|
حكومة مع خصومة "نعم"
.......قيادات أنابيب "لا"
ولدت
لتسع عشرة ليلة ٍ خلت من رمضان الحالي
أخيرا حكومة السيد أحمد قريع
تامة من غير نقصان بسبب طارئ أو غير
طارئ ، ومنح المجلس التشريعي هذه الحكومة
العتيدة الثقة بأغلبية واضحة ، بينما وجدت
أزمة وزارة الداخلية طريقها للحل فجأة ،
ولم تعد تعكرِّ صفو الساحة الفلسطينية
السياسية هذه الأزمة التي نشبت قبل فترة
وجيزة بكلِّ ما حملته من مضاعفات أحيانا
ومن تجاذبات أحيانا أخرى ، والأهم من ذلك
كلِّه هو ما حملته عملية الولادة من
اختفاء مظاهر الاحتقان المفتعلة في بعض
القطاعات والرهانات الخائبة في قطاعات
أخرى بحيث تم إدراك حجم التهويل في بعض
الصور التي كانت حتى عهد قريب شاغلة
الشاشات ومثيرة المشاغبات دون رصيد سوى ما
أودعته الفضائيات .
حسنا
نعلم تماما أن تشكيل الحكومة الفلسطينية
الجديدة برئاسة الأخ أبو علاء ينتظرها وقت
هام قبل أن تشرع في متابعة مهامها الوطنية
في هذه المرحلة وندرك أيضا أن من أهم ما
أنيط بهذه الحكومة على الصعيد الفلسطيني
هو متابعة الحوار الوطني الفلسطيني
والتأسيس لحوار دائم متفاعل ينهي حالة
سادت من مروره ببعض الرشوحات أحيانا
والنزلات القوية أحيانا أخرى ويقفز عما هو
معلوم عنه من سمات الموسمية والمناخية
والتوظيفية ليصبح نشاطا مستمرا متصلا ً
منتجاً وسيلة لا غاية في حد ذاته ولكي
يستوعب فيه ومع إنجاز ذلك حوله كل طاقات
ومقدرات الشعب الفلسطيني وزخم فصائله
ومؤسساته وجماهيره في كافة مساحات
التواجد والرباط .
وإذا
كانت عملية الحوار الوطني هي أول المهام
التي يجب أن تشرع في التأسيس لها حكومة أبو
علاء وفق هذا المنظور بعيدا عن سيوف الوقت
وحساسية الظروف طالما أن الحكومة العتيدة
قد تشكَّلت وليس لديها من وجع تعانيه في
هذه الناحية حيث امتصت حكومة الطوارئ
الأولى هذا الجانب ، فإن العملية التي يجب
أن تنتهي بها هذه الحكومة في هذا الجانب هو
على الأقل بملامح الاتفاق الوطني حول
المشروع الواحد والبرنامج المتفق عليه في
مواجهة العدوان الصهيوني المرشَّح برغم
بعض مظاهر الترطيب التي لها أهداف ليكودية
خاصة برسم إعادة شحن بطارية الحقد
الصهيوني عند الانتقال للجزء التالي في
المواجهة المفتوحة .
وفي
ذات الوقت الذي يجب أن تكون فيه خطى
الحكومة مؤسِسة لهذا المشروع الحواري
ولهذا البرنامج الاتفاقي فإن على الحكومة
أيضا أن تعمل على الاتجاه الموازي لهذه
النقلة بضمان التهيئة لانتخابات فلسطينية
داخلية على كل المستويات وأن تكون جاهزة
أيضا لتنفيذ هذه الانتخابات لو أتيحت
الظروف لها بحيث تبقى الصورة متصلة وخالية
من الفراغات والشقوق التي تكلِّف كثيرا لو
حلّت دونما جاهزية ، وفي هذا الجانب فإن
مشروع الهدنة الذي نشكُّ أن يستمرَّ
الحديث حوله طويلا -طالما بقيت حكومة
ليكود في تصعيد خطواتها-
ولو حدث أن توفّرت الظروف فإن هدنة ما
يجب أن تبدأ من الطرف المعتدي وبضمانات
أساسها قوات فصل أممية وقرار من مجلس
الأمن يحدد ذلك .
هنالك
برنامج كثيف بانتظار حكومة الأخ أحمد قريع
وهنالك عدد من المفاصل التي يمكن تناولها
في قصة ولادة حكومة أبو علاء كما يمكن
قراءة البرنامج الذي تقدمُّه الحكومة
بتفصيلاته والاستفاضة حول هذا الموضوع
وسنترك ذلك إلى جزء آخر في قصة ولادة
الحكومة الفلسطينية فرضت حقيقته ولادة
هذه الحكومة على هذا الشكل وهذه الصورة
ونرى في ولادة حكومة السيد أحمد قريع هذه
الجواب الشافي والرقية الفلسطينية لكل من
يشكو الأوهام وآلام توافد وذهاب الأيام في
حفلة من مبالغات الرهانات والأرقام
وحساسية الصدر والعقل والأنف بالزكام كما
نرى أيضا فيها إشارات تتلو عملية الرقية
الفلسطينية لأطراف بعينها حتى لا تغرق في
الذهاب إلى أبعد مما توهّمت .
أما
الاستخلاص الذي خرجت به ولادة الحكومة
العتيدة فهي وإلى من يهمه الأمر تدور في
هذا الأبعاد :
أولا
: - فلسطينيا
وهي
الأهم أظهرت هذه العملية أن ظاهرة "
قيادات الأنابيب " لن تمرَّ في الساحة
الفلسطينية وخاصة الساحة الفتحاوية ومهما
تطوَّرت أساليب التهجين أو التلقين أو حتى
التسمين فإن المؤسسة بقوانينها الوطنية
الأصيلة تبقى هي الرحم الطبيعي الذي يرفض
هذه البويضات المجانية في مختبرات
الشارونية والبوشية ويلفظها حتى قبل أن
تحاول الالتصاق بجدران المؤسسة ، ولن يشفع
لها أو يغنيها لو كانت تحاول ذلك بالطرق
الحديثة والميكانيزم الذي يغلب عليه
وصفات التلميع الهولوويدي من نمط " كيف
تصنع ترافولتا من جديد ؟ " ، لقد أثبتت
هذه المرة كما كل مرة سابقة بأن المؤسسة
الفتحاوية كما توقعنا تبقى هي المركز الذي
لن يسمح بقيادات مبتسرة ونصف مبسترة .
لقد
أصبح واضحا أن توهُّم حدوث انقلابات على
طريقة خروج بضع عشرات من مرتزقة هذا أو ذاك
بأموال دفعت تحديدا لتنفيذ مثل هذه
المهمات الاستزلامية القذرة والتي أخرجت
تاليا من خرج بها ومن أخرج لها من ربقة
المؤسسة وحمايتها مما يتوجب معه أن تأخذ
هذه المؤسسة اليوم حقها التام من هؤلاء
النفر الذين أشاعوا جوا ً قبيحا وخطيرا
يصل إلى حدود تهديد هذه المؤسسة ذاتها ،
وعليه فإن حركة التحرير الوطني الفلسطيني
فتح بلجنتها المركزية وبمجلسها الثوري
برغم ذلك كانت هي الأقدر وهي الراسخ الصلب
في مرحلة الاحتراق التي شهدتها عدة أيدي
وعديد وجوه بعضها كانت حتى ساعة قريبة
تحسب على قيادات طبيعية كفاحية قبل أن
تتحالف مع قيادات الأنابيب ويسقطان معا
سقوطا مدويا ً.
كما
أظهرت ولادة هذه الحكومة فلسطينيا أيضا أن
الجسم السياسي الفلسطيني وإن كان يعاني من
بعض المصاعب كما هو الجسم الحي ويحاول
جهده أن يتفاعل بحيث يلج مراحل متتابعة من
النضج والمراجعة باتجاه المثال الأكثر
انسجاما والأكثر حيوية والأكثر فعالية
فإن الخط الأحمر الذي يفترضه هذا الجسم
السياسي يبقى كذلك ، وفي هذا الجزء نرى
الوحدة الوطنية الفلسطينية كحالة سياسية
لا يمكن كسرها باتجاه الاقتتال والاحتراب
ويمكن على الأقل إبقاء هامشها الأدنى في
هذا البعد وفي هذا الصمام الأمين ،
ولنتذكّر أن التجربة الأخيرة وخاصة حكومة
الطوارئ باتجاه هذه الحكومة وما حاول
البعض أن يشيعه يومها بأن الهدف هو ضرب
القوى الوطنية بعضها ببعض قد ألجمت هذا
التحليل جبلا من حجارة هذا اليوم دون ريب
وأظهرت عقمه وفجاجة طرحه .
ثانيا
:- إقليميا
أرسلت
رسالة واضحة بأن الجسم السياسي الفلسطيني
ومهما تعرض له عصيٌ على الكسر ويحتفظ فيه
للرئيس عرفات بالرقم الأول رمزا وفعلا
وبالتالي فإن التلويح أو التصريح بما
يحاول أن يتجاوز ذلك لن يصمد ولن ينجح بل
وستكذِّبه الأحداث التالية له مباشرة
والتي فيما يبدو ما عادت تأخذ طويل وقت حتى
تظهر للعيان ، كما أوضحت في ذات الوقت أن
الرئيس عرفات أصبح مع التجربة السابقة
أقوى حتى من وضعه السابق وأن العمليات
الطفولية بالقفز في الهواء أمام هذه
الحقيقة لن تجدي نفعا ، وأن على الحكومة
الصهيونية وعلى الأحزاب الصهيونية أن
تقرِّر إما أنها تريد فعلا حلاً متوازنا
هو ممكن فقط مع هذه القيادة التي تصرُّ حتى
الساعة على الثوابت الفلسطينية وإما أنها
لا تريد ذلك الحلّ من أصله أو أنها لا زالت
أسيرة لعبة الوقت وستبقى المقاومة وهذه
المرة تقترب لأن تكون بأجندة حكومية .
في
ذات الوقت فلقد عبرت القيادة الفلسطينية
أزمة شديدة نعم على كل المستويات ولكنها
اليوم خرجت قوية وسليمة بل وأشدّ متانة
وصحة في الطريق إلى ما هو أفضل وشكرت هذه
القيادة الأطراف العربية التي نشطت في
التوسط على حلقات بين الأطراف الفلسطينية
وأهم ما يميّز حكومة أبو علاء ويسجَّل لها
أنها ولادة فلسطينية 100% من غير توسُّط ولا
توسيط ومن غير جولات عربية مكوكية
واجتماعات في عواصم من أجل حلّ وتوسط في
حلّ هو حقيقة كان جزءا من ذات المشاهد التي
تكرَّرت والتي فجأة اكتشفنا مع ولادة
حكومة أبو العلاء أنا لسنا بحاجة لهذا
الجزء من التسلسل المشهدي ضمن هذه الرواية
صاحبة العنوان القريب ، وعلى أي حال فإن
الرسالة أيضا للأطراف العربية هي أن
القيادة الفلسطينية تنتظر هذه المرة دعم
برنامج الحكومة التي تم تشكيلها في مواجهة
العدوان المستمر على أبناء الشعب
الفلسطيني والتخفيف عنهم هذه الآثار
والمساهمة في تعزيز صمودهم عوضا عن دعم
خطوات ومراحل عملية التشكيل .
ثالثا
: - دوليا
أجهضت
نتيجة العملية حقاً أوهام بوش المسكون هذه
المرة بسرطان المواجهة في العراق الشقيق
بحيث لم تجد التشكيلة تعقيبا من إدارته
سوى حسرة الخيبة بعدما كانت إدارة بوش
تراهن على جملة من الأهداف ربما تقع في
مجموعها حول عزل
القيادة الفلسطينية واستجلاب قيادات
أنابيب هنا وهناك في الحكومة والمؤسسة
الفتحاوية وتنظيم ضرب الجماهير بالسلطة
تاليا وتحشيد أذرع العدوان ضد فلسطين
كقضية وكشعب وإلحاقها تاليا بمشروعها
الوهمي في حرب الإرهاب بحجة رفض السلام
والديموقراطية وإلى آخر هذه المعزوفة
الممجوجة ، إذن لدينا في فلسطين قيادة
منتخبة بطريقة ديموقراطية وتشكِّل
حكومتها أيضا بطريقة ديموقراطية وتنال
الثقة وتطرح برنامجها وتقول أنها الطرف
المعتدى عليه وعلى العدوان أن ينسحب إن
كان بريد سلاما .
في
المقابل كانت هذه النتيجة في وقت واحد
صفعة لبوش ومكافئة سياسية لبعض الأطراف
الأوروبية التي بقيت على قرارها بلقاء
القيادة الفلسطينية ورفض المزاعم
والدعاوى والحجج الواهية لعزلها
ومقاطعتها وأكّدت العملية أن العنوان
فلسطينيا واضح وصريح وعلى الدول في العالم
أن ترى هذه الحقيقة من خلال الأرض وواقعها
وليس من خلال برامج الدعاية والتضليل
الرسميين الأمريكي والصهيوني ولا عبر
وسائل إعلام معينة تشكّل جزءاً من هذا
التضليل السياسي والتآمر التمثيلي على
قيادة فلسطينية وقضية فلسطينية ، وإذا كان
ذلك أصبح واضحا على صعيد الدول بالمفرّق
فإنه أدعى أن يكون واضحا على صعيد ذات
الدول بالجملة والحزمة عبر الأطر
والتجمعات والمنتديات والمنظمات الدولية
واتحادات هذه الدول المعبّرة جغرافيا أو
ثقافيا عن إراداتها ومصالحها ، وعليه فإن
العنوان لمن يريد واضح عندما يتعلق الأمر
بفلسطين .
هنالك
العديد من المواضيع التي تنتظر النشاط
الحكومي وعلى حكومة فلسطين أن تأخذ ذلك
بعين الاعتبار منذ اليوم الأول لها ونتمنى
لها التوفيق كما تمنى لها الرئيس ياسر
عرفات في خطابه أمام المجلس التشريعي لدى
عرض الحكومة على هذا الأخير ، ونعلم أن
الحكومة ستلاحظ بالتضامن ورغم عدم رؤيتنا
لمعايير كثيرة كان يمكن أن تطبَّق بشكل
أفضل بالذات فيما يتعلق بالسادة الوزراء
واختيار بعضهم لا سيما وأن هذا البعض أثبت
فشلا مكرَّرا وبعضهم أثبت أخطر من ذلك ،
إلا أن دواعي معينة واعتبارات محسوبة نعلم
أنها لم تغب عن بال القيادة في التشكيل كما
هو واضح ومع ذلك نأمل أن لا يبقى أداء هذه
الأسماء كما عرفنا عنه وأن يرتقي لأفضل
مما عرفناه عنهم .
قطعا
فيما هو قادم سنرى عددا من الموضوعات
والتطبيقات في الأداء الحكومي مما لن يكون
بالضرورة مثاليا أو في مستوى النجاح
المميز ، وسنختلف ويختلف معنا كثيرون مع
الحكومة في أدائها جملة أو في بعض أجزاء
وزوايا بينما قد اختلف بالفعل البعض الآخر
مع هذه الحكومة في نقطة الدعوة إلى
استئناف المفاوضات ، ومع ذلك فإن أيَّ
خصومة هنا أو هناك ستبقى بالتأكيد أهون
شرا وأقلَّ خسارة من أن يكون البديل من نمط
حكومات مفروضة على هذا الشعب – لو تم ذلك
– أو قيادات مستنسخة أو معجّنة أو منشَّفة
على البخار أو الهواء البارد لا يهم من نمط
ما حاولته بعض الأطراف أن تصنعه عبر ما دار
من أجواء إبان حكومة السيد أبو مازن
وبعدها ، ستبقى القيمة الفعلية للمنجز
الوطني مع هذه الحكومة في نقطة الشروع أو
التكليف والمسار المبدئي في صالحها وليس
ضدها وبالتالي فإن هناك أمل ما دامت
البداية سليمة بأن تكتمل النهاية بمنتج
وطني سليم .
في
جانب آخر نعلم أن حكومة السيد أبو مازن
فشلت بسبب تعنت الكيان الصهيوني وإدارة
بوش ولكن أيضا لأسباب تخص ذات الحكومة وفي
تركيبتها هي وما حاولت أن تقفز به وتقفز
عليه ، وبعيدا عن الإغراق في التوقعات
المفرطة بالتفاؤل فإن هذه الحكومة ستكون
أطول عمرا لأسباب عديدة أهمها أنها أتمت
الحمل والولادة طبيعيا وعلى السرير
الفلسطيني ولم تحمل بويضات مجانية
ملقَّحة بافتعال على طريقة إنتاج بعض
قيادات الأنابيب ولأنها لم تضع في
اعتبارها ما هو خارج عن المتوافق من دون
افتعال المزيد من الضجيج والأزمات وأحسن
تماما السيد أحمد قريع منذ البداية
بالإشارة إلى الدور المؤسسي الذي سيكون –
وقد كان -في إنتاج هذه الحكومة
، وهذا يعتبر أوَّل عوامل الاستبشار
بهذه الحكومة طالما بقيت وحافظت على هذه
المرجعية الوطنية بالمؤسسة والفصائل
والانتخابية الهيكلية بالمجلس التشريعي
في كل ما سيعرض لها من منعطفات .
باختصار
نرى الكرة في ملعب الكيان الصهيوني سياسيا
ولن تفلح مجموعة الجمل المتقاطعة التي
يطرب عليها شارون فقط هو وغيسنج بتاعه في (انتظار
الأفعال للحكم) وذلك لأن الذي حقََّق َ هذه
المرة الصفعة فعلا وقال الفعل هو الطرف
الفلسطيني وعلى حكومة الكيان أن تنسحب
وتهدم جدارها وتنصاع للقرارات الدولية في
مقدمة الخطوات الممهدة لمفاوضات أو
لعملية سلام صحيحة تتيح إحقاق الحقوق
الوطنية الفلسطينية وفي مقدمتها حق
العودة مع التعويض التام المادي والمعنوي
والقدس والمقدسات والدولة ومواطنيها
الأحرار وإلا فهناك كلام .....
أيمن
اللبدي
13/11/2003
|