من المهم لأي محلل لنتائج هذا الاستطلاع أن يأخذ بعين الاعتبار طبيعة الفترة الزمنية التي تم فيها إجراء البحث الميداني، فقد تكون هذه الفترة من أصعب المراحل التي يمر بها المجتمع الفلسطيني.حيث تميزت منذ 29/9 وحتى وقت إجراء هذا الاستطلاع بدرجة عالية من المواجهة مع قوات جيش الاحتلال. ومن أهم ما ترتب على هذه المواجهة في المرحلة المحددة:
1) استشهاد أكثر من 178 فلسطيني حتى بدء العمل الميداني بتاريخ 6/11/2000، أكثر من ثلثهم من الأطفال، وجرح ما يزيد عن 8000 فلسطيني، أكثر من 1000 تسببت جراحهم بإعاقات دائمة. وقتل في الجانب الإسرائيلي عدد لا يتجاوز 10معظمهم من الجنود والمستوطنين.
2) لأول مرة منذ سنوات طويلة تقوم إسرائيل بقصف المدن والبلدات الفلسطينية بالمدافع والدبابات و الطائرات مما أدى إلى تدمير عدد كبير من المنازل والمنشآت المدنية والأمنية.
3) تم خلال الأشهر الأخيرة فصل الضفة الغربية عن قطاع غزة وفصل كلا المنطقتين بالكامل عن القدس، وفصل عسكري لكل البلدات بعضها عن بعض مما أدى لمنع أعداد كبيرة من الفلسطينيين من الوصول لأعمالهم ومن زيارة عائلاتهم.
4) أدى الحصار الإسرائيلي في الفترة الأخيرة إلى منع نحو 120 ألف عامل فلسطيني من الوصول لأعمالهم في إسرائيل، كما تم منع التصدير وجلب المواد الخام وإغلاق المعابر لفترات متقطعة مما أدى إلى ارتفاع مستويات البطالة إلى ما يقدر بـ 45% في قطاع غزة و نحو 33% في الضفة الغربية. كما أدى الحصار إلى خسائر اقتصادية تراوحت تقديرات حجمها ما بين 500 مليون ونحو مليار دولار خلال خمسة أسابيع من بدء الانتفاضة.
5) تم خلال هذه الفترة عقد العديد من الاجتماعات بين القيادة الفلسطينية والإسرائيلية وبحضور الولايات المتحدة ومصر والأردن وغيرها وذلك للوصول إلى اتفاق لوقف "أعمال العنف" والتحضير للعودة للمفاوضات، ومن أهم هذه الاجتماعات ذلك الذي تم عقده في شرم الشيخ (بتاريخ 16/17-10-2000) وسط احتجاجات شعبية كبيرة. ولكن هذه الاتفاقات لم تسفر عن أي حلول جوهرية تؤدي لوقف نشاطات الانتفاضة، التي تستمر حتى هذه اللحظة.
6) تميزت الانتفاضة الحالية بمحاولات جادة لاستمرار الحياة في مرافقها المختلفة فاستمرت العملية التعليمية في المدارس برغم المعيقات الإسرائيلية، كما تم فتح المحلات التجارية باستثناءات قليلة. واستمر العمل في وزارات السلطة الوطنية والمؤسسات الأهلية، مع تأثر عملها سلبيا نتيجة للأحداث و عدم قدرة موظفيها الوصول لمقراتها.
7) تم في هذه الفترة عقد القمة العربية غير العادية في القاهرة بتاريخ 21-22/10/2000 وسط احتجاجات شعبية عربية وتظاهرات في غالبية العواصم العربية والإسلامية. وقد أسفرت هذه القمة عن تحميل إسرائيل المسؤولية عن العنف ضد الفلسطينيين وإنشاء صندوق لدعم الفلسطينيين. بينما قامت كل من المغرب وعمان وتونس بقطع علاقاتها مع دولة إسرائيل. في نفس الوقت، تم تنظيم المظاهرات المؤيدة للشعب الفلسطيني في دول مختلفة حول العالم
وجاءت الأحداث الأخيرة لتظهر مجموعة متداخلة من العوامل التي تشكلت في السنوات الأخيرة و أدت للانتفاضة الحالية:
1) فشل العملية السلمية التي بدأت عام 1991 عن تحقيق حلول سياسية للقضية الفلسطينية على أسس الشرعية الدولية وقراراتها المتمثلة في 242 و338. وقد استمرت المرحلة الانتقالية التي كان من المفترض أن تنتهي عام 1999 لأجل غير مسمى. فلم يتم حتى اللحظة حل القضايا الرئيسة والتي تهم الفلسطينيين بالدرجة الأولى وهي تلك المتمثلة بقضايا القدس واللاجئين والحدود والمياه والمستوطنات. كما لم يبد في الأفق إمكانية قريبة لإنشاء دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة.
2) في نفس الوقت استمرت إسرائيل في التضييق على الفلسطينيين وتثبيت احتلالها للضفة الغربية وقطاع غزة من خلال مصادرة الأراضي وإنشاء مستوطنات جديدة وزيادة عدد المستوطنين والاستمرار في السيطرة على المعابر والحدود والمياه وغالبية الأراضي الفلسطينية وتقطيع أوصال الضفة الغربية وقطاع غزة من خلال رجوعها لاتفاق أوسلو والاتفاقات التي تلته والتي تعطيها حق السيطرة المطلقة على مناطق (ج) وسيطرة كبيرة على مناطق (ب)، ومحاصرة دائمة لمناطق (أ) التي تقع حسب الاتفاقية تحت السيطرة الفلسطينية.
3) لم تتحسن الظروف المعيشية للفلسطينيين إثر عملية السلام، بل انخفض الدخل القومي المحلي بنسبة تزيد عن 20% خلال السنوات الخمس الأخيرة، واستمرت الإغلاقات للحدود بين المناطق الفلسطينية وإسرائيل مما أدى إلى تفاقم مشكلة البطالة. كما بلغت نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر إلى 23% في أفضل الأحوال.