تواصل دراسات أوراق حوارات مقالات

نشاطات

مجموعات مواقع إصدارات بطاقة

 

 

 فضائيات منتصرة 

 

حسناً هدأت بعض المشاهد العاصفة قليلا ربما أصبح المجال متيسراً لمراجعة هذه المشاهد مرةً أخرى ، بالتأكيد كان كثير منها مجرد وسيلة أو صورة أخرى للحرب المدارة وللواقع المستخفِّ بكل القيم وكل المشاعر ، الفضائيات مثلما المدرعات والمؤتمرات الصحفية كانت قبل الإشاعات أو خلفها ولم تصل من الحقيقة إلا خطىً سارت قبل وصولها أو وصلت بعدها بقليل ، وأتحفنا الكثير من الملخصات القطعية على ألسنة قائليها كما لو كانت تنتسب إلى النصوص المقدسة ربما بما تريح قائليها من عناء التفسير أو التبرير ، ومن نوع هذه الملخصات قولهم " الحقيقة أولى ضحايا الحروب" ولربما سيضيف لاحقا بعض من ذات النوع والعيار ليقولوا لنا أيضا "أن الحقيقة لا تقوى على أن تكون جزءا من التاريخ " ، ربما كان المقصود بذلك هو إحداث قطيعة تامة بين إنسان الحاضر وذاكرته وعقله وبين إنسان المستقبل وأيا من القيم مهما كان نوعها وتحت أي مظلة وقفت.

 والحقيقة الأهم هي أن ثقتنا بذاكرتنا لا تزال قوية جدا وأصعب من أن ينالها هذا القصف السمج والذي يبدو أيضا في سطحيته وهروبيته جزءا من المشهد المطلوب حتى تكتمل المصائب الحالية وحتى يمكن تسهيل مهمة المصائب القادمة ، ولعل رغبة هذا الآخر المدعي برغبته التي لا تقل أيضا فجاجة ولا ركاكة برغم كل المحاولات المجتهدة في تمريرها من صنف حضوره لإشاعة الديموقراطية على ظهر المدرعات والمقذوفات تبدو أيضا في تناقض واضح مع هذه الملخصات الملغية في ذات الوقت أبسط حقوق هذا المطلوب تعليمه الديموقراطية وهو حقه في أن يعرف الحقائق ويسير على ضوئها في أثناء حركته وسكونه في واحة الديموقراطية العتيدة هذه .

 لن نفاجئ هذا الآخر بأن نقول له أن هذه القطعة في فسيفساء الكذبة الكبرى لم تمر علينا ولن تمر حتى لا يلح عليها كثيرا ولا يتصنع الدهشة إذا أصررنا على قولنا هذا ، والمشكل الأكبر هو حجم هذا الاستثمار في نوعية وتعددية المنافذ التي تم استغلالها من قبل هذا القصف المستمر ونوعية العيارات أيضا ، وكثير ممن طلع علينا مؤخرا عبر الفضائيات من محللي المشهد بحسب الاختصاص الذي صنفوا على أساسه وجرى تقديمهم على أساسه كان حقا يتحدث كما ثبت بحكم النتائج الظاهرة إما حالم مسهب وإما مكثر من الفروض والافتراضات مقل في الدلائل ومخل في منهج الاستدلال ، وإما مخل غير مكترث بما يلقيه ، وإما مجامل لظروف مكانه وزمانه ، وإما مجتهد غير مصيب ، وقليل جدا من أمكنه النفاذ إلى حال تسر بأدائها مثلما حكمها .

 والمدهش حقا أن هذا الآخر قد أوحى فيما أوحى أن فضائياتنا العتيدة قد ظفرت بنصر من نوع ما على فضائياته المعروفة وبالتالي فقد انتصرنا ولو حتى على هذا المستوى ويكفينا ذلك ولا داعي للتفكير كثيرا في انتصارات ممنوعة ، والمدهش المميز هو نوعية المصطلحات الإعلامية التي تستخدمها فضائياتنا المنتصرة هذه قبل نهاية الفصل الأول وأثناءه وبعده مباشرة ، والمفيد أيضا تذكره أن هذه الفضائيات نفسها هي بذاتها كانت جزءا من المشهد ذاته أيضا وحتى لو وضعها المخرج بطريقته الخاصة دون إخبارها المسبق عن توقيت الدور وحدود الخروج المقبولة عن النص.

 البعض آثر المقارنة وأحب أن يقوم به ربما لأن أبسط أشكال ممارسة الفهم هو المقارنة ولجأ على مقارنة أداء  الإعلام العربي العتيد مع هزيمة عام 67  بأدائه مع هزيمة المشهد الأول في هذا العام الحالي ، وكذلك أداء إعلام الطرف العربي في كلا المشهدين وحتى مقارنة أشخاص كانوا ربما بحكم التوافق في موقع التواجد الأبرز في المشهد الأمامي، وطبعا أحب كثير من المقارنين أن يخلصوا إلى نتائج سريعة قوامها التماثل في المقصد والأداء بل وربما أيضا النتائج حتى يسهل الوصول إلى قناعة بأن العرب لا يتغيرون وهم حقا أمة تحب الهزائم وهذا حظها الدائم من هذا الحب وهكذا لا داعي لتوقع الأفضل مستقبلا ، بينما فقط الفضائيات العربية هي التي تطورت ويمكننا الاحتفاء بهذا وربما القناعة به.

ومن المنصف أن نقول أن الحقيقة ليست لدينا لنقدمها ولكنا نصر على حقنا في معرفتها أيتها الفضائيات العتيدة التي أبقتنا أمام مشهد كاميرا مثبتة إلى جزء من السماء احتفت بانتصارها لان الفضائيات الأخرى نقلت ذات المشهد مشيرة إليها والى حصرية انتصارها هذا ، بينما مشت كاميرا الفضائيات الأخرى أيضا ربما بطريقة حصرية وهو ما لم تنقله فضائياتنا المنتصرة والتي قدمت لنا دليلا على خطورة شأنها عبر يوم كامل تنقل فيه ما تعرضت له مكاتبها وهو الذي أدى من ضمن ما أدى إليه إلى وقوع شهيد حقيقي حاول أن يكون خارج ضبط الكاميرا هذه وهو طارق أيوب ، طارق أيوب كان فارسا حقا لأنه أراد الحقيقة بتقاريره وحركته وإن كان من يحق له القول بأداء دوره تاما فهو هذا الشهيد ، وحتى لا نكون من المجملين أيضا من نوع هؤلاء الذين يقدمون لنا عبر الفضائيات ذاتها بخلاصاتهم نضيف إلى ذلك كاميرا قناة أبو ظبي عبر انتقالها إلى الشارع الخلفي من فندق فلسطين قبل وصول تلم المدرعات بيوم واحد فقط وإن وصلت عقب المعركة التي دارت هناك بلحظات.

 كان سيحق لفضائياتنا العتيدة أن تقول أنها فعلا قدمت شيئا وأسهمت في إلقاء الضوء على الحقيقة المشهودة ليس من خلال مكاتبها الفارهة وتحليلات أصدقائنا إياهم في هذه الفضائيات عبر الظنون والتوقعات بل من الميدان ذاته بمرافقة الوقائع ولو من مكان آمن مثلما فعلت كاميرا الفضائيات الأخرى ، وللأسف فغن بعض هاتيك الفضائيات المنتصرة مثلما وجدنا تمارس دوراً حاثاً في التعمية والذهاب بالمشاهد بعيدا عن تلك الحقيقة المطلوبة ربما كدور لها مثلا أو هو نتيجة موقف ما .

  وطبعا في المتوقع سيكون ماثلا أن تدفع هذه الفضائيات قائلة إن الطرف العراقي كان سيمنعها أو يحد من حركتها وستدلل على إيقاف مراسلين لها حاولا ذلك عن العمل ولو لوقت قصير ، بينما لا يفوتنا أن نرد عليها بأنها قطعا لم تكن مقنعة فيما حاولت أو أنها أصلا لم تحاول أو حاولت بطريقة لم تكن ذات جدوى ، ولعلها لم ترد ذلك وإلا لوجدت طريقها مثلما كانت تجده فيما لم يصلح معه إلا كثير من لزوم ما لا يلزم .

 ومن المنصف القول بأن الميدانيين من صحافة الفضائيات لم يكونوا جميعا على ذات المستوى في الأداء ولا الجودة فيما قدموا ، فهناك من حاول جهده فعلا وابتكر وحاول مثلما هناك من بقي على أضعف الإيمان ، ولكن المفيد تذكره أيضا بالمقابل أن نسبة من كان مميزا في أدائه من الميدانيين أكثر بكثير من هؤلاء المكتبيين إن جاز التعبير ، بل إن عددا من هؤلاء الميدانيين كان أجدر أن يترك له المجال تاما حتى يكمل المشهد وحده دون داعٍ لعدد من الضيوف الرائعين والمنتهين إلى نمط استخلاصاتهم السابق ذكرها .

 أيها السادة في الفضائيات العربية العتيدة إذا لم تكن هناك فسحة لمعرفة الحقيقة أثناء حدوثها لسبب أو لآخر نحسب أهمه فيما ستقولون لنا هو قيود الطرف العراقي عليكم ، فما الذي يمنعكم من تتبع آثار سيرها الآن على الأرض وقد انتهت تلك القيود قبل أن تنهوا المشهد بهذه الخلاصات المبتسرة ، لماذا لم تتبع آثار كاميراتكم الواسعة البؤرة المواقع التي شهدت هذه الحقائق المغيّبة مثلما تحتفل يوميا بمؤتمرات صحافية يكفينا منها لو أعطيتمونا ملخصها ومثلما احتفلت بتوفير مسرح يومي لعمل عدد من الغوغاء المدفوعين بالسرقة والنهب والحرق في شوارع المدن التي دخلتها كاميراتكم ، لماذا لم تبحث كاميراتكم ولو عن أي من المفترض وجودهم في أي من المشاهد التي جرت حتى لو كان جنديا عائدا لسؤاله ؟ لماذا لم تصل كاميرتكم لواحد ممن درجتم على وصفهم بالمتطوعين العرب حتى ؟ وأسئلة يطول سردها لا شك تعلمون معظمها وإن أردتم انتصارات حقيقية على المستوى المهني فقدموا شيئا جديدا يتجاوز منظر مكاتبكم المحترقة على مدار ساعات طوال وتكرارها بما يشبه الأغنية الفائزة في الدوري .

 جميل أن يكون هناك الرأي والرأي الآخر والمهنية والى غير ذلك من الشعارات ولكن ذلك يلزم معه تعريف هام قبل ذلك وبناء عليه يمكن فهم القصة بأكملها ، هل مجال التغطية خلال ما مضى من أحداث وربما ما سيلي من أحداث هو بين طرفين عربيين لنحتفي معكم بهذه الصدقية الزائد عن حده البكاء عليها ؟ أم أن هذه المواجهة بين طرف عربي وبين طرف آخر سيبقى مستمرا حتى في المقبل من المشاهد المتوقعة والمفترضة والتي يجري التحضير لها الآن من قبل هذا الطرف ذاته ، وإذا كان كذلك فهل يتبقى بعد ذلك مجال للحديث عن الرأي والرأي الآخر في مواجهة بين عربي وغير عربي ؟

 نتمنى أن تجيبوا على هذا وعند الإجابة الواضحة يمكن بعد ذلك أن نحتفل معكم فيما هو قادم من انتصاراتكم القادمة باعتباره احتفال بانتصار فضائيات عربية وليس مجرد فضائيات وإلا لكان علينا أيضا أن نرى هذه الانتصارات أيضا بذات العين وذات الرد حينما تكون مثلا عند فضائيات ألمانية أو فرنسية وأقل خجلا بكثير من فضائيات الطرف الآخر ، شيء من العقل من فضلكم وشيء من احترام مشاهديكم .

أيمن اللبدي

15/4/2003

 

 

إنجليزي

قصائد العمود

المواد تخضع لحماية الحقوق

قصائد السطر

جوائز