد: نعم، "صفوف المدنيين" الذين "لا يخدم أي منهم" في مليشيا لحد، وترفض هذه المصادر الربط بين الاعتقالات ومقتل غيرشتاين وتؤكد ان هؤلاء يتعاملون مع "جهاز استخبارات لدولة عربية" حسب صحيفة "هآرتس".

ومن الواضح ان هذا التناقض بين موقفي المؤسسة السياسية والمؤسسة العسكرية يجد تعبيراته الاصلية في التناقض بين شعبة الاستخبارات العسكرية وقيادة الجبهة الشمالية. فعند مقتل غيرشتاين، بادر قائد المنطقة الشمالية الجنرال غابي اشكنازي الى الاعلان ان مقتل غيرشتاين لم يكن بسبب معلومات تسربت لحزب الله، وانما تم بطريق الصدفة. وفي الوقت نفسه سربت جهات استخباراتية للصحافة "الاسرائيلية" تقديرات شعبة الاستخبارات بان مقتل غيرشتاين كان مقصوداً وتم اثر معلومات مسبقة.

وتحت عنوان "ثقوب في الامن الميداني" كتب مئير اميتاي في "هآرتس" امس ان جملة الاحداث الاخيرة التي ذروتها "مقتل قائد وحدة الارتباط في لبنان، في كمين كان على ما يبدو يقصده شخصياً، وسقوط مقاتلي الكومندوس البحري وقائد سييرت المظليين، واعتقال فاليري كمينسكي بتهمة التجسس اثناء عمله في قاعدة "تل نوف" الجوية، وسرقة وثائق من قاعدة كوماندوس وسرقة القرص الصلب من حاسوب مليء بالمعلومات بالغة السرية من مكتب قائد الجبهة الشمالية - تشير جميعها الى الحاجة الماسة لاعادة دراسة مستوى الامن الميداني في الجيش "الاسرائيلي"".

وباختصار فان محاولات انكار الاعتقالات وصرف الانظار عن طبيعتها تهدف الى المحافظة على هيبة الاسطورة الاستخباراتية "الاسرائيلية" التي تواجه احدى ازماتها القاتلة في جنوبي لبنان تحديداً.

 

الاعتداءات "الاسرائيلية" (4)

على صعيد الاعتداءات، سجل امس قصف مدفعي "اسرائيلي" من وادي ابو قمحة وتلة زغلة وتلة زمريا استهدف جبل الضهر وقاطع ميمس واطراف القطرانة، مترافقاً مع رشقات رشاشة ثقيلة وقنابل مضيئة اطلقت فوق معبر زمريا.

وافيد من النبطية انه بين السابعة والسابعة وعشر دقائق مساء امس نفذت الطائرات الحربية "الاسرائيلية"، غارتين جويتين استهدفتا مرتفعات الجبل الرفيع واحراج سجد في منطقة اقليم التفاح، والقت الطائرات المغيرة اربعة صواريخ جو - ارض باتجاه المنطقتين المستهدفتين احدثت انفجاراتها اصداء قوية ترددت في ارجاء منطقة النبطية.

وكانت الطائرات الحربية "الاسرائيلية" قد شنت غارة صباحية استهدفت تلة مليتا في اقليم التفاح.

كما اغارت الطائرات المعادية السابعة وخمس دقائق من مساء امس على دفعتين على منطقة جبل ابو راشد، مستهدفة المنطقة الحرجية شمالي شرقي بلدة القطرانة في المنطقة المحايدة، والقت اربعة صواريخ جو - ارض.

الى ذلك، سجلت الاعتداءات التالية (5) :

7:20، اغار الطيران الحربي المعادي على مليتا بدفعتين.

16:45، قامت قوة من العدو "الاسرائيلي" بجرف منزل في بلدة حولا المحتلة .

19:15، سقوط قذيفة من عيار 155 ملم على منطقة القلواني اطراف تولين.

19:35، سقوط قذيفة من عيار 155 ملم على منطقة القلواني.

19:40، قصف من عيار 155 ملم على المنطقة ما بين تولين وقلاويه.

20:40، سقوط قذيفتين من عيار 120 ملم على وادي حسن.

20:45، سقوط 3 قذائف من عيار 155 ملم من مشروع الطيبة على المنطقة ما بين الحمرا - ارنون

 

عبوات ناسفة "اسرائيلية" قرب مجدل سلم (6)

وفي ملف الاعتداءات "الاسرائيلية" ضد المدنيين سلسلة العبوات التي يفجرها الاحتلال هذه الايام في بلدة مجدل سلم المحررة؛ فبعد انفجار سلسلة عبوات في بلدة مجدل سلم المحررة امس الاول واصابة مدني لبناني بجروح، عمدت قوات الاحتلال المتمركزة في موقع مشعرون عند الساعة الثالثة من فجر امس الى تفجير ثلاث عبوات موصولة بعضها ببعض كانت قد زرعتها في المكان نفسه الذي زرعت فيه العبوات الاولى ما الى تضرر منزل المواطن حسين المعاز، ونجا افراد عائلته.

 

… والاحتلال يهدم منزلاً في حولا (7)

كذلك افادت الانباء الواردة من داخل الشريط الحدودي المحتل عن قيام قوات الاحتلال عند الساعة الخامسة بعد ظهر امس، على جرف منزل في بلدة حولا المحتلة، من دون معرفة الاسباب الحقيقية لذلك.

وقد ساهمت قوة لحدية مؤللة في تأمين الحماية للجرافات التي عملت على هدم المنزل.

 

معتقلون لبنانيون يطالبون المحكمة العليا "الاسرائيلية" بالافراج عنهم (8)

طالب ثلاثة من المعتقلين اللبنانيين في سجن الخيام المحكمة "الاسرائيلية" العليا بان تأمر بالافراج عنهم معتبرين ان ميليشيا العميل انطوان لحد التي تدير المعتقل تتبع للجيش "الاسرائيلي".

والمعتقلون هم: سليمان رمضان ومصطفى جواد توبة وابنه علي الذي كان عمره 14 عاماً لدى اعتقاله.

وفقد رمضان رجله بعد اصابته بجروح اثناء اعتقاله. واشتكى من احتجازه في زنزانة انفرادية فترة ثلاثة اعوام فضلاً عن غياب الرعاية الطبية.

 

شهر على اختطاف "اسرائيل" لصياد صوري (9)

رجح نقيب الصيادين في مرفأ صور محمد بواب ان تكون البحرية "الاسرائيلية" هي التي اختطفت زميله الصياد وفيق سمرا (54 عاماً) الذي فقد قبالة مرفأ صور منذ شهر. واوضح النقيب البواب ان كل التقارير الواردة من القوة الدولية لم تشر الى العثور على أي اثر للقارب او للصياد، مناشداً الصليب الاحمر التحري عن مصيره.

 

امهات الجنوب في عيد للأمهات ينغّصه "الاسرائيلي" (10)

حول امهات الجنوب المنغّص عيدهن بالاحتلال "الاسرائيلي" لارضهن، المتشبثات بمقاومتهن، الخائفات على مصير اولادهن؛ كتبت الصحافية سعدى علوه في صحيفة السفير هذا المقال:

"لم تعلم والدة زينب محمد سليمان ان تلك القبلة الصباحية التي ودعتها بها ابنتها البكر ستكون آخر تواصل لها مع "نجمة البيت" التي غادرته صبيحة عيد الأم.

يومها قالت لها زينب "هديتك بعدين" واسرعت لتلحق واخوتها الثلاثة بحافلة المدرسة. وجدت ام زينب الهدية لاحقاً ولكنها عبثاً فتشت عن زينب.

يومها ابت "اسرائيل" في الحادي والعشرين من آذار العام 1994 الا ان "تعايد" امهات النبطية بقذيفتين على حافلة المدرسة، لتوقع ثلاثة عشر طفلاً ما بين جريح وشهيد.

استشهدت زينب على الفور، فيما اصيبت اختها الاصغر (11 سنة) بما يكفي لتفقد عينها اليمنى، اما اخواها (ثماني سنوات وست سنوات) فقد اخترقت جسديهما شظايا كثيرة اقعدتهما لاشهر في المستشفى.

اضحى الحادي والعشرون من آذار "بمثابة العزاء".

"امس الاول كان الذكرى الخامسة لغياب زينب، لم يكن عيداً" تقول الام وهي تمسح دموعها لتكمل بارتباك واضح "بس حدا يحكي عن عيد الام ما بقدر اتحمل وبهرب".

ام زينب واحدة من تلك الامهات اللواتي افترشن بقلوبهن ارض الجنوب علها تقي فلذات اكبادهن كل الاخطار والقلق والخوف، تلك المفردات التي تقلق الحياة هناك، في قرى المواجهة مع الاحتلال او بالاحرى قرى الصمود.

هناك حولت "اسرائيل" عيد الام الى مناسبة بائسة. تتذكر فيها الوالدة المنكوبة فقيدها وتتجرع عبرها مزيداً من الرعب من فقدان اليد التي تمتد بالهدية والفم الذي يطبع قبلة العيد.

عادت ام زينب وانجبت زينب صغيرة تملأ المنزل ضحكات رنانة.. "انه نوع آخر من المقاومة والصمود"… تقول. تحتل صورة كبيرة لزينب "الشهيدة" - وان تبدو الصفة كبيرة عليها - بابتسامتها ونظرتها الواثقة صدر المنزل. هناك وسنة بعد الاخرى تضع والدتها زهرة صغيرة، تطوي بها السنوات والعمر "صار عمر زينب 18 سنة". هكذا تحيا زينب وتكبر وقد تحدثهم " بسمع صوتها بالبيت كتير".

تروي والدة زينب تفاصيل قتل ابنتها على منعطف المنزل. يومها عادت من عملها لترى الحافلة مدمرة ولتجد عشرات الاشخاص وقد تجمعوا في منزلها وقعت عينها على حقيبة زينب وسط الدماء وبحركة لا شعورية احتضنتها وركضت تبحث عن زينب. كانت الجثة في المستشفى الحكومي، فيما وجدوا وبعد يومين وردة ذابلة داخل الحقيبة ومرفقة ببطاقة كتب عليها "امي، احبك، كل عام وانت بخير".

اختفت الوردة والبطاقة من المنزل وخصوصاً بعد الصدمة التي اصيبت بها الاخت الصغرى وحالات الاغماء التي تنتاب الوالدة عند رؤيتها.

منذ تلك الحادثة نقلت عائلة زينب بقية اولادها الى مدرسة في بلدة "تول" قضاء النبطية "فقد تكون الطريق اقل استهدافاً".

ولكن هل "تول" اكثر امناً بالفعل؟؟

تجيب جمانة فحص "ام آدم" التي تحيي يوم عيد الام بالذات ذكرى مرور اربعين يوماً على استشهاد ولدها احمد (خمس سنوات) بعبوة ""اسرائيلية"".

يومها حملت جمانة بعض الطعام الى مدرسة احمد وآدم، وبالصدفة وجدت في حقيبتها آلة تصوير فالتقطت له ثلاث صور هي الاخيرة في دفتر ذكرياتها، وعصر ذلك اليوم خرجت عائلة احمد في نزهة الى الحقل في بلدة "تول". وكان الاولاد يلهون عندما سمع صوت الانفجار وشاهدت جمانة فحص ابن الجيران يطير في الهواء. لم يطر احمد فقد اردته القنبلة في مكانه.

يقول آدم (الاخ الاكبر) ان احمد وجد شيئاً ملوناً يشبه قنينة الماء التي يأخذها الاطفال الى المدرسة، التقطها وعندما انبعث منها بعض الدخان رماها ارضاً ولكنها انفجرت على الفور.

هدايا "اسرائيلية" بأوراق ملونة اخرى لاطفال وامهات الجنوب. معها اضحت عائلة احمد تخاف على اخيه من نسمة الهواء، واصبح ممنوعاً على آدم الذهاب الى منزل جده "عندهم حديقة وما بعرف شو فيها" تقول جمانة التي لم تعد مستعدة للرهان على شيء.

يمكن عم نحبسه بس ما عدنا قادرين نغامر مرة ثانية، حتى الى الكشاف ما بقدر خليه يروح، وبس تتوتر الاوضاع ما بيروح على المدرسة.

اما عيد الام فهو ذكرى اربعين احمد. احمد الذي ولد في الرابع عشر من شباط العام 1994. "ما تركوه يطبق الخمس سنين، قتلوه قبل عيده بنهار".

تعتب جمانة على الدولة "كلمة استنكار ما وصلتنا… التلفزيونات مليانة اعلانات، ولو شي اعلان توعية لاطفال الجنوب عن "الالعاب الالغام".

ليس بعيدا عن النبطية و"تول" دائماً تحت سيطرة المواقع "الاسرائيلية" المسلطة على قرى وبلدات المواجهة، تقضي "ام عادل" بقية ايامها التي تعتبرها معدودة بانتظار عودة قاسم.

بعد سبعين عاماً، قضت ام عادل معظمها مذعورة على شبابها الستة، جاءت ميليشيا لحد وفي ليلة مظلمة سحبت قاسم من فراشه غير آبهة بتوسلات العجوز التي لم يبقَ لها سواه لاعالتها.

عندما ازيح الشريط ودخل الناس ارنون رأت ام عادل شبابها الآخرين للمرة الاولى منذ خمس سنوات "من زمان تركوا ارنون وما بيقدروا يرجعوا وانا مريضة وكانت السيارات ممنوعة عن الضيعة وما كنت شوفهم كتير".

اليوم تصطحب جارة ام عادل العجوز المتعبة كل ثلاثة اشهر الى معتقل الخيام "لتكحل" عينيها كما تقول بمرأى قاسم.

انهى قاسم عامه الثالث والعشرين بين جدران زنزانة الخيام، فيما تجهل والدته السبب "كان عم يشتغل بالباطون بالضيعة وعم يصرف علي، ما بعرف ليش اخذوه".

قبل قاسم اخذت ميليشيا لحد سمير (ولدها الثاني) مرتين على التوالي ثم اعادوه. وترك سمير القرية بناءً على طلب والدته بعدما اعتقل قاسم "بيكفيني اسير واحد يا امي… روح" هكذا ودعته وتركت دمعها على سجيته.

لم يبقَ من تلك العيون الغارقة في اساها الا جفن محمر ومثقل.. وحده الامل بعودة قاسم يبقي لأم عادل بعض البريق والقدرة على الرؤية وان لتلمس الطريق عبر الصليب الاحمر الى الخيام.

في الطرف الآخر من ارنون وفي الحادي والعشرين من تشرين الثاني العام 1998، وفي ظل حظر التجول الليلي الذي كان مفروضاً على البلدة، اصيب ابراهيم علي غزالي بنوبة معوية فجائية. لم تستطع اعوام ابراهيم الستة اعانته اكثر من عشر ساعات، انبلج الصباح حمله اهله الى حدود بركة الضيعة (حيث كان مسموحاً وصول السيارات) ونقلوه الى النبطية. هناك ولكثرة ما تقيأ طوال الليل كان جسده قد فقد كل السوائل. ومات ابراهيم.

حينها كان والده في معتقل الخيام، حملته والدته وعادت به لتدفنه في ارنون.. "اعيش وعائلتي وشبابي هنا. لن نغادر الضيعة. لا نتعاطى مع أي طرف نريد ان "نسترزق بسلام.."

تقول "عين الحياة كعور" (والدة ابراهيم) مبررة بقاءها واولادها في ارنون. "ليس لدينا ما يكفينا لاستئجار منزل خارج ارنون. منزلنا هنا وارضنا هنا ولن نذهب الى أي مكان آخر لنتبهدل"…

بعيداً عن ارنون وفي ادى القرى الصامدة في وجه المواقع واصوات اختراق جدار الصوت والطائرات لا تغادر السماء الا لتتزود بالوقود… تسخر ام علي بمرارة ابتساماتها من القلق الذي ادمنته "ابني بالمقاومة نعم بالمقاومة… اخاف عليه؟ كيف لا..بس اذا كل ام سجنت ابنها مين بدو يروح عالمقاومة…" تقول وهي تهمس "بس وعدني يجي بعيد الام لعندي".

رما جاء علي ووفى بوعده في عيد الام، وربما وفت "اسرائيل" لوعيدها وضمت ام علي الى قافلة "اجمل الامهات".


الهوامش:

1- السفير 23-3-1999 ص 4.

2- نفس المصدر.

3- نفس المصدر.

4- نفس المصدر.

5- بيان المقاومة الاسلامية، 22-3-1999.

6- السفير 23-3-1999 ص 4.

7- نفس المصدر.

8- نفس المصدر.

9- النهار 23-3-1999.

01- السفير 23-3-1999 ص 9.