تواصل دراسات أوراق حوارات مقالات

نشاطات

مجموعات مواقع إصدارات بطاقة

 

 

وثيقة جنيف التشرينية – وعد من لا يمثّل لمن يغتصب ْ

 

تشرين الثاني هذا شهد دوما المفاصل العدوانية الأقسى قانونيا وأخلاقيا وإنسانيا على قضية شعب فلسطين وضد الأرض الفلسطينية بدءاً بوعد الاستعماري ِّ الشهير بلفور المشؤوم ومرورا بقرار تقسيم فلسطين الظالم وسلب أهلها حقهم المعلوم ولا عجب أن يشهد أواخره في هذا العام مفصلا جديدا آخر من ذات النوعية عبر ما دعوه " وثيقة جنيف " ، بيد أنَّ بين هذه الظلامات التاريخية وبين حدث هذا اليوم فرق واضح مؤكَّد ولا يحتاج لكبير جهد في الوقوف عليه والتثبُّت من فاجعته .

  ذلكَ أنَّ مفاصل العدوان السابقة تلك كانت من مستعمر لئيم لا ملك حقاً ولا صان عهدا ولا ارعوى إلى رادع من خلق أو ضمير أو شرعة وأعطى من لا يستحقَّ ومكَّن له في أرض ادَّعى يوما أنه مستؤمن عليها ولم يستودعه أو يستأمنه أهلها ولا أصحابها ولا طاب لهم ذلك يوما وما انفكّوا يطلبون منه الرحيل إلى ما قدم منه بما حمل معه غير مأسوف على ذهابه كما كان غير مرحَّب بحله وقدومه سيَّما وقد ظهر منه سوء المقام وشرُّ المقال وأنكر التدبير والأفعال .

 وإن كان أولها وعد من لا يملك لمن لا يستحقُّ فإن ثانيها عسف وتجبُّر وظلم ُ من تحكَّم فحكم بغير عدل ٍ ولا نزاهة ٍ ولا سند ٍ فأفسدَ وظلم وقررَّ تقسيما مهَّد به لعدوان وفساد كبير وزرع به بذور الشرِّ المستطير ، ثمَّ لم يحفل لما صنع بيديه من جرائم وعظائم لحقت بشعب مسالم جلُّ ذنبه أنَّه لم يكن له شوكة ٌ تردُّ عنه المطامع وكانت أرضه ومقدِّراته بيد الطغاة مغانم ، وهذا الحكم نفسه هو الذي غضَّ الطرف مليا ً ونام طويلا حتى فصل ما قطع بيديه .

 أما اليوم يا سادة ، فجنيف هذه صناعة جديدة حملت إليها أحفادا بالاسم والميلاد ولون البشرة لمن أعتدي عليهم يوما ليشتركوا في جريمة جديدة ضد وطنهم وضد شعبهم وضد حقوقهم ، وليضيفوا فرقا بيِّنا بين ما سبق من هذه المفاصل العدوانية التشرينية وبين أحدثها العولمي الذي يوقِّعونه اليوم مع مغتصب وطنهم ومنكر حقوقهم وحقوق شعبهم ، وبالذات في الوقت الذي وصلت فيه درجة عدوانية جلّادهم إلى ما لم يسبق له مثيل وإلى الحدِّ الذي احتار فيما يمكن أن يضيفه ولم يفعل .

 ولكنَّ القضية اليوم ستكون بالتأكيد تحت هذا الفرق البيِّن ذات دلالة جديدة مختلفة عمَّا سبقها ، فحتى الساعة كانت كلُّ تلك الجرائم المفصلية بحق هذه القضية وهذا الشعب أجنبية الصناعة ونقية الصفة في هذا الجانب ، أما اليوم فالباب مفتوح لتثبيت تهمة لم تفلح كلُّ أبواق التزوير والدسّ في وصم أصحاب القضية بها ، ونجحت مقاومة هذا الشعب العنيد الأبي ِّ ومن تمترس معه من بني قومه ودينه وإنسانيته في إثبات زورها وبهتانها وظلمها الكبير ، والثمن دوما هو الفداء والتضحية وتلك التهمة هي بيع الوطن !

 اليوم تجري عملية بيع مؤكَّدة واضحة ولا تحتاج لدليل عليها ولا ينفيها أيُّ حجة في الأرض ولا بيِّنة مهما كان نوعها ولونها ويشترك بها هؤلاء متنكِّرين لكلِّ ما قدَّم الأجداد والآباء والأبناء ولما لا زالوا يقدِّمون من تضحيات جسام وكلُّ ذلك بمبرِّرات واهية لا تستقيم أن تنهض من كساحها وعيِّها ولا أن تنفي عنها زيغها وغيّها فما هي إلا متهمة الدوافع ومذمومة العواقب وخبيثة البضاعة وبخسة المذاهب وستنتهي حتما إلى جرح المطالب وسوء المنقلب فيما ستجرُّه من معاطب .

 من طلبَ من هؤلاء أن يستنفروا فيه خفيفهم وثقيلهم وإليه فصيحهم وعييهم وما فيهم من ثقيل إلا عن واجب ولا فصيح إلا بما هو لو أعجِم َ لكان أسترَ وأحفظ لماء الوجه ولما هو حريٌ به أن يحفظ ؟ ومن ذا الذي وضع في أيديهم تمثيلا وتفويضا عمّ انتدبوا أنفسهم لبيعه والتفريط به ؟  وأيُّ سند ومتن ٍ سيقدِّمونَ في توصيف أنفسهم به ومتى كانت السقائف التي أخذوا تحتها التبريكات والدعوات ومن واكبهم وشيَّعهم في سفرهم الذي شدّوا رحالهم نحوه ؟

 جرى العرف وحكم الشرع وقضى العقلُ أن يحجرَ على السفيه والمجنون حتى يستفيق فلا يملك لما هو مالك بين يديه ولا يقبل منه تمثيل لما هي نفسه صادر عنها وسقط بذلك عنه الحدُّ ورفع التكليف ، فكيف بهؤلاء يدَّعون ما لا يملكونه لأنفسهم ابتداءً في ظلِّ شرعة عالم مغرض ٍ ومنقلب على المنطق والخلق والحق ّ؟ وإذا كان لسان حال صاحب الحق جمعا هي الإدانة والإبانة عن الرفض المطلق وضعا وموضعا فكيف استجمعوا في أنفسهم مظنَّة غير الثابت البيِّن ؟

 ليذهبوا حيثما شاءوا فهم لا يمثلون حتى أنفسهم وليعدوا بما لا يملكون مما هو في أيدي غاصبه وليعلموا أنَّ صاحب الحقِّ ناهضٌ خلفَ حقه ما طال الزمان أبدا في ما تجمَّع أو تفرَّق من خيام ، وأنَّ ساعد الجد ِّ ما هان ولا ضرَّته مثبِّطات الهمم ومواسم الألم وأكثرها فجيعة ً ما كان من ذات اللحم والدم ، وأنَّ الحقَّ بيِّن ٌ وأنَّ الزمان مهما طال واستطال غير منقصٍ له ُ قيمة ولا هو مفرِّقٌ له جمعا ولا هو غافرٌ عليه جريمة ، وأنَّ عدل السماء في الإمهال ولا استحالة إلا في الإهمال.

 بقي أن نتذكَّر أن َّ ما سبق من التشرينيات مرَّت وليس لهذا الشعب من عمود لبيته يستجمع شارده ووارده حوله ولكنَّ المصيبة اليوم أن تمرَّ التشرينية الجديدة وهناك ما انحصر فوق التراب الذي هم ذاهبون لبيع حقِّه من عمود لم نسمع له كلمة ولا رأينا له ظلا ، ولكنَّ ذات الخيام التي استنهضت أعمدتها يوما هي صاحبة القول الفصل في العمود الذي ستجعله فيصلا وفصيلا ، فلا الصياح ُ تغريد ٌ ولا الهمسُ تجويد .

 أيمن اللبدي

1/12/2003

 

 

إنجليزي

قصائد العمود

المواد تخضع لحماية الحقوق

قصائد السطر

جوائز