"إذا كانت حياة الأطفال غالية، فعن أي أطفال نتحدث؟"
بقلم: د. ديريك سمرفيلد
المؤسسة الطبية لرعاية ضحايا التعذيب ، بريطانيا
![]()
الأطفال المشردين يعذبون ويقتلون باستمرار في البرازيل وجواتيمالا وكولومبيا وغيرها من الدول. ففي إحدى الحالات الأكثر بشاعة قام أفراد من الشرطة وفي غير وقت دوامهم بإطلاق النار على مجموعة من خمسين طفلاً كانوا متجمعين قرب كنيسة كانديلاريا وسط ريو دي جينيرو، مما أدى إلى مقتل 6 أطفال فوراً. ثم قام الشرطيون باصطحاب طفلين آخرين وتصفيتهم على شاطئ ريو. وعندما وصف هذا الحادث على الراديو فإن أغلبية المستمعين أبدوا تأييدهم، وكذلك أبدى 15% تأييدهم خلال استطلاع للرأي أجرى بعد أسبوع من الحادث. فكثير من الناس في البرازيل يلقبون الأطفال المشردين بالخنازير، ولا يطلقون عليهم لقب طفل أو ملاك كما يسمون أبناءهم.
إن هذه الأحداث والتوجهات تعكس قضايا أخرى كبيرة. ففي عام 1991 قتل حوالي ألف طفل مشرد في البرازيل، وتوفى 150.000 قبل بلوغ سنة من العمر بسبب الفقر وعدم وجود خدمات صحية ورعاية طبية. علاوة على ذلك، فإن حوالي مليوني طفل عانوا من سوء التغذية. إن فروقات الدخل بين الأغنياء والفقراء في البرازيل أكثر من الفروقات في بنغلادش. وكذلك في قارات أخرى فإن النظم الاقتصادية الغربية المتبعة تؤدي إلى وضع ضغوط على نمط حياة الفقراء، ومستويات التعليم والصحة في تدهور مستمر، وعليه فإن منظمة الصحة العالمية تشير إلى أنه بحلول عام 2000 سيعاني حوالي ثلث أطفال العالم من سوء التغذية.
هذا، وقد توفى حوالي مليوني طفل منذ عام 1989 في مناطق الصراع في العالم التي غالباً ما يرجع أسبابها إلى التحالفات الاقتصادية والجغرافية السياسية التي يعقدها الغرب مع النخبة في مجتمعات غير مستقرة وغير متوازنة. ويحدد الاتجاه الأخلاقي العام والمقبول مجلس الأمن الدولي الذي يتكون من صانعي السلاح الرئيسيين في العالم والذين يعلمون جيداً أن غالبية هذه الأسلحة تستخدم للقمع الداخلي.
ويأتي القادة ويذهبون وبعضهم يحصل على جائزة نوبل، إلا أن الحقيقة هي أن نفوذ السياسة الغربية سارٍ منذ عدة قرون، والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل هناك أي دليل على أن حياة الأطفال الغير غربيين لها قيمة أكبر من القيمة التي كانت لها أيام العبودية وعصر الإمبراطورية؟ والرد الحي على ذلك أن ثلاثين عاماً من الفساد والحكم التعسفي في تيمور الشرقية لم تغير رأي الغرب في أن سوهارتو حليف يعتمد عليه ورأسمالي جيد، وكذلك موبوتو في زائير، ولم تتحدث الحكومات الغربية عن حقوق الإنسان إلا في الأسابيع الأخيرة في حكمه عندما أصبح سقوطه حتمياً، وعندما تم تنصيب خليفة له صمت المنادون بحقوق الإنسان.
الحسابات نفسها تتبع في تحديد شكل التعامل مع نتانياهو في إسرائيل أو زروال في الجزائر. هناك علاقة واضحة بين ارتفاع معدلات وفيات الأطفال وسياسات البنك الدولي، فلماذا لا تؤثر هذه العلاقة على مصداقية الاقتصاد الغربي والقائمين عليه؟ هل تأثر أحد بموت آلاف الأطفال العراقيين منذ عام 1991 بسبب الحصار الاقتصادي؟ وعلى الرغم من ذلك فإن المسؤولين عن موت هؤلاء الأطفال أشخاص عاديين يعانقون أطفالهم بدون أدنى تأنيب ضمير مما يتسبب به عملهم اليومي من أذى لأطفال ينظرون إليهم "كآخرين" في تركيا أو الجزائر أو السلفادور.
هذا، ويقوم المهنيين في مجال الصحة بممارسة النسبية في الأخلاق، فقد أخبرتني أخصائية نفسية إسرائيلية أنها لا تستطيع أن تعالج طفل فلسطيني لأنها دائماً تفكر أن أب هذا الطفل إرهابي. إن المواقف المتشددة لا يمكن تفاديها في الصراع الاستيطاني، إلا أن ذلك يؤدي إلى نوع من العمى له نتائجه السلبية أيضاً. فعلى سبيل المثال تستخدم اللغة لإبعاد وتحقير من لا تكن لهم مشاعر إنسانية وأخوية، فإن نعت الأطفال المشردين في البرازيل وجواتيمالا "بالحشرات الطفيلية" ما هو إلا تمهيد للعمل الوحشي تجاههم، واستخدام مصطلح الضرر الغير مباشر أو الإضافي كمبرر لتمزيق الأطفال العراقيين وأمهاتهم خلال القصف الجوي للحلفاء في حرب الخليج.
إنه من المسلم به أن الأشخاص أو المجتمعات تتبنى الأخلاق التي تناسبها أو تريد أن تتناسب معها، فشرور العبودية وتشغيل الأطفال لمدة 15 ساعة يومياً اكتشف فقط عندما أصبحت أساليب العمل هذه غير مجدية بسبب التطور الصناعي. والسؤال هو: هل نحن مستعدون لدفع ثمن توفير نفس الوعي والشعور تجاه أطفال العالم بنفس القدر الذي نوليه لأطفالنا؟ إذا لم يكن الجواب إيجابي، وإذا كان هؤلاء الأطفال يمكن الاستغناء عنهم، فدعونا من العاطفة الكاذبة..
على جسد أحد الأطفال المشردين في البرازيل، لطخت هذه العبارة تضاعف غرابتها مدى قربها من الحقيقة: "قتلتك لأنه ليس لديك مستقبل"..
![]()