تواصل دراسات أوراق حوارات مقالات

نشاطات

مجموعات مواقع إصدارات بطاقة

 

حوار نعم ..حوار لا !

 علّمتنا تلكَ التي ما هتف أبناؤها لغيرها كثيراً من الدروس ، تلك الدروس الخالدة  العظيمة والتي يحسنُ الوقوف ببعضها من آن ٍلآخر نظراً لأهمية دروسها وأهمية نتائج اختباراتها حيث هي خلاصة التجارب الطويلة الأليمة عبر تاريخ كفاح شعبنا الوطني الفلسطيني مما يجعلها أي هذه الدروس كنزاً معرفياً ونضالياً كبيراً ، وأما أهم هذه الدروس اليوم فهو درس الحوار الوطني وقدسيته التي لا شكَّ فيها ولا إمكانية للقفز عنها مهما كانت الظروف والأحوال ، وقد استحقت المعلمة أن يهتف لها أبناؤها دوماً مثلما أبناءُ شعبها المناضل طالما أنها هي الموصوفة بصانعة العزة والكرامة منذُ تفجَّرت والموسومة بفاتحة طريق العودة إلى فلسطين حيث انطلقت وأطلقت  معها البشرى ونهضت إلى هذه المهمة الوطنية الجسيمة والتاريخية ، وهي إذ علمتنا ذلك كانت في ذات الوقت تعلمنا أن فلسطين وشعبها هما ذات القاسم وذات المحدد في المعادلة النضالية وأن لا فرق بينهما أبداً ، وأنَّ  كليهما معا شكّلا دوما البوصلة الوحيدة التي تتجه إلى حيث مصلحتهما الوطنية الخالصة معا في كلِّ ظرف وفي كل مكان ، والثابت أيضاً أنه ما انفكت هذه العلاقة الراسخة فارضةً نفسها على كلِّ من اختار هذا الهتاف َومن ناصرهُ ومن طربَ له من أبناء الشعب الفلسطيني وأبناء العروبة وطبعا لن يفوتنا الإشارة ( شاء من شاء وأبى من أبى) ، ولكنَّ البعض ممن ظنَّ  وباجتهادٍ  خاطئ  في الآونة الأخيرة أن هناك مجالاً  يسمح لظنونه أن تأخذه بعيداً ولو بضعة سنتي مترات عن خط ِّ هذه الحقيقة الراسخة معللاً ذلك بأنه هامش الممكن تكتيكا بالسير في موازاة الخط الرئيس للوصول لاحقا للتطابق مع هذا الخط في قادم ٍ من هذا الممكن  ذاته ِ وذلك طبعا تعليلاً وتبريراً ،  قد نسي كثيراً من هذه الدروس أو تناساها قصداً رغم أنه كان ممن حسب يوماً على هؤلاء الهاتفين من الأبناء ونذكِّره اليوم حيث فاته أمر الحكمة والقاعدة المطلقة والقائلة بأنه لا اجتهاد في موضع الدرس الثابت ولو كان من أعلى الهاتفين صوتاً وأعلاهم جلبةً وصخبا في يوم من الأيام .

 وهذا الحوار أي الحوار الوطني الفلسطيني ليس فقط هو صمام الأمان المؤدي إلى الحفاظ على واحد من أهم شروط منعة وعافية الكفاح الوطني الفلسطيني حيث تتحقق به الوحدة الوطنية والتي وصفها مرة الشهيد الرمز القائد خليل الوزير بالسلاح الأقوى وبشرط الانتصار العظيم ، بل هو أيضا الطريق الوحيد المصمَّم للحفاظ على أن تبقى حركة التحرير الوطني الفلسطيني هي ذات الحركة وليس شيئا آخر غيرها  استخلاصاً من دروسها ، فهي شرط لنضال شعبنا كما نضالها  هي وفي ذات الوقت شرط لكينونتها في مستوىً آخر باعتبارها بوتقة صهر العمل الوطني وعمود الحركة الوطنية والثورة الفقري ، وعليه فلو لم تدعُ  فصائل العمل الوطني والإسلامي  يوما إلى هذا الحوار ولم تحرص عليه لوجب أن تدعو إليه هي وتؤكد عليه بل وتصرُّ عليه قبل غيرها كي تبقى هي ذاتها وليسَ صوراً أخرى ملتبسة عنها  ، ومن هنا فإن مسألة الحوار تصبح ليس فقط جزءا من الممارسة الوطنية السليمة ولا هي إحدى أهم مرتكزات العمل الكفاحي ولا هي أحد أهم الشروط لتحصين المناعة الوطنية وتحقيق الوحدة فقط ، بل هي أهم ما يميز  دعائم كينونة هذه الحركة نفسها ويؤكد بقاءها على ذات المكونات والأسس والتطابق مع النسيج الفتحاوي الأصيل مهما تبدَّل في الأسماء والمسميات فهي ركن ركين وعماد أساس من أعمدتها الرئيسة كما نعرف عنها .

 قبل أن نصل إلى درس الحوار هذا  لفتنا أن الأخ الرئيس أبو عمار اختار أن يقوم بتحميل نفسه شخصيا تبعة إنقاذ حكومة عباس من خلال ما حاول أن يفرده لها من مبررات  متصدياً أمام الهبة العنيفة والتي انفجرت لخطأها القاتل ودليل هذا السقوط الواضح من خطابها في العقبة ، بالقول أنه لم يُسمح للسيد عباس بإكمال خطابه ! حسنا يا أبو عمار نفهم قطعا ما أملاه الموقف عليك لهذا الدور ولكن إذا كان لم يسمح للسيد عباس أن يكمل خطابه في العقبة فما الذي يمنعه أن يصدر بيانا من حيث كان ليوضِّح ذلك لأبناء الشعب الفلسطيني كافة  يا ختيار ؟ وإذا كان قد تعذَّر ذلك هناك فما الذي يمنعه أن يكمل خطابه على مهله من خلال فضائية فلسطين أو من خلال وزير إعلامه الفذ اليوم مثلا ؟! ، طبعا لا إجابة بعد خاصة وأنه في الوقت الذي انبرى الرئيس أبو عمار ليجد مخرجا لهذه الحكومة حتى تتراجع قامت هي من حيث سرَّبت حجة أخرى بزيادة الطين بلة وبدل أن تكحلها عورت عيونها ، حيث الطرفة الأخرى التي سمعناها من حكومة عباس تقول بأن شارون هذا قد خدع الحكومة العتيدة بأن تجاوز الاتفاق الذي كان يقضي بأن تكون الكلمة حول التزامات الأطراف وليس حول مطالبها وقد مرت هذه الخدعة بحيث قدَّم هو مطالبه بينما سلَّمت حكومة السلطة بنواياها الحسنة تبعا لهذا الاتفاق  المزعوم وجراء الخدعة تلك التزاماتها على الملأ  وأمام العالم كلِّه عبر الخطاب !!  و لو تم ذلك وسلمنا به فهو دليل آخر على فشلٍ  من نوع مميز لهذه الحكومة إذ بذلك يكون قد  تم خداعها حتى قبل الدخول إلى التنفيذ ، فكيف يمكن ضمان عدم حدوث ذلك أثناء التنفيذ نفسه ؟  هذا من جهة ثمَّ ما طبيعة هذه الالتزامات إن كانت هي ما أعلن عنه فإن الخدعة هذه لا تنفي طبيعة ما نتحدث عنه هنا أم أن الخدعة أيضا قد جرت على الالتزامات ونوعيتها ؟!  ولو عدنا إلى  ما دافع به الأخ الرئيس بقوله إنه لم يجر إعطاء الفرصة لإكمال الخطاب فإننا نشكر الله على عدم إعطاء هذه الفرصة لأنه لو تم ذلك وكانت هذه هي خدعة شارون فلا نعلم ماذا تبقى في التزامات حكومة السلطة في الباقي من الخطاب ولم  يعلن لأنه تم الطلب بالاكتفاء فقط بما قيل وسمعناه ؟! باختصار ليس وراء الأكمة ما وراءها بل إن الأكمة تلك قد طارت وقال من وراءها خذوني. 

في موقف حركة حماس من مقاطعة الحوار مع حكومة السلطة الوطنية مع التزامها كما اتضح بمتابعة الحوار عبر الأطر الحوارية الفصائلية ما يعذرها سيما وأنها دفعت بهذا الموقف براءة في وجه السقوط المدوي والذي أتى عقب ونتيجةً للاختبار الأول في أداء هذه الحكومة من خلال ما قدَّم وزيرها الأول السيد عباس من خطاب في مؤتمر البحر الأحمر " العقبة " مؤخرا وبشكل واضح جلي دون غموض بحيث لم يكن هناك ما يبقي أمامها متسعا من الوقت حتى تستمع إلى إيضاحات الحكومة لاحقا وهي طبعا التي تترجم إلى تبريراتها هنا كما يمكن لفتح أن تفعل وتؤخِّر موقفها ، وأما من جهة أخرى فإن حركة حماس أو حركة الجهاد أو أيا من الجبهات والفصائل الفلسطينية ستكون أيضا معذورة لو اتخذت ذات الموقف من مسألة حوار حكومة السلطة إذ إن الحوار مع حكومة السلطة هو حوار تالي أساساً ويأتي عقب  تحقيق استراتيجية واحدة وفق برنامج الحد الأدنى الوطني أولا على مستوى الفصائل التي هي الشرعية الثابتة الوحيدة للشعب الفلسطيني قبل حكومة السلطة ومؤسساتها ، فالبندقية الفلسطينية هي منجزة المؤسسات وليس العكس منذ منظمة التحرير المنجزة أصلا عبر النظام العربي الرسمي في حينه وحتى تاريخه ، والبندقية الفلسطينية تلك التي يراد اليوم جمعها بأبخس الأثمان وبأخسِّ الطرق من خلال تثمينها ماديا وأمام العالم حتى تصبح التهمة التالية ضد النضال الوطني إضافة إلى ما تفضلت حكومة السلطة مؤخرا بإلقاء شبهة الإرهاب عليه من خلال الخطاب سيئ الذكر  تهمة وبصمة الارتزاق من خلال هذا الاقتراح الخسيس والذي لم يدخل في ظننا نسبة شك أن مصدره الملهم لن يكون خارجا عن دوائر الصهاينة وأدواتها الموحية بمثل هذه الأطروحات التصفوية اللئيمة والانتهازية حتى النخاع.

 إن الحوار الرئيس هو حوار البنادق وحامليها في الميدان سياسيا وفعليا وأما الحوار التالي أي الثانوي فهو ذلك الكائن مع حكومة للسلطة سواء هذه أو ما سيتلوها ما دامت على ذات الصفة وحتى الوصول إلى الدولة المستقلة التامة السيادة بمؤسساتها الحرة والممارسة للديموقراطية التامة وحكومتها الشرعية الممثلة لدولة فلسطين العربية الحرة ، أما طالما بقيت هذه الحكومات منبثقة عن صبغتها الجزئية باعتبارها جاءت من رحم تجربة موضعية لجزء من فئات شعبنا الفلسطيني وهم أبناء الضفة الفلسطينية وقطاع غزة في أفضل الظروف ضمن مشروع إقامة هذه الدولة فستبقى ناقصة الشرعية وناقصة التمثيل كما ناقصة الأهلية أصلا لتكون طرفا في حوار على قدم المساواة مع محاوريها الحاليين من الفصائل والقوى المناضلة ، وعليه فإن دورها أي حكومات السلطة هو أن تصدع للبرنامج الوطني الفلسطيني المنجز عبر حوار الفصائل والبندقية وأن تنفذ ذلك بمنتهى الدقة لأنها لن تكون إلا أداة ً تنفيذية محض وبالتالي فإنه لا حق للسيد عباس أن يمتعنا مؤخرا  بالحديث عن عدم رغبته في لقاء حماس حتى لو طلبت ذلك قبل أن يعود فيعدل عن هذا إلى الاتهام لحماس بأنها إن رفضت الحوار مع حكومة السلطة فإنها تسعى إلى الحرب الأهلية عبر هذا الرفض  وهو موقف غريب وتفسير أغرب خاصة وأنه قد فات هذا الأخير أن الحوار الحقيقي قد أنجزته هذه الفصائل مجتمعة وصدر بيانها وخرجت عملياتها المشتركة لتصنع وثيقة الرد الحاسم على هذه الأوهام ، ثم عن أي حرب أهلية يتحدث الوزير الأول عباس ووزير إعلامه المفوّه ووزير الدولة لشؤون جمع الأسلحة هذا ومن هي أطراف هذه الحرب الأهلية إذا كانت كلُّ الفصائل وكلُّ أبناء الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات جاء صوته موحداً برفض الخيبة التي حصدها أنصار ومؤيدو التبريد " الأمن – اقتصادي"  بحجج وتبريرات واهية ؟ ؟ إن كان يظن ذلك فليطمئن مطولا لأنه لا حرب أهلية ولا ما يحزنون فقد وضحت الرؤيا جلية وقطع شعبنا من مخيم برج البراجنة أمس عبر شاشة إحدى الفضائيات وعبر بيانات وعمليات الفصائل اليوم الطريق على فزاعة الحرب الأهلية التي لم ولن يكون لها وجود على الإطلاق طالما بقي شعبنا على هذا الوعي وهذا التصميم ، ونحن قطعا لن نتوقع في هذا المجال أن هؤلاء  قد  يقصدون  حرباً أهلية طرفها الشعب الفلسطيني والطرف المقابل حكومة الكيان الصهيوني وبعضاً من مرتزقة هذا التيار الذي وصل إلى الدرك الأسفل من القبح والإفلاس .

 في مسألة الحوار يبقى نقطة واحدة إن حوار الفصائل بعد إتمامه لا بد من أن يجد طريقه عبر القيادة الفلسطينية ومؤسسات منظمة التحرير والتي هي وحدها المخولة من أبناء الشعب الفلسطيني بمراقبة أداء حكومة السلطة حواراً وتنفيذا ، والحوار مع حكومة السلطة سيكون حورا وليس خوارا ولن يكون مثلا إن ظنته حول ثمن قطعة سلاح المقاومة ولا حول متى نقدم لشارون رايتنا البيضاء ولا كيف نمكن للسيد دحلان من تدريب عناصر الأمن الوطني لدى الاستخبارات الصهيونية للقيام بمهمات  تطلبها هذه الجهات المدربة ولا كيف نؤجر البندقية الرسمية في السلطة ولا كيف نحمي المستوطنة الفلانية ولا كيف نقدِّم لشارون ما عجز عن انتزاعه حتى الساعة ، بل سيكون الحوار كيف تقوم حكومة السلطة بتبني الخطة التنفيذية لإجماع القوى الوطنية والفصائل وكيف تنفذ هذا البرنامج على الأرض فعلا وما مدى نجاحها في ذلك .

  قبل الختام  نود لو تفضَّلت الحكومة العتيدة  فوراً وكما حرصت على نفي قيام محمد دحلانها بعرض شراء أسلحة كتائب الأقصى وتكذيب الكتائب لهذا النفي مؤخرا وتأكيد الخبرذاته مرة أخرى ، نود لو تفضَّلت وعقبت سواء بتأكيد  أو بنفي لتصريح أولمرت الأخير بأن عدداً من الوزراء قد أكد لهم أن الرئيس عرفات لن يكون له تأثير بعد عام من تاريخ  لقاء العقبة ،  ونود لو عرفنا من هم هؤلاء الوزراء الذين فيما يبدو قد استلموا أو سلموا أنفسهم مهمة جديدة هذه المرة هي ضد القيادة الفلسطينية ذاتها التي فعلت حسنا كتائب الأقصى بإدراج مسألة فك الحصار عنها ضمن أول المطلوبات الفلسطينية راهنا .

 أيمن اللبدي

8/6/2003

 

 

 

إنجليزي

قصائد العمود

المواد تخضع لحماية الحقوق

قصائد السطر

جوائز