تواصل دراسات أوراق حوارات مقالات

نشاطات

مجموعات مواقع إصدارات بطاقة

 

 

 على أبواب افتتاح المواجهة الشاملة....

 

في جردة بسيطة لمجموعة من الأحداث المتلاحقة والتي مرَّت بها المواجهة الفلسطينية الصهيونية في فلسطين تتكثّف دلائل هامة تشي بقرب افتتاح مواجهة شاملة قادمة وإن تم تأجيلها لزمن في ضؤ درجة الاحتقان القائمة ، ولا شكَّ أنَّ الانسداد السياسي الحاصل لن يلطِّف منه دعوة شارون المخلبية للقاء أحمد قريع ولا تصريحاته عن وجود قنوات للتشاور والمشاورات والاتصالات القائمة مع السلطة الفلسطينية ، هذه التصريحات والتي جاءت فقط عقب ثلاثة تطوّرات حساسة بالنسبة لموقع شارون وحزبه في هرم الكيان الصهيوني وعلى أبواب الانتخابات المقبلة كانت مجرَّد آخر ورقة يستخدمها شارون قبل أن يهوي ، وحتى لو أقدمت سلطات الاحتلال تاليا وهو متوقع على بعض الإجراءات الشكلية من نمط السماح لعدد من العمال بدخول الأرض المغتصبة أو غيرها من نمط حدوث لقاء مع الحكومة القادمة برئاسة أحمد قريع فهذه كلُّها مجرَّد استنفاذ المستنفذ ولن تجدي نفعاً على الأغلب .

 التطورات كانت قد بدأت أولا بمحاولات حزب العمل ضرب أساس ما تحتج به حكومة ليكود من عدم وجود إمكانية لأي نوع من تفاوض أو مفاوضات مع أي طرف فلسطيني ، وهي تلك التي كان أعلنها أساسا أيهود باراك نفسه عقب نتائج كامب ديفيد الثانية وهو على رأس حزب العمل والتي التقطها ليكود ليوجه على أساسها الضربة القاضية لحزب العمل ويكنسه من الحكومة عقب الانتخابات السابقة، ومن ثم ليتقدَّم ليكود لينفّذ برنامجه الأمني أساسا لحل ّ الصراع وعلى أساس هذا الفهم وهذه الأطروحة التي يشتهر هو بها في استراتيجيته العدوانية في التعامل مع المسألة السياسية القائمة في فلسطين ومجمل تطوّراتها ، وطبعا فشلت حكومة ليكود في تنفيذ أيٍّ من الإنجازات الميدانية على الأرض فيما يتعلق بالهدف المعلن حول وقف الانتفاضة وتحطيم البنية الصلبة للمقاومة وفصائل العمل الوطني والفدائي ووقف بخاصة العمليات الاستشهادية البطولية والعمليات النوعية للمقاومة  .

 حزب العمل هذا وبعض من قادته الجدد وعلى رأسهم الوزير يوسي بيلين رأى في وصول برنامج شارون الأمني للطريق المسدود والذي جرَّته له الانتفاضة الفلسطينية وليس أيُّ شيءٍ آخر الفرصة الذهبية ، فحاول أن يعود من ذات النقطة ناقضا بذلك ما استخلصه باراك وفي عودته هذه لديه قطعا أمل في العودة للحكم وعينه على الانتخابات القادمة ، إن أساس تحرّك حزب العمل لم يأت نتيجة لمراجعة سياسية جادة تعترف بالحق الفلسطيني المشروع وتضع إجابة واضحة وصريحة لهذه المسألة والتي قوامها إنهاء الاحتلال فورا وإعادة الأرض والتعويض والاعتراف بحق العودة كاملا دون نقصان بل أتت فقط من باب التجاذب السياسي الصهيوني نفسه ورهاناته القديمة الجديدة ،  ولأنه غير جاد في أن يتجه لحل حقيقي بل يزمع أن يبرم صفقة ما تدخله الحكم من الباب الفلسطيني،  قرَّر أن يشرع في ما عرف بلقاءات ستقود إلى شبه اتفاق أو خطوط عامة لاتفاق سمي اتفاق " جنيف " أو صفقة جنيف .

أما التطوّر الثاني الذي دهم حكومة ليكود وشارون فكان تصريحات القيادة العسكرية الصهيونية ممثلة في تصريحات رئيس هيئة الأركان الصهيوني موشيه يعلون والاشتباك القائم ربما للمرة الأولى علنا بين المؤسستين الصهيونيتين العسكرية والسياسية على خلفية فشلهما الذريع في تحقيق أدنى هدف مادي في ما وضعاه من أهداف عسكرية وسياسية ضد الانتفاضة المستمرة بنشاط حتى الساعة ، ومن المفيد أن نتذكّر دوما أن حكومة ليكود لم تحقِّق على الأرض وفي الميدان الأهداف المرئية ذات الوزن الانتخابي ولكنها قطعا قد قطعت أشواطا في تحقيق مقومات لأهداف استراتيجية صهيونية لن يكون من السهل التقليل من أهميتها مستغلة حالة الجمود الإقليمي والانكفاء الدولي والغطاء الذي وفَّرته إدارة بوش والفرصة الذهبية الناتجة عن كلِّ هذه العوامل معا في ترسيم هذه الخطوات الإستراتيجية على الأرض وتحويلها تاليا ربما عقب عدة دورات انتخابية إلى نتائج ذات أوزان انتخابية لليكود وغلاة التطرف الصهيوني .

 وأما ثالث هذه التطورات فهو التحقيق القضائي الذي افتتحته شرطة الكيان الصهيوني مع شارون وأولاده في قضايا الفساد السياسي التي تحمل أيضا ثالث هذه التهديدات الخطيرة التي تحاصر منذ اليوم مصيره السياسي وتعده بالفشل الذريع ، لقد سبق هذه التطوَّرات جملة من التسخينات بدءا بزيارة الصهيوني الحاقد هنغبي للمسجد الأقصى في استقبال شهر رمضان ، وقرار الحكومة الصهيونية الشروع في إنشاء فك الكماشة الشرقي الخاص بذراع السور الصهيوني العازل رغم إدانة الجمعية العامة للفك الغربي ولنهج هذا الغيتو الصهيوني ضد شعب فلسطين ، وتحويل النقاط العشوائية إلى نقاط استيطانية دائمة ، والتصريحات المتلوِّنة التي رددها الجنرال أهارون زئيفي فركش  رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الصهيوني ، ومفاجئة شارون الخاصة بعزوف حكومته عن استهداف الرئيس عرفات مباشرة بما تحمله من دلالات خطرة لا تشير بالتأكيد إلى تراجع شارون بقدر ما تشير إلى خطورة ما هو مخفي من خطط قد تكون خطرة جدا ضد الساحة الفلسطينية .

لقد  كانت كما نتذكّر مقومات وركائز العمل الاستراتيجي الصهيوني في بداية الانتفاضة وفي عهد حكومة العمل وإبان عهد إدارة كلينتون أو بداية عهد بوش ترتكز إلى ثلاثة أسس هي :

 أولا : منع التدويل للقضية الفلسطينية بأي ثمن .

ثانيا: منع الاشتعال الإقليمي على خلفية الانتفاضة .

ثالثا: ضبط مستوى العنف الذي تحمله الانتفاضة .

 لكنَّ هذه الجملة قد تغيَّرت بعد ذهاب حزب العمل الصهيوني ووصول شارون إلى مقومات مختلفة حملت بعض سماتها الخطط الشارونية بدءا من خطة المائة يوم ومرورا بالسور الواقي وانتهاء بالسور الواقي 2 وتحضيراته التي جرت باقتحام رفح ومحاولة التمهيد الفعلي لهذه الخطوة  ، ولعل أهم مقومات العمل الاستراتيجي الصهيوني اليوم أصبحت تدور في محاور ثلاثة أيضا ولكن باختلاف حاد هي :

 أولا : ضمان الانتهاء من الجيتو العازل بعد ضمان الدعم الأمريكي وفشل أي سياسة تصدي لهذا المشروع .

ثانيا:  توسيع البؤرة  المتفجِّرة إقليميا وذلك عن طريق استدراج سوريا ولبنان أو كليهما معا بعد تغيُّر المعادلة الإقليمية تماما لإدخال عوامل أخرى جديدة على أرض الصراع تتيح المجال لاستدراج الحالة الإيرانية تاليا .

ثالثا: تصفية التجربة الفلسطينية من الداخل وتوفير الفرص لحرب أهلية فلسطينية في ظل ظروف مشجّعة فلسطينيا لذلك بالاستفادة من الخلل التنظيمي الواضح في التنظيم القائد للمسيرة الفلسطينية .

 وإذا كانت هذه هي مقومات العمل الصهيوني شارونيا وليكوديا فإن الرّد الفلسطيني الحقيقي والعربي جاء أساسا على نحو قاطع وصاعق لحكومة ليكود ولأهدافها الإستراتيجية وذلك على النحو التالي :

 أولا : مؤتمر لندن الذي حدّد بقوة موقف حق العودة في مقابل تفريطات جنيف المحتملة أو الملوّح بها فلسطينيا في مقابل ومهما كانت هذه المقابلات فقد تم في الواقع عبر هذا المؤتمر سحبها تماما من المداولة وأصبحت بعدها وثيقة جنيف كأن لم تكن في البعد السياسي الإستراتيجي أمام كلِّ الأطراف ، وقد أشهر هذا المؤتمر ورقة الفيتو على كلِّ أنواع الهرولة فلسطينيا وجرَّد جنيف من قيمتها السياسية والاستراتيجية وإن بقيت رغم ذلك في نظر حزب العمل قيمته الانتخابية ، وهذا ما يفسّر استمراره في استخدامها استهلاكيا وإعلاميا في مواجهة عجز حكومة شارون السياسي فعلى هذا المستوى لا زالت لها الفاعلية بنظره ، وحقا هي على هذا الجانب من التقييم لا زالت تشكِّل ضربة لليكود يحاول أن يتجاوزها من خلال تصريحات شارون الأخيرة بالاتصالات والرغبة في لقاء حكومة قريع المقبلة .

 ثانيا : وأما الرد الحازم الثاني فجاء من فصائل المقاومة الفلسطينية التي رفضت وبحزم اللعب في الوقت الضائع وتقديم ورقة الهدنة فقط في مقابل ذات السيناريوهات المطلوبة لإنقاذ حكومة العدو بغض النظر عمن هو في هرمها من الأحزاب  في كلِّ مرة ، ولعل سلسلة العمليات الأخيرة كانت بمستوى إعادة تأكيد الثقل الميداني المفشل لكافة خطط الاصطياد الداخلي في الساحة الفلسطينية  وفي هذا الاتجاه تصبّ أيضا القيمة السياسية لاتفاق اللجنة المركزية لفتح على اسم السيد رفيق النتشة أبو شاكر مرشحا عنها لرئاسة التشريعي خلفا لأحمد قريع وكذلك الاتجاه المستمر نحو حكومة فلسطينية موسّعة في الوقت المحدَّد وعبر حوارات مستفيضة على هامش هذا السعي ، ورغم ذهاب وفد إلى الولايات المتحدة لمقابلة الكونجرس الأمريكي كما أعلن فلم تكن تلك الخطوة ذات أثر على الإطلاق في خلخلة الموقف الفصائلي رغم كونها في حدِّ ذاتها خطوة لا لزوم لها فقد أمكن حصرها بقيمتها الصفرية .

 ثالثا: أما العامل الثالث في مواجهة ركائز استراتيجية ليكود فكان فشله في استدراج سوريا أو لبنان للمواجهة المكشوفة نتيجة لضغط المقاومة العراقية وتكتيكات التعطيل الإيراني في ملف وكالة الطاقة الذرية وبقاء سيف المقاومة على عنق شارون كما اتضح في الضربات الأخيرة التي وجهها حزب الله مؤخرا ونتيجة لشعور سوريا بتعزّز موقف الصمود الفلسطيني والعراقي وقدرته على فرملة أطماع شارون صدرت تصريحات سورية مختلفة عن المعهود تهدِّد بالرد مستقبلا وفي الجولان المحتل .

رابعا : انتقال المقاومة العراقية بضغطها إلى مستويات متقدِّمة وفَّر مزيدا من الضغط على إدارة بوش المتهاوية والتي فشلت فشلا ذريعا في مؤتمرها الإسباني حول المنح للعراق واستجلاب قوَّات بديلة من دول أخرى فما كان منها إلا أن عادت أدراجها لتنسف أهم القرارات التي اتخذتها في بداية احتلالها للعراق وخاصة الاتجاه نحو إعادة الجيش والشرطة العراقية وتسليمها المهام في العراق وما يترافق مع خطورة ذلك بالنسبة لدولة احتلال ، لقد ضربت المقاومة العراقية ضربات قاتلة وهي في طريقها لتحويل العراق إلى ما هو أقسى من فيتنام رغم محاولا إدارة بوش نفي ذلك ، ولعل النظرية البوشية الجديدة في ربط عنف المقاومة باضطراد نجاحاتها الموهومة هو أثقل وقعا في تعجيل كنسها وكشف كذبها من شعاراتها الخادعة السابقة للناخب الأمريكي الذي تهرّبت أمامه من سابق الأكاذيب على الأقل حتى الساعة ، فكيف سيكون ممكنا أن تتهرَّب فيه مستقبلا من هذا الشعار الخانق والقاتل ؟

 لقد كان الفشل الكبير فلسطينيا وعربيا هو في مواجهة الجدار الصهيوني العازل حتى الساعة على المستوى السياسي والدبلوماسي ولكنَّ المواجهة الحقيقية لهذا الجدار ستكون ميدانية ومن واقع الهدف المعلن عنه قبل أن يتم سقوطه الاستراتيجي ولن يتم ذلك إلا بالضربات الفدائية القادمة والتي ستخترق هذا السور ذاته لتسقط أبعاده الأمنية في طريقها نحو إسقاط أبعاده السياسية والتي تكفّل مؤتمر لندن على الأقل بافتتاح خطوات إفشال بعده الإستراتيجي من خلال تكريس حقِّ العودة واعتباره لاغيا وكأن لم يكن في المدى الاستراتيجي رغم خطورة نتائجه الميدانية اليومية والحياتية على الشعب الفلسطيني داخل فلسطين .

 في ضوء ذلك كلِّه سيكون على ليكود وشارون الاختيار سريعا في افتتاح المواجهة الشاملة مع الفصائل الوطنية والإسلامية ويمكن لخطوة رعناء أخرى من نمط اجتياح كامل القطاع أن تجرَّ إلى هذه المواجهة الشاملة دون ريب ، إلا أنَّ المؤكد أنَّ مثل هذه المواجهة هي المدخل الأخير نحو كنس الاحتلال الصهيوني نهائيا وسقوط المشروع الصهيوني في فلسطين  وكذلك مرافقة مع سقوط الهيمنة الأمريكية على المنطقة برمتها كنتيجة مؤكَّدة لفشلها المؤكّد في العراق .

 أيمن اللبدي

2/11/2003

 

 

إنجليزي

قصائد العمود

المواد تخضع لحماية الحقوق

قصائد السطر

جوائز