التقرير اليومي الاثنين 5-6-2000
مقدمة
يستمر عرس الفرح في كل لبنان احتفاء بالانتصار الكبير الذي حققه لبنان بشعبه ومقاومته ضد الاحتلال الصهيوني وتحولت المنطقة المحررة الى مزار لمئات الآلاف من اللبنانيين الذين احتشدوا من جميع أنحاء لبنان للتعرف على المناطق التي كان العدو الصهيوني قد فرض إرهابه عليها على مدى السنوات الماضية .
في هذا الوقت يواصل لبنان معركته السياسية بوجه الأمم المتحدة التي تتبنى المواقف الصهيونية من موضوع الخلافات على النقاط الحدودية ويعقد اليوم اجتماع حاسم في قصر بعبدا لاتخاذ قرار حاسم في هذا الموضوع .
استعراض في بيروت لأسلحة مصادرة (1)
تستعرض المقاومة الإسلامية مجموعة من الآليات "الاسرائيلية" التي غنمها المقاومون في شوارع بيروت والضاحية. وستصل طليعة الآليات عند الساعة الخامسة من بعد ظهر اليوم الاثنين الى منطقة الأوزاعي قرب الحسينية، وستسلك طرقات: الأوزاعي، الأونيسكو، كورنيش المزرعة، النويري، البسطا، رأس النبع، الطيونة، طريق صيدا القديمة، أوتوستراد السيد هادي، المريجة وحارة حريك.
إقفال بوابة العباسية ومنع عناصر "لحديين" من العودة (2)
تظاهر مئات اللبنانيين أمس، عند "بوابة فاطمة" في مواجهة المطلة وألقوا الحجارة على الجانب "الاسرائيلي" من الحدود ورفعوا أعلاماً حزبية ولبنانية.
في هذه الأثناء، أقفل جيش الاحتلال "الاسرائيلي" وحتى إشعار آخر بوابة العبور في العباسية بوجه عناصر ميليشيا لحد والعمال اللبنانيين الذين حاولوا الخروج من فلسطين المحتلة باتجاه لبنان.
وأفاد شهود عيان عند البوابة انه بينما كان عدد من المواطنين ينتظرون أقارب لهم خلف البوابة من الطرف اللبناني بعدما أبلغوا بأن جيش الاحتلال سوف يسمح لهم باجتياز البوابة وبعد طول انتظار دام حوالى 6 ساعات تحت أشعة الشمس الحارقة، تبين ان عناصر الاحتلال كانوا يراوغون فطلبوا الى عناصر لحد والعمال في الطرف الغربي من البوابة العودة الى تجمعهم داخل فلسطين المحتلة لأن الأوامر قضت بإقفال البوابة. كما نودي وبصوت عال على أقاربهم من الطرف الشرقي بضرورة التراجع بعيدا وأن يعودوا في اليوم التالي علّ الأوامر تتغير. وفي هذه اللحظات حصل تلاسن بين العمال وعناصر لحد من جهة وبين قوة "اسرائيلية" مخولة بحماية البوابة من جهة ثانية، ورفض اثرها هؤلاء التبرير "الاسرائيلي" واعتبروه "مراوغة غير مبررة"، وفي هذه الأثناء حاول أحد أقارب هؤلاء من الجانب اللبناني التقدم باتجاه البوابة وهو يحمل مسدسا على خصره، فاعتقد عناصر الاحتلال بأن حمل المسدس ربما كان مقدمة لعمل ما فاستنفروا واتخذوا مراكز قتالية وتوسع الاستنفار خلال لحظات ليطال موقع العباسية المجاور وبعد أقل من ثلاث دقائق وصلت حالة الاستنفار الى سلاح الدبابات حين بدت ولأول مرة بعد الانسحاب "الاسرائيلي" من الجنوب اللبناني دبابة ميركافا تخرج من حفرها وتتمركز في مواجهة بوابة العبور.
واستمرت حالة التوتر حوالى النصف ساعة تراجع بعدها المدنيون باتجاه المجيدية في حين تم طرد عناصر لحد وباقي العمال بالقوة من مراكز تجمعهم داخل فلسطين المحتلة، وأعلن جيش الاحتلال عن إقفال بوابة العباسية بوجه هؤلاء حتى إشعار آخر.
الاحتلال يرفع حالة استنفاره على خط مزارع شبعا (3)
لوحظ بأن جيش الاحتلال رفع من حالة استنفاره على طول خط التماس بين مزارع شبع المحتلة والمناطق المحررة المحاذية لها، وتم تركيز ثلاثة أبراج مراقبة جديدة في المنطقة بين مزرعة قفوة ومحور مرصد جبل الشيخ كما لحوظ بأن عناصر الدوريات "الاسرائيلية" تم تزويدهم بمناظير جديدة تم تركيزها الى جانب أسلحة رشاشة متوسطة وثقيلة.
قرى مهدمة يعود أهلها إليها (4)
عاد العشرات صباح أمس، الى قراهم المهدمة كليا في عين عرب والسلامية وحلتا والدحيرجات وذلك في مهمة قالوا بأنها تهدف الى تحريك وضع هذه القرى المهدمة المهجرة منذ العام 1968 والمطالبة بإعادة إعمارها تمهيدا لعودة السكان إليها.
وفي بلدة عين عرب نصب الأهالي خيمة كبيرة عند مدخلها الغربي وافترشوا الأرض بداخلها وقضوا طوال النهار في استقبال المهنئين بالتحرير.
ويقول المواطن أحمد خليل: كان في بلدتنا حوالى 100 منزل وفي العام 68 قامت قوة كوماندوس "اسرائيلية" وتحت غطاء مدفعي بالتقدم باتجاه البلدة حيث طردوا الأهالي، وفجروا المنازل والجامع والمدرسة ومن ثم حولوها الى حقل رماية.
ويقول نصار الأحمد ان نسبة 80% من أبناء البلدة لا يعرفونها فهم وُلدوا وترعرعوا في قرى التهجير حيث توزعوا في البقاع والدامور وصيدا والنبطية، الجيل الجديد الذي عاد الى بلدته فوجئ بهذه الكارثة التي حلت وكأن زلزالا ضرب المنازل، وطالب الدولة بأن ترحم جيل الحرب والتهجير الذي عاش بعيدا عن أرضه وأن تعمل بالسرعة الممكنة ليعود الى أرض أهله وأجداده فالبلدة بحاجة الى كل شيء.
المواطنة غنوة جمعة قالت ان زوجها استشهد في البلدة خلال هجوم لجيش الاحتلال وجمعت أجزاء جسده المتناثر في أكثر من ناحية ودفنتها وهي تعيش مهجرة في البقاع منذ 1968.
وطالبت الدولة بمد يد العون لأهالي البلدة والقرى المحيطة لأنها دفعت ثمنا غاليا من شبابها وأرزاقها وممتلكاتها.
ويقول الشيخ حامد شحادة من الدحيرجات بأن جيش الاحتلال اتخذ من سقوط "كاتيوشا" على المطلة عام 68 ذريعة للتسلل الى الدحيرجات حيث عمل على تفجير 45 منزلا وفي أعقاب ذلك سمعنا مسؤولاً إسرائيليا يقول بأن عملية التفجير بمثابة درس لهذه المزارع، ودعا أهلها للخروج قبل فوات الأوان.
ألوف اللبنانيين أمضوا الويك أند قرب الشريط الحدودي (5)
تحولت المنطقة الممتدة ما بين تل النحاس وكفركلا، حيث تقع (بوابة فاطمة) الى محج للبنانيين الذين تدفقوا بالآلاف امس لتمضية عطلة الاسبوع امام بوابة فاطمة، حيث غصت الطرقات بالفتيات والفتيان القادمين من كل لبنان، فيما عمد العديد من الشبان الى رشق الحجارة باتجاه "الاسرائيليين" في الطرف الآخر.
فمنذ ساعات الصباح الباكر شهدت منطقة بوابة فاطمة على طريق تل النحاس - كفركلا زحمة خانقة للوافدين من كل لبنان، وتحولت جوانب الطريق الى سوق تجارية، لبيع الذرة والترمس والحلويات، فيما كانت فرق الكشافة تجول الطريق بالموسيقى الوطنية، وفجأة ظهرت سيارات عسكرية "اسرائيلية" تنطلق بسرعة من المطلة باتجاه الشمال فانطلق الشباب لرشقها بالحجارة لكن القافلة تمكنت من الافلات من مطر الحجارة التي انطلقت من كل صوب.
وعند نقطة البوابة تحلق الشبان والشابات. منهم من قدم من البقاع وآخرون من بيروت، والجبل، ومن الشمال والجنوب، وكان فتيان يعمدون الى رشق الحجارة باتجاه الموقع "الاسرائيلي" كلما ظهر أحد الجنود.
في هذا الوقت اقامت القوات "الاسرائيلية" عند مفترق مستعمرة المطلة بوابة حديدية منعت من خلالها "الاسرائيليين" من الاقتراب من المنطقة على اعتبار انها منطقة عسكرية لمدة شهر.
اللقاء الفلسطيني (6)
في المقلب الثاني من الحدود وتحديداً عند نقطة الحدود بين الضهيرة اللبنانية والجردية داخل الأراضي المحتلة استمرت لقاءات الفلسطينيين على جانبي الحدود. وقد عمل "الاسرائيليون" على اقامة حاجز ثان من الأسلاك الشائكة بعد الحاجز الأول لمنع تقدم الفلسطينيين من الأراضي المحتلة، بعدما حصلت بعض الخروقات، واقدام العديد من الفلسطينيين الى الانتقال الى الطرق المقابلة.
فتح الطريق بين البقاع الغربي وجزين
قرى صغيرة من دون أهلها تطلب المساعدة (7)
فتحت أمس الأول الطريق بين البقاع الغربي وجزين بعدما أزال الجيش اللبناني السواتر الترابية التي كانت تفصل المنطقتين على طريق ميذون السريرة ونزع الالغام التي كان العدو قد زرعها في المنطقة، الا ان الطريق المحفرة ذات المنعطفات الخطيرة شكلت مصيدة للسيارات الأولى العابرة ومنها سيارة مراسل "السفير" التي سقطت في حفرة عطلتها أربع ساعات قبل ان يتم تصليحها.
عند كسارات السريرة من جهة ميذون تستقبل القادمين لافتة وسط الطريق تبارك للمقاومة انتصارها. ننحرف يساراً وندلف الى داخل السريرة التي تتناثر منازلها على كتف وادي الليطاني لناحية الغرب، مستظلة هضاب ميذون والجبور "وابي راشد" الممهورة بدماء الشهداء، والمجبولة بعرق الجهاد. هناك... نلتقي حكمت كيوان فنتبادل التبريكات بفتح الطريق والتحرير، ثم يؤكد لنا ان السريرة تحررت منذ الثاني عشر من كانون الثاني، على اثر إخلاء معبر كفرحونة، حيث كانت خارج السيطرة الميدانية للعدو وعملائه، لكنها ظلت تحت مرمى النيران، وضمن دائرة الخطر، حتى اندحر العدو من شيار عاضور والريحان.
ولفت كيوان النظر الى اهمية فتح بوابة البقاع الغربي، لإعادة التواصل الى طبيعته، وتمتين الصلات الاجتماعية، التي كانت قائمة بيننا وبين جيراننا في ميذون وعين التينة ومشغرة، مؤكداً ان السريرة تحتفل بعرس التحرير وبعودة ابنائها الذين هجّرتهم "اسرائيل"، نتيجة عدم تجاوبهم مع الضغوط التي مورست عليهم من اجل ادخالهم في جيش العميل لحد، وقال: من أصل 500 نسمة، هم عدد سكانها، لم يبق في البلدة سوى خمسين شخصاً، جلهم من المسنين.
ولكن كيوان الذي اشار بيده الى قليا والدلافة وزلايا، التي لا تبعد عن السريرة مسافة رمية حجر قال: اذا اردنا زيارة جيراننا فإن الامر يتطلب منا، السير مسافة 50 كيلومترا، كما ان الوصول الى حاصبيا، او راشيا او مرجعيون يتطلب ايضاً، قطع مسافات تزيد على 70 كيلومترا، وكل ذلك بسبب التدمير الذي لحق بجسر الدلافة السريرة في العام 1987، والذي يقلص المسافة من 70 كلم الى 18 كلم على ابعد تقدير. ونظراً لأهمية الجسر، لكونه صلة الوصل الرئيسية بين البقاع الغربي، وجزين، وراشيا وحاصبيا ومرجعيون، جازفنا في الوصول إليه، على الرغم من التحذيرات، التي وجهت إلينا، من قبل الاهالي، لأن الامر محفوف بالخطر، بسبب احتمال وجود ألغام مزروعة على الطريق التي تشقق زفتها، وغطاها العشب، وتوزعت الصخور على جنباتها.
ويروي كيوان قصة انشاء الجسر، فيقول ان المقاومة الفلسطينية انشأته في اواخر السبعينيات، وهو عبارة عن طبقات عدة فوق مجرى الليطاني من الاسمنت المسلح، ويزيد ارتفاعه على 12 متراً، لكن الطائرات "الاسرائيلية" قصفته ودمرته اثناء اجتياحها المنطقة، لقطع الطريق على المقاومة في انسحابها.
نتابع رحلتنا باتجاه القطراني، التي شهدت مؤخراً قصفاً مدفعياً اسرائيلياً، أدى الى استشهاد ألماظة اسعد، وابنتها إلهام، هناك تأخذنا الحيرة، منازل مهجورة، وأبواب مغلقة، واماكن خالية، حتى ان الطيور فارقت اشجارها الحرجية، الملتفة حولها بإحكام، فنلوذ الى جانب الطريق، ونترجل من السيارة، وننادي بصوت عال، لعل من يسمعنا!!، فيتجاوب ابو جورج، عقل الياس الحلو، مع الصوت من الجانب الآخر، ويستدعينا بحركة سريعة من يده، الى حقل قرب منزله، فنسرع الخطوات باتجاهه، وهناك نعرفه على مهمتنا، فأصر على استقبالنا في منزله، لتناول فنجان قهوة، من يد أم جورج، فنلبي دعوته.
ابو جورج الرجل الثمانيني، الذي قدّت صلابته من صلابة تلك الصخور، بدا متسلحاً بحرارة الإيمان، متشبثاً بأرضه، رافضاً ترك منزله، الذي تحول بفعل القذائف الى أطلال متناثرة، استخدمت فيه شراشف النايلون لسد الفجوات المبعثرة هنا وهناك. يقول: صمدت وحيداً، الى جانب زوجتي ، اضافة الى اربع مسنات، طيلة هذه السنوات، حتى ابتكروا لي تسميات وألقابا عديدة منها: "الصامد"، "الناطور"، "وعريس القرى"، ليس في القطراني وحسب، بل في شبيل وداريا ايضاً.
ويتابع: "اسرائيل" يا ابني خربت بيوتنا ودمرتها، وهجرت أولادنا، ولم يبق في الضيعة "دومري" واحد، حتى نتسلى نحن وإياه. لكن الوطن قتّال، "تبهدلنا"، وشوفة عينك، بيتنا تحول الى خيمة، في القصف كنا نتنقل من غرفة الى غرفة، والله المسلّم.
أما أم جورج فتشكو من مشكلة عدم وجود المياه، بعد انقطاع مياه نبع الطاسة وتقول: نجمع المياه في البئر في الشتوية، حتى نستخدمها في ايام الحاجة، وتضيف: ناطرين دولتنا، ان تتدبر الامر، وتجد لنا حلا، حياتنا مرة، وكلها تعتير، صواريخ، ومدفعية، وأصبت بالاحداث، وظليت شهرين ثلاثة في المستشفى، ونشكر الله ما زلنا أحياء.
ثم يرافقنا ابو جورج الى البيت الذي استشهدت فيه الماظة اسعد وابنتها الهام، هناك نلاحظ حركة اولاد، فيتبين ان ابنها عيد قد حضر من بيروت: "اسرائيل" خربت بيتنا، وارتكبت المجازر، نطلب من الدولة ان تهتم بنا، وتكون عادلة، خصوصاً انهم دفعوا لنا من مجلس الجنوب اربعة ملايين ونصف مليون ليرة لترميم وتأهيل البيت، ولكن هذا البلغ لا يساوي ثمن دهان وأبواب، مشيراً الى انه يملك بيتاً آخر دمّر سقفه بالكامل، لم يلحظه مجلس الجنوب بالكشف، مستغرباً ذلك. أما الطريق الى مزرعة شبيل فليست بأحسن حالا من غيرها، وهي المهجورة منذ 15 عاماً كما يقول ابو جورج، لكنها ليست ملغمة، بدليل انه رافق صاحب أحد المنازل منذ يومين.
مزرعة شبيل تحولت الى انقاض، وتناثرت حجارتها في كل مكان، ونبتت الاشجار والحشائش بين جنباتها وفوق سطوحها، وباتت ابوابها مشلعة، ونوافذها محطمة، في حين ان سقوفها مهدمة، وحيطانها مهشمة بشظايا القذائف.
نصوص من الصحافة "الاسرائيلية"
سجال "اسرائيلي" حول الكرامة وأرواح الجنود (8)
أثارت الطريقة التي انسحب الجيش "الاسرائيلي" فيها من الجنوب اللبناني سجالا شديدا على اكثر من مستوى، داخل "اسرائيل". وتمحور هذا السجال في الغالب حول الآثار السياسية المترتبة على مثل هذا الشكل من الانسحاب، وأثر ذلك على قدرة الردع "الاسرائيلية". ومن خلال هذا السجال يتبدى نوع آخر من الخلاف بين "الاسرائيليين"، وهو خلاف، كان، ولا يزال يرتبط بالثمن المدفوع.
وسبق ان نشرت وسائل الاعلام موقف الزعيم الروحي لحركة شاس، الحاخام عوفاديا يوسف، والذي من منطلق فتواه بجواز التخلي حتى عن اجزاء من "أرض "اسرائيل"" اذا كان في ذلك ما يحفظ أرواح يهود، أيّد طريقة انسحاب الجيش "الاسرائيلي" من لبنان. واعتبر الحاخام يوسف ان أرواح اليهود اكثر اهمية من الكرامة. ومن غير المستبعد أن يقف الى جانب الحاخام في موقفه هذا كل الذين كانوا يؤيدون الانسحاب من لبنان، والذين كانوا يرون ان استمرار وجود الجيش "الاسرائيلي" في لبنان كان يوفر مبررا اخلاقيا للمقاومة اللبنانية، الامر الذي كان يُضعف اسباب العنف "الاسرائيلي".
ولكن مقابل هؤلاء يقف انصار المدرستين "الامنية" و"القومية" الذين يرى الأولون منهم ان قدرة الردع "الاسرائيلية" قد تضررت بشكل كبير، فيما يرى الاخيرون ان الجدار الفولاذي الذي كان قائما بين "اسرائيل" والعرب قد تصدع.
وتتواجد المدرستان الامنية والقومية في جميع التيارات السياسية في "اسرائيل"، دون استثناء. غير ان للمدرسة الامنية اغلبية في صفوف تيار "وسط اليسار" والذي يمثله عموما حزب العمل، فيما ان للمدرسة القومية أغلبية في صفوف "وسط اليمين" الذي تمثله حركة الليكود. ويدفع هذا التعريف للاشارة الى واقع ان القرار "الاسرائيلي" بالانسحاب من لبنان، بهذه الطريقة، جاء في ظل غياب مؤقت، او ربما حالة "اغفال" مقصودة من جانب المدرستين الامنية والقومية، اللتين لم تبديا اهتماما واسعا بالامر الا بعد انجازه.
وهكذا، وفيما نجد كبار ضباط الجيش "الاسرائيلي" العاملين والاحتياطيين يلتزمون الصمت، ويشيرون الى آمالهم باستمرار الهدوء على الجبهة الشمالية، نجد القادة القوميين يميلون الى الاكثار من انتقاد الحكومة، بل وتقديم اقتراحات لحجب الثقة عنها بسبب الانسحاب من لبنان.
وتنبع أهمية هذه الملاحظة من كون قادة الليكود لا يركزون على معارضتهم الانسحاب من لبنان، وانما يؤكدون على رفضهم للطريقة التي تمت بها. ومن الجائز انهم بذلك يحاولون ليس فقط البحث عن اي مثالب لحكومة باراك، وانما، وهذا هو الأهم، تبرئة أنفسهم من "ذنب" الصمت على طريقة الانسحاب. اما العسكريون الحاليون والسابقون، فإنهم، ومن خلال ابداء تكهنات تشير الى قرب انفجار موجة عنف جديدة، او من خلال احاديثهم عن "مخططات عدائية واسعة"، او حتى من خلال زيادة وتيرة اطلاقهم التهديدات، يحاولون، كل بطريقته، التنصل من اية عواقب ل "الاغفال" او "الغفوة" التي كانوا فيها عند تنفيذ الانسحاب.
ومن شبه المؤكد، ان "اسرائيل" ستظل ولوقت طويل، تبحث ليس فقط في اسباب الهزيمة في لبنان، وانما، وهذا هو الأهم، في آثار هذه الهزيمة ليس على لبنان او الفلسطينيين وحسب، وانما في المنطقة العربية بأسرها.
تلويح بتعديل الحدود اللبنانية - "الاسرائيلية" بعد لقاء لارسن - باراك (9)
اشار رئيس وزراء "اسرائيل" باراك، بعد اجتماعه مع تيري رود لارسن موفد الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان، الى احتمال اجراء تعديل على الحدود اللبنانية - "الاسرائيلية".
وانهى لارسن محادثاته في "اسرائيل"، وعاد مساء امس الى بيروت، ليطلع لبنان على محادثاته مع رئيس الوزراء "الاسرائيلي".
وصرح باراك في القدس امس (ان خبراء الامم المتحدة وصلوا الى المرحلة النهائية من ترسيم الحدود الدولية بين "اسرائيل" ولبنان) مشددا في الوقت نفسه على احتمال تعديلها.
وجاء في بيان "اسرائيلي" (ان باراك قال بعد ان التقى المبعوث الخاص للامم المتحدة لارسن، ان خبراء المنظمة الدولية، دخلوا المرحلة النهائية من ترسيم الحدود، واننا نعمل على ان تسجل الامم المتحدة انسحابنا على انه تطبيق للقرار 425 الصادر عن مجلس الامن الدولي).
اضاف: (من المحتمل ان يتعين ايضا، ادخال تعديل على هذه المسألة، ولكن، لا يوجد ادنى شك، في ان قرار الامم المتحدة باعتماد الترسيم مهم جدا بالنسبة الينا).
وذكر (ان مصادقة الامم المتحدة على الانسحاب يضفي عليه شرعية دولية، مما سيسهل موقف "اسرائيل"، اذا حدث تصعيد للعنف على الحدود).
لبنان يتمسّك بأن يكون خط الانسحاب خط الحدود المعترف بها دولياً
اجتماع نهائي مع لارسن اليوم ... وتقرير أنان غداً (10)
يُعقد في القصر الجمهوري اليوم اجتماع حاسم بين المسؤولين اللبنانيين وموفد الأمم المتحدة تيري رود لارسن وفريقه، تعرض في خلاله نتائج محادثات الفريق الدولي في "اسرائيل" والتقارير التي توصل إليها الخبراء الدوليون واللبنانيون المتعلقة بحدود الانسحاب "الاسرائيلي" تنفيذا للقرار 425.
ويأتي هذا اللقاء بعد اجتماع لارسن برئيس وزراء "اسرائيل" إيهود باراك الذي صرح اثر الاجتماع بأن الأمم المتحدة دخلت المرحلة النهائية من ترسيم الحدود مع لبنان، وأنه "من المحتمل إدخال تعديل على هذه المسألة".
ويتوقع المتابعون أن تكون جولة اليوم في القصر الجمهوري نهائية، قبل أن يرفع لارسن تقريره إلى أمين عام الأمم المتحدة كوفي أنان الذي يرفعه إلى مجلس الأمن الدولي غداً لتأكيد خط الانسحاب والمصادقة على البند الثاني من آلية القرار 426 المتعلقة بنشر القوات الدولية في مناطق الانسحاب.
ولا يخفي المتابعون قلقهم من احتمال وصول المحادثات اللبنانية مع فريق الأمم المتحدة الى طريق مسدود، في الشأن المتعلق بالخروقات "الاسرائيلية" بين بلدتي رميش والمطلة ومستوطنة "مسكاف عام" على وجه الخصوص، إضافة الى مسألة سرقة مياه نهري الحاصباني والوزاني، في حين تبقى قضية مزارع شبعا معلقة.
غير أن مصادر مسؤولة في الوفد اللبناني ذكرت ل"السفير" ان لبنان كان وما يزال مقتنعا بأهمية التعاون مع الأمم المتحدة، إلا أنه لن يفرط أبدا بأية حبة تراب من أرضه.
وأضافت ان الحكومة ستلتزم بتقرير الأمم المتحدة غير أنها لن توفر جهدا لإثبات الحق في كامل الأرض.
وقالت هذه المصادر ان المناقشات مع فريق الأمم المتحدة، وإن صادفت أجواء ساخنة في بعض مراحلها، فإنها لم ولن تخرج عن إطار تمسك لبنان بحقوقه من ناحية، وتقديره لدور الأمم المتحدة من ناحية ثانية.
وكانت المحادثات قد وصلت ليل الجمعة إلى ذروتها، وهي تواصلت عبر الهاتف وجهاز "الفاكس" حتى فجر يوم السبت، وتركزت حول الصيغة التي كانت قد أعدت من قبل لارسن وفريقه حول حدود الانسحاب.
وعلمت "السفير" ان ما سمي "صيغة لارسن" لم تكن مقنعة للجانب اللبناني الذي أدخل عليها تعديلات أساسية تؤكد على الخروقات "الاسرائيلية" للأرض اللبنانية في رميش والغجر والمطلة و"مسكاف عام".
وأشارت المعلومات الى ان الجانب اللبناني عكف طيلة يوم السبت ويوم أمس، على دراسة "صيغة لارسن" فيما عكف الجانب الدولي على دراسة التعديلات اللبنانية في ضوء نتائج محادثات لارسن مع باراك.
وكانت ورشة الخبراء الدوليين واللبنانيين الذين عاينوا منطقة الحدود، قد أثمرت تفاهما أفضى الى اقتناع خبراء الأمم المتحدة بخروقات "اسرائيلية" وصل عددها الى 17 موقعا، غير أن الخلافات قامت ولم تزل حول 3 مواقع، يرى الفريق الدولي، وفق الخرائط التي بين يديه، انها غير مشمولة بحدود العام 1923.
ويخشى المراقبون من أن يؤدي الجدل حول هذه الخروقات الى انحراف مهمة فريق الأمم المتحدة من كونها مهمة تثبّت من الانسحاب "الاسرائيلي"، الى مهمة ترسيم حدود بين لبنان وإسرائيل، يراعي مصلحة "اسرائيل" ولا يعترف بحدود لبنان المعترف بها دوليا.
وفي هذا الاطار، لا تخفي مصادر لبنانية مسؤولة قلقها من إقدام الامم المتحدة على اعلان انتهاء مهمتها بالتأكيد على صحة الانسحاب "الاسرائيلي" من دون الاخذ في الاعتبار قضية الخروقات وذلك سيؤدي الى دفع لبنان للاعلان ان القرار 425 لم ينفذ، ما يُفقد تقرير لارسن مضمونه ويؤثر على مصداقية الامم المتحدة، ويفسح في المجال امام عودة دورة العنف في المنطقة.
وتقول المصادر ذاتها، ان القبول بأي تقرير لا يلحظ الخروقات "الاسرائيلية"، يعني القبول بحدود جديدة من جهة او جر لبنان الى مفاوضات مع "اسرائيل" لترسيم الحدود من جهة ثانية، وذلك غير وارد على الاطلاق.
وتتوقع هذه المصادر، ان تكون جلسة المحادثات اليوم ايجابية، مشيرة الى ان فريق لارسن بدأ يقترب من الاقتناع بموقف لبنان وبصحة وثائقه.
وكانت مصادر مقربة من فريق الامم المتحدة قد ذكرت ل"السفير"، انه بخلاف ما يشاع في بعض وسائل الاعلام، فإن المباحثات مع الجانب اللبناني كانت ايجابية دائما وقد تحقق في خلالها تقدم واضح.
غير ان مصادر لبنانية لاحظت تسريبات اعلامية مصدرها فريق الامم توحي بما يشبه "التهديد" للبنان، وقالت هذه المصادر "ان الحكومة اللبنانية لن تخضع لأي تهديد مهما كان نوعه ومن اي جهة كان".
وقالت هذه المصادر "ان الحكومة اللبنانية تلاحظ تهديدات مبطنة بسحب قوات الطوارئ الدولية، وتتعرض لضغوط دولية تحت حجج غير منطقية وغير صحيحة، يتعلق بعضها بالوضع الامني في الجنوب ويتعلق بعضها الآخر بضرورة إرسال الجيش الى الجنوب".
وتابعت قولها "لا احد يملي على لبنان شروطه، ولا احد يمكنه الضغط كي يتنازل لبنان عن شبر من ارضه، والتهديد بسحب قوات الامم المتحدة لن يجدي نفعا وخصوصا إن جاء من الامم المتحدة ذاتها، والأمر يتجاوز لبنان في اتجاه الاستقرار في كامل منطقة الشرق الاوسط".
واكدت هذه المصادر "ان لبنان يلاحظ ان فريق الامم المتحدة يحاول المناورة واللعب على الكلام في حديثه ساعة عن التثبت من الانسحاب، وعن عدم اعترافه بحدود لبنان الدولية ساعة اخرى". وتساءلت "كيف ستتأكد الامم المتحدة من الانسحاب إذا لم يكن الى الحدود المعترف بها دوليا"؟.
وقالت "ان حدود لبنان الدولية معروفة في ترسيم العام 1923 وفي وثائق لجنة الهدنة والتعديلات التي جرت في الخمسينيات بحضور الامم المتحدة، وهم يقولون ان تلك الوثائق غير موقعة، فماذا كانوا يفعلون كمراقبين، ولماذا يصدقون "اسرائيل" حين تقول ان تلك الوثائق ضاعت في فيضان، لم يحصل بالفعل؟".
وتابعت قولها "ان الانسحاب يجب أن يكون كاملا ويجب أن يشمل البشر والمنشآت والشريط الشائك، والمقصود بالمنشآت تلك الموجودة لسرقة مياه نهري الحاصباني والوزاني، وتلك الموجودة في مرتفعات جبل الشيخ. ولبنان لن يعتبر الانسحاب ناجزا إذا لم تفرج "اسرائيل" عن الاسرى والمعتقلين في سجونها".
وختمت المصادر بقولها "ان مسألة مزارع شبعا وان كان لها وضعها الخاص المرتبط بعدم وجود ترسيم حدود بين لبنان وسوريا، فذلك لن يكون دافعا الى قبول أي حدود امر واقع ما بين الناقورة وجبل الشيخ، ولبنان لن يرضى بغير ذلك".
أرسلان يشن حملة عنيفة على لارسن (11)
شن النائب الامير طلال ارسلان حملة على لارسن موفد الامين العام للامم المتحدة، ورأى (ان المواجهة بين لبنان واسرائيل لم تنته بعد، فها هو مبعوث الامم المتحدة يثابر على تمرير المشروع الخبيث، المشبوه، الرامي الى اعادة النظر بحدودنا المعترف بها دوليا، فيطلع علينا، ببدعة اسمها (الحدود العملية) والقصد من هذه البدعة، جعلنا نوافق على بقاء الصهيونية، في اجزاء غالية من ارضنا، كتعويض لهم على الهزيمة النكراء، التي حلت بهم، ولاستنهاض ما يمكن استنهاضه، من معنوياتهم المنهارة).
وقال ارسلان: (نحن نعلم جيدا من هو المبعوث تيري رود لارسن، وقرأنا الكثير عن دوره في مفاوضات اوسلو التي ما زالت بصماته، تثقل كل حرف من حروف الاتفاق المشؤوم الذي نرى اليوم، بام عيننا، مدى اساءته الى الشعب الفلسطيني، وكيف يحرم هذا الاتفاق فلسطينيي الشتات من العودة الى ديارهم، ومنهم ابناء المخيمات المنتشرة على الارض اللبنانية).
وختم: نعم نعرف جيدا، تاريخ المبعوث تيري رود لارسن، ولكن، سوف يخيب امله، وامل الذين اوفدوه، كما خاب املهم بافتعال فتنة بين المقاومة واهلنا المحررين.
وفد إعلامي مصري زار الحص (12)
الخليل: مزارع شبعا يشملها الـ 425 ولا نزال في صلب المقاومة
زار وفد من نقابة الصحافيين في مصر رئيس الوزراء سليم الحص ووزير الاعلام انور الخليل. وأكد الحص للوفد "ان لا خلاف بالمعنى الصحيح مع الامم المتحدة بل هناك حوار تقني يجري بين الفنيين اللبنانيين والدوليين حول نقاط معينة على الحدود. وتمكنّا من التفاهم على غالبية النقاط ولا تزال المناقشة مستمرة في شأن 3 نقاط. ونأمل ان نتفاهم عليها بما يحقق حرص لبنان على عدم التنازل عن اي شبر من اراضيه".
من جهته، عرض الخليل امام الوفد المواقف اللبنانية بعد الانسحاب "الاسرائيلي"، مشدداً على اهمية دور المقاومة واجماع اللبنانيين عليها، وقال: "امامنا عمل كبير لجهة اعادة بناء الوطن بعد الانسحاب "الاسرائيلي" وما خلّفته هذه الحرب من مآسں ومعاناة، وخصوصا على الصعيد الاقتصادي. ونعوّل على الارادة اللبنانية في اعادة اعمار لبنان ومساعدة كل الدول العربية في مجالات الاستثمار".
وأشاد الخليل بموقف الرئيس المصري حسني مبارك وزيارته لبنان، وقال: "رغم التهانئ التي تصلنا لا يزال قسم كبير من ارضنا محتلاً وأقصد مزارع شبعا. والموقف اللبناني واضح جداً في هذا الاتجاه ويطالب بتنفيذ القرار 425 بحذافيره. وعندما نتكلم عن هذا القرار، نعني الانسحاب من كل الاراضي اللبنانية من دون قيد او شرط. ونعتبر ان الانسحاب لم يتم كاملاً، ونحن نعرف موقف "اسرائيل"، ولبنان حدد موقفه. وانطلاقاً من موقف الامم المتحدة الذي لم يشجع بعد "اسرائيل" على الانسحاب من مزارع شبعا، اشدد على دوركم كصحافيين عرب لاعطاء هذا الموضوع اهمية. فالأمم المتحدة لا تزال تقول ان مزارع شبعا غير خاضعة للقرار 425 ونحن لا نزال متمسكين بهذا القرار ولدينا الحق الكامل في ان نبقى في صلب عملية المقاومة لاجبار العدو "الاسرائيلي" على الخروج الى خارج الحدود اللبنانية".
الهراوي هنّأ نصرالله بالتحرير (13)
زار الرئيس الياس الهراوي السبت الامين العام لـحزب الله السيد حسن نصرالله مهنئا بالتحرير وصرح بعد اللقاء: "لا أريد ان أذهب الى الجنوب سائحا، اريد ان اذهب مهنئا ولكن قبل ذلك اهنئ من كان سببا في اقصاء الجيش "الاسرائيلي" عن الاراضي اللبنانية، لذا لا بد لي ان ازور معظم المسؤولين عن أي مقاومة في الجنوب، ولا سيما الذي ضحى بقطعة من قلبه في سبيل الجنوب وهو السيد حسن نصرالله (…) وأتمنى ان ينعم الجولان السوري والاراضي التي ما زالت محتلة كمزارع شبعا بما أنعم الله به على لبنان من تحرير للجنوب والبقاع الغربي".
برقيات تهنئة (14)
تلقى السيد نصر الله خلال اليومين الماضيين برقيات تهنئة بالانتصار الذي حققته المقاومة، من: العميد الركن هشام جابر قائد منطقة بيروت العسكرية، رفيق شلالا، علي عقيل خليل، بدر الدين بينو الشيشاني سفير متجول لجمهورية الشيشان، مروان صافي، يوسف عبد الله لحود، الجمعية الخيرية الاسلامية الجعفرية باللاذقية، الجمعية الاسلامية في مدينة لودفكس هافن (المانيا) وعموم الجالية اللبنانية والاسلامية، الجمعية الاسلامية العراقية في ميونيخ المانيا، رئيس الجامعة الهاشمية المحامي حبيب الهاشم، جمعية العناية بالطفل والام، والجمعية الخيرية اللبنانية للمساعدات الانسانية.
قاسم : التحرير كان الأرقى والأنظف (15)
شكر نائب الامين العام لـحزب الله الشيخ نعيم قاسم لرئيس الجمهورية اميل لحود ورئيس الوزراء سليم الحص والجيش "تعاونهم مع المقاومة لتحقيق الانتصار" مشددا على "ان الجنوب هو في تصرف الجيش ولا أحد في امكانه التفريق بينهما".
وقال في احتفال نظمته "المؤسسة الخيرية الاسلامية لابناء جبيل وكسروان" في عمشيت وحضره النواب كميل زيادة ومحمود عواد ومنصور غانم البون وفاعليات "لقد حصل التحرير وتبين انه الانظف والارقى في العالم، وكانت "اسرائيل" تصور للعالم انه ستحصل مجازر وكان العملاء يتصورون انه سيقتل منهم المئات وستدمر البيوت (...) لم تحصل ضربة كف واحدة ولم يخدش عميل واحد ولم تؤذ عائلة (...)".
وفي احتفال اقامته "المقاومة الاسلامية" في بلدة رشاف في ذكرى اسبوع المقاوم الشيخ احمد يحيى قال الشيخ قاسم: "ان حزب الله لن يفرط بشير واحد من الاراضي اللبنانية وان مزارع شبعا ونقاط الحدود المختلف عليها هي اراض لبنانية سنقاتل لاجل استردادها اذا لم تخرج "اسرائيل" منها".
وأضاف: "المطلوب من قوة الطوارئ الدولية ان تنتشر لحماية لبنان برا وبحرا وجوا، لا ان تطلب من لبنان ضمانات أمنية لحمايتها، لانها اذا كانت تحتاج الى حماية من الجيش والدولة فما هو دورها؟ ان لبنان يحتاج الى ضمانات لعدم اعتداء """"اسرائيل"""" عليه لانه هو المظلوم والمعذب (…)".
ووجه تحية الى طلاب جامعة بيرزيت الذين احتفلوا بالانتصار في الجنوب وقال: "كلنا في حزب الله نؤمن بأن الشعب الفلسطيني يمكنه ان يغير المعادلة وان يحرر الارض وسيحررها ان شاء الله (…)".
المحكمة العسكرية تبدأ اليوم محاكمة الدفعة الأولى من العملاء (16)
تباشر اليوم، المحكمة العسكرية الدائمة برئاسة العميد الركن ماهر صفي الدين وحضور المستشار المدني القاضي فادي الياس ومعاون مفوض الحكومة لديها القاضي سامي صدقي محاكمة الدفعة الاولى من المتعاملين مع العدو "الاسرائيلي" ممن سلموا انفسهم بعد تحرير الجنوب والبقاع الغربي.
وتتألف هذه الدفعة من المتعاملين التالية أسماؤهم:
1 اسماعيل نمر منصور (والدته مريم، مواليد عيترون في العام 1973، كانت وظيفته الاخيرة عنصر حراسة وحماية على مكتب أمن عيترون المسؤول عنه العميل احمد السيد حسن "أبو برهان".
2 ابراهيم علي بيضون (والدته نايفة، مواليد عيترون في العام 1974)، عمل لمصلحة محققي سجن الخيام كعميل زنزانة ووصل به الامر الى الاعتراف بأن شقيقته تعمل مع المقاومة فأودعت معتقل الخيام.
3 احمد علي حجازي (والدته سميحة، مواليد عيترون في العام 1973)، انتمى الى الميليشيا في العام 1991 ووصل الى رتبة رقيب أول.
4 أمين توفيق مهدي (والدته لطيفة، مواليد عيترون في العام 1967)، عمل سائق دبابة "ت 55" ورقمه العسكري هو 98797.
5 ابراهيم خليل قاسم (والدته مريم، مواليد عيترون في العام 982)، خدم في ثكنة مركبا ورقمه العسكري هو 101878.
6 خضر حسين العبد موسى (والدته زينب، مواليد عيترون في العام 1977)، خدم في حولا مع الفوج السبعين وتابع دورة آمر فصيلة في معسكر الياكيم في تل ابيب.
7 حسين سعيد حمادة (مواليد ميس الجبل في العام 1961)، تابع دورة دبابات وسرّح في العام 1997 بعدما دفع مبلغ خمسة آلاف دولار للعميلين روبين عبود وعزت غضبان.
8 فادي حسين كريم موسى (مواليد كفركلا في العام 1977)، كان يقوم بالحراسة واحياناً يشارك في دوريات فتح الطرقات.
9 سامر علي رمال (مواليد العديسة 1981)، خدم مع المجموعة المكلفة بحراسة العميل روبين عبود في بلدته وصار من مرافقيه.
10 عاطف علي محمد (مواليد العديسة 1955)، شكّل الى مشغل الفوج التسعين.
ماجد محسن فارس (مواليد العديسة في العام 1978)، علي حبيب موسى توبة، خليل ابراهيم مراد، علي عبد العباس ناصر، صالح محمود صالح، غالب نايف بركات، عباس توفيق محمد عباس، حسن مرعي كريم، حسين علي هاشم، محمد جواد صولي، موسى علي عبود، مرعي ابراهيم علي، يحيى حسن قاسم الحاموش، احسان محمود محمد ابو طعام، حسن علي محمد ابو طعام، عباس محمد السيد، محمد حسن يعقوب، محمد خليل يحيى، رضى حكمت قدوح، محمد محمود شور، علي محمد توبة.
ويحضر مع هؤلاء العملاء للدفاع عنهم عدد من المحامين المكلفين من لجنة المعونة القضائية في نقابة المحامين في بيروت عرف منهم: غلاديس كرم، روجيه نكد، نمر ضومط، انطوان نصر الله، شربل طرابلسي، فريال الاسمر.
ترك العميل مهدي
من جهة ثانية، استأنف مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي نصري لحود قرار قاضي التحقيق العسكري الاول رياض طليع بترك المدعى عليه الموقوف محمد احمد مهدي بسند اقامة وطلب اصدار مذكرة توقيف وجاهية في حقه لاقدامه على الالتحاق بالادارة المدنية في الناقورة والعمل بإشراف الضابط "الاسرائيلي" "زوهير" وكانت مهمته اعطاء تصاريح الدخول الى "اسرائيل"، كما انه دخل "اسرائيل" مرات عدة وعمل في صيد السمك بالديناميت وشفط الرمول عن الشاطئ من دون ترخيص باذن من ضباط المخابرات "الاسرائيلية" كما ان الضابط "الاسرائيلي" "زوهير" عرفه على خلفه الضابط "وائل" وكانت علاقته به مستمرة، وحصل التعاون من اجل تأمين استمرارية التعامل معه.
وتابع قضاة التحقيق العسكريون تحقيقاتهم فاستجوب القاضي رياض طليع واحداً واربعين عميلا بينهم المسؤولة عن حراسة معتقل الخيام للنساء العميلة جورجيت الطويلة واصدر بحقهم مذكرات توقيف وجاهية سنداً لمواد الادعاء التي تطاول جرائم التجند في صفوف جيش العدو وافشاء معلومات لمصلحته والدخول الى فلسطين المحتلة.
وكان الادعاء على العميلة الطويلة جاء بجرم التعامل والقيام بأعمال ارهابية وذلك سنداً للفقرة الاخيرة من المادة 273 عقوبات و5 و6 من قانون 11 كانون الثاني 1958 التي تقضي بالاعدام.
استسلام ثلاثة عملاء (17)
تواصل استسلام العملاء اللحديين للأجهزة الأمنية اللبنانية، وضمت الدفعة الأخيرة ثلاثة عملاء من بلدة كفرشوبا بينهم رئيس ما يسمى بالإدارة المدنية السابقة حسن محمد غانم.
كما تسلمت الأجهزة الأمنية عددا من السيارات غير الشرعية في منطقة حاصبيا والعرقوب.
على الطريق
... ويبقى أن نحاكِم حسن نصر الله وإميل لحود! (18)
طلال سلمان
من قبل أن يكتمل النصر بتحرير التراب الوطني تزايدت المحاولات لتشويهه أو التشويش عليه وحرمان اللبنانيين (ومعهم معظم العرب) أن يعيشوا لحظة فرح نادر، في زمن الإنكسار والخيبات والهزائم.
وضع البعض نفسه في موضع "اسرائيل"، فرأى نفسه مهزوماً، ولكنه بدل أن يحاول تصحيح وضعه أو الاستدراك بالهرب من هذه التهمة المشينة، أو التحلي بتواضع المخطئ أو بخجل التائب، اندفع إلى تزوير الحقائق، واستل السلاح الطائفي الملوث في هجومه على الوطن نفسه، دولة وشعبا، ليفسد علينا بهجة العيد الذي عشنا على انتظاره منذ آذار 1978، من غير أن ننسى امتدادات الاحتلال "الاسرائيلي" التي وصلت في مثل هذه الأيام من حزيران 1982 إلى قلب العاصمة الأميرة بيروت.
ومع أن الحوار الوطني مع الطائفيين، لأي طائفة انتموا، مستحيل، إذ غالباً ما ينقلب إلى مساجلات بل إلى مهاترات تؤذي بأكثر مما تفيد، فمن غير الجائز الصمت عن هؤلاء الذين يستغلون الرأفة بهم (بل بالوطن) والإشفاق عليهم ومحاولة التفتيش عن أعذار تُخرجهم من خانة العدو وتعيدهم إلى أهلهم وإلى واقعهم، حتى لا تكون "اسرائيل" شريكاً لنا في بيوتنا غداً.
لقد كاد يُطمس الإنجاز التاريخي: التحرير بالمقاومة، وإخراج "اسرائيل" من أرضنا بالقوة التي أعادت الروح و"أقنعت" العدو بتنفيذ القرار 425 المنسي منذ 22 سنة، وطغى عليه حديث "التجاوزات" تمهيداً لأن يفتح ملف المتعاملين بالمقلوب، إذ كاد البعض يُخرجهم من قفص الاتهام لينصِّبهم على منصة القضاة.
فعبر بعض التصريحات والمواقف السياسية، ناهيك بالتصرفات على الأرض، تبدى وكأن ثمة مؤامرة لاغتيال النصر والتحرير والفرح بالإنجاز الوطني العظيم.
ولولا شيء من التورع أو التحفظ أو الخوف لرفع البعض عقيرته مطالباً المقاومة بالاعتذار عن جهدها وجهادها لتحرير التراب الوطني،
... ولتجرأ بعض آخر فطالب بتقديم الشهداء من المجاهدين إلى المحاكمة لأنهم تسبّبوا في "خراب" حياة العملاء والمتعاملين وإفقارهم وتهديد أمنهم وقطع أرزاقهم ("الاسرائيلية") وقطع الأرزاق من قطع الأعناق.
ولولا أن أنطوان لحد تبدى ركيكاً وتافهاً، كأي مرتزق، لربما كان هؤلاء قد طالبوا بأن نرسل إليه الوسطاء نطلب إليه معهم وهو ذو القلب الكبير أن يغفر إساءاتنا وأن يعود ليتولى قيادتنا مع "جيشه" الباسل الذي أثبت "لبنانية صافية" في المواجهات المفتوحة على امتداد عقدين من الزمن!!
ما قيمة اللافتات التي رُفعت بالأمر طالما أن المنطق السائد يجافيها إلى حد التناقض معها، ويعتبرها مجرد "كفارة" أو "تقية" أو "شطارة لبنانية" ذائعة الصيت؟!
لنبسط الوقائع:
اجتاحت "اسرائيل" لبنان، واحتلت أجزاء من أرضه منذ العام 1978، وأقامت فيها "جيشا" من المرتزقة يقاتل لحسابها، علنا، ويفتدي جنودها، و"إدارة مدنية" في خدمة احتلالها، وفرضت أمرا واقعا، كما يحصل مع أي احتلال في أي بقعة من هذا العالم... فباتت هي "السلطة" وهي "مصدر الرزق" وهي "المرجعية".
هذا مفهوم، ولا أحد يحاسب على ما تم او وقع بالاكراه.
.. وأخضع الناس، في الارض المحتلة لمقتضيات هذا الأمر الواقع: الشيعي كما الماروني، الارثوذكسي كما الدرزي والسني كما الكاثوليكي وصولا الى البروتستانتي،
إذن كانت الطوائف جميعا سواء، وكان "أبناؤها" كأسنان المشط،
فلماذا يراد الآن، تصنيف المتعاملين او المتعاونين أو العملاء بحسب طوائفهم؟!
وهل ثمة تراتبية او طبقية في التعامل؟! هل ثمة خيانة درجة أولى وخيانة "ترسو"، ولماذا يُسقط شعار "المشاركة" هنا؟!
إن للتسامح حدودا، خصوصا إذا كان موضوع الخطأ يتصل بالوطن وأرضه وكرامته وأمنه وحياة مواطنيه، والعمل ضده وضدهم لحساب العدو.
وليس من التسامح في شيء أن نصغي إلى هذا المرتكب وهو يكابر ويصل إلى تحدي أبناء وطنه جميعا، ويتصرف وكأن من حقه أن يحاسب الذين لم يتعاملوا، وكأنه بذاته وبحفنة الدولارات التي كان يتقاضاها من دم ضحاياه أهم من وطنه ودولته.
إن هذا المنطق المتهالك الذي ينطلق من الشفقة لينتهي بإدانة المقاومة والدولة والشعب، والذي يزوّر الحقائق، متلطيا وراء طائفيته، لهو دليل إدانة إضافي: كأنما الطائفة لا تعيش إلا على حساب الوطن، أو بالأحرى: إلا إذا مات الوطن!! أو لكأن حقوق الطائفيين لها الأولوية المطلقة ولا تقبل مراجعة من أي نوع!
من يدري... لعلنا نسمع في الأيام القليلة المقبلة من يطالب بتشكيل محكمة لمحاسبة السيد حسن نصر الله وقيادة حزب الله، وكل مناضل عمل في صفوف المقاومة، وكذلك رئيس الجمهورية العماد اميل لحود ورئيس المجلس ورئيس الحكومة وكل من يتحمل شيئا من المسؤولة عن "جريمة" التحرير؟!
ولعلنا نسمع عن تشكيل محكمة ميدانية تطارد المحتفلين بالتحرير باعتبار أنهم يستفزون ويجرحون مشاعر اخوانهم الذين خربت بيوتهم بعد خروج الاحتلال؟!
لقد تجاوز التجني والتباهي بالعمالة والتستر عليها أو محاولة تزيينها وتبريرها كل حد معقول!
مفروض علينا الان مناقشة ما هو بديهي..
ففي القوانين العادية لاي بلد في العالم، متقدماً كان ام متخلفاً، كان يمكن محاكمة امثال هؤلاء الذين ترتفع اصوات معينة بالدفاع عنهم، وتطالب بعدم محاسبتهم الان:
أليس القتل العمد جريمة؟!
أليس التصدي لقوات الشرعية بالسلاح جريمة؟!
أليس التهجير وتهديم البيوت وقصف المدارس وقتل الاطفال واحراق المواسم والاشجار وتشريد الناس.. جرائم؟!
ألا نزال في حمأة النضال من اجل عودة المهجرين (من الجبل وانحاء خرى)، والتعويض عليهم، وقد تكلفنا حتى الان المليارات من الدولارات،
ألا يستق مهجرو الجنوب والبقاع الغربي مثل هذه المعاملة؟!
ثم... أليس التزوير والتهريب والاتجار بالمخدرات والابتزاز بقوة السلاح، ناهيك بالتخابر والتعامل مع "دولة اجنبية" ولننسَ "العدو" مؤقتاً بين الجرائم (والجنح) التي يعاقب عليها القانون العادي؟!
نفهم ان تطرح المسألة الاجتماعية، وهموم الحياة اليومية، والخدمات الضرورية المطلوب توفيرها، وبالسرعة القصوى، لتعويض هذه المنطقة المنكوبة ما لحق بها من اهمال او تقصير قبل الاحتلال "الاسرائيلي" وخلال دهره الطويل،
نفهم ان ترتفع المطالبة باستعادة التائبين، لا سيما الاسر التي دفعها الخوف او التخويف الى الإلتجاء الى العدو حيث تهان كل ساعة بعدما ألحقت إهانة بالغة بالوطن وبأهلها فيه..
نفهم ان نلتقي على المطالبة بسرعة البت، قضائياً، بأوضاع هؤلاء على قاعدة التمييز بينهم: من تعيَّش من فرصة عمل لم تتوفر له في ارضه، ومن التحق بالميليشيا مرتزقاً، ومن قاتل الشرعية وأهلها فوجه اليها واليهم رصاصه، ومن عذَّب وقتل وهجَّر بعضاً من مواطنيه، ومن احتل بيوتاً وشرد اهلها،
اما تبديل الحديث من العمالة الى "تجاوزات" محدودة وقعت في الايام الاولى للتحرير، ثم التجرؤ على الحق والحقيقة والوطن وشعبه والمقاومة ودماء المجاهدين وطرح مطالب من نوع العفو العام، أو ترويج التبريرات المضحكة، او التذرع بضيق باب الرزق لتوسيع باب "الغفران" امام القتلة والمرتكبين، فلا يمكن ان يكون مقبولا، بل ولا يجوز ان يتورط فيه عاقل.
ان الطائفية عدو الوطن. ان الطائفية حليف موضوعي للعدو.
واذا ما قبلت التبريرات الطائفية للخيانة سقطت المقومات السياسية للوطن.
فليس في الوطن الواحد "وطنيتان متوازيتان"، ما هو صحيح في نظر الاولى شر مطلق في نظر الثانية والعكس صحيح،
والطائفية لاغية للعدالة بقدر ما هي لاغية للوطن.. فحذار!
القرى المحررة تضج بحكايات عن جرائم ارتكبها العملاء طوال ربع قرن من الاحتلال
من يريد جر المقاومين والأهالي إلى جحيم الثأر الشخصي؟ (19)
ابراهيم الأمين
بالغ في الرقة (..)
هكذا هو حال حزب الله وبقية المقاومين الذين سلموا الامر الى الدولة بعد لحظات وثوان قليلة من تحرير أي قرية في الشريط الحدودي. والموقف الحاسم باعتبار ان الدولة والقضاء والجهات الامنية الرسمية هي المسؤولة عن التعامل مع ملف "بقية الاحتلال"، كان مريحا لأبناء القرى المعذبين. الذين تعرضوا لأنواع عدة من القهر والتعذيب والقتل من قبل العملاء على مدى ربع قرن. والناس من اهل المقاومة، اقرب الى منع قيام أي فريق، بما في ذلك اهالي الشهداء والجرحى، او المنكَّل بهم بأي عمل له صفة الانتقام او الثأر الشخصي. وتوالى هذا الخطاب على كل الألسنة، في الدولة وخارجها، وحتى على مستوى الفعاليات الصغيرة في القرى المهدمة والمشردة منذ زمن بعيد.
لكن الحال لم تكن كذلك في الامكنة الاخرى، والذين لا يزالون يرفعون لواء "الضمانات وشروط الاطمئنان" التي يجب توفيرها لأجل ازالة "خوف وهواجس العملاء" لم يتوقفوا، وبات بالامكان، احصاء عشرات المواقف التي لا تجد في الشريط سوى قرى وبلدات مسيحية بحاجة الى الطمأنة، وتصريحات تطالب بعمل دؤوب لاعادة الذين هربوا الى "اسرائيل"، من خلال اقناعهم بالاجراءات الملموسة، وان احدا لن يتعرض لهم، والوساطات لأجل العملاء الذين فروا مع قوات الاحتلال، على قاعدة القيام بمبادرات حسن نية تجاههم. ويطالب اصحاب هذه المواقف، وهم كثر، بأن يباشر القضاء اجراءات منع المحاكمة عن العملاء الموقوفين، والى اصدار احكام مخففة بحق المخضرمين منهم، كي يشعر الذين هربوا مع الاحتلال، بأن المكان والزمان يتيحان لهم العودة "المشرفة والآمنة".
لم يعد صحافي محلي او اجنبي يعرف غير قرى القليعة ومرجعيون ورميش ودبل وعين إبل وعلما الشعب، تلك التي يعيش اهلها حالات من الخوف الدائم، او التي تركها شبابها ورجالها خوفا من الانتقام، ولا احد يشرح التفاصيل، لماذا الخوف، وممن، وما الذي دفع بأبناء هذه القرى الى الهروب نحو "اسرائيل"؟ ولماذا خافوا هم وحدهم، ولم يهرب معهم ابناء القرى الاخرى، التي كان فيها حشد آخر من العملاء؟
وصار الحديث عن "العفو العام او الخاص" عن هؤلاء، شرطا لتحقيق المصالحة الوطنية، ولكي تثبت الدولة والقوى الصاعدة الآن، حسن نواياها تجاه بناء سلم اهلي حقيقي. وكلما هدأ المقاومون، وحصروا الاعتراض على الفئة العميلة، وكلما حاولت الدولة تحديد الرقعة البشرية بالذين تورطوا كعملاء لاسرائيل، من دون الاشارة الى هويتهم الطائفية او السياسية، كلما بالغ "الحريصون" على مصير هؤلاء، في ابراز صورة "المسيحي المقهور" فيهم، وكأن العملاء من ابناء القرى الشيعية والدرزية والسنية، لا خوف عليهم، او لا ضرورة للسؤال على مصيرهم، او على مصير عائلاتهم التي ستعيش بالرغم من كل ادوات التهدئة، جيلا من السنوات المدنسة بعار التعامل مع "اسرائيل".
وفجأة، ثمة من يخرج من القضاء، ليقول ان المشكلة تقنية في معالجة بعض حالات العملاء، لا سجون تتسع لهؤلاء، او ان ثمة اعمارا متقدمة وامراضا تفرض عدم ابقاء اصحابها قيد التوقيف، ومن ثم، تتوالى المداخلات بحق هذا الذي اجبر على تولي مهام حراسة ليلية، او ذاك الذي كاد يموت جوعا لو لم يشتغل حارسا او خادما او طباخا او سائقا عند هذا العميل او ذاك، ومن ثم لاجراء توصيف "مدني" للتعامل، من خلال تمييز لا اساس منطقيا له، بين عملاء مدنيين وبين عملاء كانوا يحملون السلاح، وان الذين امسكوا بمرافق الدولة هناك، وتولوا السرقات ومخالفات القوانين، وتهريب البضائع الاجنبية، وتعميم السرقة والحياة غير القانونية، كانوا يفعلون ذلك بسبب غياب الدولة، وكأنه كان بإمكان أي فرد، ان يتاجر ببضاعة لولا قربه من مراكز النفوذ لدى العملاء، او كأنه كان بالامكان لأي كان أن يذهب للعمل او التعلم في "اسرائيل"، لولا تورطه المباشر وغير المباشر، الطوعي او القسري مع قوات الاحتلال وكبار العملاء.
فجأة، صار العملاء كلهم طباخين، او حرس قرى لا يملكون القدرة على القيام بأعمال اجرامية، وفجأة، صارت الدائرة تنحصر لتشمل بضعة مسؤولين الى جانب انطوان لحد، من الذين يتحملون المسؤولية عن كل المآسي والدمار والقتل والحزن الذي لف اكثر من مئتي الف مواطن داخل الشريط، والآلام التي اصابت عشرات الالوف من ابناء القرى الاخرى التي كانت تقصف يوميا بسلاح الميليشيات العميلة.
والذين يصرون على هذا المنطق، لا يهتمون لامر القرى التي هدمت، فلا احد يسأل عن حانين، وما اصابها، ومن هدمها، ومن قتل وشرد اهلها؟ ولماذا حصل ما حصل في عرمتى والريحان؟ ومن جعل سجد عبارة عن كومة من الحجارة؟، ولماذا تحولت قرى القطاع الاوسط، الى احياء لاشباح بلا لون ولا رائحة، غير رائحة الموت والقهر؟ وهؤلاء الذين يطالبون اليوم، وبإصرار، بمسامحة "شباب القليعة وعيترون وعين ابل ورميش وغيرهم" لا يعرفون السؤال عن شباب القرى ذاتها من الذين امضوا سنوات طويلة في الزنازين، يعذبون ليل نهار، صبايا تتعرض للاغتصاب، واطفال يرمون بهم خارج المنازل والمدارس، وبيوت تقفل على اصحابها، ومرضى يمنع عليهم الحصول على الدواء لأن منع التجول يجب ان يحترم، وشباب يعزلون في غرف لسنوات، ثم تقطع ارجلهم، او يفقدون بصرهم وسمعهم واحاسيسهم، ورجال يبعدون يوميا وبالعشرات، وعائلات، تدفع الاموال الطائلة للحصول على تراخيص وتصاريح للخروج من هذا الجحيم، او للدخول اليه بهدف الاطمئنان على بقية صمدت هناك، ومافيات تتولى كل شيء له صلة بالانتاج، وخوَّة تدفع عند بوابة فاطمة، عند الدخول والخروج من العمل في "اسرائيل"، وقصص تبدأ ولا تنتهي عن آلام الناس هناك.
ومع ذلك، فثمة من يصر على دعوة الناس الى "النسيان"، والى محو الذاكرة القاسية خلال دقائق، والى التغاضي عن الجراح.. وثمة من يصر على اعتبار ما حصل منذ التحرير حتى اللحظة، مجرد امر عادي، وكلما بالغت المقاومة في التزامها القانون وحماية الاهالي، كلما بالغ هؤلاء في الحديث عن "جريمة مضمرة"، ويتحدثون بلغة "افتراضية" عن اشياء "لا بد وان تحصل". ثم يبدأون الشرح والوصف وتخيل اشياءحصلت، لكن في زمن سبق التحرير، وفي امكنة غير التي يدلون عليها، ومن قبل اشخاص يطلبون لهم العفو والغفران... ثم يرفقون كل هذا "التخيل المريض"، بطلب ضمانات كاملة، وفق دفتر شروط يضعونه هم.
ما الذي يريده هؤلاء؟
هل يريدون ان يباشر الاهالي عمليات الثأر الشخصي، فيعمدوا الى قتل العملاء دون محاكمة؟ وهل يريدون لأبناء القرى المهدمة ان يعمدوا الى تعميم حالة قراهم على القرى المجاورة؟ وهل يريدون تحويل هذه المنطقة الى جحيم انتقام يبدأ ولا ينتهي؟ ولأجل من يقومون بهذا العمل؟ هل يريدون اخراج المقاومة عن هدوئها وحكمتها ويأملون بأن يتحول ابطالها الى سفاحي قرى؟ ومن ثم يطالبون بالقوى العالمية كي تأتي على عجل، لانقاذ بقيتهم من مجازر عرقية؟ او يريدون تحويل مطلب ارسال الجيش، من حاجة وطنية واهلية لكل ابناء القرى المحررة حديثا او المحررة سابقا، الى حاجة تخص نزع سلاح المقاومين، باعتبارهم مرتزقة اكثر خطرا على شعبهم من العملاء؟
ربما، حان الوقت، لنبش الذاكرة، ولأجل فتح عيون وآذان كل الناس، لسماع ومشاهدة تفاصيل المآسي التي لحقت بأبناء الجنوب على يد العملاء. كل العملاء وكل الذين تورطوا في هذا الجنون الدموي طوال ربع قرن. وقد حان الوقت، لنبش "الذاكرة السوداء" التي تجعل حكاياتها الطويلة، مواد اتهامية لا يقوى قضاء على تجاهلها.
لم يكن بمقدور "اسرائيل" ان تبقى في المنطقة وحدها، كان جيشها، يهرب من الضربات، وكانوا يعمدون الى جعل العملاء يقومون بالمهمة. ولم يكن بمقدور انطوان لحد وقيادته البقاء طويلا لو لم يجدوا كوادر تساعدهم على تدريب عناصر على حمل السلاح، وخلايا على مدهم بالمعلومات والاخبار، واشخاص يتولون الاعتقال والحراسات لمنازل ضباطهم وعملاء يقودون سياراتهم ويحمون بيوتهم وتجاراتهم، وطباخين يعدون الاكل لسجانين في المعتقلات، ومهربي مخدرات يغذون الذين يقومون بالتعذيب، ونساء يتولين ملاحقة الصبايا والنيل منهن، وخدم يتولون الاتيان بعناصر الحياة اليومية، وعملاء يعمرون لهم منازلهم او يشيدون لهم التحصينات في مواقعهم.
ثمة جريمة كاملة ارتكبت في الجنوب خلال ربع قرن، وثمة آلاف شاركوا فيها، ولا بأس من عقاب يطال كل من شارك، بقسوة يتذكرها الكل للزمان الآتي، ولتصبح صفة العمالة "لاسرائيل" عارا يصيب كل النسيج الاجتماعي الذي بناه هؤلاء المتعاملون، وساعدهم في ذلك، اصحاب الفتنة الذين يطلبون لهم اليوم العفو والغفران.
الهوامش:
1- السفير 5-6-2000.
2- المصدر نفسه.
3- المصدر نفسه.
4- المصدر نفسه.
5- الانوار 5-6-2000.
6- المصدر نفسه.
7- السفير 5-6-2000.
8- المصدر نفسه.
9- الانوار 5-6-2000.
10 - السفير 5-6-2000.
11 - الانوار 5-6-2000.
12 - النهار 5-6-2000.
13 - المصدر نفسه.
14 - السفير 5-6-2000.
15 - النهار 5-6-2000.
16 - السفير 5-6-2000.
17 - المصدر نفسه.
18 - المصدر نفسه.
19 - المصدر نفسه.