تواصل دراسات أوراق حوارات مقالات

نشاطات

مجموعات مواقع إصدارات بطاقة

 

 

هنا فلسطين ...خياطة على الجرح النازف

 أقدِّر الظروفَ التي دعت أخي عبد الله عيسى في دنيا الوطن الفلسطينية لكي يوقف َما بدأه من صراخ أليمٍ في ليل الظلم والفساد البهيم طلبا لعلاج مرتقب سليم لا يورث حيرة للحليم ولا يبقي هموما للكليم ، فتستقيم به الأمور وتنتصب الموازين التي طالما اهتزت تحت ضربات المرتزقة والسالبين والطامعين والشاحذين أظافرهم وأنيابهم في جسد هذا الشعب المعاند الصابر المرابط ،  سيما وأن هذا الشعب ما انفك  يترنح في ذات الوقت تحت طعنات حراب الغزاة المعتدين ، وهو برغم كل ذلك مازال قادرا على أن يعود للوقوف من جديد في كل مرة حيث قدَّر له الله أن يبقى عصيّاً على الذوبان والاختفاء والمحو والغياب ومنحه صفة ومنحة المرابطة  .

وواحرَّ قلباه ممن قلوبهم غفلٌ غلف ٌ، إذ لم يحدث أيُّ  تحقيق لأي من هذه المطالب العادلة وبقي اللص لصاً وبقيت الوزارة ملصوصة وبقيت الناس في حرَبٍ وهمٍّ وغيظ وحسرة وخيبة أمل ورجاء  وصمتت دنيا الوطن وبقي الوطن نازفا ملصوصا ً، وفاز بالنوم النوّمُ ومن طالبهم بالنوم وباعهم عقارات التنويم مع شيء من خزعبلات التنجيم ، والعجيب أن  حملة دنيا الوطن كما فهمنا توقفت بطلب جهات عليا لإيقافها على الفور ، ولا ندري لماذا هذه الفورية كانت هل لأن التحقيق والتحقق سيكون فوريا أيضا أم  لأن المطالبة بالنظافة جرم حيث لا يسمح الحصار بنظافة من أي نوع وهل لذلك علاقة مثلا باختفاء الصابون مع ما اختفى من القواميس والأسواق  بالاحتكار وإعادة التعريف ؟

وكما تعددت الأسئلة عقب ذلك  لم ندر أيضا من هي هذه الجهات العليا وما حجم استعلائها ودرجته وإلى أي مدى يصل تسلقها العلو حتى يكون لها هذا السوط الذي أوقف حملة المطالبة بالنظافة والتنظيف ؟ وأسئلة أخرى ربما لا نريد في هذا الوقت أن نعود إليها لأننا لا نزال على ثقة بأن الصابون تشتهر به فلسطين كما تشتهر بزيتونها فهو صناعة وطنية مائة في المائة كان قبل بني صهيون وشياههم وسيظل كذلك بعد بني صهيون وغبارهم الكثيف ، وبالتالي لا نزال ممن يحسن ولو قليلا الظن بأن هناك مقالاً آخر وجوابا ممكنا سيبدو قريبا واضحا للعيان يطمئن من لازال لديه أمل ولو كان بصيصا صغيرا من ثقب الهاوية وأن النظافة حتمية وأن الصابون عائد مهما اختفى وأخفي .

نعم ، لقد قامت دنيا الوطن بفتح الباب وأثارت زوبعة حول حاجز الصمت المريب الذي لفَّ هذه القضية من قبل الفصائل المختلفة التي تجاهلت هذا الأمر وكأنه يقع في المريخ وليس في فلسطين وبين ظهرانيها وتحت أقدامها ،  ولم تصدر حتى موقفا واحدا يقول بأن هذا يحدث وحدث وأن المطالبة برفع الضيم حق معلوم للفلسطيني المسكين المحروم دون ذنب قد جناه إلا أن يكون ولد فلسطينيا يوزَّر عليه من الأراذل والأسافل يحكمون في مقدِّراته سلبا ونهبا ، وقسم كبير منهم قائم على نسج العلاقات واقتسام الصفقات مع عدو هذا الشعب مستفيدا في ذات الوقت من هذا الموقع الذي وضع فيه بغض النظر عمّن كان الواضعون ومن هم المستفيدون تاليا إلا أننا نعلم علم اليقين دون غض للنظر من هم المتضررون  .

 وبينما هبَّت هذه الفصائل وخاصة كتائب شهداء الأقصى لتحتفي بردعها لموظف صغير  نامت هذه المرة  نوم أهل الكهف الذين ازدادوا تسعا ، ومهما كان وزر هذا الموظف فلن يكون بوزر هذا الوزير الذي طالبت دنيا الوطن بحق الوطن منه وما نصرها في ذلك إلا نفر يسير ممن لا يلبسون الحرير ولا يغريهم بطاقات الوزير، ونذكر كيف قامت كتائب الأقصى  تودع حبيسها رهن طلب المحاكمة والإقالة وتلفّه بالعار والشنار ولا تتورع عن تقديمه ملفوفا بتهم يكفي أقلها لو ثبت ليكون فضيحة سياسية من الطراز الأول  ليس له وحده بل للحكومة التي هو أحد تنفيذييها طالما هو موظف في حكومة التفريط  ذاتها .

وحقا أن ما فعلته بمطالبتها تلك هو حق من ضمن الحقوق التي يجب أن يصار إلى طلبها ، وقطعا نوافقها في أن تقام هذه المحاكمة فعلا ولا نختلف معها فيه،  وطبعا يجب أن تكون محاكمة مرهونة بتحقيق شروط وناتج العدالة لمحاسبة هذا الموظف في مقاطعة جنين ، وحسنا أيضا أن نؤكد أن هذه المحاكمة لم تتم وهذه المطالبة المدويّة ذابت ولم نسمع بعد ما تلا هذا البيان وهذه الساعات الطوال من الحديث مع فضائيات الزفّة خبرا ولم نر بعد ذلك أثرا وانتهى الأمر عند هذا الحد من الضرب والركل والصراخ فالصمت ، وكنا نتمنى لو أن ذلك أيضا كان حملة منسقة مع فصائل العمل الوطني الأخرى أو أن تكون الفصائل الأخرى وطنية أو إسلامية قد لجأت إلى مثل تلك المطالبة بالمحاكمة العادلة يومها .

 واليوم تتكشّف الحقائق المعلبة بجدر الكتمان والتمويه تاليا ،  فنسمع عن فرار من كان حتى عهد قريب كاتم الأسرار وحاجب بيت المال والاستثمار بما خفّ وزنه من أوراق وكلمات سر وبما ثقل ثمنه من أموال هذا الشعب المنكوب مرة أخرى ، وكل مرة أخرى نرى ونسمع حجم الاستهانة بدماء وأموال هذا الشعب عند من ائتمنوا عليها أو من ائتمنته قيادة هذا الشعب يوما عليها فخان الأمانة واستخف بالمواثيق والعهود وهو أدعى لذلك حينما ليس له من فلسطينيته إلا  الولادة أو الإدعاء ! ، وتصدمنا فجيعة الصمت من ذات الفصائل أكثر من فجيعة حادثة الهرب ، ومفهوم أن تصمت الحكومة ومجلسها التشريعي وغير مفهوم أن تصمت الفصائل مرة أخرى وفي فترة زمنية قصيرة فيما بين الحادثتين .

نعم ، نعلم علم اليقين أن في أي ممارسة وفي أي قضية هناك دوما المتسلقون على ظهورها والمتزلفون لغرض ذاتي وهناك دوما السلبيات والإنفلاشات و هلم جرا إلى آخر هذه الصفات القبيحة المخزية مما بقي في القاموس ، ونعلم أيضا أن هناك المتسترين على ذلك إما لجرم المشاركة وبالتالي نيل حظ من الثمرة الخاطئة وبها من المسؤولية ضعفها ، أو الصامتين عليها بعد انكشافها لغرض في نفس يعقوب ، كما نعلم أن هناك دائما الغيورين على حدوث مثل هذا والآسفين له والشاعرين بوخز الضمير أو بعظم المسؤولية .

وأيضا نعلم أنه لن نعدم نفرا من الراغبين والراجين إصلاح ما أفسد مثل هؤلاء بليل ولكن بشيء من الروية وشيء من الصبر متخذين شعار عدم الرغبة في نشر ما اتسخ من الغسيل عيانا ، ولكن المشكلة والمعضلة أن حدوث مثل ذلك بحق قضية كقضية فلسطين في ضوء معاناة هذا الشعب الصابر المرابط ولو كان متوقعا الحدوث من هؤلاء اللصوص لا يجب أن يكون مستهانا به عند حدوثه منهم أو مسكوت عنه إلى حين ولو كان ذلك من باب العلاج على خطوات فهي في هذه الحالات مفضية الأمور إلى عكس ما يراد لها .

أما المفاجأة فهي أنه حتى لو سلّمنا جدلا بأنه لا بد حادث مثل ذلك في خضم حركة هذا الشعب وفي بعض مؤسساته أو فصائله أو منابره أو قطاعاته أو ما شئتم ،  فعلى الأقل أن لا تكون نسبة حدوثه  على هذه النسبة أو درجة شيوعه بين نفر المتسلمين أدق أمور حياة هذا الشعب كبيرة على الشكل الذي ظهرت دلائله قبل ظهور نتائجه بعد ، وتاليا أن تكون الفجيعة في درجة موقعهم في سلّم وهيكل القرار والمسؤولية وفي نوعية ما كان مناط بهم من مسؤوليات وفي درجة خطورة الحوادث تلك ومدى إصابتها لمصالح الشعب الفلسطيني ودرجة التهديد لها على هذا الوضع  !.

وأما الطامة الكبرى فهي أن لا يكون هناك أصلا علاج لا بهدوء ولا بعنف وأن تبقى الأحوال سائرة والرّب يرعاها ، وأن تكون نسبة هؤلاء المؤمنين بضرورة النظافة إما قد أصابها (سارس)  انقراضي أو أن لا تكون قد عادت حتى راغبة بهذه المعالجات لسبب أو لآخر ، أو أن تكون قد فقد قدرتها أصلا على العلاج أو فقدت توازنها ، وكل ذلك متوقع مثلما ما هو متوقع أكثر منه حلاكة وقسوة وقتامة طالما لم نلمس علاجا لا بطيئا ولا سريعا وبقي الجرح نازفا ، والطامة الأطم أن تصمت فصائل العمل الوطني والإسلامي  إزاء ذلك صمت القبور .

فجعنا اليوم الموقف مثلما فجعنا الأمس بتخلي هذه الفصائل عن حملة دنيا الوطن وكنا نظن مطالبها هي مطالب كل فلسطيني غيور على مصلحة وطنه بذات الأولوية في سلّم برامجها الكفاحية ، فكيف يصلح أن تنهض إلى الدفاع عن حقوق هذا الشعب وانتزاعها من براثن أداة الهمجية الصهيونية قسرا وجانب من هذه الحقوق بين أيدي قطّاع طرق ولصوص عتاة ! وكيف سمحت هذه الفصائل لنفسها أن لا تكون أصلا بين أي من هؤلاء النفر الذين يصرّون على النظافة فورا وبدلا من ذلك أن تلبسهم بحالهم هذه شبهة أن يكونوا ممن ردعوا صغيرهم وتركوا كبيرهم .

 وبالعودة للعلاجات فإن أخطر أنواع العلاجات لمن لا زال يؤمن بالعلاج أن يعمد لترك الأمور إلى حين على قواعد التأجيل والترحيل بحيث لا يأتي هذا الزمان الموعود المؤجّل له ، وهو ما سيغري اللصوص بإتمام سرقاتهم طالما أن العواقب مؤجلة إلى حين ،  والغريب الأغرب  أن عقوبات ما في زمن ما في شأن ما  تأتي مسرعة على عجل إسراع التهوّر والتدهور في توافه الأمور – مع قناعتنا بأن كل خطأ في مصلحة هذا الوطن وهذا الشعب كبير مهما صغر – وخاصة إن كانت مثل هذه السرعة مطلوبة تحت محضر آخر لا شأن له بوطن ولا ما يحزنون وإنما هي تصفيات حسابات لمافيات ، بينما في عظيم الخطايا لا نرى غير مبدأ خليها على الله  وبتهون .

مثل هذه العلاجات يا سادة ليست علاجا ،  بل هي خياطة على الجرح النازف .........

 

 

 

إنجليزي

قصائد العمود

المواد تخضع لحماية الحقوق

قصائد السطر

جوائز