الجمعة 26-6-1998

 

مقدمة

لم يترك الحدث مجالاً لآخر، فطغى على كل ما عداه من احداث؛ وكان المجاهدون هم الحدث على امتداد الوطن الصغير الذي اوقف زحف الاحتلال ورده خائباً، بعد طول تبجح وخيلاء.

اليوم يسترد لبنان والمقاومة الاسلامية مجاهديه الاسرى ورهائنه واجساد شهدائه ويحتفل بها، بما يليق بها وبما قدمته في سبيل الوطن والامة.

سيل الاقلام، وذمق المشاعر ما استويا في معادلة الكتابة؛ فكان تمثل الاحداث والمشاهد خير سبيل الى ادراك حقيقة اللحظة.

المجاهدون عادوا والشهداء، الى احضان الوطن بكل عزة وكرامة. لم يستذلوا، ولم يتذللوا،… بل عادوا بكل ما يمليه عليه الشرف والواجب.

 

عودة المجاهدين الى ساحتهم (1)

قبل ليل وصولهم في اكفانهم: كانوا قد ادوا المهمة الجليلة وعادوا ليرتاحوا في الارض التي سقوها بدمائهم.

وظهراً، وصلوا محمولين على اجنحة الاصرار على انجاز مهمة التحرير: لوحوا بقبضاتهم من داخل الحافلات التي اعادتهم من الاسر الى الحرية، والتمعت عيونهم بوعد العودة الى الميدان، ثم اخذهم الشوق الى ايدي آبائهم واقدام امهاتهم يقبلونها ومعها التراب المقدس.

وعلى امتداد يوم "العودة" الطويل للمحررين، شهداء او مجاهدين برسم الشهادة، عاش لبنان، دولة وشعباً، عيداً وطنياً وعرساً للحرية والاحرار، مزهواً باستعادة ابنائه الذين قدموا له حياتهم رخيصة.

وكما في ليل الخميس شهد ظهر الجمعة ذلك التوحد المبهج بين الحكومة والنواب والاحزاب والجيش والجماهير التي احتشدت للمشاركة في عرس الشهادة؛ فالى جانب الرئيس رفيق الحريري تراصف ممثلو حزب الله وحركة امل والحزب الشيوعي والحزب السوري القومي الاجتماعي والعسكريون ضباطاً وانفاراً واولئك الذين برغم افتقادهم اسماء ابنائهم الاسرى في القوائم الرسمية، جاؤوا لعل وعسى..

.. وساعة ان توقف امين عام حزب الله السيد حسن نصرالله امام جثمان ابنه الشهيد "هادي" انحبست انفاس الجميع، وقرأوا له - كما لرفاقه - ما يحفظون من الصلوات، لكن القائد المعتز بانتسابه لعوائل الشهداء، لم يستغرق في اللحظة الحميمة للقاء الموعود بل اكمل تجواله على رفاق "هادي" يقرأ لهم الفاتحة والادعية بان تفتح لهم ابواب الجنان.

نصرالله اتصل بعد الظهر برئيس مجلس النواب نبيه بري معزياً بشهداء "امل" وشاكراً الدور الذي قام به في تسهيل عملية التبادل، فيما تقدم بري بالتعزية لنصرالله بشهداء المقاومة الاسلامية وخصوصاً الشهيد هادي حسن نصرالله.

كما اتصل نصرالله بالرئيس رفيق الحريري مهنئاً بنجاح عملية التبادل وشاكراً له الدور الذي قام به لانجازها، فيما تقدم الحريري بالتعزية لنصرالله بشهداء المقاومة الاسلامية، وخصوصاً الشهيد هادي حسن نصرالله الذي وصفه بانه ابن كل اللبنانيين.

اما الاسرى العائدون فكانوا يتعجلون الهبوط من الحافلات التي نقلتهم.

كانوا منتصبي القامات وجباههم مرفوعة نحو الشمس التي حرموا منها لاكثر من عشر سنوات.

وكانت عيونهم تدور باحثة عن الاحبة، الاهل والاصدقاء، بينما اخيلتهم تتجه الى قراهم المتناثرة في مختلف انحاء جبل عامل اساساً، وبعده البقاع: الهبارية، الهرمل،مركبا، كفرحمام، كونين، الخيام، مارون الراس، صربين، النبطية، بنت جبيل، ميس الجبل، طلوسة، حولا، عيترون، طيرحرفا، عيتا الشعب، بلاط، مركبا، كفركلا، ام التوت، شويا، يارين، بيت ياحون وشبعا، اضافة الى بيروت "ام القرى".

ثم انهم، حين ترجلوا من الحافلات، كانوا يسيرون وقبضاتهم مرفوعة: لقد عادوا لا بصفقة مكلفة في الكرامة او في المطالب السياسية.

ولم يكونوا بحاجة لمن يؤكد لهم ان عملية التبادل قد تمت من دون تفاوض مباشر، ومن دون تنازلات، وبغير ان يلامس لبنان الطروحات "الاسرائيلية" الاخيرة، واخطرها "التهديد" "الاسرائيلي" بتنفيذ مشروط للقرار 425.

ثم انهم كانوا قد سمعوا ما يملأهم زهواً عن عملية الكوماندوس "الاسرائيلي" البائسة في انصارية، والتي انتهت "بموقعة ماحقة" للنخبة من جيش "اسرائيل"، كما ادت في جملة ما ادت اليه الى اطلاق سراح "العائدين"، شهداء واسرى..

بعد محطة كفرفالوس للتدقيق واستكمال الاجراءات، كانت دارة الحريري في مجدليون قد اعدت نفسها لاستقبتا العائدين، حيث صدر التعهد الرسمي بلسان رئيس الحكومة: "ان للاسرى المحررين حقوقاً وعلى الدولة واجبات حيالهم وتجاه عائلاتهم.. وسنعمل كل ما نستطيع لاعادة دمج الاسرى بمجتمعهم وفاء لما بذلوه من اجل هذا الوطن".

رئيس الجمهورية الياس الهراوي وجه كلمة الى اللبنانيين للمناسبة اكد فيها "ان لبنان قد نجح لان ابناءه، جميع ابنائه، متشبثون بالحق ويرفضون الاحتلال "الاسرائيلي"، ولانهم ملتفون حول الدولة التي تولت بكل الجدارة انجاز هذه الخطوة".

العائدون الـ 55 هم بعض الاسرى، فيما زال هناك 167 اسيراً، منهم 125 في معتقل الخيام، و42 داخل السجون "الاسرائيلية".

ويتوزع الذين اطلق سراحهم كما يلي: 36 من حزب الله، 7 من الحزب الشيوعي، 13 من حركة امل وواحد من الحزب السوري القومي الاجتماعي و3 من انتماءات مختلفة.

وقد شهد الموكب داخل الشريط المحتل وفي المناطق المحررة استقبالات جماهيرية حاشدة ترحيباً بالمحررين، فعلت الزغاريد ونثر الارز وارتفعت الهتافات واعلام المقاومة.

Bus.jpg (20003 bytes)

ماذا قالت الرهائن المحررة؟… (2)

المجاهد عادل ترمس

"13 سنة حجز" عبارة تميزت بها احدى السيارات في "القافلة" الطويلة، التي قصدت صيدا لاستقبال الغائب تحديداً لعمر المعاناة، فيما كانت صورة تطبع المشهد الاعم للموكب تدليلاً على الهوية، واعلام "حزب الله" ترفرف "اشهاراً" للانتماء.

الوجهة اساساً كانت شارع المقداد في حارة حريك بناءً على طلب "العائد" عادل ترمس (31 سنة)، والدافع هو الاطلالة على المنزل الذي عاش فيه ايام طفولته قبل الانتقال الى منزله اهله، الذين انتقلوا اليه في حي الابيض منذ ثلاثة اشهر، فما ان ترجل من السيارة حتى لعلع الرصاص احتفالاً بالعودة، فيما شخصت بعض العيون بذلك الشاب الذي لم تفقده سنوات السجن بريق عينيه الخضراوين، و"هيبة" وجهه المستمدة من لحيته الشقراء وملامحه الواثقة، في حين تدافع والده واخوته التسعة وسط الزحمة "للتنافس" على الاقتراب منه الى حد الالتصاق..!

بعد الوصول الى المنزل الجديد، آثر اقامة الصلاة قبل ان ينضم الى "صفوف" المنتظرين في الشارع، في جو تهليلي، اختلطت فيه دموع الفرح بدموع الحسرة على سنوات الغياب.. "فشخ" فوق الذبائح، وابتسامته تحاول عبثاً ان تخفي ذلك المقدار الهائل من التعب والارهاق!

منزله الذي غص بالمهنئين، لم يستعد هدوءه حتى ساعات متأخرة من الليل، حاول جاهداً "التسلل" للاستحمام واداء الصلاة، ومن ثم الاجابة عن اسئلة لـ"السفير" وباللغة الفصحى، قبل استغراقه مجدداً في اجواء الزائرين:

 - كيف تصف مشاعر التحرر؟

افضل ان احيي الشهداء الابرار الذين اخرجوا من السجن، واتمنى الافراج عن الشهداء الاحياء الذين ما زالوا بداخله. وفي هذه المناسبة استشهد منذ يومين احد الاسرى وعمره 62 عاماً، قتلته الهمجية الصهيونية بعدما امضى 28 سنة في السجن.. ان شاء الله نعمل جاهدين لاطلاق سراح الجميع.

 - هل كنت تتوقع داخل السجن ان ترى النور يوماً؟

لا، وقد علمنا بموضوع تبادل الاسرى والاشلاء من خلال جهازي الراديو والتلفزيون داخل السجن، ولكن احسست بسبب تعنت "الاسرائيليين" بعدم امكانية اطلاق اسرى من الداخل.. ولكن الحمدلله..

 - ماذا كانت ظروف الاعتقال؟

اعتقلت خلال عملية "كونين" التي اخذ خلالها حزب الله اسيرين من اليهود في العام 1986، وذلك خلال انسحاب المجموعة قرب برعشيت، كما اعتقل معي محمد ياسين.

 - كيف تلخص معاناتك في السجن؟

لقد عاينت من السجن الافراد لمدة ستة اشهر، وبعد محاكمتي التي قضت بسجني لمدة 25 عاماً، انتقلت الى "سجن عسقلان المركزي"، حيث العذاب النفسي والجسدي، ولكن الحمدلله معنويات الشباب كانت دائماً عالية وصبرهم كبيراً، ولو لم يصبني المرض لكنت فضلت تحرير اسير آخر بدلاً مني، لقد فارقت احباء واهلاً واصدقاء!.

 - ما هو مرضك؟

اصابني السحايا برأسي وشرايين دماغي، تنقلت بين ثلاثة مستشفيات للعلاج منذ حوالى سنة.

 - تبدو صحتك افضل من "زملائك" الى حد ما؟

انها ليست صحة بل انتفاخ من ادوية "الكورتيزون" التي اتناولها منذ حوالى ستة اشهر!

 - هل تعرفت بسهولة على افراد عائلتك؟

لقد ناديت الصغير والكبير باسمه، حتى اختي (13 سنة) التي ولدت قبيل اعتقالي بأشهر تعرفت اليها، وذلك بمساعدة الصور والرسائل التي كان يبعثها الي اهلي كل سنة عبر الصليب الاحمر.

 - هل تنوي العودة مجدداً الى طريق الجهاد؟

انه عهد قطعته على نفسي حتى تحرير آخر شبر من الاراضي المحتلة، وان شاء الله نقض على "اسرائيل" ونفرج عن بقية الاسرى، الذين عاهدتهم داخل السجن على السعي لتحريرهم!.

 

المحرر نبيه عواضة

جلست الى جانبه تحتضنه، تمتزج دموع الفرح على خديها بابتسامة عادت لترتسم من جديد على وجهها الشاحب. عشر سنوات مرت على غيابه وها هو نبيه عواضة يعود مع قافلة المحررين من داخل السجون "الاسرائيلية"، ليزين داره ويعيد الفرحة الى قلب والدته واهله.

من بعيد يلاحظ المار في منطقة المصيطبة - جسر سليم سلام ان نبيه عاد، هناك في منزل آل عواضة ترفرف الاعلام على الشرفة وفي محيط المبنى وعند مدخله زحمة سيارات، وشبان اتوا للتهنئة اصطفوا على طول الدرج المؤدي الى الطابق الاول من المبنى حيث يقع منزله، رفاق الحزب ورفاق درب المقاومة، والاهل والجيران، ملأوا المنزل كما ملأته الورود البيضاء والحمراء التي رشت عند وصول نبيه عواضة الى المنزل.

يجلس نبيه في الوسط بين اهله ورفاقه، تحيطه والدته من شتى النواحي، تراقبه وتتحسسه كأنها لا تصدق انه هو ولدها نبيه الذي فارقها شاباً منذ عشر سنوات. تمسح عرقه المتصبب وتسمح لنا بمحادثته بشرط الا نطيل عليه.

لا يخفي نبيه عواضة شعوره بالفرح "ان يعود الانسان لاهله ورفاقه وللوطن الذي ناضل من اجله امر عظيم". يبادرنا بالكلام ويكمل "في الوقت نفسه افتقد في هذه اللحظات رفاقي في المعتقل وسيبقى شعوري ناقصاً لان الفرحة لن تعم كل البيوت وكل الاهالي".

نبيه الذي عرف خبر الافراج في المعتقل عن طريق الاذاعات والمعلومات من المحامين المتابعين لقضية الاسرى مع لجنة المتابعة لدعم قضية المعتقلين اللبنانيين في السجون "الاسرائيلية"، لم يصدق الامر خاصة ان "عمليات تبادل كثيرة حصلت واستثنينا منها، ومن الغريب ان تفرج "اسرائيل" عن الاسرى لديها داخل "اسرائيل" لانها تحاول الاستفادة من وجودهم لديها لاقصى الدرجات".

عواضة الذي اعتقل في ايلول عام 1988 في عملية لجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية في دير سريان، واحد من الاسرى الذين افرج عنهم بينما لا يزال 42 اسيراً في سجون نفحة وعسقلان والرملة وغيرها، وعنهم يقول نبيه "اوضاعهم جيدة ومعنوياتهم عالية، ولا اريد ان اتحدث عن المعاناة لانني لا اغرب بإظهار وضع المعتقلين بانه معاناة مستمرة مع العلم بان للبعض منهم اوضاعاً خاصة كالشيخ عبدالكريم عبيد ومصطفى الديراني اللذين يوجدان في العزل ويخضعان لظروف خاصة من ناحية تعامل الادارة معهم".

يتحدث نبيه بارتياح عن وضع الاسير انور ياسين رفيقه في الغرفة "كانت ردة فعله الاولية التصفيق بشدة عندما علم بخبر الافراج عنا، وهذا ما بث فينا روح الارتياح، فمبادرته هذه انستنا الشعور بالحزن تجاه افتقادهم، لنشعر بالفعل بفرحة الخروج من الاسر".

نبيه الذي دخل السجن في وقت "كانت فيه البنادق في لبنان موجهة بعضها ضد بعض"، لا يخفي فرحته "في ارتفاع رايات الاقطاب المختلفة معاً لتحيي الاسرى والشهداء معلنة الالتزام بشعار واحد هو تحرير الجنوب". وعن بدء حياته من جديد يعتبر نبيه "انه امر صعب" مؤكداً ان المقاومة يجب ان تستمر ما دام هناك احتلال.

"الله يسلمكن" و"الله يخليكن" ترد ام نبيه على مهنئيها وهي تجلس الى جانب ولدها. تحدثنا لتقول انها لم تعرف النعاس منذ 3 ايام "لم استطع النوم، واليوم اكبر عيد عندي". تضيف "لما اخذوه كان عمره 16 سنة، كان بعده بالمدرسة، واليوم عمره 26 سنة, الله يفتحها بوجّه وبوجه كل الاسرى المحررين".

ام نبيه المشاركة الدائمة في اعتصامات امهات الخميس تؤكد انها ستظل تشارك حتى "لا يبقى أي اسير في "اسرائيل"".

نترك العائلة تحيا لحظات لن تنساها على امل ان تعم هذه اللحظة كل البيوت.

وقد التقت صحيفة "السفير" المحررين الآخرين واجرت مقابلات سريعة كالتالي:

 - الاسير المحرر اكرم علوية من مارون الراس: مضى على اعتقالي 13 سنة ذقت فيها عذاب السجن والتعذيب اللئيم من العدو، لكن بقينا صامدين، المهم الان الاسراع في الافراج عن بقية الاسرى لان بعضهم يعاني من امراض خطيرة ومشاكل صحية صعبة.

 - الاسير المحرر علي هزيمة: اعتقلت مدة 12 سنة في سجن الخيام، وانا من بلدة صربين، نحن دفعنا ضريبة تحرير ارضنا من العدو وجاء النصر بالافراج عنا، ومهما حصل ستبقى "اسرائيل" عدونا حتى تخرج من ارضنا.

 - الاسير المحرر محمد فنيش: انا من بلدة الخيام وسجنت في معتقل الخيام 13 سنة وعندما اعتقلت كان عمري 18 سنة. معاناة الاسرى كبيرة وتحتاج الى مجلدات ولذلك على الصليب الاحمر الدولي والحكومة الاسراع في اجراء عمليات تبادل اخرى لان بعض المعتقلين بحاجة ماسة للعلاج.

 - الاسير المحرر احمد اسماعيل امضى 10 سنوات في سجن عسقلان، لم يتمكن من الحديث مع "السفير" بسبب تهافت المعانقة له من افراد عائلته، وقال "سألتقي بكم قريبا واشرح معاناة الاسرى في الداخل".

 - الاسير المحرر فادي علي: مضى على اعتقالي في الخيام 12 سنة، كان عمري 17 سنة والان 29 سنة، ذقنا الويلات ودفعنا الكثير من الاثمان والمهم ان يتحرر من بقي في المعتقل.

 - وفور خروجه من دارة الرئيس الحريري طلب فادي علي من اهله السماح له بقيادة السيارة في رحلة العودة الى المنزل في بيروت فكان له ما يريد.

 - الاسير المحرر علي حمدون: تجربة الاعتقال علمتنا ان نكون اقويا وان نؤمن بان ارادة شعبنا هي التي ستهزم المحتل (مضى على اعتقاله 10 سنوات9.

 - الاسير المحرر عفيف حمود: معنوياتي عالية جداً اكثر مما تتصورون والخيارات التي آمنت بها سأبقى متمسكاً بها.

 - الاسير المحرر زهير ضاهر: مضى على اعتقالي حوالى 8 سنوات، المهم الان هو متابعة الحياة الجديدة والتفكير في كيفية اطلاق من بقي من الاسرى في سجون الاحتلال.

وان كان الاحياء قد فرحوا بلقاء الاحبة ورؤية وطنهم فقد كانت الانفعالات الصامتة سيدة الموقف حين تعلق الامر بشهيد من شهداء الوطن والمقاومة الاسلامية.

بعض خواطر خطتها صحافية من جريدة "السفير" وهي ترقب انفعالات الامين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصرالله..

نصرالله "يزور": مسحة على رأس هادي وابتسامة (3)

nasr.jpg (17662 bytes)

تنتفي من نعوش الشهداء نعش "هادي" وتربض منتظراً الامين العام مزوداً بكل ما كتب وقيل عن رباطة جأش الوالد الذي دفع بابنه البكر مع المقاومين الى عمق الصراع مع العدو. في قرارة نفسك بعض من المراهنة على وقع اللقاء الاول للأب مع فلذة كبده بعد عشرة شهور من الفراق الموجع متفرساً في الوجه الهادىء والحركات المعدة بدقة.

وانت تشهد وداع "ابو هادي" الخارج من خصوصية "مصابه" لابنه تشعر بانك ملزم بذرف الدمع عن الرجل، مستمداً من وجع صمته ما يبكيك عمراً مع كل تلك الاجساد اليافعة التي غادرت ارواحها الى عالم الشهادة.

يطل الامين على قاعة مدرسة الامام المهدي حيث سجيت نعوش الشهداء، الصحافيون تحلقوا حول النعش الثاني يساراً، نعش الشهيد هادي نصرالله، ركزوا كاميراتهم وبدوا بكامل جهوزيتهم لالتقاط المشهد الحدث.

ابتسامة وديعة ترتسم على الوجه الملتحي وحراس شخصيون بالاسود الحالك يتوزعون القاعة، فيما انتشر عشرات العناصر من الهيئة الصحية الاسلامية في محيط النعوش التي انهوا للتو تجهيزها.

استهل الامين العام وداعه "بإخوة" هادي من الشهداء، بادئاً من الشهيد الاول ليقرأ الفاتحة فوق رأس كل شهيد وليصل اخيراً الى نعش هادي. هو النعش الوحيد الذي فتح غطاؤه، الامين العام يحافظ على كامل هدوئه، يرافقه جواد ابنه الثاني بهدوء مماثل وان دل تورم عينيه على دموع كثيرة ذرفت. الوالد يقرأ الفاتحة وآيات قرآنية اخرى، يمكث فترة اطول قرب ولده (وهو ما اتاح للصحافيين اخذ لقطاتهم)، يكتفي من الوداع بمسحة ابوية على الرأس المغطى بالكفن الابيض، يرخي جفنيه فوق عينين ملزمتين بالتماسك الى اقصى درجاته، فيما بدت اليد وكأنها تتحسس بعضاً من حرارة الشباب الراحل.

استدار الامين العام بعد اكثر من "مبروك" تلقاها من هنا وهناك رد عليها بإيماءة محببة من دون ان تفارقه ابتسامته الصغيرة وغادر.

اهي رغبتي بان يكون لنا حقنا بالتعبير عن حزننا ومشاعرنا، ام هي عيناي حقاً اللتان رأتا دمعة تترقرق في عيني "ابو هادي" وهو يودع جسد ولده الى الابد؟؟ لا اعرف، ولكن الدمع والحزن لا يقللان من هالة الشهادة واهمية التضحية.

وكذلك فعلت اخرى، فكتبت من اجواء "المونديال" والشهادة…

 

عاد هادي.. (4)

في محاولة الفرار من "المونديال" على شاشات مساء الخميس 25 حزيران وقعت في شرك الدموع المؤجلة، واصطفتني شاشة "المنار" نديماً حزيناً، صبت مياه عيونه، على الورد العائد، المرقم، الملموم في الخوابي الخشبية.

عاد هادي ليرقد في ترابه. وانا ما قدرت على ايمانية والديه، ولا رباطة جأشهما، ولست اميل بطبعي، لا الى الصبر ولا الى التصبر ولا تحكيم المنطق واقرار حتمية القدر واعلاء شأن الشهادة. انا جبانة، وعاطفية، وبكيت حتى اتخمني البكاء، واثقلت صدري نهنهات محشرجة حيناً، وعالية غالباً.

حسنة هذه العودة، وهذا الجوار الطيب يا هادي، علني امرّ فألقي تحيتي ايضاً، وأربت على الزنبق المقصوف، الذي سقط من حضني، واوجعني كثيراً.

تمايل الجسد الريان في "ملعبهم". ركل غطرستهم، ربح هادي كما اشتهى، كما نعجز عن ان نشتهي، وسط "حكام" مأجورين، حسبوا للعبة طويلاً، وارتضوا فائزاً وحيداً، بذل في سبيل شباكه، كل الغدر والحيلة.

نصفق لهادي ونكتم الانين الرقيق. تلك مسألة اخرى. الان وقت المصافحة، يا ربيعاً تأخر حتى الصيف. اهلاً..

 

… هي تعلم ان ولدها لن يأتي (5)

بكّر اهالي ورفاق الاسرى المحررين بالوصول الى ساحة اللقاء، البعض لم يفارق الطريق والبعض الآخر احتمى بارضية احد المنازل، ولبّت كثرة من الاهل دعوة شجيرات الزيتون للجلوس في ظلال فيئها المغري بفعل الطقس المشمس والحار.

بين الحاضرين اهالي اسرى لم يتحرروا ولكنهم جاؤوا لاجل الاطمئنان عن فلذات اكبادهم وفي مقدمة هؤلاء "ام علي" والدة الاسير انور ياسين، كانت واثقة بان انور لن يأتي "لكن ماذا يمنع ملاقاة رفاقه، افرح لفرح اهلهم بهم، اضمهم الى صدري، اقبلهم وأشمّ فيهم رائحة انور"، وتضيف: نحن اليوم نبرد قلوبنا مثل الذي يطفىء الجمرة بقشور البطيخ وعسى ان تكتمل الفرح قريباً مع انور وغيره من الاسرى المحررين.

تعهدت والدة الاسير المحرر نبيه عواضة لوالدة ياسين بانها ستبقى على عهدها بالمشاركة في اعتصام امهات الخميس "كيف لا اشارك والكل احباب قلبي".

عائلة الاسير المحرر "فادي علي" ابن بلدة الهبارية اختارت شعار "اهلا فادي" ووضعته تحت صورة لفادي لحظة اعتقال قبل 13 سنة، واحتشدوا تحت اشجار الزيتون.

اما عندما اقتربنا من ايناس موسى عكاشة ابنة الثماني سنوات كانت تغني "يا مرسال المراسيل"، ندما دخل والدها الى المعتقل كانت في بطن امها. تعرفت عليه في المعتقل يوم سمح للاهل بزيارة الخيام، الهدية ستكون لوالدي "بوسة وعبوطة (ضمة) وقنينة ريحة وعلامات المدرسة لاني طلعت الاولى بصفي".

والد علي حمدون لم يغادر الطريق، بدا متأثراً ومتلهفاً. عبّر عن شوقه لابنه وقال: "اود احتضانه وتقبيله ووضعه في عيوني حتى يشبعوا منه لكثرة شوقي له. سأشمه واشمه، علي حبيب قلبي…" وكرت الدمعة على خديه.

والدة احمد اسماعيل كانت تتدرب مع رفيقاتها الآتيات من زوطر الشرقية على كم "ردية" وابيات عتابا وميجانا، احدها يقول: "اهلاً وسهلاً بالضيوف ولو كنتو الوف الوف". المنزل الخاص بأحمد في زوطر انجز "وعليه ان يختار عروسه" كما تقول شقيقته.

والد الاسير المحرر عفيف حمود مسرور كثيراً لكن عينه على الايام التي ستواجه ولده: "حياتي ودمي له، معنوياته فوق الريح وصحته جيدة، ولكن المهم هو المستقبل المجهول الذي ينتظره مع غيره من الاسرى المحررين".

شاركته القلق والدة الاسير المحرر طارق قانصوه التي تقول ان ابنها اعتقل قبل 7 سنوات والان اصبح شاباً "والمهم ان العروس جاهزة وسنزوجه قريباً".

الطفلة ريما نصرالله (10 سنوات) بدت مستعجلة للقاء عمها الاسير المحرر نعمان نصرالله ومعها "وردة وقبلة". والد نعمان توفي غداة استشهاد نجله جورج نصرالله في احدى عمليات المقاومة في جبل الشيخ. اليوم الكل يعتبر نعمان "زلمة البيت" وبالتالي تنتظره هموم كبيرة.

 

تفاصيل عودة المجاهدين الظافرة (6)

منذ ساعات الصباح الاولى توافدت عائلات الاسرى المحررين الى معبر كفرفالوس، حط الجميع رحالهم في جوار كفرفالوس لاستقبال العائدين.

ارض كفرفالوس عرفت يوماً من ايام عزها وشاركتها هذا العز ارض عين المير التي افترش الاهالي ترابها وتظللوا فيء شجر زيتونها. استحضروا كل "الحوائج" استعداداً لليوم الطويل، احضروا الامل والمياه والقهوة والحليب للاطفال وجلسوا ينتظرون غير آبهين بلهيب الحر الحزيراني.

الجيش اللبناني حاول جاهداً تنظيم اجراءات الانتظار، فحدد للاهالي الامكنة التي عليهم التواجد فيها وسمح للصحافيين بالتوغل قليلاً باتجاه حاجز الجيش في معبر كفرفالوس.

حوالى الساعة العاشرة والنصف اعلن مسؤول العلاقات العامة في الصليب الاحمر الدولي محسن الجمل، ان القافلة التي تنقل الاسرى ستغادر معتقل الخيام بعد حوالى النصف ساعة يرافقها مسؤول البعثة الدولية للصليب الاحمر في لبنان جان جاك فريزار، وفي هذه الاثناء وصل الى المعبر وفد من حركة امل ضم النائبين علي خريس وعلي حسن خليل ومحمد عبيد وقبلان قبلان واحمد بعلبكي، ثم وفد من حزب الله ضم النواب نزيه منصور، محمد رعد، محمد فنيش، عبدالله قصير بالاضافة الى ابو سعيد الخنساء.

وانضم الى المستقبلين النائب مصطفى سعد والنائب مروان فارس وامين عام الحزب الشيوعي فاروق دحروج ووفد من الجماعة الاسلامية والقائم بالاعمال الفرنسي انطوان سيغان ووفد من الاتحاد العمالي برئاسة وليد جويدي.

وحوالى الساعة الواحدة الا ربعاً شخصت العيون باتجاه حاجز الجيش على معبر كفرفالوس، شوهدت القافلة تخترق تلة صفارية وبدت ملامحها انها قافلة الاسرى حيث كان علم الصليب الاحمر الدولي يرفرف عليها، وقرابة الواحدة صرخ الجميع بصوت واحد "وصلوا" وارتفعت صيحات التهليل والتكبير، الاناشيد الثورية.

وقد ضم موكب الاسرى المحررين حافلة كبيرة رفعت شعار الصليب الاحمر وحملت اسرى معتقل الخيام المفرج عنهم، حافلتين متوسطتي الحجم واحدة ضمت دفعة ثانية من الخيام والثانية ضمت خمسة من المفرج عنهم من السجون الاسرائيلية بالاضافة الى سيارة اسعاف كان على متنها الاسير الجريح حسين المقداد وتقدمت الموكب سيارة جيب للدرك وثانية للصليب الاحمر.

وتوقفت القافلة امام حاجز الجيش وتقدم نحوها ثلاثة مندوبين من حركة امل وحزب الله والحزب الشيوعي برفقة ضباط من الجيش اللبناني، وذلك من اجل تعداد الاسماء وللتأكد من ان كل الاسماء المتفق عليها قد افرج عنها. واستمر التدقيق بالاسماء حتى الساعة الثانية الا ربعاً، بعد ذلك استدعي مصورو محطات وشبكات التلفزة العالمية والمحلية الى المعبر ثم تحركت القافلة من معبر كفرفالوس ببطء شديد نظراً للموجات البشرية التي تدفقت لمصافحة الابطال العائدين.

حاول الجيش ابعاد النساء والشيوخ والشبان لكنه لم يفلح، تعلقوا بالحافلات وخرج المحررون من "الشبابيك". مشهد مهيب امتزجت فيه دموع الفرح بدموع من جاؤوا للاطمئنان على الاسرى الذين لم تشملهم العملية.

صراخ وصيحات "الله اكبر" كانت تصم الآذان، توقفت الحافلة الاولى وتدلت من شبابيكها رؤوس واعناق المحررين وتعانقوا مع امهاتهم وآبائهم بينما كانت القافلة تسير ببطء شديد الى درجة ان قطع المسافة بين عين المير ومجدليون دام حوالى الساعة بحيث وصلت الى دارة الرئيس رفيق الحريري عند الساعة الثالثة تقريباً.

وقبل موعد وصول القافلة الى دارته، خرج الرئيس رفيق الحريري لاستقبال العائدين حتى المدخل الخارجي لدارته.

وفي ردهات الدار وفي صالوناته المتعددة التي فتحت جميعها لاستقبال الاهالي وابنائهم.. انتقلت الموجات البشرية من الخارج الى داخلها، هذا يسأل عن ابنه، وتلك تسأل عن ابنها.. ولحظة التلاقي كانت عظيمة، عناق طويل بين الوالد وابنه، يضمه الى صدره يتفحصه يشد عليه، يقبله، بكاء يشبه الصراخ.

احمد خشيش لم يتمالك اعصابه انهار من البكاء لحظة رؤية ابنه محمود، الحاج علي عبود كاد يسقط على الارض عندما عانق مفيد ونجيب عبود، والدة عادل ترمس اغمي عليها وسقطت على الارض اما عمته الهام ترمس فقد اغمي عليها ايضاً، الا ان امرأة تدعى "اميمة" اغمي عليها بشكل كامل فنقلها الصليب الاحمر اللبناني الى المستشفى للمعالجة.

 

كلمة الحريري

وتحدث الرئيس الحريري الى المحررين والمواطنين المحتشدين قائلاً: "امس استقبل لبنان جزءاً من شهدائه، واليوم استقبل بعض الاسرى وما زال هناك شهداء، وما زال هناك اسرى. نقول لاهالي الشهداء واهالي الاسرى ان الدولة وان الحكومة ستبذل كل جهد حتى تحرر كامل الاسرى وحتى تحرر كامل التراب اللبناني وحتى تستعيد جثمان جميع الشهداء بإذن الله.

ان الاسرى المحررين لهم حقوق وعلى الدولة واجبات تجاههم واتجاه اهاليهم، سنعمل بكل ما نستطيع لدمج الاسرى المحررين في المجتمع ومساعدتهم وفاء لما قدموه لهذا الوطن".

اضاف: "اننا نقول هذا ونشكر الله سبحانه وتعالى على ما اعاننا عليه لاعادة الاسرى ورفات الشهداء ونشكر باسم فخامة الرئيس والحكومة، نشكر جميعاً الصليب الاحمر الدولي وفخامة الرئيس الفرنسي (…) على ما بذلوه من تعاون".

 

مواقف من العملية التبادلية

فرنسياً (7)

اعربت الحكومة الفرنسية عن ارتياحها لنجاح عملية التبادل "التي جرت وفقاً للترتيبات المتفق عليها".

قال شيراك في بريتوريا، التي يزورها الرئيس الفرنسي جاك شيراك حالياً، انه جعل "نفسه ضامناً" لعملية التبادل التي تمت.

واضاف ان "عمل اللجنة الدولية للصليب الاحمر كان استثنائياً"، معرباً عن ارتياحه لعملية التبادل التي وصفها بـ"العملية الانسانية الرائعة".

 

"اسرائيلياً" (8)

اما في "اسرائيل" فقد صدرت مواقف واقوال تقدم الوجه الآخر للصورة.

واكدوا ان "اسرائيل" هي التي طلبت من فرنسا التدخل، وانها اضطرت الى اعطاء ضمانات بعد اصرار من الحريري على الحصول عليها.

وجاء وزير الحرب مردخاي الى الشريط المحتل لتطمين ميليشيا لحد، الى ان عملية المبادلة لن تؤثر على مستقبلها. وكشف النقاب عن ان وزيرة الخارجية الامريكية مادلين اولبرايت قد تدخلت لتسهيل اتمام التبادل.

 

… وللذي ارسل الى "انصارية" موقف… (9)

 وفي "اسرائيل" ذكر ان عائلة الجندي "الاسرائيلي" الذي تمزقت جثته ارباً في انصارية (مع عدد من رفاقه الكوماندوس) طلبت من رئيس الحكومة "الاسرائيلية" بنيامين نتنياهو صرف النظر عن القاء كلمة اثناء مراسم دفنه.                                    

 

مسيرة التفاوض كما يرويها "الاسرائيلي" (10)

كشف وزير الدفاع "الاسرائيلي" النقاب عن ان المفاوضات للتبادل تمت بمساعدة امريكية وفرنسية، وان هذا هو ما قاد الى تنفيذ الاتفاق على مرحلتين، وفي كل حال فان الصحف "الاسرائيلية" اجمعت على ان المفاوضات كانت معقدة وعسيرة. ونقل عن رئيس الطاقم "الاسرائيلي" المفاوض، يعقوب بيري قوله: "ان المفاوضات مع الحكومة اللبنانية كانت عسيرة ومكثفة وشهدت مداً وجزراً".. وكانت في الشهور الاخيرة قد تكررت عملية بعث الامال القريبة بتنفيذ هذه العملية، وفي الغالب كانت هذه الامال تنطلق من الجانب اللبناني وتنكرها "اسرائيل"، وفقط في الاسبوع الماضي تم ابرام الصفقة.

واوردت صحيفة "هآرتس" كيفية تسلسل المفاوضات فقالت انه في اليوم التالي لعملية الكوماندوس الفاشلة في انصارية، وبعد ان بقيت اشلاء الجندي ايتمار ايليا في ميدان المعركة توجهت "اسرائيل" في الخامس من ايلول الى منظمة الصليب الاحمر الدولي بطلب العمل من اجل استرداد الاشلاء، وبموازاة ذلك طلب نتنياهو من الرئيس الفرنسي جاك شيراك، مخاطبة الحكومة اللبنانية في هذا الشأن، وبعد بضعة ايام سلم الرئيس الفرنسي "لاسرائيل" الرد اللبناني، الذي اكد ان ايتمار ايليا قتيل، وان جثته بقيت في الاراضي اللبنانية.

وفي اليوم التالي لاستشهاد هادي نصرالله ورفيقيه في 13 ايلول نقل الصليب الاحمر "لاسرائيل" رسالة من رئيس الحكومة اللبنانية توضح بان لبنان مستعد للتفاوض بشرط اعادة جميع المعتقلين اللبنانيين المحتجزين في معتقل الخيام وجميع جثث مقاتلي "حزب الله" و"امل" المدفونين في "اسرائيل". وقد ابلغت "اسرائيل" الصليب الاحمر ردها السلبي وقالت: نسلم جثث مقابل جثث وندير مفاوضات فقط مع الحكومة اللبنانية. وبعد عشرة ايام من ذلك ابلغ يعقوب بيري الصليب الاحمر ان "اسرائيل" على استعداد للنظر في تقديم "مبادرة" تتمثل في اطلاق سراح معتقلين.

وشهدت الشهور التالية اتصالات واسعة بين الطرفين بوساطة الصليب الاحمر ومساعدة الحكومة الفرنسية واحياناً كان يجري تبادل عدة رسائل في اليوم الواحد، وقد طلبت الحكومة اللبنانية ضمانات من الحكومة الفرنسية لالتزام "اسرائيل" بالاتفاق، ووفرت فرنسا هذه الضمانات.

وفي الخامس من كانون الاول طلب الحريري اطلاق سراح مائة معتقل، ثلثاهم من معتقل الخيام، غير ان "اسرائيل" رفضت هذا الطلب وعرضت اجراء مفاوضات مباشرة، وقد رفض الحريري ذلك، لكنه قبل بتسريع الاتصالات، ولكن تحديداً في هذه الفترة تباطأت المفاوضات، لان "اسرائيل" طرحت مبادرتها للانسحاب من جنوب لبنان ضمن فهمها الخاص لقرار مجلس الامن الدولي 425، الامر الي جعل صفقة التبادل موضوعاً جانبياً.

وفقط في نهاية شهر ايار حدث تقدم فعلي. اذ توجه الرئيس "الاسرائيلي" عايزر وايزمن للرئيس الفرنسي شيراك، بناء على طلب من وزير الدفاع "الاسرائيلي" اسحاق مردخاي وطلب منه تسريع المفاوضات. وقد حدث الاختراق الحقيقي في المفاوضات في اليوم الاخير لزيارة الرئيس شيراك الى لبنان. واعلن الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، في مقابلة صحافية في الثالث من حزيران انه تم الاتفاق على الاعداد في الصفقة.

وفي العاشر من حزيران برزت مصاعب جديدة عندما اعربت حركة امل عن اعتراضها على الصفقة بدعوى ان عدد المعتقلين الذين سيفرج عنهم غير كاف. وسافر الرئيس الحريري الى باريس ودمشق، وعلى ما يبدو فانه حصل على مباركة سورية. وبعد ذلك بأسبوع قدمت "اسرائيل" للبناني ضمانات بانها ستنفذ الصفقة.

وفي 24 حزيران صادقت الحكومة اللبنانية على الصفقة وابلغ الحريري الصليب الاحمر: الصفقة ستنفذ. كذلك صادق رئيس الحكومة "الاسرائيلية" ووزير الدفاع على الصفقة. وبدأت عملية اخراج الجثث من المقبرة ليلة ذلك اليوم من مقبرتين في شمالي "اسرائيل".

وبرغم ذلك فانه في اليوم التالي اثيرت خشية من تأجيل الصفقة، بعد مقتل جنديين "اسرائيليين" جراء انفجار عبوات زرعها مقاتلو حزب الله. ولكن في "اسرائيل" ابدوا تقديرهم بان حزب الله لم يكن البتة يقصد عرقلة الصفقة. ورأت المصادر "الاسرائيلية" ان هذه العملية لم تكن الا محاولة اظهار قوة وان "الامور تسير كالمعتاد" وليس هناك أي صلة بين اعادة الجثث واستمرار القتال.

وفي الساعة الثامنة من مساء 25-6-98 حطت طائرة عسكرية فرنسية في قاعدة سلاح الجو "الاسرائيلي" في اللد حاملة جثة ايتمار ايليا. وبعد ساعتين حملت نفس الطائرة جثث اربعين من مقاتلي حزب الله وحركة امل وعادت الى بيروت. وصباحاً اكتملت الصفقة بإطلاق سراح ستين معتقلاً لبنانياً.

Mikdad.jpg (23044 bytes)

وفي ختام عملية التبادل… مواقف (11)

سماحة مفتي الجمهورية اللبنانية

اكد سماحة مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ محمد رشيد قباني "استمرار الجهاد في سبيل الله حتى تحقيق وعد الله بالنصر المبين (…).

 

الامين العام للجماعة الاسلامية

وحيا الامين العام للجماعة الاسلامية الشيخ فيصل مولوي "الاسرى العائدين من سجون الاحتلال الصهيوني والشهداء الابطال الذين عادوا الى ارض الوطن".

 

النائب انور الخليل

ورأى النائب انور الخليل في عملية التبادل "انتصاراً جديداً للبنان والمقاومة الباسلة التي تؤكد يوماً بعد يوم صدقيتها في عملها حتى تحرير آخر شبر من التراب الوطني اللبناني".

 

النائب السابق حبيب صادق

قال النائب السابق حبيب صادق "ليس بالكثير ان يزحف الشعب اللبناني بأسره من كل انحاء الوطن الى المطار والى معبر كفرفالوس مستقبلاً، بإكبار وتعظيم، رفات الشهداء الخالدين وقامات الابطال العائدين من اسرهم الطويل الشاق. فهؤلاء جميعاً رموز الوطنية المتوهجة ابداً وعناوين النخوة والشجاعة والفداء، في وجوههم تتجلى الحرية ساطعة ومن ايديهم يتدفق معنى السيادة الحق، فهم مجد الوطن ورايته الشامخة".

 

رئيس الحزب السوري القومي "الطوارىء"

قال رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي علي قانصو: "بوديعة الروح التي هي اغلى ودائع الامة فينا، وبشهادة الدم التي هي ازكى الشهادات يترصع جبين لبنان المقاوم، كما تعمدت ارضه، بموقف العز الملازم للكرامة".

 

الامين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين

وابرق الامين العام للجبهة الديمقراطية نايف حواتمة مهنئاً بنجاح عملية تحرير الاسرى ورفات الشهداء الذين سقطوا في المواجهات البطولية مع قوات الاحتلال "الاسرائيلي" في الجنوب اللبناني".

 

الامم المتحدة تغرّم "اسرائيل" 2,4 مليون دولار لصالح لبنان (12)

طالبت الجمعية العامة للأمم المتحدة "اسرائيل" بدفع 2,4 مليون دولار تعويضاً عن قصفها قاعدة القوات الدولية في قانا في خلال المجزرة التي اسفرت عن استشهاد اكثر من 100 مدني لبناني في نيسان 1996.

وجرى تصويت منفصل على العديد من الفقرات التي تناولت بالتحديد قصف قاعدة قانا، وتمت الموافقة عليها بغالبية 68 صوتاً مقابل صوتين وامتناع 41 دولة عن التصويت.

وتضمن القرار تخصيص 125,8 مليون دولار للقوة الدولية. وطلب من الامين العام للأمم المتحدة اتخاذ الاجراءات الضرورية لضمان دفع "اسرائيل" 1.77 مليون دولار طالبها بها قرار مشابه العام الماضي. كما الزم القرار الجديد "اسرائيل" بدفع تكاليف اضافية تتعلق بقصف قانا قيمتها 639356 دولاراً.

ووصف مسؤول "اسرائيلي" طلب عدم كشف اسمه، القرار بانه "سخيف". وقال: "حدث ذلك وقت حرب فرضت على "اسرائيل" بأنشطة ارهابية متواصلة لحزب الله. وطلب تعويضات من "اسرائيل" عن اضرار وقعت في حرب كهذه ريائي وغير مناسب".

كم للبنان من حقوق وتعويضات تبلغ المليارات لم ينل منها لبنان شيئاً؛ وحدها المقاومة من فرض على العدو دفع الثمن، وسيدفعه غالياً جداً…

 

الاعتداءات "الاسرائيلية"

قصفت قوات الاحتلال (13) مناطق في القطاع الشرقي، ومشطتها بنيران الرشاشات، وركزت "كاميرات" ضخمة تغطي مناطق واسعة في الشريط المحتل.

وافاد مراسل "السفير" في القطاع الشرقي ان قوات الاحتلال قصفت فجراً بمدافع الهاون مزرعة لوسي ومجرى نهر الليطاني لجهة الدلافة، واتبعت ذلك بإطلاق رشقات رشاشة ثقيلة باتجاه مرتفعات جبل الضهر والاحمدية واطراف الدلافة وقليا.

وفي بيان المقاومة الاسلامية (14) وردت الاعتداءات التالية:

1:00، تحليق طيران مروحي فوق منطقة الساحل - الصرفند - تفاحتا والجوار على علوٍ شاهق وهي مضاءة لون ازرق.

10:05، تحليق طيران استطلاع في اجواء اقليم التفاح.

 

يخافون الحرائق اللحدية.. (15)

طالب سكان قرى التماس المحررة في منطقة حاصبيا، الجهات المعنية باستحداث مركز للدفاع المدني والاطفائية في قراهم للتدخل السريع وانقاذ مواسمهم الزراعية وبساتين الزيتون والكرمة من الحرائق التي تفتعلها عناصر ميليشيا لحد خلال موسم الصيف.

مثلما حصل بالامس عندما اشعل اللحديون الحريق في ميمس حيث اتى على مساحات واسعة من شجر الزيتون.

 

الهوامش:

1- السفير 27-6-1998 ص 1 و20.

2- السفير 27-6-1998 ص 6.

3- السفير 27-6-1998 ص 5.

4- السفير 27-6-1998 ص 7.

5- السفير 27-6-1998 ص 17.

6- السفير 27-6-1998 ص 5.

7- نفس المصدر.

8- السفير 27-6-1998 ص 20.

9- نفس المصدر.

10-نفس المصدر.

11- السفير 27-6-1998 ص 7.

21- النهار 27-6-1998 ص 3.

31- السفير 27-6-1998 ص 1.

41-  بيان المقاومة الاسلامية، 26-6-1998.

51- السفير 27-6-1998 ص 7.