ما بعد المباراة | سر كرواتيا، ومحاولات دل بوسكي الفاشلة


كتب | أحمد عطا

فجّرت كرواتيا مفاجأة كبيرة وذلك بعد أن أقصت إسبانيا من صدارة المجموعة الرابعة إثر فوزها عليها بهدفين لهدف في المباراة التي جمعت بين الفريقين ضمن مباريات الجولة الأخيرة من دور المجموعات من يورو 2016 المقامة على الملاعب الفرنسية.

لنرى تحليل جول لهذا اللقاء.

 

 

استغنى أنتي شاشيتش عن خدمات أكثر من لاعب من التشكيلة الأساسية إما اضطراريًا أو اختياريًا لكن ذلك لم يفت في عضد المنتخب الكرواتي الذي ظهر قويًا جدًا من بعد الدقيقة 20 بل وتفوق في بعض الفترات غير القليلة على نظيره الإسباني.

اللافت للنظر أن من اشتركوا من البدلاء ربما قدموا أداءً أفضل مما يقدمه الأساسيون، فعلى سبيل المثال قدم قلب دفاع ليفركوزن يدفاي مباراة كبيرة وامتاز بشدة بالهدوء الكبير ورباطة الجأش رغم أنها مباراته الأولى في البطولة ورغم سنه الذي لم يتجاوز الـ20 ربيعًا، بينما كان نيكولا كالينيتش أفضل كثيرًا من ماندجوكيتش في حين كان الجناح الأيمن بياتشا أحد أفضل لاعبي المباراة وتفوق بشدة على المستوى الذي قدمه بروزوفيتش.

■ بجانب العامل البدني الممتاز في المنتخب الكرواتي، كانت نقطة قوة البلد البلقاني هي الأطراف خاصة ذلك الطرف الذي يشغله داريو سرنا ومن أمامه بياتشا والذي أجهد جوردي ألبا كثيرًا ومن أمامه أندريس إنيستا الذي تم استنفاذه بدنيًا سواء على المستوى الدفاعي أو الهجومي وهو الأمر الذي سنستعرضه خلال الحديث عن منتخب إسبانيا.

في الجانب الأيسر، صحيح إن ظهير كرواتيا فيرساليكو ليس مميزًا هجوميًا خصوصًا مع لعبه بقدمه اليمنى إلا أن رجل المباراة في نظري إيفان بيرشيتش كان كفيلًا بخلق جبهة مرعبة أخرى للكروات، وكان قادرًا تمامًا على أن يقلق مضاجع خوان فران وسيسك فابريجاس بفضل مهارته الكبيرة جدًا ولعبه بكلتا القدمين وإجادته المراوغة في مساحات غاية في الضيق.

■ لم تحاول كرواتيا مناطحة إسبانيا في قلب الوسط .. لم تحاول الهجوم من الوسط بل كان إيفان راكيتيتش طُعمًا للاعبي إسبانيا في الوقت الذي يشكل فيه الفريق خطورة كبيرة من الأطراف.

كان هذا أيضًا بسبب تركيز الكروات على إغلاق جميع منافذ الوسط وتوفير مجهود لاعبي الارتكاز للواجب الدفاعي .. بادلي كعادته يقوم بالتغطية على الجميع بينما للمرة الثانية في البطولة يتم وضع رقابة لصيقة على أندريس إنيستا .. نجح فيها توفان لاعب وسط تركيا لحوالي نصف ساعة قبل أن ينهار بدنيًا ونفسيًا فيما كان لاعب وسط كرواتيا ماركو روج صامدًا طوال المباراة واستطاع أن يحد كثيرًا من خطورة إنيستا.

الأمر كان أشبه بما يقوم به المدربون في لعبة كرة اليد عندما يضعون رقابة على أحد نجوم الفريق المنافس في محاولة لإخراجه من اللعبة وقد أجاد روج الأمر بشكل كبير في رأيي.

هذا الأمر ربما خفف أيضًا من وطأة غياب لوكا مودريتش، فلعب الكروات على الأطراف يحتاج دورًا أقل نوعًا ما من مودريتش مما يفرضه اللعب من العمق، كما أنه بالأساس غياب مودريتش ربما ساعد إيجابيًا في فكرة فرض الرقابة اللصيقة على إنيستا .. لا يعني هذا التفلسف والقول إن كرواتيا لم تحتج مودريتش لكن فقط يمكن استنباط بعض الإيجابيات من غيابه وكذلك استبناط لماذا ركزت كرواتيا أكثر على الأطراف..

■ فرض داريو سرنا نفسه كأحد نجوم اللقاء لعدة اعتبارات .. أولًا لم يسمح لإسبانيا باستغلال أحد مفاتيحها وهو جوردي ألبا الذي يجيد لعبة استلام البينيات بين قلب الدفاع وظهير المنافس الأيمن، وثانيًا بمجهوده الهجومي الكبير، وثالثًا بسبب قوته الذهنية الكبيرة التي تجعله لا يكون منهزمًا نفسيًا أمام الإسبان .. تلاحظ ذلك في إصراره على الاختراق حتى وهو وحده من الجانب الأيمن وعدم رجوعه الكثير بالكرة فقط لإبعاد اللوم عنه بفقدانها، كما أنه يجيد الألعاب الفرعية في كرة القدم كالضغط على الحكم عندما ذهب ليذكره بركلة الجزاء غير المحتسبة لكرواتيا وإشعار الحكم بأنه ظلم الكروات كما أنه لم يكن كالبقية فقط يفكر في كيف سيكون الحال بعد أن تتقدم إسبانيا بركلة جزاء راموس بل ذهب لمودريتش وحاول معرفة كيف يفضل راموس التسديد .. كلها لقطات مهمة لهذا الظهير الرائع.

  

بدأت إسبانيا المباراة بقوة كبيرة .. تجانس وسرعة وتحركات بالجملة من لاعبي الوسط والأطراف كفلت للفريق إرباك الكرواتيين .. نجح الماتادور في التسجيل وهدد المرمى في أكثر من كرة أخرى.

فجأة بدا وأن الأمور تغيرت كثيرًا .. مزيج من استعادة التركيز من الكرواتيين والتراخي والعودة للرتابة من الإسبان أفضى إلى نصف شوط أول مليء بالندية والفرص وتوج بهدف العودة للتعادل من كرواتيا.

■ الكثير من الأمور آلت إلى هذا التبدل في المستوى الإسباني أولها أن مجهود دافيد سيلفا قل جدًا في الشوط الثاني بعد أن كان هو أفضل لاعبي فريقه في الشوط الأول بفضل تحركاته الرائعة من الطرف (كونه على الورق جناحًا أيمن) إلى العمق خلف المنطقة التي يلعب فيها بيرشيتش والتي لا يستطيع بادلي تغطيتها وحده لأنه مشغول كذلك برقابة أي تحركات من الوسط.

فالكروات كانوا يميلون بوسط ملعبهم الدفاعي تجاه الناحية اليمنى بسبب رقابة روج لإنيستا لكن مع تراجع المردود البدني لسيلفا بدأت كرواتيا في إحكام قبضتها على المساحات أمام منطقة جزائها ومع إيقاف سرنا لجبهة جوردي ألبا بدا وأن الإسبان عاجزين هجوميًا في جل فترات الشوط الثاني.

المشكلة أيضًا كانت في ثمة ترتيب هجومي سيء في رأيي من جانب دل بوسكي .. من الجميل أن يبدأ سيرجيو بوسكيتس الهجمة بين قلبي الدفاع في محاولة لتصعيد الظهيرين لأقصى مكان ممكن بدون المخاطرة في الجانب الخلفي، لكن أن يستمر هذا الأمر طوال الهجمة فهو أمر يجرد إسبانيا من أهم نقاط خطورتها وهي الرابطة القوية التي تجمع بين ثلاثي خط الوسط.

ومع بعد بوسكيتس عن صناعة اللعب بشكل كبير ووقوفه إلى جانب راموس وبيكي، ورقابة روج على إنيستا، بات سيسك فابريجاس وحيدًا في خط الوسط يحاول وحده كسر رابطة قوية تجمع راكيتيتش مع الثنائي خلف بادلي وروج وهو ما كان مستحيلًا في أغلب الأوقات وجعل إسبانيا تلجأ للأطراف كثيرًا وهي التي كانت مغلقة بشكل كبير في جانب سرنا بينما كانت تجد بعض المساحات في جبهة فيرساليكو الذي لم يكن بنفس شراسة سرنا.

تكمن هنا فداحة ما قام به بيدرو رودريجيز بعد اعتراضه على عدم اشتراكه باستمرار واضطرار دل بوسكي إلى عدم الاعتماد عليه عقابًا على تصريحاته، لأنه بمجرد وضوح انخفاض مستوى نوليتو وعدم قدرته على فتح جبهة، باتت إسبانيا بين شقي الرحى.

■ هنا جاءت محاولة دل بوسكي لتحريك الأمور، فقام بإخراج نوليتو وإشراك برونو سوريانو مع نقل إنيستا إلى الجهة اليمنى أملًا في إعطائه نفس للتمرير ومع تقديم فابريجاس للأمام ليكون رأس مثلث بين سيلفا وموراتا ومن بعده أدوريث.

لم يفلح الأمر كثيرًا مع انخفاض المردود البدني لعدة لاعبين إسبان واحتياج إنيستا لتحركات أفضل في الجبهة اليمنى لكن ماذا عساه فاعل مع عجز ألبا ومع تعب سيلفا؟ ما زاد من الطين بلة هو شعور مدرب كرواتيا بأن دور روج قد انتهى بعد انتقال إنيستا إلى الجانب الأيمن ليشرك كوفاتشيتش الذي انتقل إلى الجبهة اليسرى ليمنح كرواتيا نفسًا إضافيًا في المنطقة الوحيدة التي يمكن وصف دفاع كرواتيا فيها بالضعف وبذلك تفوق شاشيتش في معركة العقول من الخارج.

■ على ذكر المردود البدني، أحد رؤوس مال المنتخب الإسباني في حسم المعركة البدنية لصالحه وإجهاد منافسه بوابل من التمريرات القصيرة .. اليوم لم تكسب إسبانيا المعركة البدنية بسبب الوقوف الجيد للاعبي كرواتيا وكذلك للياقتهم البدنية العالية أصلًا وهي نقطة قد تعاني منها إسبانيا في كل مرة تواجه فريقًا جيدًا على المستوى البدني.

■ اليوم كذلك وضح أن دفاع إسبانيا ليس بأفضل حال وأن فقط محافظته على شباكه عذراء في المباراتين السابقتين يرجع لفارق المستوى الهجومي للإسبان أمام تركيا والتشيك. خوان فران ليس في أفضل حالاته البدنية كما أن سيرخيو راموس كان بحالة سيئة جدًا خصوصًا في لقطة الهدف الكرواتي الأول. يُضاف إلى ذلك العقلية الإسبانية العجيبة في التعامل مع المباريات بعدم التفكير في اللعب بتحفظ نسبي في الدقائق الأخيرة، فلماذا يكون خوان فران مهاجمًا تاركًا بيرشيتش بهذه الطريقة في الدقائق الأخيرة؟ أمر يجيب عنه دل بوسكي الذي لا يتحرك تقريبًا لتوضيح مثل هذه الملاحظات

■ بقت نقطة أخيرة وهي الخاصة بسيرخيو راموس .. راموس كان سببًا واضحًا في الهدف الأول والحقيقة أنه قبل أن يضيع ركلة الجزاء كان قريبًا جدًا من أن يكون سببًا في ركلة جزاء لصالح منتخب كرواتيا إثر عرقلته لبياتشا وهي الركلة التي كانت على الأرجح ستتسبب في طرده للإنذار الثاني .. أعجبني حديث نبيل معلول عندما قال إنه ثمة وقتًا يفترض فيه أن ترضخ للكرة وأن تفهم أنه ليس يومك .. لكن راموس عاند ومن يعاند الكرة على الأرجح يخسر، حتى لو كان من علامة الجزاء التي سترسلك لمواجهة إيطاليا ثم ألمانيا ثم فرنسا.

  

PalestineOnline.Net

مقالات ذات صله