التقرير اليومي
الجمعة 13- 3 - 1998
الاعتداءات الاسرائيلية
في الوقت الذي اعتبر فيه امين حزب الله سماحة السيد حسن نصرالله ان "احتمال قيام اسرائيل بعدوان على لبنان اذا فشلت مساعيها السياسية ولم يستجب لبنان لشروطها، امر وارد، ليضع العالم امام امر واقع يضطره للتدخل لفرض صيغة حل تستجيب للشروط الاسرائيلية" ، استمرت الاعتداءات الاسرائيلية بحق المواطنين اللبنانيين، حيث ادت الى اضرار في عدة منازل في بلدة حداثا وفي شبكة الكهرباء والخيم الزراعية والسيارات، فضلاً عن مسجدها الذي اصيب بقذائف مباشرة وعرف من اصحاب المنازل المتضررة في حداثا كلاً من: منير منصور - ابراهيم منصور - حسن صولي - ابراهيم صبرا - علي فاضل - محمد كرنيب. كذلك قصفت المدفعية الاسرائيلية صباحاً اطراف حاريص وكفرا وياطر وصربين ورشاف وعيتا الجبل وتبنين.
كما اصابت شظايا القذائف المدفعية الاسرائيلية المركز الايرلندي في حداثا ، وتجدد القصف الاسرائيلي عند الساعة السادسة مساء ليطاول مجرى الليطاني ووادي الحجير وخراج بلدتي زوطر الغربية والشرقية. وفي القطاع الشرقي طاول القصف المدفعي احراج القطراني وبلدة السريرة كما استهدف الاحتلال بالقصف مرتفعات الجبور وابي راشد ومرتفعات عين التينة، وكانت قوات الاحتلال قصفت الجبل الرفيع واحراج سجد والريحان والعيشية في منطقة اقليم التفاح .
من جهة اخرى وفي اطار اعتداءاتها المتواصلة، تابعت قوات الاحتلال حملات الدعم والاعتقال في الشريط الحدودي فاعتقلت كل من حيدر حيدر وحسين حيدر ويوسف داغر من بلدة ميس الجبل، وخضر فوعاني من بلدة العديسة، وهيثم يونس ومحمد زراقط من بلدة مركبا، واقتادتهم الى مراكز التجنيد الاجباري. كذلك القت قوات الاحتلال القبض على المواطن عبدالناصر غادر من بلدة شبعا واقتادته الى سجن الخيام .
وافادت المعلومات الواردة من الشريط الحدودي ان قوات الاحتلال الاسرائيلي طلبت من اهالي قرى شبعا والهبارية والفرديس وكفرشوبا بضرورة تقديم شبان للخدمة في الميليشيا اللحدية المتعاملة مع الاحتلال وذلك بحجة حماية هذه القرى: في مهلة تنتهي آخر الشهر الحالي .
وفي السياق ذكر الصليب الاحمر اللبناني بالانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الانساني ولشرعة حقوق الانسان التي تمارسها سلطات الاحتلال الاسرائيلي داخل الاراضي اللبنانية في حق المدنيين.
وقال البيان "ان هذه الخروقات التي تمارسها "اسرائيل" يومياً اضافة الى التعرض للتجمعات المدنية في المدن والقرى المتاخمة للمناطق المحتلة من لبنان وارهاب الآمنين في عمق لبنان، تؤكد ضرورة حض المجتمع الدولي للضغط على "اسرائيل" بغية الالتزام الكامل لقواع القانون الدولي والانساني الواردة في معاهدة جنيف الرابعة والبروتوكولات الملحقة بها واحترام شرعة حقوق الانسان".
وفي الاعتداءات وفق بيان المقاومة الاسلامية ما يلي:
1:10، افيد عن 15 قذيفة مضيئة بين طلوسة ومركبا من مشعرون من عيار 81 ملم.
6:30، سقوط حوالى 20 قذيفة من عيار 120 ملم من الجاموسة ومن عيار 81 ملم من موقع حداثا على اطراف بلدة حداثا.
6:35، سقوط اربع قذائف من عيار 155 ملم من العاصي ميس على منطقة الظواهر في حداثا.
7:00، سقوط قذيفة من عيار 120 ملم من الجاموسة على مسجد حداثا وقذيفة من عيار 81 ملم من حداثا على منزل حسن صولي وقد نجت العائلة باعجوبة كما سقطت قذيفة بالقرب من منزل داوود فاضل ادت الى تضرر منزله وسيارته ولا زال القصف مستمر على البلدة واطرافها.
7:10، سقوط 15 قذيفة من عيار 120 ملم من العاصي ميس و 10 قذائف من عياري 120 و 81 ملم من الجاموسة وحداثا على اطراف حداثا.
7:30، استمرار القصف من عياري 120 و 81 ملم من الجاموسة وحداثا على البلدة واطرافها مما ادى الى تضرر منازل كل من :ابراهيم خليل صبرا - محمود مرتضى صبرا - محمد موسى سجد.
7:35، ومنذ الساعة 7:15 سقوط حوالى 45 قذيفة من عيار 155 ملم من الظهيرة على غرب ياطر.
12:05، تحليق طراد فوق منطقة تفاحتا.
12:05، سقوط ثلاث قذائف من عيار 120 ملم من الجاموسة على حرش حداثا.
12:25، سقوط قذيفتين من عيار 120 ملم على اطراف مجدل زون من الحردون مع قذيفتين من عيار 155 ملم من الظهيرة على اطراف مجدل زون وكذلك سقوط ثلاث قذائف من عيار 155 ملم من الظهيرة على جب سويد..
12:25، سقوط خمس قذائف من عيار 120 ملم من الحردون على وادي المنصوري كما حلق الحربي فوق ساحل المنصوري وشن غارات وهمية.
12:40، تحليق طيران حربي في اجواء القطاع الغربي وفوق اقليم التفاح مع سقوط قذيفة من عيار 120 ملم من الحردون على اطراف مجدل زون.
12:40، تحليق طيران حربي في اجواء البقاع الغربي.
12:45، سقوط اربع قذائف من الريحان على جبل سجد من عيار 120 ملم.
12:50، سقوط ثلاث قذائف من عيار 155 ملم من الظهيرة على شمال مجدل زون.
17:45، سقوط عشر قذائف من عيار 155 ملم من الظهيرة على غرب ياطر.
عمليات المقاومة الاسلامية
على صعيد العمليات في النوب اللبناني تابعت المقاومة الاسلامية مطاردتها لقوات الاحتلال الاسرائيلي في عدد من المواقع وفيما يلي بيان بها :
6:10، رصدت المقاومة الاسلامية تحركات معادية داخل موقع حداثا فقامت على الفور مجموعة الشهيد غسان علوية باستهداف الموقع المذكور بالاسلحة المناسبة وحققت فيه اصابات مؤكدة.
7:00، قامت مجموعة الشهيد الشيخ محمد رملاوي في المقاومة الاسلامية باستهداف موقع بلاط الاسرائيلي بالاسلحة المناسبة وحققت فيه اصابات مؤكدة وقد اصيب مخزن الذخيرة في الموقع حيث بقيت الانفجارات تسمع بداخله من الساعة السابعة حتى السابعة وعشرين دقيقة كما شوهدت اعمدة الدخان منه بشكل كثيف جداً.
7:25، قامت المقاومة الاسلامية مجموعة الشهيدين حسن سلمان ونبيه حلال باستهداف موقع بلاط بالاسلحة المناسبة وحققت فيه اصابات مباشرة ادت الى تدمير منشآت الموقع.
12:20، رصدت المقاومة الاسلامية تجمعاً معادياً داخل موقع الرادار فقامت مجموعة الشهيدين علي شهاب وموسى يحيى باستهدافه بالاسلحة المناسبة وحققت فيه اصابات مباشرة ومؤكدة.
13:00، رصدت المقاومة الاسلامية دخول تعزيزات الى موقع الرادار فقامت على الفور وحدة الاسناد الناري مجموعة الشهيد حسين نعيم باستهدافها بالاسلحة المناسبة وحققت فيها اصابات مباشرة.
14:15، رصدت المقاومة الاسلامية تحركات للعدو داخل موقع المثلث فقامت على الفور مجموعة الشهيدين عبدالله رمال ويوسف بدران بمهاجمة الموقع.
الاسرى
في موضوع الاسرى وجهت لجنة المتابعة لدعم قضية المعتقلين دعوة الى رئيس اتحاد المحامين العرب فاروق ابو عيسى والامناء العامين للمنظمات العربية لحقوق الانسان ولنقابات المحامين واتحادات الصحافيين للمشاركة في اسبوع يوم الاسير العربي في السجون الاسرائيلية. وذلك في اطار حملة تضامن عربية وعالمية اطلقتها اللجنة بالتنسيق مع لجان الاسرى العرب في سجون الاحتلال من اجل اطلاق سراحهم .
كما وجهت اللجنة رسالة الى الامين العام للجامعة العربية عصمت عبدالمجيد بمناسبة انعقاد الجلسة الـ 22 للجامعة العربية الشهر الجاري متمنية ان تكون قضية المعتقلين للعرب بنداً على جدول اعمال الجلسة كونها احدى القضايا الوطنية والقومية والانسانية الهامة .
وتمنت اللجنة ان يصدر عن المؤتمر نداء الى كل الشعوب العربية والمنظمات الانسانية والاعلامية والاجتماعية من اجل المشاركة في اسبوع الاسير العربي وان يعقد في مقر الجامعة العربية وبرعاية عبدالمجيد مؤتمر للتضامن مع الاسرى العرب في 18 نيسان الجاري.
من جهته، الصليب الاحمر اصدر بياناً بمناسبة ذكرى 14 آذار 1978 ذكر فيها "بالانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الانساني ولشرعة حقوق الانسان التي تمارسها سلطات الاحتلال الاسرائيلي داخل الاراضي اللبنانية، في حق المدنيين".
وجاء في البيان "اضافة الى الانتهاك اليومي لمعاهدة جنيف الخاصة بالمدنيين والموقعة في 12 آب 1949 وللملحق الاضافي الاول الموقع في 8 حزيران 1977، عبر قصف المدنيين داخل قراهم ومدنهم وتهجيرهم من بيوتهم وابعادهم عن اراضيهم، لا تزال القوات الاسرائيلية والميليشيا المتعاملة معها تخرق في شكل خطير معاهدة جنيف الخاصة بشؤون الاسرى من خلال الممارسات التي تتبعها في معتقل الخيام ومنع الزيارات عن المعتقلين وابقائهم محتجزين مندون محاكمات كما تنص القوانين الدولية في هذا المجال. كما ان شهادات المعتقلين المفرج عنهم والكشوف الطبية التي خضعوا لها تشير في شكل قاطع الى تعرضهم وزملائهم الذين ما زالوا معتقلين للتعذيب والارهاب الجسدي والمعنوي قبل التحقيق معهم وخلاله وبعده، خلافاً للمواد 12 و13 و14 و15 و16 و17 من المعاهدة نفسها. اضافة الى ذلك فان عدم تقديم الرعاية الغذائية والصحية والطبية الى الاسرى والمعتقلين يشكل خرقاً للمواد 29 و30 و31 و32 من المعاهدة اضافة الى وقف الزيارات لمندوبي اللجنة الدولية للصليب الاحمر في معتقل الخيام، فان المادة 71 من المعاهدة التي تفرض على السلطات الآسرة ان تسمح بالتراسل الدائم بين الاسير واهله (بمعدل رسالتين واربع بطاقات على الاقل في الشهر) لم تطبق حتى الان. اما اذا تعمقنا اكثر في بحثنا، فاننا نجد ان معظم مواد معاهدة جنيف هذه غير مطبقة وغير محترمة.
الى ذلك، لا بد من الاشارة الى واقع اخر مرتبط بعدد من المعتقلين اللبنانيين الموجودين داخل السجون الاسرائيلية في عتليت وعسقلان وغيرهما، ولا توجد اي معلومات عن وضعهم ومصيرهم، علماً ان جزءاً منهم حكم عليه بالسجن المؤبد او لفترات مختلفة، وهو امر لا يخالف القانون الدولي الانساني فحسب، بل يخالف كذلك ابسط القوانين الدولية وبنود شرعة حقوق الانسان المعلنة عام 1948، والتي تؤمن كلها حق حصول المعتقل على محاكمة كهذه، فكيف به اذا كان متهماً بمقاومة جيش يحتل ارضه، وهو الامر الذي تقره وتؤكد احقيته مواثيق الأمم المتحدة ودساتيرها؟.
ان هذه الخروق التي تمارسها "اسرائيل" يومياً اضافة الى التعرض للتجمعات المدنية في المدن والقرى المتاخمة للمناطق المحتلة من لبنان وارهاب الآمنين في عمق لبنان، تؤكد ضرورة حض المجتمع الدولية للضغط على "اسرائيل" بغية الالتزام الكامل لقواعد القانون الدولي الانسان الواردة في معاهدة جنيف الرابعة والبروتوكولات الملحقة بها واحترام شرعة حقوق الانسان".
القرار 425 والانسحاب الاسرائيلي
اكد امين عام حزب الله سماحة السيد حسن نصرالله ان الموقف اللبناني من انسحاب "اسرائيلي" محتمل يفسر من قبل الكثيرين على غير حقيقته قائلاً : "ان لا احد في لبنان او سوريا سيرفض الانسحاب اذا تم دون شروط. ما يرفضه لبنان هو شروط "اسرائيل" لتنفيذ هذا الانسحاب. والتفاوض على ترتيبات امنية. ليخرج المحتل ولا احد يمنعه. لكن العدو يعتقد ان له حقوقاً على لبنان يريد الحصول عليها ليخرج عبر صيغة تحقق له مكاسب معنوية وسياسية قبل المكاسب الامنية. فما يحتاجه العدو ليس ضمانات امنية لان لديه بدائل جاهزة لهذه الضمانات. بل هو يحتاج الى مكاسب معنوية وسياسية حتى لا يفسر انسحابه على انه هزيمة، وهو كذلك بالفعل. وهذا ما يؤخر قراره بالانسحاب.
واعتبر سماحة السيد نصرالله ان "الاسرائيلي" ليس حاضراً لان يعطي اي هامش للمبادرة الاوروبية اذا لم تكن له مصلحة فيها".
في وقت رأى سماحة السيد نصرالله ان الموقف الفرنسي الذي يشكل مركز الموقف الاوروبي "متفهم للرؤى السورية واللبنانية حول وضع المنطقة".
من جهة اخرى حلل الاستاذ رفيق المعلوف في جريدة النهار خلفيات الموقف الاسرائيلي بشان القرار 425 وقال:"ان لاسرائيل مطامع اساسية في المياه توليها اقصى درجات الاهتمام نظراً لتزايد سكانها المطرد، وقلة الموارد المائية في طبيعة الارض الفلسطينية المحتلة. ولذلك تعجلت مسألة الانسحاب من سيناء بعد حرب 1973 باعتبارها ارضاً صحراوية، وعرقلت كل المساعي الدولية الهادفة الى تطبيق قراري مجلس الامن 242 و 338 اللذين يقضيان بانسحابها من مرتفعات الجولان الغنية بالمياه والينابيع. ثم تبينت على الاثر ان منسوب نهر بانياس الذي ينبع في الجولان قرب المدينة التي تحمل اسمه، لا يؤمن، مع سائر الانهر الصغيرة المتدفقة من الهضبة السورية المحتلة، المدد الكافي من المياه لسهل بحيرة الحولة، هذا، بصرف النظر عن نهر اليرموك الذي ينبع هو ايضاً في حوران ويمر في الاراضي الاردنية ليصب في نهر الاردن جنوبي بحيرة طبريا.
والمعروف من جهة ثانية ان نهر بانياس المذكور يلتقي مياه نبع اللدان ونهر الحاصباني الذي ينبع في منطقة العرقوب اللبنانية قرب حاصبيا ويتجه جنوباً بعد ان يقوى منسوبه بلقاء روافد صغيرة عدة اهمها نهر جاج ونهر الوزاني ونهر براغيث التي تنبع كلها في السفوح الغربية لجبل حرمون او جبل الشيخ داخل الاراضي اللبنانية. وهكذا يصبح بانياس والحاصباني نهراً واحداً يصب في بحيرة الحولة ثم بحيرة طبريا.
وكان اخشى ما تخشاه "اسرائيل" بعد احتلالها الجولان وسيطرتها على مجرى بانياس ان تقدم المنظمات الفلسطينية التي احتلت العرقوب منذ العام 1969، على تحويل مجرى الحاصباني وروافده النابعة في لبنان، فتقع في ازمة مياه خطيرة تتعرض معها بحيرتا الحولة وطبريا وبالتالي نهر الاردن نفسه للجفاف. لذلك ما ان نشب الصراع الدامي في لبنان سنة 1975، وتداخلت فيه القوى الفلسطينية والاحزاب اللبنانية، حتى دعمت "اسرائيل" ميليشيا الرائد سعد حداد في قضاء مرجعيون شرقاً، ومنطقة بنت جبيل وعلما الشعب في القطاعين الاوسط والغربي من الحدود، وفرضت سيطرة عسكرية غير مباشرة بواسطة الميليشيا المذكورة على تلك المناطق التي اطلقت عليها تسمية "الجدار الطيب" لايهام العالم ان تدخلها فيها ينطلق من مبدأ المساعدة الانسانية، في حين انها كانت تهدف الى حماية الانهر التي تصب في اراضيها من جهة، والتخطيط من جهة ثانية لاجتياح عسكري مباشر يكفل ليها السيطرة على مجرى الليطاني.
واول ما يتضح من هذه اللمحة الجغرافية وافرازاتها الميدانية ان "اسرائيل" التي كانت ولا تزال خططها العسكرية والسياسية على العلم، خلافاً لما نفعله نحن، وجدت ان الوحدة الطبيعية القائمة على صعيد منابع المياه، بين الجولان السوري من جهة وما يعرف بالبقاع الغربي والعرقوب اللبناني من جهة ثانية، على المنحدرين الشرقي والغربي لجبل الشيخ، هذه الوحدة الطبيعية انما تفرض وحدة استراتيجية عسكرية لا بد منها لحماية المياه المتدفقة الى سهل الحولة في فلسطين المحتلة. وبالتالي، فان اي انسحاب عسكري من البقاع الغربي او الجولان دون "ترتيبات مائية" يسميها العدو تجاوزاً "ترتيبات امنية" سيعرض الدولة العبرية لاحقاً لنقص خطير في المورد المائي الحيوي.
اجتياح 14 آذار 1978
افادت "اسرائيل" بين عامي 1976 و1978 من بعض العمليات الفدائية المنطلقة من جنوب لبنان الى داخل فلسطين المحتلة، كخطف الباصات المدنية واخذ الرهان في المنتجعات السياحية وغير ذلك مما يرفضه الرأي العام العالمي، فكانت تعمل بواسطة الاعلام الصهيوني النافذ خصوصاً في الغرب، على تضخيم تلك العمليات وحجم ضحاياها ومظهرها الدموي العنيف، لتعبئة المجتمع الغربي ضد الفلسطينيين والعرب عموماً. حتى اذا انفجر الصراع في الداخل اللبناني بين القوات السورية العاملة في اطار قوات الردع العربية، وبين قوات حزب الكتائب وحلفائه، انتهز العدو الفرصة المؤاتية في اذار 1978 لاجتياح الجنوب واحتلال مجرى الليطاني من مشارف كوكبا في البقاع الغربي الى مسافة قريبة من جسر القاسمية شمالي صور على البحر المتوسط. وبلغت المنطقة المحتلة ابان ذلك الاجتياح بين 14 و22 اذار مساحة قدرها 2400 كيلومتر مربع.
وفي 19 اذار 1978 صدر القرار 425 عن مجلس الامن ملزماً "اسرائيل" على الانسحاب الفوري من "كل" الاراضي اللبنانية، وتلاه في اليوم نفسه القرار 426 الذي نص على تأليف القوة الدولية المشرفة على الانسحاب، ثم في 3 ايار 1978 القرار 427 الذي طلب من "اسرائيل" اكمال انسحابها من "كل" الاراضي اللبنانية "دون ابطاء"، وفي 18 ايلول 1978 القرار 434 الذي ذكر فيه مجلس الامن بالقرار 425 بعد توقف "اسرائيل" عن متابعة تنفيذه، ودعا الى "الاحترام الكلي لسلامة الاراضي اللبنانية وسيادة لبنان واستقلاله السياسي في حدوده المعترف بها دوليا".
ولا شك في ان "اسرائيل" كانت تعرف سلفاً ان المجتمع الدولي متمثلاً بمجلس الامن سيضغط عليها بقوة للانسحاب. لذلك وضعت في حسابها عند الاجتياح ان تنسحب بعد تحقيق ثلاثة اهداف احدهما ميداني والاخران استراتيجيان، على ان يكون ذلك الانسحاب جزئياً ومن معظم المناطق المحتلة، بحيث تؤكد انصياعها للارادة الدولية بتقديم "بداية دليل" لا بأس بها على حسن نيتها، ثم يخلق ما لا تعلمون…
وعلى هذا الاساس، وفيما كانت القرار الصادرة عن مجلس الامن تتوالى بين نيسان وحزيران 1978، داعية "اسرائيل" الى تنفيذ القرار الرئيسي حامل الرقم 425، كان الجيش الاسرائيلي ينفذ على مراحل "الهدف الميداني" لاجتياحه، وهو ابعاد المقاومة الفلسطينية الى ما وراء مجرى الليطاني شمالاً وتصفية قواعدها القتالية في المنطقة الحدودية المتاخمة للدولة العبرية من جهة، والحؤول من جهة ثانية، دون وصول الجيش اللبناني الى تلك المنطقة وزجه في صراع التناقضات اللبنانية اللبنانية، واللبنانية الفلسطينية، والاسرائيلية الفلسطينية اللبنانية، ثم عرقلة اعمال القوة الدولية وشل حركتها وتعطيل فعاليتها.
اما "الهدفان الاستراتيجيان"، فكان اولهما عسكري، وهو تأمين شريط حدودي واق على طول الحدود اللبنانية الاسرائيلية لمنع التسلل الى داخل فلسطين المحتلة، اي تحويل "الجدار الطيب" الى "احزام امني" تبلغ مساحته الاجمالية حوالى 800 كيلومتر مربع، مع المرابطة العسكرية شرقي قلعة شقيف ارنون ( Chateau de Beaufort) على مجرى الليطاني (شمال- جنوب) في قضاء مرجعيون بحيث لا تتسلل الى هذه القلعة قوات فلسطينية، باعتبارها موقعاً استراتيجياً عسكرياً مميزاً يشرف على معظم المناطق الحدودية والجليل الاعلى وسهل الحولة وسهل حوران، في دائرة قطرها 40 كيلومتراً. وقد احتلت "اسرائيل" هذه القلعة فيما بعد خلال اجتياح 1982، ولا تزال تشغلها الى الان بعدما زودتها بمرابض مدفعية ثقيلة وصواريخ ذكية متطورة.
واما الهدف الاستراتيجي الثاني، فكان هدفاً مائياً ذلك ان الليطاني يمر تحت قلعة شقيف ارنون مباشرة للجهة الشرقية، وترتفع القلعة فوقه في زاوية شبه مستقيمة يبلغ علوها مئتي متر. ويقول المؤرخون ان صلاح الدين الايوبي اتى القلعة من هذا المنحدر الذي يستحيل تسلقه على اي جيش، فكان فتحه لها عملاً خارقاً فيما كانت حاميتها الصليبية تنتظره من الغرب.
وقد حرص العدو الاسرائيلي بعد انسحابه الجزئي سنة 1978، على الاحتفاظ بوجود عسكري فعال عند مجرى الليطاني شرقي قلعة الشقيف حيث قام تنفيذاً لهدفه المائي المشار اليه، بحفر نفق تحت الارض ينقل بواسطته ما يناهز 500 مليون متر مكعب سنوياً من مياه الليطاني الى مجرى الحاصباني وبحيرة الحولة التي حولها الاسرائيليون بعد تجفيفها الى مصب لمياه لبنان والجولان بحيث تنقل هذه المياه في انابيب لري الاراضي الجافة في صحراء النقب وغيرها جنوبي "اسرائيل".
وكانت بعض اجهزة الأمم المتحدة قد تنبهت لهذه السرقة المائية المفضوحة، واثيرت القضية على الصعيد الرسمي اللبناني، ثم اخفيت مع الاسف بقدرة قادر وعلم عليم.
فهل يعقل والحالة هذه، ان تبادر "اسرائيل" الى الانسحاب من "كل" الاراضي المحتلة في لبنان كما ينص القرار 425 ، دون ان تكون "الترتيبات الامنية" التي تطلبها لذر الرماد في العيون هي في الحقيقة "ترتيبات مائية" يقصد بها العدو شرعنة استيلائه على نصيب لا حقوق له فيه من المياه اللبنانية، واستدراج سوريا وبالتالي خلال مفاوضات لاحقة حول الانسحاب الجزئي من الجولان، الى ترتيبات مماثلة تشرعن استراتيجيته الموحدة للسيطرة على مياه البلدين؟!.
مناورة ام خدعة
هذا، ولا يعقل ان تكون "اسرائيل" راغبة في الانسحاب لاسباب عديدة اخرى نوردها كما يلي:
1- ان اي قرار رسمي بوجوب الانسحاب لم يتخذ في مجلس الوزراء الاسرائيلي. ويؤكد ذلك وزير البنى التحتية آرييل شارون مهندس عمليات الاجتياح المتكررة ضد لبنان ومخطط اهدافها القريبة والبعيدة.
2- صحيح ان الكفاءة القتالية لحزب الله واعمال المقاومة في المناطق المحتلة تحرج الدولة العبرية وتضايقها الى حد بعيد. ولكن اذا كان الرأي العام في "اسرائيل" ينظر بهلع الى الخسائر التي يتكبدها جيش العدو في جنوب لبنان، فان الاصولية الصهيونية المتصلبة التي يمثلها نتنياهو وشارون وايتان وكهلاني وبار ايلان وغيرهم من صقور الليكود ومعلميهم الحاخامين الدهريين الحاقدين الذين لا يؤمنون بالانسان، بل بالجبروت التلمودي دون الرحمة الموسوية… هذه الاصولية تعتبر سقوط اربعين او خمسين قتيلاً او حتى اربعمئة او خمسمئة قتيل كل سنة على يد حزب الله في لبنان، مسألة لا اهمية لها ما دامت الاهداف الاستراتيجية للدولة تسير في الاتجاه المقرر. ومعروف ان الهدف الابعد لهذه القوى الاغتصابية الارهابية التي قامت عليها دولة "اسرائيل" ولا تزال هي المسيطرة، سواء في حزب العمل او في تكتل ليكود، لم تأت الى فلسطين لتقديم الذبيحة في هيكل سليمان بل لتقديم ذبائح بشرية ليهوه من النيل الى الفرات.
3- في منطقة العسكريتاريا الموروث عن النظامية الاسبارتية الاغريقية ان الجيش الذي لا يقاتل بترهل. ولذلك يحرص المسؤولون في "اسرائيل" على ابقاء الجبهة الجنوبية مفتوحة لتعهد كفاءة جيشهم القتالية، بالرغم من الاستنزاف الذي يتعرض له في مواجهة حزب الله والمقاومة اللبنانية.
4- ان استمرار العمليات الحربية في الجنوب يعزز مداخيل العدو من التسول واجتذاب المساعدات والتبرعات في اوساط اليهود المنتشرين عالمياً، وخصوصاً لدى الجالية اليهودية الامريكية الغنية. كما ان الوضع الامني المضطرب في هذه المنطقة يزرع التناقضات السياسية ويني الخلافات الحزبية والحزازات الطائفية والمذهبية داخل المجتمع اللبناني، ويؤثر تأثيراً سلبياً على التوظيفات المالية ونمو الاقتصاد الوطني الذي يشرط العدالة الاجتماعية.
لذلك كله نميل الى الاعتقاد ان الحديث المتواتر من جانب المسؤولين الاسرائيليين حول تنفيذ القرار 425 بشروط او بدون شروط، ليس فقط مناورة سياسية، بل ربما كان خدعة تنطوي على نية مبيتة للقيام بعملية عسكرية كبرى، تتدخل القوى الامريكية والبريطانية المرابطة في الخليج على اثرها لفرض انسحاب اسرائيلي شامل من جنوب لبنان والجولان معاً ودفع لبنان وسوريا الى استئناف المفاوضات مع الدولة العبرية لتسوية النزاع انطلاقاً من ترتيبات امنية وترتيبات مائية وترتيبات تطبيعية على اساس غالب ومغلوب.