التقرير اليومي
الجمعة 3 -4 -1998
بعض من الارث الصهيوني
مع انتهاك حرم الاتفاقات والتفاهمات المعقودة بين لبنان والسلطات الاسرائيلية ذات القوات المحتلة لجنوبي لبنان يخسر لبنان والانسانية كثيراً من الافراد الطيبين ويمضون مظلومين بسلطان الاحتلال الغاشم وحسب السيطرة والاستعلاء.
بالامس كان رحيل الشهيد محمد اسعد حطاب الذي اصابته قذيفة "اسرائيلية" خارقة سيادة الوطن اللبناني وتفاهم نيسان معها… ها هي كلمات تصف بعض حالاته وحالة عائلة من بعده. وتخبر عن امنياته كأي مواطن لبناني ان يرى بلده محرراً، ويرى القوات الاسرائيلية المحتلة مدحورة من ارضه.
يجمع اهالي عربصاليم من اصدقاء وجيران واقرباء الشهيد محمد اسعد حطاب الذي سقط بالقصف الاسرائيلي الذي استهدفه على طريق عام بلدتي اللويزة وجرجوع، في منطقة اقليم التفاح، امس الاول على انه كان الاب الفعلي لاهله واشقائه وارملة شقيقه علي الذي كان قد استشهد بقصف مماثل تعرض له الحي الجنوبي لبلدة عربصاليم قبل سنوات عدة، وولديه باعتباره كان مسؤولاً عن اعالتهم على الرغم من الوضع الاقتصادي السيء، الذي كان يمر به قبيل استشهاده بأشهر عديدة، جراء عدم توفر الاشغال اللازمة لمصلحته التي كانت تتمثل باقتناء جرار زراعي ينقل بواسطته المياه الى المنازل، ومعمل لصب حجارة الباطون في البلدة، فضلاً عن مسؤوليته عن زوجته واطفاله الثلاثة الذين هم دون الخامسة من العمر، وكذلك لاعالة والده المريض الذي يؤمن له العلاقة والدواء على حسابه الخاص وقد بترت ساقه في المستشفى منذ ايام عدة.
ويضيف اصدقاء الشهيد حطاب انه لم يكن يتعاطى السياسة لا من قريب او بعيد، وكان همه الاول مصلحة وشؤون عائلته الكبيرة على الصعيدين الحياتي والاجتماعي.
وروى احد المقربين منه انه اصيب قبل استشهاده بيومين برشح وصداع قوي اضطره لملازمة منزله، الا انه في اليوم الثالث، أي في اليوم الذي استشهد فيه عزم منذ الصباح على نقل المياه بواسطة جراره الزراعي الى احدى ورش البناء في بلدة اللويزة، على امل ان يتوفر لديه مبلغ من المال لكي يشتري الدواء لوالده المريض، وقد شاء القدر ان يكون مع جراره في منتصف الطريق بين بلدتي اللويزة وجرجوع في النقطة المقابلة لموقع الاحتلال الاسرائيلي في جبل سجد، في الوقت الذي حصل فيه القصف المدفعي الاسرائيلي الذي اعقب شن الطائرات الحربية الاسرائيلية غارتين على محيط بلدة اللويزة امس الاول وكان ان انفجرت بالقرب منه احدى القذائف التي اصابته شظية منها اصابة مباشرة في رأسه ادت الى استشهاده على الفور، وقد خضبت دماءه الجانب الايمن من جراره الزراعي، وكانت آثارها بادية بشكل واضح.
زوجة الشهيد حطاب، اوضحت والغصة تخنقها والدموع تخضب وجنتيها ومن حولها اولادها الثلاثة، ان "اسعد" كان "مؤمناً، طاهراً، عطوفاً وطيب القلب". وان حياته هانئة معها ومع اولادها. وكان الجيران والاصحاب والاقرباء واهالي البلدة يحبونه وهو يحبهم.
كانت امنية الشهيد اسعد حطاب التي كانت تراوده دائماً حسب المقربين منه: هي عودة اهالي بلدة اللويزة المهجرين الى بلدتهم لكي ينقل اليهم المياه مجاناً ودون أي مقابل، وعندها يكون قد حقق حلمه وسعادته اللذين شاء القدر ان يحرمه منهما في المستقبل الاتي بعد زوال الاحتلال.
الاعتداءات "الاسرائيلية"
الحق القصف المدفعي "الاسرائيلي" والعميل اضراراً مادية في قرى برعشيت (منزل احمد محفوظ عبيد ونقولا الياس جابر) وتبنين وصفد البطيخ وشقرا وعيتا الجبل التي تعرضت عند منتصف النهار للقصف.
كذلك قصفت قوات الاحتلال في الليل وعند الفجر والصباح قرى شوكين، ميفدون، زوطر الغربية ومزرعة كفردجال، كما طاول القصف المدفعي الاطراف الشرقية لبلدتي حبوش وكفررمان ومجرى نهر الزهراني والوادي الاخضر. كذلك قصفت القوات "الاسرائيلية" خراج بلدتي قبريخا ومجدل سلم ووادي القيسية.
وفي بيان المقاومة الاسلامية ذكر للاعتداءات كالتالي :
1:00، تحليق مروحي فوق البحر مقابل العامرية.
6:55، سقوط خمسة قذائف 155 ملم من الزفاتة على اطراف القعقعية زوطر الغربية.
7:00، سقوط اربعة قذائف عيار 155 ملم من يارين على اطراف ياطر كما سقطت اربعة قذائف 120 ملم من طيرحرفا على جب سويد.
12:25، سقوط اربعة 81 ملم من موقع برعشيت على بركة الصوان الواقعة بين شقرا - صفد - برعشيت كما تعرضت اطراف بلدة برعشيت لتمشيط 12,7 ملم من الموقع المذكور.
12:30، سقطت قذيفة 105 ملم من موقع من موقع بيت ياحون على داخل بلدة برعشيت اصابت منزل المواطن نقولا ايوب (المنزل مهجور ولم يبلغ عن اصابات).
12:40، اصابت قذيفة دبابة منزل المواطن محمد محمود عبيد في داخل بلدة برعشيت (البيت غير مسكون) مصدر القصف بيت ياحون.
12:45، سقطت قذيفة 105 ملم دباية من بيت ياحون داخل بلدة برعشيت تبعد عن المنازل 50 متراً كما سقطت اربعة قذائف من نفس العيار والمصدر على خراج بلدة شقرا.
12:55، سقوط اربعة قذائف على اطراف برعشيت - صفد البطيخ من العاصي ميس.
عمليات المقاومة الاسلامية
واصلت المقاومة الاسلامية عملياتها في المنطقة المحتلة من الجنوب اللبناني حيث اوضح بيانها انه عند الساعة:
12:15، فجرت المقاومة الاسلامية مجموعة الشهيدين ابراهيم قشاقش ومحمد علوية عبوةناسفة كبيرة بملالة ام 113 تحمل (7) عناصر وذلك على مسافة لا تتعدى العشرة امتار عن موقع بلدة برعشيت وقد اصيبت الملالة ومن بداخلها اصابة مباشرة وذلك اثناء عملية تبديل للموقع المذكور.
12:25، واثناء استقدام العدو تعزيزات لموقع برعشيت استهدفت المقاومة الاسلامية مجموعة الشهيدين حسن الامين واحمد عبدالجليل شري في وحدة الاسناد الناري الموقع والتعزيزات وحققت اصابات مباشرة.
هذا، وقد اعترفت ميليشيا العميل "الاسرائيلي" انطوان لحد بجرح احد عناصرها بانفجار لغم في منطقة برعشيت.
حول الانسحاب الاسرائيلي من لبنان
يقول وزير الخارجية اللبنانية فارس بويز ان "ما يلمسه أي زائر عربي لاي دولة اوروبية - في ظل اصرار الحكومة الاسرائيلية على اجهاض عملية التسوية - هو انه لا يحتاج الى أي جهد لاقناع هذه الدولة او تلك بما هي مقتنعة به اساساً، أي ما يتقاطع تماماً من تقييم لبنان والعرب لحل هذه المسيرة التي تعاني من خطر حقيقي مصدره "اسرائيل".
الان بويز يستغرب مواقف الفاتيكان الاخيرة ويقول انه لم يكن مضطراً "لاعطاء اسرائيل اكثر مما يجب وقبل تنفيذها للقرارات الدولية" التي من ضمنها القرار 425 الذي سيكون وفق مصادر دبلوماسية في بروكسل موضوع "محادثات بين الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة ستجري في غضون الايام المقبلة وتتناول موضوع القرار 425 الذي اقترحت باريس ان يكون الموقف الاوروبي الموحد حياله منطلقاً من رفض استفراد لبنان (…).
في هذا الاطار، يأتي موقف بريطانيا على لسان وزير خارجيتها روبن كوك وقوله "ان القرار 425 لا ينص على اية شروط" مما يعني رفضاً للشروط الاسرائيلية والتفسيرات التي اخرجت نص القرار عن حقيقته وفرضت املاءات كان الموقف اللبناني قاطعاً في رفضها على لسان رئيس مجلس الوزراء ومؤكداً في الوقت نفسه تبني لبنان الرسمي للمقاومة من خلال تشديده على ان "حزب الله يتصرف بشكل بالغ المسؤولية".
الموقف المصري
وزير الخارجية المصرية عمرو موسى اعتبر من جهته ان الطرح الاسرائيلي قد يقود "اما الى انسحاب اسرائيلي واما الى استمرار الازمة على ما هي عليه الان". وايد موسى الموقف اللبناني بشكل تام قائلاً: "لا يعنينا الموقف الاسرائيلي، وان ما يعنينا هو موقف لبنان في هذا الشأن، ومصر تؤيد ما يتخذه لبنان من مواقف في هذا الموضوع، أي تنفيذ القرار 425 من دون أي قيد او شرط".
مواقف لبنانية من الانسحاب
وفي لبنان كان للقوى السياسية والاحزاب مواقف من الطروحات الاسرائيلية حيث حذرت الاحزاب الوطنية والاسلامية في البقاعين الغربي والاوسط بعد اجتماع لها من مناورات العدو الاسرائيلي وخداعه التي تستهدف جر لبنان الى مفاوضات تحت غطاء تنفيذ القرار 425، وطالبت بانسحابه بلا مفاوضات وضمانات وترتيبات ومن دون اية مكاسب.
رئيس الحكومة الاسبق النائب سليم الحص رأى ان موقف مجلس الوزراء اللبناني في شأن القرار 425 يعبر عن اجماع اللبنانيين قائلاً "القبول بالشروط الاسرائيلية هو تفريط في القرار الدولي الذي قضى بانسحاب اسرائيلي فوري وغير مشروط من الاراضي اللبنانية حتى الحدود المعترف بها دولياً".
اما النائب نقولا زيادة فاعتبر ان عرضها الاخير ("اسرائيل") "الذي يربط انسحابها من الجنوب تطبيقاً للقرار 425 بضمانات امنية، الا خدعة جديدة في سلسلة الاعيبها الماكرة. فهدف "اسرائيل" ليس الانسحاب، ولو كان كذلك لانسحبت دون قيد او شرط كما نص عليه القرار المذكور، بل هو محاولة من الحكومة الاسرائيلية لتهدئة الرأي العام الاسرائيلي المطالب بالانسحاب من لبنان نظراً الى الخسائر التي تنزلها المقاومة بجيش الاحتلال. كما ان هذا الاقتراح محاولة لاحراجنا بعرضه حولاً لا يمكننا القبول بها، فتظهر "اسرائيل" للعالم ان لبنان يرفض الحل فيما هي تسعى اليه.
موقف وزير التعليم التقني والمهني فاروق البربير
اما وزير التعليم التقني والمهني فاروق البربير فقال "عن أي "قرار 425" يتحدث رئيس وزراء "اسرائيل" بنيامين نتنياهو، وتتحدث بالتالي حكومته المصغرة. وهما يعلنان استعدادهما لتنفيذه ولسحب قواتهما من الاراضي اللبنانية المحتلة في الجنوب والبقاع الغربي؟!.
بل عن أي "قرار"، هذا الذي اتخذه مجلس الامن الدولي في شهر اذار من العام 1978 يتحدث نتنياهو وحكومته، وهما يضعان شروطاً سياسية وامنية وميليشياوية وعسكرية على لبنان في مقابل مجرد الاعتراف من قبلهما بما يسميانه "القرار 425" وابداء الاستعداد لتنفيذه، بعد سنوات من التنكر له الى حد اعتباره غير موجود من ناحية ومواصلة الاعتداء من ناحية اخرى على التراب اللبناني وعلى السيادة اللبنانية وعلى السكان الابرياء المسالمين في بيوتهم؟!.
ما يؤسف له ان مناورة نتنياهو هذه قد تنطلي على بعض الرأي العام في العالم الخارجي، وربما على بعض الرأي العام في الوطن العربي ايضاً، وحتى على البعض القليل جداً من اللبنانيين انفسهم في الوقت نفسه، بدعوى ان من لم يكن يعترف بـ"القرار 425" اصلاً بات يعترف به الان علناً فضلاً عن انه بات على قناة باستصدار موقف اجماعي من مجلس وزرائه (ولو المصغر) بالرغبة في تنفيذه!!.
لكن ما يؤسف له اكثر ان احداً لم يسأل عن أي "قرار" يتحدث نتنياهو، ولا ان يسأل ايضاً عن الشروط غير المقبولة حتى من مجلس الامن نفسه التي تضفيها حكومة "اسرائيل" على نص القرار الاصلي، ولا اساساً عن "التدخل في الشؤون اللبنانية" الذي يحاولان ان يمارسانه من خلال اشتراط ضم "عملاء مباشرين ومعلنين للعدو" في عداد الجيش اللبناني، ولا اخيراً عن تحميل القوى الامنية اللبنانية مسؤولية توفير الامن على امتداد حدودهما اضافة الى مستوطناتهما لـ"قوى شرطة" في خدمة نتنياهو وحكومته.
لماذا؟!. لان حكومة نتنياهو لعبت، ومنذ اسابيع عديدة، لعبة اعلامية واسعة النطاق لتغطية الاهداف الحقيقية لمناورتها معتمدة على خلو اذهان الرأي العام هنا وهناك - وحتى اذهان بعض المسؤولين في بعض دول العالم - من التعقيدات التي خلقتها "اسرائيل" نفسها في الاراضي اللبنانية المحتلة من جهة وعلى مساحة عملية التسوية في المنطقة كلها من جهة اخرى.
بين عناصر هذه اللعبة، وفقاً لما كشفه الاعلام الاسرائيلي نفسه، ان رئيس الحكومة الاسرائيلية عمد ومن قاعة مجلس وزرائه الذي كان يناقش الموقف من القرار 425 الى الاتال بكل من الامين العام للامم المتحدة كوفي انان الذي كان يزور الصين والرئيس الامريكي بيل كلينتون الذي كان في السنغال في اطار جولة طويلة في افريقيا، وكذلك بالسفارات والقنصليات الاسرائيلية في العالم ليطلع هؤلاء كلهم على ما وصفه بـ"التحول الجذري" في موقف "اسرائيل" من قرار الامم المتحدة ومن "الحزام الامني" في جنوب لبنان والبقاع الغربي ومن مسيرة التسوية كلها.
لكن لنقف قليلاً امام القرار 425، وكذلك امام القرار الاخر، غير المعروف من احد البتة، الذي يتحدث عنه نتنياهو وحكومته. فماذا نرى؟!.
اولاً - ان القرار 425 ينص على "انسحاب القوات الاسرائيلية فوراً" من الاراضي اللبنانية، وعلى تشكيل قوات مؤقتة تابعة للامم المتحدة (يونيفيل) للاشراف على هذا الانسحاب، فلا حديث عن امن ولا عن ترتيبات امنية ولا عن أي شيء اخر في القرار الاصلي .
ثانياً - ان القرار 426 تحدث عن دور تقوم به الامانة العامة للامم المتحدة لترتيب انسحاب القوات الاسرائيلية ونشر قوات الجيش اللبناني في المناطق التي تنسحب منها قوات الاحتلال. ولا حديث هنا ايضاً عن أي امن او عن اية ترتيبات امنية الا في ما يتعلق بالانسحاب الاسرائيلي من جهة وبالانتشار اللبناني من جهة ثانية.
ثالثاً - اين كلمة "الضمان" للامن الاسرائيلي او عبارة "المفاوضات على اساس القرار 425"، او عبارة "تحميل مسؤولية ضمان عدم امكان استخدام الاراضي اللبنانية قاعدة لنشاطات ارهابية ضد "اسرائيل"… وكلها وردت في البيان الذي اصدرته الحكومة الاسرائيلية عن اعترافها بالقرار؟!.
رابعاً - من اين جاء تعبير "ضمان مستقبل" العملاء الذين حملوا سلاح عدو لبنان في وجه السلطة اللبنانية، وخدموا مصالح قوات الاحتلال وفيها، وتسلحوا بسلاح هذا العدو، وقبضوا رواتبهم من خزينته، وكيف يمكن اخيراً البحث في مثل هذا الامر بدعوى ان من استخدم هؤلاء قرر في النهاية سحب قواته من المنطقة التي جندهم للخدمة فيها؟!.
وهنا بالذات، الا يسأل احد عن المحاكمة التي كانت تختتم في باريس في الوقت نفسه لاحد الفرنسيين (موريس بابون) الذي اتهم بتهجير عدد من اليهود الفرنسيين الى المانيا والحكم عليه لانه انتهك القوانين الفرنسية بهذا الخصوص (بصرف النظر عن الرأي في الحكم)، او عن الجاسوس الاسرائيلي المسجون في الولايات المتحدة الامريكية (جوناثان بولارد) بتهمة اعطاء معلومات لدولة اجنبية… بينما يطلب نتنياهو توفير "حماية قانونية" لعملائه ومن الدولة التي قاتلوا في صفوف عدوها وفي اطار القوات التي احتلت ارضها على مدى سنوات؟!.
بل الا يسأل احد ايضاً عن مصير "اخوان" هؤلاء من العملاء من اصل فلسطيني الذين لعبوا دوراً مماثلاً في خدمة قوات الاحتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة، وكيف ان هذه القوات عملت على اصطحابهم معها لدى انسحابها من الاراضي الفلسطينية، بينما تريد نقيض تلك الخطوة الان بالنسبة لعملائها في الاراضي اللبنانية؟!.
هذه الاسئلة، وغيرها، تكشف بما لا يدع مجالاً للشك ان ما تريده "اسرائيل" في مناورتها الحالية ليس الاعتراف بالقرار 425 ولا تنفيذه دفعة واحدة او على مراحل، بل مجرد اثارة موجة من الغبار الكثيف تغطي بها موقفها الحقيقي من مسيرة التسوية عموماً… وليس في ما يخص الاراضي اللبنانية والسورية المحتلة فقط، وانما ايضاً في ما يخص الاراضي الفلسطينية واتفاق اوسلو الذي وقعته وتعمل يومياً على نسفه من اساسه.
ولهذا السبب بالذات فهي تتحدث اعلامياً عن القرار 425، الا انها تخفي وراء كلماتها "قراراً" مختلفاً تماماً عن القرار الذي يحمل هذا الرقم والذي اصدره مجلس الامن الدولي في شهر اذار من العام 1978.
… بعد خمسين عاماً من النكبة في فلسطين، وبعد واحد وثلاثين عاماً من النكسة في العام 1967، وبعد عشرين عاماً من الاجتياح الاسرائيلي الاول للبنان في العام 1978، لا تزال "اسرائيل" تتحدث عن "السلام" بينما هدفها شيء اخر مختلف تماماً: تكريس الاحتلال تحت شعارات فارغة مثل الانسحاب او اعادة الانتشار.
موقف النائب ابراهيم دده يان
وفيما يخص موقف النائب ابراهيم دده يان فقال انه "في اعتقادنا نحن، فاننا نرى انفسنا امام تحضير لعدوان اسرائيلي محتمل على الجنوب، وتلياً امام حرب جديدة على لبنان ككل… لماذا؟.
ان العودة الى وقائع التاريخ واحداثه من جهة ومراقبة المستجدات الآنية من جهة ثانية، توضح لنا كثيراً من النقاط والفواصل البارزة، بينها ما يأتي:
اولا: تحاول "اسرائيل" من خلال مساعيها الحالية، اقناع الرأي العام الدولي بانها "بلد مسالم" او"بلد محب للسلام"، وتعمل على الالتزام بالقرارات الدولية وتنفيذها (وبينها القرار 425). الا ان "جيرانها" العرب هم الذي يكرهون السلام ويعملون للحرب.
ثانياً: استعاضت "اسرائيل" عن صيغة "لبنان اولاً" (التي فشلت في الماضي) بتفسيرها الخاص للقرار 425، الذي يحمل مضمون الصيغة القديمة، حول فصل المسارين السوري واللبناني في أي مفاوضات محتملة لاحقاً، والاستفراد بكل منهما على حدة، وصولاً الى التنصل من التزاماتها عبر توسيع شقة الخلاف بين لبنان وسوريا، وتعميق الشرخ بينهما عبر التأليب الشعبي اللبناني على سوريا وتحميلها مسؤولية الحرب، او عدم التوصل الى السلام…
ثالثاً: ان الاحتلال الاسرائيلي في الجنوب اللبناني اصبح مأزقاً مكلفاً لاسرائيل، ولم يعد امامها الا الانسحاب… والانسحاب بطبيعته ومضمونه هزيمة اسرائيلية يريد نتنياهو تحويلها انتصاراً.
رابعاً: ان سقوط "هيبة" الجيش الاسرائيلي و"سمعة" مؤسساته على اختلافها، اسقطت سياسة "الحزام الامني" في جنوب لبنان، باعتبارها احدى افرازات السياسة الاسرائيلية وعقليتها الاجرامية. وهذا ما حدا ببعض مسؤولي السلطة الاسرائيلية للمطالبة بضرورة "شرعنة" جيش لحد، عبر ادخاله في الجيش اللبناني ودمجه فيه. وليس معنى ذلك سوى محاولة اسرائيلية خبيثة لزرع "وجود عسكري" (يكون مثابة لغم) داخل المؤسسة العسكرية الاكثر حساسية في لبنان.
خامساً: القضاء على المقاومة الوطنية والاسلامية عسكرياً وسياسياً واعلامياً، وافهام الشعب بانها السبب الاول والاساسي في استمرارية الاعمال العسكرية الاسرائيلية ضد الجنوب واهله، وصولاً الى خلافات وصدامات بين ابناء البيت الواحد والشعب الواحد، يكون المستفيد الوحيد منها العدو الصهيوني.
سادساً: تحويل لبنان مخفراً امامياً لحماية المستوطنات الاسرائيلية، او بالاحرى "عنصراً امنياً" لحماية "الامن الاسرائيلي" وهذا ما يقبله لبنان حكومة وشعباً.
سابعاً: امتصاص النقمة الداخلية في المجتمع الاسرائيلي - مدنياً وعسكرياً - ضد حكومة نتنياهو وتعنتها. وقد عبر عن هذا الاستياء كثير من الضباط بالاضافة الى قطاع واسع من المدنيين في مختلف المراكز والمؤسسات والهيئات الاسرائيلية، مما يستلزم - في المنظار الاسرائيلي - القيام بعمل عسكري خارجي (وفي لبنان طبعاً باعتباره الحلقة الاضعف في نظر اسرائيل) يخفف النقمة ويوحد المجتمع ويخدم السياسة النتنياهوية - الليكودية - التلمودية الواضحة المبادىء والاهداف.
ثامناً: ان كل ما تقوم به الحكومة الاسرائيلية سياسياً وعسكرياً واعلامياً مشابه لمقدمات تجارب عسكرية سابقة، وليست زيارات المسؤولين الاسرائيليين الى واشنطن (خصوصاً وزير الدفاع ورئيس الحكومة) الا من هذا القبيل، في وقت تروج الدعاية الاسرائيلية بان "اسرائيل" "حمل وديع" في منطقة الشرق الاوسط مهدد في أي لحظة من "الذئب العربي"…
تاسعاً: يتساءل كثيرون من اللبنانيين (مسؤولين وغير مسؤولين) عن مغزى الزيارة الميدانية لضباط كبار امريكيين وبريطانيين في منطقة عمل القوات الدولية في جنوب لبنان في الايام القليلة الماضية، وهل هي مقدمة لتحديد نقاط ما او اهداف ما في عمل ما مستقبلاً؟
عاشراً: ان الموافقة الامريكية على أي عدوان او حرب شنتها "اسرائيل" سابقاً، لم تعد مطلوبة اليوم في ظل سياسة نتنياهو، حيث يهدد الاخير امريكا بالعودة الى الكونغرس اذا لم توافق على شروطه او مطالبه او سياسته. بمعنى انه قابض على قرار امريكا سلفاً…
حادي عشر: قلما حصلت سابقة في التاريخ، طلب فيها معتد من معتدى عليه ان يضمن المعتدى عليه "امن" المعتدي، ويتكفل بضمانات وترتيبات ليس مسؤولاً عنها، مع العالم ان القرار الدولي 425 يتعلق بالمعتدي ولا يلزم المعتدى عليه (وهو لبنان) تقديم أي ضمانة للمعتدي الغاصب، ولا حتى التفاوض معه بهذا الشأن.
ثاني عشر: تأمل حكومة نتنياهو باقتطاف مجموعة اثمار دفعة واحدة من أي عمل عسكري محتمل، تستطيع من خلاله ان تفرض شروطها (عسكرياً) بعدما عجزت عن فرضها (سياسياً وديبلوماسياً)…