تواصل دراسات أوراق حوارات مقالات

نشاطات

مجموعات مواقع إصدارات بطاقة

 

الإعلام العربي بين " التسليع " والتطويع  ...

للإعلام حظ من مشابهه  لفظاً  في المهموز فتحا ً بفاء الكلمة في لغتنا العربية وفي ثقافتنا العربية الموروثة وكما تشهد بذلك جملة الوقائع والسجلات التي لا زالت حيّة في الذاكرة وفي الواقع القريب ، وعليه فلم يكن مستغربا أن يقترن هذا الإعلام بجملة أعلام من رجال الفكر والثقافة والأدب ردحا طويلا من الزمن ومنذ بداية تعاطي شرقنا العربي مع هذه العملية الإعلامية أداة اتصال وخطاب مع الناس برز هؤلاء وبقوا على مهمتهم الجسيمة زمنا قبل أن تنقلب الأمور مع ما انقلب في حياتنا المعاصرة ، بل إن أسس هذه العملية ومرتكزاتها الفكرية القوية بالتجربة آنذاك كانت نتاجا واضحا لجهد مجموعة من هؤلاء الرجال ومنذ البدايات التي أشرقت فيها شموس التنوير العربية والإسلامية في العصر القريب أثناء التواجد التركي العثماني في البلاد العربية ومنذ ما تلا أوّل مطبعة في العالم العربي وهي كما هو معروف مطبعة بولاق الشهيرة في مصر المحروسة .  

لقد نهض عدد كبير من رجالات الفكر والثقافة والأدب في هذه الأمة منذ تلك الأيام المبكرة إلى هذه المهمة الجسيمة بافتتاح الصحف والمجلات والصرف عليها في كثير من الأحيان من جيوبهم الخاصة ، والسهر على أداء هذه المهمة الجسيمة باعتبارها تشكّل عاملا هاما في تحصين المناعة الذاتية في جسد وروح وعي الأمة وثقافتها ، كما تضطلع بنقل رسالتها الحضارية بكل أبعادها مفضية ً إلى خلق جسور من المثاقفة والمفاعلة في هذا العصر الذي يحتّم الانفتاح كما يحتّم التواصل والحوار والممارسة الحضارية لكل ذلك معا ، تم ذلك على ضوء مرتكزات رئيسة تشكّل فيها الأصالة والدراية والمعرفة مشاعل وأعمدة على هذا الطريق خاصة وهي تحظى بموروث رائع ومميز من مجمل ما بنته هذه الأمة على امتداد التاريخ وفي كل مكان وصلت إليه في يوم من الأيام ، وهكذا كان القائمون والقيّمون على مسار هذه العملية الإعلامية بمختلف جوانبها وأشكالها مؤتمنون وهم أهل لهذه الأمانة  .

وكما أن هذا الإعلام حرفة وصنعة يرتكز في جانب منه إلى المعرفة والخبرة والعلم والمهارة وأدواتها ويحتاج في هذا الجانب إلى التقنية مثلما هو محتاج إلى الجديد دوما مما هو متسارع التطور والتحديث وهو بذلك يلزم له الميزانيات التي هي عصب قيام هذا الركن فيه ، فهو أيضا في ذات الوقت فن وثقافة تستند إلى ركيزة الفن من ذوق وذائقة مثلما تستند إلى الأدب والفكر في جانب الثقافة ، وهذا الركن هو الكافل لقيام إعلام بناء سوي ينهض برسالة حضارية مشرّفة نهوضا صحيحا يتبوّأ معه مكانة لائقة تليق بهذه الأمة التي ينطق بلسانها ويعبّر فيه عن آمالها وآلامها مثلما يعبر عن طموحاتها وقضاياها العادلة المصيرية ، وعندما تكون مثل هذه المعادلة قائمة فإن إعلاما كهذا لن يعدم وسيلة في أن يسطع نجما حقيقيا في سماء هذا الكوكب مستجلبا معه احترام الشعوب والأمم الأخرى ، بين الإعلام وبين الثقافة والأدب والفكر صلة أصيلة ولحمة قوية بل ووراثة ودور تاريخي شرعي يصونه ويحيطه بأسس المنعة والرفعة  .

 الإعلام بدأ بداية حضارية حاملا رسالة رائعة يوم انطلق من قاعدة سوية ومن معادلة يستوي فيها هذان الجانبان معا سواء في عالمنا العربي أو في غيره ، ولكن الإعلام وبكل أسف أخذ ينحسر فيه الجزء الحضاري الثقافي ليصبح مع نهاية هذا القرن مجرد حرفة ولتصبح فيه الرسالة مجرد سلعة خاصة مع الفضائيات وقبلها ببرهة مع الملّونات من المجلات والصحف التي طفت على السطح مستخدمة بعض ما تبقى من ثروات العرب وكانت على الأغلب فارغة الرسالة إلا مما هو معلوم من بهرجة ومديح و سفاسف وشجب وتندّر وتناول لما لا يقيم فكرا ولا يرسل حضارة ، وباستثناءات معدودة على تلك المطبوعات التي استفادت من الثروة النفطية وامتازت عن غيرها إلى حين  بقيت العديد من المطبوعات لا تغادر جانب الخبر كحرفة لا أكثر ولا أقل وتتناول من على صفحاتها كلَّ ما سقم وهزل وحينما تتناول خبرا ما تظهر بوضوح فيه على الأغلب تشويهات للتاريخ وللخبر ذاته إلا ما رحم ربك وهو قليل .

 لا يغيب عن البال أن هذا الإعلام سرعان ما انقسم إلى إعلام رسمي تمارسه الدول التي ما إن استقلت عقب مرحلة الاستعمار حتى أنشأت لها أجهزتها الخاصة بها وجهزتها بكل ما يلزم من أدوات لتخرج مطبوعة أو مسموعة أو منظورة تحمل رسالة إعلامية أخرى همها الأساس الرئيس هو تطويع هذه الشعوب في المقام الأول ، ونادرا ما كانت أهداف الإعلام الرسمي في أي دولة عربية خارج إطار هذا الهدف بل قد أصبحت في أحيان كثيرة أداة فرقة بين الشعوب العربية ذاتها فيما تمارسه من ردح وردح مضاد عند أول خلاف سياسي يحدث بين هذه الدول ، وبهذا فقدت العملية الإعلامية العربية عناصر القيمة الفكرية والثقافية والحضارية وأصبحت ليست أكثر من جهاز يشبه أجهزة الدولة الأخرى المستخدمة في الترهيب والتشويه طورا وفي الدعاية والتجميل طورا آخر وحسب الحاجة ، وحسنا فتحت كليات إعلام في الجامعات وعين وزراء لهذه الوزارات الإعلامية ولكن كل ذلك لم ينقل هذا الإعلام من واقع ما هو قائم عليه .

 شهدت عدد من الدول العربية قيام أحزاب وتجمعات عربية على مختلف المذاهب والمشارب وكانت في طريقها الذي شرعت فيه محاكية إلى حد بعيد ما تقوم عليه أجهزة الدول ذاتها في شأن الإعلام ، فما خرج إعلام هذه الأحزاب عن القاعدة العامة التي اختطتها الدول في ممارسة إعلام التطويع والتلميع ، ونادرا هي المرات التي أمكن ملاحظة إعلام حقيقي ومميز يشذ عن هذه القاعدة العامة في الممارسة والرسالة والدور بين مطبوعات ومفرزات العملية الإعلامية التي مارستها هذه الأحزاب العربية في كل مكان ، وحتما لم يكن هناك من هامش حرية كبير أمامها طالما بقيت في نهاية الأمر خاضعة لسيف الرقابة وحجر الحريات التي اشتهر به وطننا العربي منذ الاستقلال وبقيت متحركة في هامش يسمح به الإعلام الرسمي وتقف عند غير المسموح وإلا كان مصيرها الإيقاف والإقصاء في أهون العواقب وهذا معلوم بالضرورة ، إلا أن ذلك لا يعفيها من أنها أيضا في جوهر أدائها وعلى الأغلب لم تكن إلا ظلا في الموقع المقابل لجوهر الدور.

إذا كان حال العملية الإعلامية العربية الرسمية ومقابلتها الحزبية هو هذا الحال البائس الذي قام على ممارسة أقرب إلى الدعاية منه إلى الإعلام الحقيقي وباستثناءات قليلة جدا فإن حال الإعلام الخاص وقع أسير عملية أخرى مارست دورا تخريبيا آخر في معظمها بحق القارئ المتلقي وهي تلهث خلف الربح المادي هاجسا رئيسا في ممارساتها ، لقد دخلت منظومة جديدة من الأفكار في هذا الجانب تبحث عن المثير والإثارة جلبا لأكبر عدد ممكن من القراء على حساب الأفكار الموضوعية وعلى حساب المادة الحضارية ، ومع علمنا بأن هناك سمات تفصيلية بحسب تنوع المادة الإعلامية التي تخصصت أكثر بحيث أصبح هناك صحافة سياسية وصحافة أدبية وصحافة فنية وصحافة نسائية وصحافة رياضية إلى آخر هذه التنويعات والتخصيصات إلا أن السمات العامة لهذه العملية الإعلامية الخاصة بقيت متماثلة في هاجسها كما في سعيها الدائب نحو محركها وملهمها الرئيس أي الربح المادي أولا وأخيرا ومرة أخرى باستثناءات قليلة .

والحقيقة أن "تسليع " الإعلام  الذي ظهر مؤخرا هو بدعة أمريكية بامتياز مثلما هو حال عدد من البدع الأمريكية التي لم تبدأ بتسويق سلع من المأكولات السريعة وحتى الثقافة الفارغة القائمة على الإثارة في محاولة رفع قيمة السلعة وإقبال الناس عليها إن صلح أن  تعد بدءا كثقافة ، ولم يسلم من هذه العدوى إلا عدد قليل من المطبوعات العربية وهو عدد محدود جدا ، ولعل نهوض عدد من أصحاب الفكر والرأي العرب وممن ساءهم ما آل إليه أمر هذا الركن الهام من أركان التواصل إلى إنشاء مواقع إليكترونية ومجلات وصحف إليكترونية هو واحد من تلك المؤشرات على عودة جزء من هذه الرسالة إلى الحال الذي بدأت عليه يوم بدأت في شرقنا العربي العملية الإعلامية الحديثة ، وهم نهضوا إلى هذا الدور يقومون عليه ولو من جيوبهم الخاصة مستفيدين قطعا من التقنية والفضاء الرحب الذي توفر عبر شبكة الإنترنت ، هذا هو رد على "تسليع" الإعلام الخاص وبإمكانات هؤلاء المحدودة  .

هناك حتما جانب سلطوي في مسألة الإعلام مفتوحا على عدد من المؤثرات ، وحقيقة أن الإعلام بتطوره في مسألة الدور أصبح حريا أن يلعب دور لسان حال الشعوب وليكون بهذا سلطة رابعة في المجتمعات والدول ، إلا أن هذه الأداة السلطوية محكومة أيضا في مقدرتها على تشكيل هذه السلطة بعوامل انتشارها وقبولها من الفرد والجماعة ومدى توفّرها بين يدي هذا الفرد المتلقي الذي توجه باسمه وله رسالتها وتعتمد على تفاعله ، وفي هذه المسألة فلا يزال أثر الشبكة المعلوماتية ضعيف نسبيا في العالم العربي لمحدودية انتشاره ، بينما تبقى اليد الأطول للفضائيات ومن ثم للمطبوعات وسيستغرق الأمر وقتا أطول نسبيا لكي تصبح هذه العملية الإعلامية الإليكترونية على قدم المساواة مع الفضائيات والمطبوعات ومع ذلك فإن الزخم الذي تكتسبه العملية الإليكترونية أصبح ملاحظا بشدة .

طبعا لا يغيب عن الذهن أن الحرية هي العامل الأهم كما الديموقراطية وحدهما سيتيحان للصحافة الحقيقية سواء أكانت مطبوعة أم منظورة بأن تلعب هذا الدور التشكيلي للسلطة الرابعة في البلاد العربية ، ولكن حرية مسؤولة وليس حرية هادمة وحرية مضادة تمثلها وجود عدد من الفضائيات مثلما المطبوعات لا هم لها إلا المردود السلعي للعملية التي تقدّم حتى لو ادعت بعكس ذلك ، إذ حينما تتحول هذه الأدوات إلى هذا الغرض ويصبح هذا هو الهم الأساس لها في غياب غيره من الحوافز والكوابح يصبح مفهوما أن تزل بها القدم إلى ما هو أخطر من ذلك حينما تبدأ في تنفيذ جملة من السياسات المطلوبة من مبتدعي هذا "التسليع"  ولعل برنامجا كالذي دعته فضائية المستقبل اللبنانية " بسوبر ستار العرب " لانتقاء عدد من المغنيين والمغنيات هو داخل ضمن هذا الزلل الكبير حينما يحاط بأقوى شبهات "التسليع"  هذه من خلال حصد نتيجته المادية دون غموض في هذا الأمر ، وبرنامج كهذا في ظل مرحلة كهذه لا يمكن إلا أن يدخل ضمن هذه التوصيفات طالما تم تنفيذه على هذه المرتكزات .

ربما في الإعلام الفلسطيني لم يوجد بعد مثل هذا "التسليع" على هذه الصورة ، بيد أن هناك نوعا آخر يعتبر وبحق أسوأ من ذلك بكثير حينما يتم تحويل هذه العملية إلى دكاكين أو مصاطب تمارس دورا شبيها بدور خالتي أم سعد في الحارة التي نشأنا بها ، تفتح مصطبتها عصرا وتغلقها عند الغروب وليس هناك سوى مجرد إثبات وجود لما هو غير موجود اللهم إلا طق الحنك وممارسة مهنة قتل الوقت ، بيد أن هذا في حالة عدد من هذه المؤسسات الفاشلة هو بثمن باهظ وليس مجانا هو الثمن الذي يقدّم من أموال دافع الضرائب الفلسطيني عبر وزارة المالية ، خالاتي أم سعد في القدس ربما لم يسمعن مثلا بأن الصحافة الفلسطينية والتي صدرت منذ العام 1919 على يد أعلام أفذاذ كعارف العارف وبولس شحادة ونجيب نصار وحسن الدجاني وغيرهم أصدروا صحفا من القدس الشريف كمرآة الشرق والكرمل ولسان العرب وغيرها تحمل رسالة فلسطينية حقيقية منذ بداية القضية وباقتدار جعلها دوما عرضة لحرب لا هوادة فيها من سلطات الاحتلال والانتداب البريطاني .

الصحف والمجلات الفلسطينية التي كانت تصدر حتى بداية دخول السلطة الفلسطينية إلى الأرض الفلسطينية لعبت أدوار إعلامية وثقافية من الطراز الأول رغم كل المعوّقات الصهيونية ونجحت في رسالتها الإعلامية وطنيا وثقافيا وحضاريا وبمجهود كبير وميزانيات أقل ، واستطاعت هذه الوسائل الإعلامية حتى دون وجود وزارة إعلام أن تنهض بكل ما أوكل إليها من مهمات على هذا الصعيد بهمة واقتدار ، وكان الكادر الذي حمل على عاتقه هذه المسؤوليات الكبيرة قادرا على أن يستمر بذات الزخم واللافت أن عددا كبيرا من الكادر الإعلامي الفلسطيني متفوق ومشاهد أثره في معظم إن لم يكن كل المؤسسات الإعلامية العربية وله بصمته الخاصة فيها وبشهادة الجميع فما هو المانع من وجود مؤسسات إعلامية فلسطينية قوية وذات رسالة في أرض فلسطين الآن ؟ الوزير عمرو في معقب تعقيبه على مثل ذلك كان يشير إلى الحاجة أساسا إلى الميزانيات ، فإذا كانت مثل هذه الميزانيات تنفق على صحف وهمية فاشلة فلماذا لا يعاد النظر بمثل ذلك ؟

من فضائية فلسطين وصوت فلسطين إلى عدد من المطبوعات في القدس الفلسطينية هناك دلائل قوية على أن الحال هو رهن التسيّب والفساد وبعض تقسيم المغانم والاستزلام أكثر من واضحة وصلت إلى اتحادات الكتاب والصحافيين الفلسطينيين ، الأمر في فلسطين هو حالة خاصة  نعم ... ولكن كان يمكن أن تفهم الخصوصية لو لم تكن هذه الخصوصية فقط على ناس وناس ، في الانتفاضة الفلسطينية الأخيرة لعبت عدد من الصحف الإليكترونية والشبكة دورا أكثر بكثير مما لعبته أي من الصحف المطبوعة أو حتى فضائية فلسطين ناهيك عن هذه المطبوعات التي لم يسمع إلا من هو جار لها باسمها ! لا صوت واضح لها ،  إن الإعلام في فلسطين يكتسب أهمية قصوى مثلما الثقافة لأنه يعالج أساسا قضية مصيرية تتعلق بالحفاظ على هوية وحق ونقل رسالة هذا الشعب ولهذا فإن مؤسساته يجب أن تكون على قدر هذا الدور الوطني والحضاري ومثل ذلك يستلزم مراجعة شاملة لعنوانين عريضين هناك هما الإعلام والثقافة في فلسطين ومؤسساتهما .

هناك العديد من الكادر الصحفي الفلسطيني المؤهل والذي لم يجد له مكانا بين هذه المؤسسات الاسمية وهو قادر على أن يتحول إلى طاقة إنتاج هائلة ومفيدة في هذا الجانب لو تم توظيفه في إطار سليم وفي مؤسسات إعلامية فلسطينية يصرف لها ربع الذي يصرف على المصاطب الفاشلة تلك ، بيد أن هناك كلمة لا بد منها في هذا الجانب وهي حقيقة تشير إلى غياب دور الكادر الصحفي المخضرم في الدفع بهذا الاتجاه والاكتفاء بعضه بما أسند إليه من مهمات وأدوار رسمية واكتفائه بذلك عن القيام بدور التغيير والتطوير والتصويب والبعض الآخر بالانصراف إلى صمت مطبق إزاء مثل هذا الواقع وكأن الأمر لا يعنيه وجزء من هؤلاء اكتفى بالعمل من فلسطين في عدد من الفضائيات والمطبوعات العربية خارج الحدود مكتفيا بالجانب الذاتي من هذا الهم المؤلم ، إن تصويب الحالة لم يخرج عن الممكن لو صلحت النوايا وأسندت مهمة ذلك لمن يحسن القيام بهذا الأمر وهم كثر في الوطن فهل من تصويب قادم ؟

 

 

إنجليزي

قصائد العمود

المواد تخضع لحماية الحقوق

قصائد السطر

جوائز