تواصل دراسات أوراق حوارات مقالات

نشاطات

مجموعات مواقع إصدارات بطاقة

 

صراحة أكثر ...هزائم أقل ْ

 

يقول المثل الشعبي " في الصراحة راحة " ولأننا نؤمن بأن هذا الرصيد في الموروث الشعبي لا بد وأنه يختصر كثيرا من الجهد في تجريب المجرَّب مما لا لزوم له ويعطيك النتائج مباشرة وهو صادق بدرجة كبيرة ومدهشة فلا مندوحة عن الاسترشاد به لمن أراد السلامة والبدء من حيث انتهت تجارب هؤلاء الذين نطقوا بخلاصة تجاربهم أمثالا على هذا النحو ، ولا ندري هل قصد المثل الراحة لناطق الصراحة هذه في نطقها مما يخفف عن أعباء ضميره

ويجعله تاليا مرتاح الضمير بعد أن بلَّغ رسالته أو هي من باب ما قال المثل القديم " في الصدق منجاة " أو ربما هي الراحة المستحصلة لدى الطرف المتلقي لهذه الصراحة بحيث بعد سماعها لا يغدو بين " حيص وبيص " وقيل وقال وكثرة السؤال ومزيد من الذبذبة بين الحرام والحلال وطبعا ضيعة الحال وتجرع الأهوال.

 صبيحة سقوط دار السلام بغداد رئة العرب والمسلمين وتوقفها عن دورها التاريخي في حياتهم ولو لفترة من الوقت قلنا أن الأولوية هي ل "لن " حتى لا يزيد هذا الوقت وتتضاعف معه المحنة وتصل المصيبة إلى غايات وأهداف العدوان التي لم تزل غير متحققة تماما حتى بعد هذا السقوط وهذه الهزيمة المدويّة ، وحيث أن هذه اللن ضرورة شرعية وقومية ووطنية أيضا فلا بد من قيامها على أسس متينة حتى لا تتحول من "لن"  إلى " لو " أو "لكن " بشيء من الزحاف أو العلل أو الانقلاب أو ما يفهمه اللغويون أكثر من غيرهم ،  وأحرفنا العربية وظروفها لا تزال بصحة وعافية تستوعب كثيرا من التسويف والتشتيت ومهيئات خراب البيت إن لم تسبق أو تلحق بما يحدد خط سيرها إلى الغاية المرجوة فتصبح معها بوصلتها التي تفرّق بين الدمار والعمار ، وقلنا أيضا أن "لماذا " هي واجبة وجوب "لن " ولكن بعد أن تحصَّن هذه الأولى ويتم تفعيلها ، وما جرى للأسف الشديد مما ينفع معه قول المتنبي " واحرًّ قلباهُ من قلبه شبم " ، فقد انطلقت أعمال السلب والنهب والتدمير والتخريب وسيل الاتهامات المتبادلة والردح والردح المقابل ْ حتى كأن الأمر مجرد فصل آخر من عروض العرب المحببة في ما يزيد من البلوى ويطيل في أمدها بينما يستمر العدوان في استدراك ما فاته من نقاط ويذهب ضحية ذلك كلِّه المواطن العراقي الذي ما فتأ تحت هول الكارثة ومضاعفاتها في معاناة مستمرة .

 لقد شنَّ العرب والمسلمون إلى حد ما كلَّ حروبهم باسم فلسطين ، ورفعت كلُّ نظمهم شعارات فلسطين لتثبيت شرعيتها ، فما ربحوا حربا ولا استفادت فلسطين جرآء حروبهم سوى مزيد من العناء والجراح تزداد بصورة وحشية على شعب فلسطين الصابر وعلى الوطن الفلسطيني المغتصب من قبل الصهيونية المحتلة وحلفائها لاعتبارها أن هذه الهزائم في نهاية المطاف إنما هي انتصارات لها سواء خيضت من قبلها مباشرة أو من قبل من يخوضها نيابة عنها ، ويستمر الأمر هكذا في كلِّ مرة لا يطرأ على قانونه العام أي تغيير ولا تبديل وكأنه الثابت الوحيد رغم التحولات الهائلة التي تجري في هذا العالم من حولنا كلَّ دقيقة في السياسة والجغرافيا والاقتصاد والعلم وكل وجوه الحياة .

 ولا زال النقاش الساخن يزداد ضراوة حول السؤال الكبير لماذا حدث ما حدث ؟ وكيف أمكن الوصول إلى هذا الوضع وتبدله في سويعات بعينها عن الأفق المأمول أو حتى عن صورة الواقع التي كانت لا تزال حقيقة واقعة قبل هذا الانهيار السريع ، وأدلى العديد برأيه حول حقيقة ما حدث وهبطت علينا نظريات واحتمالات متعددة احتفت بها وسائل الإعلام المنتصرة الوحيدة في الجانب العربي أو هكذا أرادت أن تصوِّر للمواطن العربي الأمر ، وهناك من وازن فلم يؤكد ويقطع بل اكتفى بإيراد هذه الاحتمالات من صفقة إلى خيانة إلى هزيمة إلى خطة مؤجلة لإكمال الفصل التالي الذي ما زال ينتظره أصحاب هذا الرأي على أحرِّ من الجمر ، ويبدو أن الأسباب الحقيقية تكمن أولا في هزيمة شرنقة كبرت على حرارة القصف والعدوان ونضجت حتى استفاق الناس عليها وهي تلقف ما يأملون .

 إن الفصل الحقيقي والفيصل بين من وقف هنا ووقف هناك في نظرته إلى نظام الرئيس الغادر المغدور صدام حسين في هذه العملية يكمن في الفهم الحقيقي والنقي مما كان عليه وما مثله هذا النظام ، صدام حسن ونظامه اقترف العديد من الأخطاء والخطايا أيضا مما يمكن قطعا ذكرها وتعددادها والوقوف عندها بالتحليل الوافي وأبرزها هو ذلك العسف الشديد في علاقته بالمواطن العراقي وقسره النشاط السياسي على حزبه الأوحد وملاحقته  لكل ما خالفه الرأي في الصغيرة قبل الكبيرة هذا وطنيا ، أما قوميا فغزوه الكويت التي دفعت فلسطين ثمنها دفعة كاملة ومرة واحدة ومهما كانت المبررات سواء أكانت من منطلق الرغبة في استعادة وحدة الوطن المقسَّم  بالقوة أو في وقف مؤامرة كبيرة على البوابة الشرقية وبالتالي العالم العربي كلِّه ، أو حتى في فض نزاعات مالية على طريقة اضرب واهرب وانج سعد فقد هلك سعيد ، وهما كانت هذه المبررات التي يراها أو رآها  متحزبوا النظام وجيهة ويرد عليها الآخرون ضاحدين ويقف الفهم العربي القومي والإسلامي السليم أمامها منتقدا الأسلوب والنتيجة ، فإن الخطيئة حدثت ولم يستطع هذا الفهم ولا أصحابه أن يقوموا بدورهم في تجنيب العرب والمسلمين تاليا مضاعفات هذه الخطيئة ، وقطعا بعض من أصحاب نظريات الاتهام الجاهز سوف يعيدون الأمر إلى مؤامرة أمريكية صهيونية نفذها النظام أو في أقل المستويات جرى استخدامه لعبة طيِّعة ، وما يصدق على الخطيئة القومية يصدق على الخطيئة الشرعية بحرب ايران الإسلامية التي أهلكت الأخضر واليابس وذهب ضحيتها رصيد كبير من مقومات القوة الإسلامية نفرا وعدة وعتادا وثروة وموقفا أيضا وساهمت بدورها في شرخ كبير واحتقان دائم ومهما تعددت الأسباب والرؤى من المنظرين على طرفي هذه الحرب ، فالنتيجة الوحيدة الواقعية أن أصحاب الفهم العربي والإسلامي السليم أيضا فشلوا فشلا ذريعا في عدم وقوع الحرب أولا وفي تلافي مفاعيلها ونواتجها تاليا .

 ومرة أخرى لا يجب أن أن نغفل حقيقة واقعة وهي أن نظام صدام حسين ليس الوحيد الذي هو على أخطائه وخطاياه ، بل لا يمكن الجزم بأن هناك من هو بريء تماما من الأخطاء أو الخطايا أو المزيج منهما ، وكما لا يمكن أن يصلح معه التعميم الحالي بأن كلّ هذه الأنظمة العربية والإسلامية هي على ذات النمط والنوع والهيئة وأنها جميعها خائنة متخلية عن الأمة ومعركتها ، إذ أن في هذا القول سبب من أسباب حدوث المصائب كلِّها وآخرها مصيبة العراق هذه ، فالأنظمة ربما في النتيجة كان مجهودها لتجنّب الويلات هذه صفرا أو غير ذي أثر ، وكذلك ربما كانت الحقيقة المرة أنها لم تقف الموقف المفترض شرعيا وقوميا وحتى وطنيا ، ولكن ليس كلُّها لذات السبب ولا هي في خانة واحدة ، فهناك من يصلح القول عنه بأنه سليم النوايا ضعيف الإرادة لم تفلح القوى في تدعيم موقفه وحالت أسباب من انقطاع الصلة الوثيقة بينه وبين جماهيره وشعبه وهذه القوى الواعية دون تطوير موقفه إلى الواجب ، وأزمة الثقة هذه ناتجة عن  تراكم من الممارسة الخاطئة من الجانبين أو من تلكؤ أحدهما وريبة الآخر عن السماح بأداء الدور الطبيعي له . وهناك من هذه الأنظمة من هو مصاب بسوء التقدير والعثر  الشديد فيما يفكر فيه وما يقدمه من خطوات مع نوايا متضاربة واجتهادات متضاربة أيضا رغم علمه الأكيد بأنه سيكون مثلما الباقين هدفا تاليا لا محالة في هذه الخطة الجهنمية للعدوان والعدوانيين ، وقطعا هناك من هو حليف لا ينكر حلفه ويغذ الخطو في اتباع ما يطلب منه جاهرا ساهرا على دقة التنفيذ بل وأحيانا عديدة سابقا إلى الأمام بخطوات عما يطلب منه ن وكما هو حال هؤلاء فإن نفرا آخر قد أصبح مما يصعب تصنيفه فتارة هو هنا وتارة هو هناك وطورا آخر بين بين وهكذا . ولعل الفهم الحقيقي لكل من هذه الأنظمة هو واجب وضرورة ليصلح معها تاليا إيجاد المعادل الموضوعي الذي يمكن الأمة من البناء على فهم سليم ومواقف صلبة وتدعيم أسباب المنعة والقوة عند من يحرص على مستقبل هذه الأمة حتى لا يتسع الخرق على الراتق.

 إن التأييد الذي حظي به صدام حسين من الجماهير العربية والإسلامية بل وحتى من بعض ممن هو أبعد من ذلك في معركته الأخيرة هذه لم يكن لحصيلة تجربة النظام ذاته ولم يكن مجانيا ومطلقا ولم يكن أيضا مدفوع القيمة كما تحاول بعض الجهات تصويره ، بل إنما حصد ذلك لسبب رئيس هو وقفته أمام العدوان المكشوف وتحريضه الأمة وحرصه على إظهار أن هذه المعركة هي معركة هؤلاء جميعا وليس فقط معركة النظام للبقاء ، وهذه هي البؤرة التي تجمَّعت حولها كل ُّ القوى المناهضة لمشروع العدوان ورافضي منطق الهيمنة والانفلات الذي تمثله آلة العدوان ، ومثلما ذكرنا أخطاء النظام وخطاياه فإن من العدل أن تذكر جملة من إيجابياته وفضائله مهما أغاظ ذلك موقف من يريد الميل كلَّ الميل إلى جهته ، فالحقيقة أن هذا النظام قد أطلق عملية تعليمية مكثفة قضت إلى حد كبير على الأمية في القطر العراقي الشقيق وتجاوز الحد المسموح به إلى إنشاء بنية وهيكلية علمية متقدمة على مستوى العالم وفي موضوعات حساسة غير مسموح بها وعليها فيتو كبير من العدوانيين وتمثلت في هذه المؤسسة العلمية والتقنية الصناعية الضخمة بكل ما في ذلك من أسباب قوة حقيقية هي واجب على الأمة كلِّها أن تحذو حذوه وتحرص على إيجاد مثلها مثلما الحفاظ عليها وحمايتها الآن على رأس الأولويات ، وهناك النهضة الصناعية الكبرى والتي أمكن التأكد من وجودها في العراق عدا عن التخطيط الزراعي الجيد وخاصة فيما يتعلق بموضوع العصب الرئيس وهو المياه والمحافظة على المخزون الاستراتيجي منه بعد الخطر الذي تحقق جراء قيام تركيا ببناء العديد من السدود على النهرين في أراضيها وهو ما تتلاعب به اليوم قوى العدوان من خلال العبث بالسدود التي أقامها النظام مما يهدد بارتفاع منسوب النهرين وطوفان يخل لاحقا بالمخزون الاستراتيجي للمياه الجوفية العراقية يفضي إلى تصحيير متعمد ، لا يمكن إنكار أن العراق شهد بوادر نهضة حقيقة على مستوى البنى التحتية لم تستطع مدة الحصار من إنهاء هذا المشهد أو حجبه نهائيا فعمدت قوى العدوان إلى قصفه وتحطيمه ومن ثم إطلاق النكتة السمجة بإعادة الإعمار ، وإذا كان ذلك على مستوى الفعل المادي فإن مجرد وقوفه المبدئي المعلن سداً أمام محاولة صهينة المنطقة نهائيا على الصعيد الفكري والسياسي رغم عثرات الأداء وتأثير الموروث من خطاياه القومية على صدقية هذا الموقف كانت أيضا على هذا الجانب ذات أثر كبير ودعامة من دعامات القوة الحقيقية التي رفدت الانتفاضة الفلسطينية ولو على الجانب المعنوي وإن لا ينكر أيضا مساهمته اللوجستية في هذا الجانب والمادية أيضا ويحسب له بشكل واضح.

 إن الحالة التي مثَّلها الرئيس صدام حسين والمعلنة بوضوح في موقفه أمام العدوان هي الحالة التي يجب أن يكون عليها النظام العربي والإسلامي في نهاية الأمر مهما اختلفت الإجتهادات والتحليلات لأنها ببساطة تمثل موقف الدفاع عن الأمة أمام الأطماع المعلنة وهي خطيرة وغير المعلنة وهي الأخطر ، وتمثل ردة الفعل الحقيقية السليمة غير المستلبة أمام غول السياسات التي أصبحت مكشوفة تماما ولا تحتاج لكبير عناء في فهم مقاصدها ونواياها وخطورتها على الذات العربية والوطن العربي فضلا عن العالم كله ، وإن المواقف التي وقفت ضد هذا الموقف لم تجرؤ على القول بعكس ذلك من حيث هذه الصورة بل وقفت متذرعة بمبررات لا جدوى من الوقوف تحتها طويلا لأنها ببساطة واهية ولا تصلح ستاراً حقيقيا ، فإزالة ومحاسبة نظام طاغية عربي كان يجب أن تتم أولا بالأولى عن طريق ذلك الشعب أو حتى عن طريق عربي حكيم وقبل انكشاف العدوان هذا وتمركزه مما أصبح مفترضا تاليا معه التخندق إما إلى جانب المعتدي أو إلى جانب المعتدى عليه كما وصفها صراحة العدوانيون وبشكل واضح إما معنا أو ضدنا ، لقد كانت مبادرة الشيخ زايد أولى أن تطرح قبل ذلك بكثير من خلال حوار بناء داخل البيت العربي يكون بعد فترة من العمل العربي المتكاثف الجاد لتجنب الكارثة وليس أثناء المواجهة بحيث بدت غير ما ههو مفترض بها أن تكون ، ثم لو سلِّم جدلا بأن هذا هو المخرج أمام كل تهديد بالعدوان لأصبح لزوما القيام به مباشرة وحتى قبل التحشييد من باب العرف أو حتى كما وصفه البعض بالريموت كونترول من بعيد ، ولو كان من المنطق الحدبث في هذا الجانب فالحقيقية أن عددا من البلدان العربية تستوجب أن يقال لها أيضا مثل ذلك ويطلب منها مثل هذا الأمر وهو ليس حلا حقيقيا لأنه سيرفض ممن سيوجه لهم ذلك والأفضل أن يصار إلى تدارك منهج إعادة إعمار بين الأنظمة التي لازالت تحرص على دورها القومي وبيتها العربي ومكتسبات أمتها وبين جماهيرها والقوى الفاعلة الوطنية والقومية والإسلامية من جهة أخرى بما يؤدي إلى منع تتالي تنفيذ ما لم ينفذ من الأهداف المعلنة للعدوانيين على منطقة العالم الإسلامي ، ومثلما وقف النظام العربي الرسمي مشلولا تجاه قضية مصيرية  وقف كذلك النظام الإسلامي أيضا بل وكان له فتوى ليست أكثر من تعليل غير مقبول حتى على المستوى الشرعي فضلا عن السطحية التي مثلته هذه الفتوى بعدم الوقوف إلى جانب أي من الظالمين ! فهل كانت مبارزة بين فردين حتى ربما يسوَّغ الحدبث عنها على هذا النحو ؟ لا ، الحقيقة أنها كانت بحيث أن عدم الوقوف مع العراق هو تفريط بمصالح الأمة وتسهيل لمهمة العدوان في اجتياح أرض وشعب مسلمين وأن يؤتى من هذه الثغرة التي يستوجب شرعا الحفاظ عليها لأن الواقف فيها مؤتمن على هذه الثغرة والحديث الشريف يقول " فلا يؤتين من قبلك " ، فالوقوف كان سيكون مع التكليف الشرعي وليس مع صدام ونظامه حتى لا يجري تحميل ما لا يحتمل في عقولنا .

 لقد نفذت الخطة العدوانية إلى حد ما وتحقق بعض أهدافها ولكن عددا من الأهداف لم يتحقق وأهمها هو شيوع الفتنة الداخلية المذهبية بين أبناء الوطن العراقي أولا وبين السنة والشيعة في العالم تاليا وهو ما حسمه موقف العراقيين حتى الساعة بوعي تام ورفض مطلق للانجرار إليه ، وهو سند قوي لبناء هذه " اللن " المطلوبة الآن على المستوى الوطني العراقي ومن ثم على المستويين القومي والإسلامي لدعمه ، لقد أكدت الفتوى السابقة أن موقفها سيختلف إن أصبحت الحرب هذه بين المعتدي وبين الشعب العراقي المظلوم وهو الأمر الذي يجري الآن ويضع هذه الفتوى أمام الصدقية ولن يغني موقف حزب الله وأمينه العام من بيروت وهو الموقف الشجاع والمميز عن أن يكون بديلا لتنفيذ مستحقات الفتوى هذه من طرف صاحبها ومصدّرها فلا نواب عن الواجب . ولما لم تتحقق  نبوءة الفتنة وأحد أذرعة الخطة الرئيسة جرى تنفيذ فتنة السلب والنهب والتخريب والدمار على الأرض مباشرة سواء بيد العدوانيين أم بيد بعض ممن يقال أنهم استجلبوا لذلك وحرِّضوا عليه ، وهو من المؤكد قد نفَّذ أضعاف ما كان يتوقع له ، وربما كان مفهوما أن يصار إلى مهاجمة قصور المسؤولين وممثلي النظام وبعض المرافق الأمنية التي جلدت الشعب العراقي طيلة الفترة الماضية سواء أكانوا من المذنبين بأي ذنب يقبل أو يرفض ، ولكن أن يصار إلى مهاجمة ملك الشعب العراقي وركائز نهضته وإرثه ومستقبله على هذا النحو تحت تشجيع العدوان بل وتحت محاولة بلهاء لتضليل المشاهد بالقول إنها فرحة من الشعب للخلاص من النظام يعبرون عنها كما قالت أبواق العدوان لهو شيء بالغ الخطورة ومنتهى السقوط .

 حسنا إن أخطر ما يمكن أن يحدث تاليا ليس فقط مسرح فتنة داخل المذاهب أو داخل العراق بل خارجه وهو الأكثر قلقا ، لقد مارست بعض القوى في الشعوب العربية ممارسة خاطئة قاتلة من خلال التعميم ومن خلال إلحاق الشعوب بالموقف من أنظمتها أو جرى افتراض ذلك ومن خلال الممارسة تمرير هذه المصيبة ، لا أيها السادة إن الشعب العراقي شعب عربي مثلما الشعب الكويتي أيضا ، لقد قدَّم الشعب الكويتي للأمة العربية الكثير وأصابته أيضا بعض مصائب العرب ولا يحسن أن يتهم كلُّه ويحمَّل ما ليس حقا وما ليس جزاءا ، بل يجب أن يعاد صياغة الموقف العربي عند القوى العربية الواعية المطلوب دورها اليوم أكثر من أي وقت مضى على قاعدة واضحة تميِّز بين الضحايا والمستلبين والمستفزين إلى غواية الخطيئة والملتاعين إلى مواقف التشنّج والعصبيات وبين المنساقين أمام العدوان سقوطا أو طمعا وبيع دينهم بدنياهم ، لقد زالت بزوال النظام أسباب كثيرة لإحداث الضباب عن عمد فهل تبقى الرؤيا على ما هي عليه ؟

 إن حجر الأساس أمام القوى العربية والإسلامية هو أن يفهم كلاهما أنه لا وجود لأحدهما قويا على حساب الآخر ضعيفا وأن المستهدف كليهما معا لأن المطلوب أرضهما وثروتهما وتاريخهما وكل مقدرات مستقبلهما معا ، ولعل المؤتمر القادم في بيروت يتوجب عليه أن يضع ذلك في الحسبان ، إن ثقافتنا لا تقتضي صراع الحضارات ولا تطلب منا العدوان كما يزعم منظرو العدوان ويروّجون له ، لكنها بالتأكيد تصر على مجابهة هذا العدوان بالنص " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم به" ولذا فإن مواجهة ورفض هذا العدوان أصبح واجبا حتميا لا مناص من القيام به وبذل كلِّ أسباب العمل والقوة لمجابهته وأول هذه  الأسباب هي إطلاق صراحة ومكاشفة وإعادة اعتبار للعقل العربي والفرد العربي في كل المستويات ضمن مفهوم محدد واضح لما هو واجب ولما هو مستحب ، لما هو ممكن آنيا ولما هو ممكن تاليا ، وللفرق بين الخيانة ووجهة النظر  والوحدة الحقيقية هي التي تبدأ  على مستوى الشعوب تبدأ من القوى المنفتحة على رؤى واضحة وتصميم أكيد متسلحة بإيمان راسخ واستعداد للبذل والتضحية ، وهنا لا بد للأحزاب والقوى من الوقوف بحزم أمام مسؤولياتها في إعادة شحذ الأمة بالأمل وتضميد جراح الجهل وجراح الوهم وجراح الخيبة وجراح فقدان الثقة قبل جراح الجسد .

 إن إيقاف العدوان ودحره عن تنفيذ خططه الجهنمية بصهينة المنطقة يبدأ من صيانة وحدة العراق أرضا وشعبا ودعم قواه الوطنية التي ستختار الوقوف مع أمتها ودينها وليس مع ضلال الطاغوت الأكبر وأدواته الصهيونية ، إن إسرائيل واحدة من خلال هذا الكيان الغاصب الذي جرى زرعه في قلب الأمة لم تعد تكفي مشروع العدوان لتركيع الأمة وفشلت فشلا ذريعا طيلة ما مضى ولذا أصبح كهنة الشر على يقين بضرورة خلق إسرائيلات أخرى لتحقق المطلوب بعد أن يجري جمعها معا وهذا ما يجب أن تتنبه له الأمة الآن وتعمل حقا على وقفه ، ويبدأ ذلك بمزيد من الحرية وإعادة إعمار أسباب القوة والتلاقي والمناصحة والعمل الجاد الموحّد  بالاستفادة من كل القوى الخيّرة والمؤمنة وكلَّ التصنيفات الممكنة وليس بالتخبط والمشاحنة والتفكك والتشرذم أو الوقوف طويلا أمام ما لا يمكن إصلاحه لأن العطار لا يصلح ما أفسد الدهر وحتى تصبح المعركة معركة كلِّ فرد من أبناء الأمة لا معركة نظام أو معركة بلد أو مذهب .

أيمن اللبدي

15/4/2003

 

 

إنجليزي

قصائد العمود

المواد تخضع لحماية الحقوق

قصائد السطر

جوائز