الوكسة ...!

 

غدا يكون يوم مماثل لليوم الذي أصبحت بعده قضية فلسطين تدور حول إزالة آثار العدوان وكنس الاحتلال وليس شطب شعب وبلد كامل من الخارطة الجغرافية نتيجة لانحدار الضمير العالمي إلى منتهى السقوط والعفن بصمته على وقبوله هذه الجريمة التاريخية التي لم  يمر عبر التاريخ لها مثيلا ، ولولا إرادة هذا الشعب الجبار العظيم لاختفت أيضا من الخارطة اليومية قضيته ولانتهت تماما ، بيد أن عظمة هذا الشعب الصابر المرابط وتضحيات أبنائه الأبرار المحجَّلين منع الثانية أن تحدث وحاصر الأولى لكي يدحرها إن عاجلا أو آجلا بما اختاره من دروب الشرف والكرامة والإباء .

 

اليوم تحاول الأدوات الإمبريالية والصهيونية أن تشطب الخارطة الإنسانية لهذا الشعب من خلال ما برزت تعلنه بكل وقاحة وغطرسة ضد هذه الخارطة الإنسانية الفلسطينية عبر ثلاث نقلات فقط ، الأولى نزع صفة المواطنة عن أبناء فلسطين المناضلين داخل فلسطين المحتلة وبالتالي تعريضهم لإرهاب من نوع جديد عبر إعلان أن هذا الكيان الصهيوني هو دولة لبني صهيون فقط ، والثاني إنكار حق عودة المشردين والملجَّئين وليس اللاجئين والمنزَّحين وليس النازحين الفلسطينين إلى فلسطينهم التاريخية الخالدة التي أرهبوا لمغادرتها عنوة وقسرا ، والثالثة عرض وظيفة محددة على من تبقى من الفلسطينيين في الأرض الفلسطينية وهي الحفاظ على أمن ومنعة دولة الكيان الصهيوني الغاصب وليسمى تجمُّعهم هذا ما يحلو للمطبلين والمزمرين والمغطيين أن يختاروه بدءا من فئة الدول على غرار جمهوريات موز الكابوي الإمبريالي ومرورا بالحكم المحلي كما يهوى شارون نفسه أن يقول وإن منعه ذلك خوفا من كشف الطبخة تلك أكثر مما هي مكشوفة ، هذا الإعلان هو إعلان الخيبة الجديدة في الأمة وإذا أطلق البعض على يوم 5 حزيران المشؤوم الفائت اسم النكسة فلهم أن يطلقوا على 5 حزيران غدا اسما آخر ربما مثلا " الوكسة " ، بيد أن هذه الوكسة ستكون هذه المرة للكابوي الإمبريالي وزبانيته .

 

تأملنا ملياً في مشهد من كان يجب على الأقل أن يحفظ كرامة من يقول بتمثيله من أبناء هذا الشعب العظيم في هذا الموقف ولو على الأقل بالكلمة والأداء ، لكن خابت ظنوننا كثيرا والسيد " مهمود أباس " كما ناداه بوش نفسه هذا الذي شكره عباس على تجشمه عناء السفر إليه ليشاهده وهو يمعن النظر في الكلمات المكتوبة أمامه خوفا من أن تطير ويا ليتها أوراقه طارت لكانت الريح في العقبة حفظت لنا شيئا من كرامة بدَّدها صاحبنا وهو يلهث يكاد نفسه ينقطع خلف هذه الكلمات مديناً ببساطة نضال عشرات السنين باسم الإرهاب الذي تكفَّل بالقضاء عليه كما تكفَّل يوما سعد حداد ومن بعده أنطوان لحد في شيء من هذا القبيل ومعلوم نتيجتهما ،  هذا بينما الإرهاب حوله متحفز شاخص في اثنين من صوره السوداء هما ثنائي الغطرسة شارون وبوش ، فجأة السيد عباس يورد ما لا ناقة لنا فيه ولا جمل ويتفهم عذابات اليهود وكأن شعب فلسطين هو المتسبب بها وعليه أن يتفهمها ويتحمل وزرها ، وفي المقابل تماما يدين النضال الوطني وبالتالي يلعن عذابات شعب فلسطين ويبررها بل لا يأتي حتى على جملة واحدة عن هذه العذابات وأصحابها في فلسطين ومخيمات العودة ، وهو نفسه الذي يصرّح بما كفر به مرة وعلنا باسم عسكرة الانتفاضة وكأن المقاتلين الفلسطينيين يجابهون بمدافع خراطيم الماء لا طائرات الأباتشي وقد اختاروا هذا الدفاع عن النفس بطريقة مرتجلة ، ويؤدي قسم الولاء لمنع كل ما يمت إلى شرف المقاومة بصلة بعد أن خلع نفسه مما كان يربط اسمه بهذا النضال ولو على سبيل الكنية ، وباختصار نطق شارون على لسان رئيس حكومة السلطة المجلوبة أي الحكومة لتنطق بهذا وتنفذ ما أراده الذين حرصوا عليه كما حرصوا على حصار قائد هذا الشعب المناضل ، وتكفَّل البوش بالباقي من إعلان صهيونية الكيان ووقوفه بحزم مع أمن هذا الكيان ضد الشعب المحتلة أرضه والمدمرة مقدراته والمثخن في أبنائه ليل نهار منكرا عليهم حتى مجرد دفاعهم عن أنفسهم وفق شريعة الغاب الجديدة التي تنفذها أدواته المادية ومبشريه الذين على شاكلته في احتقار كل ما هو إنساني والانحياز إلى طيش وبطش القوة المجردة دون وازع أو خلق أو ضمير ، باختصار صدق في حكومة السيد عباس قول ذلك الأعرابي " لا هنك أنقيت ولا ماءك أبقيت ".

 

شارون المتغطرس تماما وقف كما هو متوقع ليغتصب في القول كما الفعل فلسطين ومكررا ذات المقولات الكاذبة بحقوق في أرض فلسطين على قاعدة أوهام عنصرية حقودة مصنوعة في التلمود المزوّر ولا ندري لماذا إن قال صاحب الحق بحقه الراسخ في فلسطين انفجرت في وجهه أدوات الصهاينة الإعلامية والفكرية ومرتزقتهما دون هوادة بينما تمرِّر وتسمح مكاييلهم الخائبة الخاسرة بتمرير هذا دون حتى إشارة وكأنه مما لا يستحق الوقوف عنده ، شارون هذا الذي بشرنا المنساقون هوىً خلف غيرهم من الأدوات بأنه قد تنازل وسيتنازل يؤكد أن لا تنازل إطلاقا وأنه لا يود حكم الفلسطينيين فليحكموا أنفسهم وليسموا تجمعهم هذا دولة ولتمد شوارع بين تجمعاتهم إنما لا سيادة ولا عودة ولا حقوق ولا تنازل ولا اعتراف بجريمة الصهاينة وتحملهم مسؤولية احتلالهم كما اغتصابهم ، بل يقف ليقول بوضوح أن شأن عدد من العربات الاستيطانية والاستيطان بالمطلق هو شأن داخلي مرتبط بشهوة حكومته الصهيونية لا أكثر ولا أقل وبالتالي هي ليست مما هو شأن القانون الدولي الذي غنانا حوله مطربو الثقة بالإمبريالية وأصواتهم النشاز ، هذا هو شارون كما هو يغتصب حقا وينكر مسؤولية وزاد فيه اليوم أنه يوظف من بين جلدتنا من يقوم بدور سحق المقاومة ولعن دماء الشهداء والسكوت عن حق العودة والتنظير لشطب نصف موروث هذا الشعب الثقافي والإيماني والخلقي بل والإنساني من خلال التنكّر لحق الدفاع عن النفس أمام العدوان السافر ، وحينما تقومون بكل ذلك فسننظر إلى معروضكم بتخفيف ضربنا لكم بدلا من الأباتشي نكتفي بالميركافا هذا هو شارون وغلاة صهاينته من معه ومن أوصلهم إلى بيت أمريكا عبر لوبياته الصهيونية المتعددة.

 

شارون لم يتغير ولن يتغير إلا تحت وقع ضربات المقاومة لأن هذه هي اللغة الوحيدة التي هو قابل لفهمها وسماعها وكذلك سياسيو وعسكريو هذا الكيان الذين فروا أمام ضربات المقاومة اللبنانية يوما وسيفرون حتما أمام ضربات الانتفاضة المجيدة قريبا ، هذه هي اللغة التي على الأقل أجبرته أن يتنازل قليلا ويسمع من يطرب على ألحان مهرَّبة بشق الأنفس إلى الأسماع الملتاعة حتى تتأكد من أنها لديها الغطاء على ما ستمارس ولو من قبيل الفضفاض من الخرق المرقَّعة بحيث لا تبقيهم عراة تماما وجاء إلى هناك فقط نتيجة لفضل المقاومة والانتفاضة ، بالأمس وقف أبو القسام الأخ المناضل وأسير الحرية مروان البرغوثي  في قفص معدني أريد له أن يعمل عمل قفص اتهام ولكنه أوقف من يقوم بمسرحية محاكمته وكيان هؤلاء الممثلين في قفص الاتهام الحقيقي واظهر لهم حجم بشاعتهم واستكثروا عليه أن يدرس إمكانية الوقوف للشهادة من عدمها أمامهم ولكنه كما نعرفه تماما صلدا أصرَّ على حقه وخاطبهم كما يجب أن يخاطبوا : أنكم محتلون وأن شارونكم سيعلن غدا أنه سينهي الاحتلال آجلا أم عاجلا وسيقبل الدولة الفلسطينية ، شارون هذا نعم قال أنه يقبل دولة ولم يحدد إلا وظيفتها ولكنه أبى أن يعترف باحتلاله بل أصرَّ في المقابل على الوعد المكذوب بفلسطين المغتصبة ، وأتمنى على أبي القسام بعد هذا أن لا يفعل ويبقيهم كما هم في قفصهم وسيخرج إلى حريته هو وباقي أسرى الحرية التي نحرت قضيتهم كما نحرت قضية حق العودة في المشهد "الشاروبوشي" الأخير.

 

وإذا كان هذا هو المشهد بحذافيره فإن الرد على هذه الكوميديا السوداء الخارقة أولا وقبل كل شيء هو مهمة كتائب شهداء الأقصى قبل غيرها من فصائل المقاومة مع أول اجتياح متوقع من قبل آلة القتل الصهيونية ، وعلى من يراهن على سقوط المقاومة اليوم أن يرى برنامجها الفعلي والسريع دون تأخير وذلك من خلال بيان موحد لكل الفصائل وقوى جماهير شعبنا المناضلة يضع في اعتباره هذه المرحلة الجديدة على حقوق شعبنا ومكتسباته النضالية ، لا بد من برنامج وطني شامل يقف منتبها ومجابها لكل من تسوّل له نفسه أن يبيعنا الأماني الصهيونية عبر دماء مناضلينا ، ولا بد هذه المرة من أن يأتي جواب جماهير الشعب الفلسطيني في داخل الخط الأخضر واضحا جليا وقويا أمام إعلان شارون والتزام بوش بصهيونية الكيان ووعيدهم بنزع مكتسبات نضالهم الخاص عبر السنين ، لقد أصبحت الآن العناوين التي يجري تسويق المنكر القادم على ضوئها أكثر شفافية بحيث لم تعد تحفل حتى بالغطاء المرقّع ، إن ترك جهة ما أو فصيلا ما في مواجهة استحقاقات الرفض الوطني لهذا الإعلان هو ذاته المدخل إلى أسوأ ما يُراد أن يمرر في الساحة مدخلا لحرب أهلية ، لتكن هذه الوقفة شاملة تامة عبر الأطر والفعاليات الجماهيرية والشعبية أيضا من خلال رفض بندقة البندقية الوطنية الفلسطينية التي أبوها وأمها شرعيان بالكامل ومن يخرج عليها وعلى حقها المشروع هو وحده الذي يصدر شهادة خروجه من الجسد الفلسطيني للأبد.

 

إن المتوقع هو ليس أن تقوم فصائل المقاومة بالمبادرة إلى ما سوف يجتهد من يحب دائما الاصطياد في المياه العكرة التي يصنعها بنفسه في تفسيرها واستخدامها أداة تغطية على نواياه الشريرة من خلال عمليات استشهادية اليوم أو غدا ، لا بل المطلوب هو أن تكون هذه البندقية حاضرة متنبهة مع أول اجتياح صهيوني متوقع في ذات الوقت الذي تجري فيه عملية سياسية طارئة تعلن بصوت عالٍ وواضح أن الخلل كلِّ الخلل في الاحتلال وممارساته وما ينتج عنه من دمار ومآسي يومية وليس في مقاومة هذا الاحتلال ، وأن الحل الحقيقي لمن يريد أن ينجز شيئا فعليا يصحح به جزءا من خطاياه السابقة يكمن في كشف هذا الخلل وتعريته والعمل على إزالته وليس التستر عليه والمطالبة بتكريسه والإمعان في إطلاق العنان له حتى النهاية ، وإذا كان الهدف من هذا المشهد هو تدشين مهمة حكومة السلطة بهذه البنود وفي أثناء ذلك عبور جداول وأجندات خاصة هنا وهناك تتعلق بانتخابات ووعود ومفاوضات تستمر عشرات السنيين حسب تعويذة شامير التي يتقنها شارون ، فإن هذا المشهد ذاته هو الذي أنهى كلَّ ما كان يُحاولُ فيه أن يكون ستارا وطعما هو ذاته المشهد الذي يجب أن تبُنى اليوم على أساس ما ظهر فيه استراتيجية المقاومة الفلسطينية وجبهاتها المتعددة ، ويبقى بعد ذلك كلِّه سؤال واحد فقط ما الذي يمنع حجب الثقة من المجلس التشريعي اليوم عن هكذا حكومة وهكذا برنامج  وضحت خيبة رهاناته من اللحظة الأولى ؟! لا يا حكومة عباس ليست الانتفاضة ولا عسكرتها هي أصل المصائب وليست إرهابا ولا في بندقية شعبنا ونضاله وشهدائه وجرحاه وأسراه ما يُعتذر عنه ولا يٌدان هكذا وملعون ابو الدولة الموعودة تلك إذا كانت على هيئة ممرات مسكونة ببنادق مأجورة لحماية قوافل الصهاينة هنا وهناك بلا كرامة ولا سيادة ولا حقوق وكما أوهمنا ربما ذات الطاقم يوما عقب أسلو بأن القضايا الكبرى من القدس إلى الاستيطان إلى اللاجئين مؤجلة لمرحلة لاحقة يحاول البعض أن يلعب ذات الألعاب وعلى ذات الطريقة للإيهام بأن " خربطة الطريق " أمام المقاومة هدفها الحالي هو إعادة التهيئة للقضايا التفاوضية وكأن الانتفاضة كانت من أجل تحسين شروط تفاوض رفضها قائد هذا الشعب المحاصر اليوم بمكتبه رفضاً باتاً وقيل له سترى ، واليوم حتى لا تكون وكسة يجب أن نقول لهم سترون ونستشهد مرة أخرى بأغنية من أدبيات الثورة الفلسطينية الخالدة " واللي يحبك فلسطين ما تفارق يده زناده " .

 

 

أيمن اللبدي

4/6/2003